المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اللص التقي


صابرة
12-22-2015, 08:43 AM
(اللــصُّ الــتــقــي)
هذه قصة عجيبة ...
يخبرنا الشيخ
علي الطنطاوي رحمه الله
بأن في هذه القصة من الطرافة أكثر من المنفعة منها ، وهي واقعة يعرف أشخاصها وظروفها ..
فقال رحمه الله تعالى :
هي قصة شاب فيه تقى وفيه غفلة ، في آن واحد ....
طلبَ العلم ، حتى نال منه حظاً ،....
قال الشيخ له ولرفاقه :
لا تكونوا عالةً على الناس ، فإن العالم الذي يمدُّ يده إلى أبناء الدنيا لا يكون فيه خير ، فليذهب كل واحد منكم وليشتغل بالصنعة التي كان أبوه يشتغل بها ،
وليتق الله فيها .
وذهب الشاب إلى أمه فقال لها :
ما هي الصنعة التي كان أبي يشتغل بها ؟
فاضطربت المرأة وقالت : أبوك ذهب إلى رحمة الله ، فما لك وللصنعة التي كان يشتغل بها ؟
اذهب وتعلم أي صنعة ودعك من صنعة أبيك ..
فألح عليها وهي تتملَّص منه ، حتى إذا اضطرها إلى الكلام أخبرته وهي كارهة أن أباه كان لصاً .
فقال لها :
إن الشيخ أمرنا أن يشتغل كلٌّ بصنعة أبيه ويتقي الله فيها .
قالت الأم بحسرة : ويحك ! وهل في السرقة تقوى ؟ وكان في الولد
ـ كما قلت غفلة ـ فقال لها : هكذا قال الشيخ .
ثم ذهب فسأل وسأل وتابع السؤال ودرس وراقب والتقط الأخبار حتى عرف الطرق والوسائل التي يسرق بها اللصوص ،
فأعد عدة السرقة ، وصلى العشاء ، وانتظر حتى نام الناس ، وخرج ليشتغل بصنعة أبيه كما قال الشيخ .
فبدأ بدار جاره، ثم ذكر أن الشيخ قد أوصاه بالتقوى ، وليس من التقوى إيذاء الجار ، فتخطى هذه الدار .
ومر بأخرى فقال لنفسه : هذه دار أيتام ، والله حذَّر من أكل مال اليتيم .
ومازال يمشي حتى وصل إلى دار تاجر غني ليس له إلا بنت واحدة ،
ويعلم الناس أن عنده الأموال التي تزيد عن حاجته .
فقال : ها هنا ، وعالج الباب بالمفاتيح التي أعدها ففتح ودخل ، فوجد داراً واسعة وغرفاً كثيرة ، فجال فيها حتى اهتدى إلى مكان المال ، وفتح الصندوق فوجد من الذهب والفضة والنقد شيئاً كثيراً ، فهم بأخذه ،
ثم قال :
لا ، لقد أمرنا الشيخ بالتقوى ، ولعل هذا التاجر لم يؤد زكاة أمواله ، لنخرج الزكاة أولاً .
وأخذ الدفاتر وأشعل فانوسا صغيراً جاء به معه ، وراح يراجع الدفاتر ويحسب
ـ وكان ماهراً في الحساب خبيراً بإمساك الدفاتر ـ ، فأحصى الأموال وحسب زكاتها فأزاح مقدار الزكاة جانبا ، واستغرق في الحساب حتى مضت ساعات ،
فنظر فإذا هو الفجر ، فقال : تقوى الله تقضي بالصلاة
أولا ..
وخرج إلى صحن الدار ، فتوضَّأ من البركة وأقام الصلاة ، فسمع رب البيت ، فنظر فرأى عجباً ، فانوساً مضيئاً ، ورأى صندوق أمواله مفتوحاً ورجلاً يقيم الصلاة ..فقالت له امرأته :
ما هذا ؟
قال والله لا أدري !
ونزل إليه فقال :
ويلك من أنت وما هذا ؟
قال اللص :
الصلاة أولاً ثم الكلام ،
فتوضأْ ثم تقدمْ فصلِّ بنا ، فإن الإمامة لصاحب الدار !! فخاف صاحب الدار أن يكون معه سلاح ففعل ما أمره به ، والله أعلم كيف صلى !!
فلما قضيت الصلاة قال له أخبرني من أنت وما شأنك ؟ قال : لص .
قال : وما تصنع بدفاتري ؟ قال :
أحسب الزكاة التي لم تخرجها من ست سنين ، وقد حسبتها وفرزتها لتضعها في مصاريفها .
فكاد الرجل يُجَنُّ من العجب ، وقال له :
ويلك ، ما خبرك ؟
هل أنت مجنون ؟
فأخبره خبره كله .
فلما سمعه التاجر ورأى جمال صورته وضبط حسابه ، ذهب إلى امرأته فكلمها ، ثم رجع إليه فقال له :
ما رأيك لو زوجتك ابنتي وجعلتك كاتبا" وحاسبا"
عندي ، وأسكنتك أنت وأمك في داري ،
ثم جعلتك شريكي ؟
قال : أقبلُ .
وأصبح الصباح فدعي بالمأذون وبالشهود وعقد العقد !...
ليت للكثير منا فقه هذا اللص دون غفلته ، فالمشكلة أننا كثيرون الغفلة من غير تقوى .....
التقوى هي حصن حصين

:1: