المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الداعية الحي


Eng.Jordan
03-25-2012, 08:16 PM
إنه الداعية المتحرك في كل صوب، المتقن لدعوته في كل ثوب، إن كان في بيته فنعم العائل والمربي، فإن نزل الشارع وخالط الناس، وسعهم بدعوته، فإن ركب وسيلة مواصلات تناثرت بركات دعوته على من حوله من الركب، إذا دخل مصلحة لم يخرج منها إلا بغنيمة دعوية، نصيحة يسارّ بها موظفاً، أو موعظة يسمعها لسافرة، أو كلمة معروف يذكر بها من يقف معه في الطابور، إنه المبارك في حلِّه وترحاله، كالغيث أينما وقع نفع :
فلا مُزنةً وَدَقتْ ودْقَها ولا أرضاً أبقلت أبقـالها
قلب عامر وعقل يثابر، تقي حفي، نقيّ أبيّ، نفعه متعدّ، وخيره عامّ، يتجذر هداه في كلّ أرض أقام فيها، تنداح جحافل وعظه كالسيل العرم، تذهب بكل سدّ منيع جاثم على قلوب الغافلين، إذا قالَ أسمع، وإذا وعظ أخضع، دؤوب الخطو، بدهيّ التصرف، إذا اعترضته العوائق نظر إليها شزَراً، وقال: أقبِلي يا صعاب، أو لا تكوني، محمديّ الخُلق، صدِّيقي الإيمان، عُمَريّ الشكيمة، عثمانيّ الحياء، علويّ الصلابة، فَضلي العِبرة، حنبلي الإمامة، تيموي الثبات.
إنّ مظهره متناسق مع وظيفته السرمدية، هندام نظيف ومتواضع، وهيئة تقية، وإخبات غير متكلف، إذا رآه الخلق ذكروا الله تعالى .
وهو داعية متعالٍ على السفاسف، إنه لا يساوم الباعة، ويلحّ في خفض الأسعار، ولا يأنف في إماطة الأذى عن الطريق، يبتسم في وجوه الناس أجمعين، ويحفظ حشمته من نزق الطائشين، وسمود العابثين.
مستعدّ للدعوة في كلّ ميدان، إذا فتَّشت حقيبته وجدتها مليئة بالحلوى والكتيبات والهدايا الصغيرة غير المكلفة. يصطحب معه في سيره أشرطة الدعاة والخطباء والوعاظ، بل وأشرطة القرآن الكريم لمشاهير القراء. يحمل معه العطر والطيب دوماً . إنها أسلحة الداعية الحيّ .
يستخدم الحلوى في التعارف، والكتيبات في التأليف والوعظ والإرشاد، والهدايا مع كل دعوة لحضور محاضرة أو خطبة، والأشرطة لتكون البديل عن شريط غناء أقنع صاحبه بهجره، والطيب لإزالة حزازات النفوس، وتوجس الخائفين من مظهر الدعاة .
فإذا ما رأيته أقبلَ بوجهه الضحوك، وسلامه الرونق (ألفيت كل تميمة لا تنفع) لقد وقع القلب في شرَكَ هذا الداعية، واشتبكت القلوب المؤمنة وائتلفت، والتقت العيون والمقل، فإذا أدْمُعُ الخوف من الله تتعرف على نفسها، حتى إذا ما سكب ذلك الداعية الحيّ كلمات الودّ والمحبة في الله، والتقت إرادة الله بالهداية، أبصرتَ الهوى صريعاً في ساحته، والقلب تتهاوى شهواته وغرائزه أمام هذا السيل الدافق من فيض الإيمان والتقى، وكأنك بالشيطان رابض ثمَّة ينادي بالويل والثبور: ويلي ويلي، قد اختطفه فلان الصالح منّي .
يعتمد الداعية الحيّ على كل الإمكانيات المتاحة، ويستغلّ الظروف لصالحه. لا يلعن الظلام، ولكنه يشارك في إيقاد شمعة، إذا قصرت به وسيلة نزل إلى التي دونها، حتى لو لم يجد إلا لسانه أو الإشارة باليدين لاستعملها متوكلاً على الله ا لهادي إلى صراطٍ مستقيم.
إن الداعية الحيّ يترقّب الفرص، ويسعى إليها ولا ينتظر مجيئها إليه، يباغت المواقف ، ولا يكون هو ردّ فعل لها، لا يترك فرصة لِما يسميه الناس الصدف أو الفجأة، بل تراه بدهياً مستعدّاً لكل موقف بما يناسبه .
من سمات الداعية الحيّ : الجدّية، حيث أنه يعمل في صمت ، ويؤثر العمل الدؤوب على الثرثرة والتفيّهق، ليس بالمنان ولا بالمعجب، شعاره بعد سماع الأمر من القادة: عُلِمَ وسينفذ إن شاء الله، وإذا سُئِلَ عن تكليف أُنيط به، قال: التنفيذ جارٍ بعون الله، فإذا أتَمَّ مهامّه، أبلغ المسؤول في صمت : تَمّ التنفيذ والحمد لله.. إنها الجندية في أرقى صورها .
إن الداعية الحيّ متحرك لدينه، سواء كان مدرساً أو طالباً، مهندساً أو طبيباً، عالِماً أو متعلماً، سائقاً أو راكباً، حالاًّ أو مرتحلاً، أميراً أو مأموراً، رئيساً أو مرؤوساً، زوجاً كان أو عزباً، فقيراً كان أو غنياً، صحيحاً كان أو سقيماً، مبصراً كان أو أعمى، سليم الأعضاء أو معوقاً، في الشارع أو في البيت أو في الجامعة أو في المدرسة أو في الدكان أو في الحافلة أو في الشارع أو في أي مصلحة حكومية، بلسانه ويده، بنفسه وماله، بكلّه يتحرك للدين وينافح عنه، لسان حاله: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 161-162)، و شعاره {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف: 108) .