المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العودة الى التربية القرآنية


عبدالناصر محمود
01-05-2016, 09:25 AM
العودة الى التربية القرآنية .. الإسلام والوثنية
ــــــــــــــــــــ

(د. محمد العبدة)
ـــــــــ

25 / 3 / 1437 هــ
5 / 1 / 2016 م
ـــــــــــ

https://encrypted-tbn2.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTv_iRSnn1HFGAL6_SphyR4mKHq9gVcD SSO-uCNO-RcP0nZO1bVnQ


اهتم الإسلام اهتماماً بالغاً بتوضيح العقيدة وتحديد معانيها والحرص على تلقيها ، وإقامة دلائلها ، وذلك من خلال ايضاحها للمسلمين ومن خلال فضح الضالين المنحرفين عنها ، وبيان سبب ضلالهم كما في أكثر سور القرآن ،


وحتى تبقى هذه العقيدة نقية واضحة قام الإسلام بسد ذرائع الشرك واجتثاث عروقه ،وأبان بشكل جليّ الفصل بين الخالق والمخلوق ، فلا يؤله الإنسان ولا يؤنس الإله ، لا اتحاد ولا حلول بين الإنسان والإله الواحد الأحد ، هو الخالق وهو الذي يستحق العبودية ، وكل ما عداه عبيد له : الملائكة والنبيون وسائر الإنس والجن ،


والله سبحانه يُعرف بآياته في الآفاق والأنفس ، ولا يسأل عن كنهه ، جاء في القرآن على لسان فرعون " قال فمن ربكما يا موسى ، قال : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى " ( طه / 49 ــ 50 ) وفي آيه أخرى : ( قال فرعون وما رب العالمين قال : رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ) الشعراء / 23 ـ 24 وقال تعالى : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم ) الأنعام / 96


إنّ أعظم تربية للشعوب هي أن تُنْزع من نفوسهم ( الوثنية ) بشتى أشكالها وأنواعها ، سواءتقديس الأشخاص أو الأشياء ، فإذا أزيلت هذه الوثنية يصبح الإنسان حراً على الحقيقة لا تستعبده الأشياء ( تعس عبد الدينار ، تعس عبد الخميلة ..... )" فالإنسان تفتنه الصورة ويتعلق بالأصوات والألوان وقد نقل الإسلام الأعياد من معناها الوثني إلى حقيقتها وهي الارتباط بنعمة الدين والاهتمام بالجانب الاجتماعي ، وجعلها تدور مع فصول السنة ، فالأعياد لا تأتي في فصل الربيع والمسلمون لا يحتفلون بمجيء الربيع كما تحتفل الأمم التي ورثت أعيادها من الوثنية ( النيروز ) مثلاً " ( 1 )


إذا أزيلت هذه الوثنية فإن الإنسان لا يتشاءم من حوادث معينة ، ولا يطلب المساعدة من الأموات ، ولا يتوهم أشياء غير حقيقية ، وعندما ينهى القرآن عن عبادة الأوثان فهو لا يقصد التماثيل فقط وإنما أيضاً ينهى عن عبادة الأشياء .


وتأتي ضرورة وأهمية هذه التربية لأن الوثنية قريبة من نفوس البشر ، فهم يميلون الى الأشياء المحسوسة المادية ، هي أقرب إليهم من الأشياء المعنوية أو التي في عالم الغيب ، فإذا جاء من يتلاعب بعقولهم سهل عليه الأمر ، وذلك لقوة سلطان التقليد الحسي عليهم ، وهؤلاء قوم موسى عليه السلام ، بعد أن أنجاهم الله من فرعون لم يشكروا نعمة الله عليهم ولم يقاوموا إغراء الوثنية فصنعوا العجل وعبدوه فالوثني يعبد منتوج يديه ، وكأنه يعبد نفسه ،


وقد نظر اليونانيون قديماً إلى الكواكب نظرة وجل ورهبة ، فاتخذوها آلهة واعتبروا الكائنات العلوية مقدسة . وبسبب هذا النظر إلى المحسوس كثرت التصاوير والتماثيل في المعابد والكنائس ، وفي الهند يدفع سدنة المعابد العوام للتهافت على الصور ، وعلى ايذاء أنفسهم تقرباً إلى الأصنام . أليس من العجب أن نرى رجلاً عاقلاً يسجد لحجر أو يقدس بقرة أو يظن أن نحسه وسعده معلق بشيء يضعه في عنقه ؟ !


إن غالب الأديان والمذاهب التي خالطها الشرك يتكون حولها طبقات من السدنة والدجالين لاستجلاب المنفعة المادية ( صكوك الغفران ) الذي كان في الكنيسة ، وكذلك المال الكثير الذي يدفعه عوام الشيعة إلى آياتهم ومراقدهم ، بل إن كثرة الانشقاقات في صفوف الشيعة وإبراز في كل عصر مهدي جديد أو حركة جديدة لا يخلو كل ذلك من المنفعة المادية . والدين الحق ليس هكذا ، إنه دين التضحية بالمال والنفس والوقت ، وليس التلاعب بعقول المغفلين .


