المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإعصار المالي/2008 و الرؤية الإسلامية للحل


Eng.Jordan
01-10-2012, 01:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الأزمة الاقتصادية العالمية
الإعصار المالي/2008 و الرؤية الإسلامية للحل
? الأستاذ / سالم السالم

كلية فلسطين التقنية / العروب

أيلول / 2008

العناصر :-

1- مقدمة .
2- لمحة تاريخية عن نشأة النظام الاقتصادي الرأسمالي ( الاقتصاد الحر) .
3- أزمة الرهن العقاري .
4- انهيار أسعار الأوراق المالية في وول ستريت .
5- الرؤية الإسلامية لمواجهة الأزمة المالية و حل مشكلة السيولة .
6- بعض أقوال وآراء خبراء الاقتصاد الرأسمالي الغربيون .


مقدمة :
لقد ظهر الفكر الاقتصادي الرأسمالي بصورة جلية في القرن التاسع عشر، و ذلك بعد نشاة المبدأ الرأسمالي العلماني ، وطرحه لفكرة فصل الدين عن الدولة و بالتالي عن الحياة ، وحدث ذلك بعد النقاش الحاد بين رجال الكنيسة و رجال الدولة من ذي قبل ، مما أدى بالمبدأ الرأسمالي أن يبصر النور، وان يطرح مفهوم الديمقراطية و الحريات بأشكالها وعلى رأسها حرية التملك ، حيث انبثق عنه أنظمة مختلفة تعالج مشاكل الحياة ، بحسب القائمين عليه وهي نظام الحكم ، النظام الاجتماعي ، النظام الاقتصادي ... و غيرها .
ومن باب تسمية الشيء بأبرز ما فيه ، فلقد كانت السيادة لاصحاب رؤوس الأموال اقتصاديا و سياسيا و اجتماعيا ... لذلك سمي بالرأسمالي، وانه تم إطلاق العنان لحرية التملك ، و الاعتماد على القطاع الخاص في نظامه الاقتصادي ، دون تدخل يذكر من قبل الحكومات الرأسمالية ، و دون أي تقييد لوسائل التملك للأفراد ، مما جعل الثروة الاقتصادية تتركز في فئة واحدة، ألا وهي فئة أصحاب رؤوس الأموال الكبار .

لمحة تاريخية عن نشأة النظام الاقتصادي الرأسمالي ( الاقتصاد الحر) :
لقد ارتكز النظام الاقتصادي الرأسمالي ( الاقتصاد الحر أو اقتصاد السوق)، منذ نشأته الأولى على أربعة أسس رئيسية هي :
1- القطاع الخاص هو أساس الاقتصاد ، مع ترك الحرية الكاملة له .
2- الحكومة مجرد حارس أو خادم لهذا القطاع .
3- يجب أن لا تتملك الحكومة أو تدير شيء في الاقتصاد .
4- التدخل الحكومي يفسد الاقتصاد .

حيث أكّد عالم الاقتصاد الرأسمالي الاسكتلندي "آدم سميث" ، الملقب بأب الاقتصاد الرأسمالي والذي ينتمي إلى المدرسة الكلاسيكية في القرن التاسع عشر، في كتابه ( ثروة الأمم ) ، أكد على الحرية الاقتصادية ، حيث عارض تدخل الدولة في الاقتصاد ، وطرح فكرة أن الاقتصاد الحر يحل مشاكله بنفسه دون تدخل الحكومات ، وان تدخلهم إن حصل سوف يفسد الاقتصاد الحر .
كذلك طرح فكرة اليد الخفية التي تبرز الجشع الرأسمالي والتي رأى من خلالها أن البحث عن المصلحة الخاصة يحقق المصلحة العامة تلقائيا ، و بالتالي قلل من البحث في المصلحة العامة و الاهتمام بها بعكس المبدأ الشيوعي الذي ركز البحث فيها دون سواها .