إنّ من آثار الابتعاد عن الشرك والوثنية وتحقيق التوحيد الخالص في الحياة الدنيا أنه يحرر الإنسان من سيطرة الأوهام أو الخضوع لمن لا يملك نفعاً ولا ضراً ، واتخاذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ( أليس الله بكافٍ عبده ويخوفونك بالذين من دونه ) ولا جرم أن العقيدة هي أساس التفكير ، فإذا رُبيَّ العقل على صحة الاعتقاد تنزه عن مخامرة الأوهام الضالة ، وشبَّ على البحث عن الحقائق ولذلك فإنه عندما يضعف العلم بالكتاب والسنة يرجع بعض الناس لمشابهة المشركين ، فينصبون ( الأقطاب ) ( والأوتاد ) الذين يتصرفون في الكون ، يدعونهم من دون الله ويقدسونهم .


إنّ الخضوع لغير الله وعبادة غير الله هو تعطيل لمواهب الإنسان وإذلال لنفسه ، وإفساد للقوى الإنسانية ، فالقوى العقلية والنفسية تصبح مقيدة بالمعتقدات الباطلة ، ففي جاهلية العرب قبل الإسلام ، كان هناك شيء غامض مظلم يفرض سيطرته الغاشمة على صيرورة الحياة إنه يسبب المعاناة والبؤس للوجود الإنساني، إنه الدهر يقول شاعرهم امرؤ القيس :

أبعد الحارث الملك ابن عمرو وبعد الخير حجر ذي القباب ( 2)
أرجي صروف الدهر ليناً ولم تغفل عن الصم الهضاب

هذه رؤية للحياة غاية في الكآبة ، إنها سلسلة من الحوادث فاجعة ، بينما يقدم القرآن الكريم صورة مختلفة تماماً للوضع الإنساني ، إنه مشهد الحياة الأبدية ، فالله سبحانه وتعالى هو المهيمن على شؤون الإنسان ، وليس الدهر والله عادل لا يظلم أحداً ، والموت وإن كان مقدراً ، ولكنه مُستهل للمؤمنين بنوع مختلف من حياة الخلود وهي الحياة الحقيقية .


إنّ التوحيد الخالص والإيمان بإله واحد متصف بجميع صفات الكمال والحق والعدل والرحمة والقوة من شأنه أن يجعل قوى الإنسان لا تتقيد إلا بالحق والعدل والخير ، وهي عقيدة حافزة للإنسان على عدم الرضا بالظلم والقهر .


ليس في الإسلام كهنة أو قديسون هم واسطة بين العبد وربه ، بل هي إرادة حرة كريمة ( إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ) وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على ترسيخ مفهوم تحرير الإنسان من كل أشكال الذل والعبودية لغير الله ، فقد نهى أصحابه عن القيام له إذا دخل عليهم ، ونهاهم عن الوقوف على رأسه وهو جالس كما يفعل الرؤساء والملوك ونهاهم عن الانحناء له ، ونهاهم أن يقول أحدهم لمملوكه : عبدي وأمتي ، بل يقول : فتاي وفتاتي ، كما أكد النهي عن اتخاذ القبور مساجد . ولهذا تكرر في القرآن ذكر قصة موسى عليه السلام وفرعون ، لأن فرعون ادعى الربوبية ، أي السيد الذي له حق الطاعة المطلقة ، ولذلك قال : ( أليس لي ملك مصر ، وهذه الأنهار تجري من تحتي ) وقال موسى ( وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني اسرائيل ) .


إنّ ميزة الاسلام الأساسية من بين الأديان والملل والنحل الموجودة اليوم هو هذا الصفاء في الاعتقاد ، ومعرفة حقيقة الإنسان وما خُلق له ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ) هذه الغاية من الخلق تتيه فيه البشرية اليوم ،وهي تتخبط في وثنيات متعددة ، سواء كان شركاً لله في الحكم والأمر أو عبادة لأوثان اختلقوها ،سواء كانت مادية أومعنوية ، وهذا كله معاند للفطرة المركوزة في الإنسان ، لذلك هو يعيش في شقاق ويهرب البعض إلى الإلحاد أو الشك في الأديان والقيم ، ويظهر هنا وهناك مذاهب فكرية وأزياء فكرية ربما يحاول بعضها الوصول إلى الحقيقة ، وهذا قد يكون ايجابيا ويدل على حيوية أصحابه الذين يطرحون ما عندهم من أفكار ويأتي غيرهم فينقدها ،وبعض هذه الأفكار هي أقرب إلى العدمية ، وبعضها بحوث جادة في النفس الإنسانية ويكاد بعض من يكتب في هذا الاتجاه أن يقترب من الإسلام .والسؤال هنا : كيف نعرض الإسلام في هذا الاضطراب وهذا الصراع الفكري ، هل نحدثهم عن الإعجاز العلمي في القرآن الذي يتحدث عنه كثيراً بعض الدعاة اليوم (3 )


بينما في الثقافات الأخرى هم في الحقيقة يبحثون عن الغايات والأهداف في هذه الحياة ، لا أظن أن موضوع الإعجاز سيبهرهم ولكن صفاء التوحيد وغايات الخلق كما تحدث عنها القرآن ومعنى الربوبية والألوهية ورأي الإسلام في الحلول الاجتماعية لمعاناة الإنسان ، وتحرير الإنسان من الأوهام ومن الخضوع للأشياء ، هذا هو الطريق الأنجع والأفضل لعرض الإسلام .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1 ــ عمر فروخ : تجديد في المسلمين لا في الإسلام / 28 .
2- يتحدث الشاعر عن أبيه حجر بن الحارث الذي كان ملكاً على قبيلتي أسد وغطفان ثم ثار بنو أسد وقتلوه ، والقباب ج قبة وهي الخيمة من الجلد وكثرتها تدل على الملك والكرم
3 ــ هذا إذا سلمنا لهم بكل ما يقولون .

---------------------------------