لكن و مع ظهور أزمة الكساد العالمي العظيم في العام 1929م و الذي استمر حوالي خمس سنوات ، وكان نتيجته كساد اقتصادي أمريكي وعالمي أصاب كافة القطاعات الاقتصادية بشقيها المالي و الحقيقي ، حيث لم تتمكن أمريكا من الخروج من تلك الأزمة إلا بقرار سياسي من الرئيس الأمريكي روزفلت آنذاك بإنتاج عسكري ضخم و تسويقه قبيل الحرب العالمية الثانية، مما احدث انفراجا بالأزمة و بتوفير السيولة و سد العجز و حدوث النمو الاقتصادي بعد ذلك .
إلا أن تلك الأزمة أثبتت خرافة اليد الخفية ، حيث ظهر الفكر الكينزي الذي جاء به عالم الاقتصاد (جون كينز) منذ العام 1936م ، حيث دحض فيه النظرية الكلاسيكية في الاقتصاد الرأسمالي وكذلك فكرة اليد الخفية ، و اثبت فشلهما و فشل ما جاء به "آدم سميث" و اثبت خطا أفكاره ، وأكد على وجوب تدخل الدولة في الأزمات الاقتصادية . مما أدى إلى تأميم بعض الصناعات في حينه من مثل : الحديد و الصلب و الكهرباء و السكك الحديدية ، مما يؤكد تخبط النظام الاقتصادي الرأسمالي منذ نعومة إظفاره ، و انه مرشح للولوج في أزمات ضخمة حاليا و مستقبلا لا يحمد عقباها ... هذا إن لم تودي بحياته !!!.
ومع انهيار الشيوعية و بزوغ القطب العالمي الواحد ، ألا وهو القطب الواحد الأمريكي ، اتجهت الرأسمالية نحو خصخصة المشاريع العامة و إعطاء المزيد من الحرية للاقتصاد و تقليص وسائل الرقابة ، وتم نقل ذلك إلى العالم برمته عن طريق العولمة و اقتصاد السوق أو ما يسمى بالاقتصاد الحر .

وعند بروز أزمة الرهن العقاري قبل حوالي سنتين ، عادت الدولة وتدخلت في الاقتصاد و لجأت إلى شراء مؤسسات مالية منعا لانهيارها ، وهذا التدخل في الاقتصاد يعتبر لاول مرة من أمريكا كدولة و من الدول الرأسمالية الأخرى بهذا الشكل الواسع ، حيث اضطرت للتدخل مكرهة لإنقاذ نظامها الاقتصادي ، ولا شك أن هذا التدخل سيهدم و للابد أهم ركن من أركان النظام الاقتصادي الرأسمالي ( الحر ) ، وأنه ليس من الحكمة ترك القطاع الخاص يعبث بمقدرات الشعوب على حد تعبير الاقتصاديين الرأسماليين ، أو أن يقود الاقتصاد لوحده جريا وراء اغراءآت الربح السريع . يقول أحد الخبراء الماليين في وول ستريت في الأزمة الاقتصادية الأخيرة : "الطمع جيد الطمع صحيح ، لكن في الحقيقة بعض الطمع مفيد لتشحيم عجلات الرأسمالية ،ولكن الطمع الكبير مدمّر لانه ينسف الثقة" (ترجمة من اللغة الإنجليزية) .


أزمة الرهن العقاري :
الذي حدث هو أن الكل استغاث بالحكومة ، حيث قامت في بداية الأزمة بشراء و تأميم البنوك و الشركات الكبرى المنهارة و المتورطة في الأزمة ، و وضعت خطة إنقاذ بحوالي 700 مليار دولار ، وهي قيمة الديون العقارية . إلا أن منبع الأزمة هي الربا و الوحشية الرأسمالية من ألفها إلى يائها ... ، حيث قامت الشركات العقارية و البنوك في الفترة الممتدة من العام 2001 إلى نهاية 2006م تقريبا ببيع العقارات السكنية و الشقق للناس بغض النظر عن قوة السجل الائتماني لديهم أو ضعفه، و بتقسيط ميسر بفائدة ربوية 7% في بادئ الأمر تصبح بعد سنتين 9.5% ، و أنه يجب على صاحب العقار أن يستمر في دفع الأقساط حتى نهاية مدة العقد حتى لو توفرت لديه السيولة المناسبة لذلك ، وذلك لدفع الفوائد المترتبة عليه بحسب النظام الربوي .
وبلغ أعداد المدينون في أزمة الرهن العقاري مع نهاية العام 2006م حوالي 3 مليون شخص ، و مجموع الديون اكثر من 700 مليار$ دولار و هو قيمة خطة الإنقاذ المالي التي طرحها الرئيس الأمريكي بوش .
الإجراءات: لقد تعثر عملاء الرهن العقاري ولم يتمكنوا من سداد أقساط قروضهم العقارية و فوائدها وذلك لضعف سجلهم الائتماني ، بالإضافة إلى انهم من محدودي الدخل مما أدى إلى مشكلة العسر المالي وهي : مشكلة عدم توفر السيولة لدى الشركات و البنوك الضالعة في هذه الأزمة . حيث قام المسئولون في تلك المؤسسات و القائمين عليها بإجراءات للخروج من الأزمة العقارية ، فقاموا بعرض الشقق السكنية و العقارات للبيع بأعداد كبيرة مما أدى إلى انخفاض أسعارها بشكل رهيب ، ثم زاد عدد المساكن المعروضة للبيع حيث لم تجد من يشتريها ، و ارتفعت في العام 2007 م بنسبة 75% عن عام 2006م ، وهذا الإجراء أدى أيضا بدوره إلى انهيار آخر في أسعارها ، و كذلك عزوف المستثمرين عن الاستثمار في اسهم و سندات الشركات و البنوك المتورطة في الأزمة .


انهيار أسعار الأوراق المالية في وول ستريت :
يقوم المستثمرون في أسواق الأوراق المالية ابتداءا بشراء الأسهم و أسناد القروض لتحقيق الربح السريع ( الأرباح الآنية) نتيجة الفرق بين سعر شرائها و سعر بيعها من جهة - وهو ما يسمى بالمضاربات المالية - ومن جهة أخرى طمعا في الأرباح و الفوائد السنوية الموزعة من قبل تلك الشركات وهو ما يعرف بالاستثمار العادي .
أما ما حصل في "وول ستريت" فهو عدم إقبال آلاف المستثمرون عن الاستثمار في اسهم الشركات العقارية و البنوك المتورطة في أزمة الرهن العقاري ، بسبب أوضاعها المالية السيئة للغاية و انعدام السيولة مما أدى إلى انخفاض حاد جدا في أسعار أسهمها في "وول ستريت" .
كذلك ما زاد الطين بلة أن الشركات العقارية قامت بما يعرف بتوريق ديون الرهن العقاري، أي على شكل سندات دين قابلة للتداول في البورصة ، حيث قلّ الإقبال عليها أيضا لنفس السبب .
وتبع انهيار القطاع العقاري و البنوك قطاع شركات التامين أيضا ، وذلك لارتباطها بالأزمة كون القروض العقارية مؤمنة لديها ، فانهارت أسعار أسهمها هي الأخرى لنفس السبب ، لذلك تم إلقاء الأعباء عليها : مثل شركة التامين العملاقة eeg التي اشترت الدولة الأمريكية حوالي 80% من أسهمها بعد دعمها بمبلغ 85 مليار$ دولار ، و هذا معناه سيطرة الدولة على القطاع الخاص و دحض فكرة اقتصاد السوق ، الذي أتى بها هذا النظام منذ نشأته الأولى .
ومع وجود مشكلة عدم توافر السيولة لدى البنوك وحدوث السحوبات المفاجئة على ودائع العملاء ، أدى ذلك إلى إفلاس البنوك الواحد تلو الآخر مثل بنك "ليمان برذرز" الذي انخفض سعر سهمه بنسبة 92% أي من 67$ إلى 5$ دولار في فترة لا تتجاوز الأسبوعين ، وذلك بسبب ضلوعه في القروض العقارية بشكل واسع و تعرض ودائعه للسحب ، مع انعدام السيولة .

لقد طرح بوش على الكونجرس فكرة شراء ديون الرهن العقاري ، التي تم تقديرها بحوالي 700 مليار $ دولار ، وتم طرح الخطة للتصويت في الكونجرس ، فرفضت في التصويت بالقراءة الأولى بفارق 20 صوتا ( ضد القرار 227 صوت و مع القرار 207 صوت ) مما يدل على التباين الشديد في الآراء لأعضاء الكونجرس ، وتيقنهم بان هذا ليس الحل الجذري للازمة .
لقد كان رفض خطة بوش لسببين اثنين :
1- يجب سحب ذلك المبلغ من خزينة الدولة .
2- يجب الضغط على المواطن الأمريكي الدافع للضرائب لتغطية العجز في الخزينة الأمريكية .
3- تأكد أعضاء الكونجرس من أن هذا ليس حلا فعليا للازمة .
ثم بعد ذلك قام بوش بطرح الخطة المعدّلة للإنقاذ و هي كالتالي :
· ما قيمته 250 مليار دولار لانقاظ القطاع المالي ، حيث تمت موافقة الكونجرس عليها .
· 100 مليار$ دولار توضع تحت تصرف الرئيس الأمريكي .
· 350 مليار $ دولار يتم التصويت عليها من قبل الكونجرس فيما بعد .

ومن الجدير ذكره أن المسئولين الأمريكيين يدركون بان تسديد العجز يتم بالدرجة الأولى من خلال دافع الضرائب الأمريكي ، ثم طلب السيولة من دول الخليج ، وذلك بدعوتهم لشراء اسهم شركاتهم المفلسة ، مع الملاحظة بان حقيقة تدخّل الدولة للخروج من الأزمة الراهنة، هو أشبه بصدمة إنعاش كهربائي لجسد على وشك الانهيار وليس الشفاء .
أحداث الثلاثة أسابيع الأولى من الأزمة :
1- انخفاض مؤشر داوجونز دون العشرة آلاف نقطة منذ اكثر من 5 سنوات .
2- أمريكا تطرق أبواب أسواق العالم : الصين توافق على شراء نصف اسهم بنك "موغان ستانلي"، و بنك باركليز anz البريطاني وافق على شراء معظم اسهم بنك "ليمان برذرز" .
3- أوروبا و اليابان تشتري اذونات خزينة أمريكية بقيمة 180 مليار$ دولار مساهمة منها لإيجاد حل للازمة .
4- الإمارات العربية اشترت اسهم شركات عقارية أوروبية بسعر 30$ دولار للسهم ، وبعد اقل من أسبوعين أصبح سعر السهم اقل من 15$ دولار .

5- بتاريخ 06/10/2008 انخفض مؤشر الشركات الصناعية داوجونز بأكثر من 8% في هبوط حاد آخر في وول ستريت .
6- تتأثر البورصات الخليجية و العربية الأخرى بالأزمة بالانخفاض الكبير كالتالي : البورصة السعودية ( - 10% ) ، الدوحة ( - 5% ) ، دبي ( -7.6%) ، أبو ظبي ( - 9% )، مسقط ( - 6.7% ) .
7- تبخّر 2 تريليون دولار من مخصصات التقاعد الأمريكية ، حيث يعتقد بأنها استخدمت لتوفير السيولة .
8- بتاريخ 08/10/2008 ، سبعة بنوك مركزية في العالم تخفض نسبة الفائدة البنكية الأساسية بمعدلات متفاوتة، و الهدف دائما توفير السيولة ، و تشجيع المؤسسات المصرفية على إقراض المستثمرين بأسعار فائدة قليلة .
هذا... ولقد نجح الرأسماليون الأمريكيون في تصدير أزماتهم إلى ٍ سائر أرجاء العالم،من خلال العولمة و اقتصاد السوق ، و كذلك بتربع دولارهم على عرش النظام النقدي الدولي دون منافس لعشرات السنين، و لاحتفاظ دول العالم كذلك بعملتهم الصعبة كاحتياطي في بنوكها المركزية، و بكميات ضخمة على اعتبار أنها ذات قيمة وان قيمة المقبوضات من الصادرات و المدفوعات من الواردات للدول لا تتم إلا بها ، لذلك تمكنت من أن تشرك كل العالم بمشاكلها ، فان هي انهارت فان كل العالم سوف ينهار، وإلا فانه يجب على كل العالم أن ينقذها .
الرؤية الإسلامية لمواجهة الأزمة المالية و حل مشكلة السيولة :
يمتلك الإسلام حلا جذريا ورؤية واضحة للخروج من الأزمة الاقتصادية الأمريكية ، و التي أصبحت تسمى "الأزمة الاقتصادية العالمية" ، وذلك بعد تصديرها إلى سائر أنحاء العالم بسبب العولمة و الاقتصاد الحر ، والتي وضعت النظام الاقتصادي الرأسمالي برمته على مفترق طرق بالاستمرار حبوا أو بالرحيل عن هذا العالم ، وهذه الرؤية كفيلة بإنهاء الأزمة من جذورها ، ونوردها في النقاط التالية :-
1- إلغاء التعامل بالربا بشكل نهائي ... حيث حرّم الإسلام الربا بشكل قطعي ، و بالتالي حرم جميع أنواع القروض الربوية البنكية و غير البنكية .
2- اعتماد النظام النقدي الذهبي ... أو نظام العملة النائبة و المرتبطة كليا بالذهب ، مما يضمن استقرار العملة و عدم تذبذب أسعارها .
3- قسّم الإسلام الملكيات إلى خاصة و عامة و ملكية الدولة ( منعا للاحتكار) .
4- أبطل الإسلام خصخصة الملكيات العامة و ملكيات الدولة ، وذلك حفاظا على حقوق الناس في ثروات تنتجها الدولة .
5- حرّم الإسلام البيوع التي لا يتم فيها التقابض ... و بالتالي زوال فكرة المضاربات و النتيجة استقرار أسعار السلع و الخدمات .
6- الرؤية الإسلامية للمسألة الاقتصادية برمتها ...، بأنها توزيع الثروة وعدم تمركزها في أيدي محدودة، بعكس الاقتصاد الرأسمالي الحر الذي يهدف إلى إنتاج الثروة و تعظيمها و بالتالي تركزها في أيدي الرأسماليين الكبار .
علاوة على النقاط الستة السابقة الذكر فإننا نقول بأن الاقتصاد الرأسمالي يحوي ثلاثة أنظمة رئيسية فاسدة ، حيث لعبت دور في أزمات الاقتصاد الرأسمالي المتتالية وعلى مر السنين ، وعلى رأسها الأزمة الأخيرة ، ألا وهي : نظام الشركات المساهمة ، النظام المصرفي الربوي ، نظام النقد الإلزامي.


1- نظام الشركات المساهمة : نشأ هذا النظام ابتداءا من اجل حماية ثروات أرباب المال و الأعمال من الدائنين ، حيث نص القانون بان الشركة المساهمة المحدودة هي شخص معنوي مستقلة عن أصحابها و أنها محدودة من حيث الالتزام للدائنين بحدود أموال الشركة دون تعديها للأموال الخاصة لأصحاب المشروع ، وتجعل لصاحب الحق أن يقاضيها وحدها ولا تمكنه من أن يقاضي مساهميها بشيء ، فلو خسرت الشركة و أعلنت إفلاسها ، فليس لأصحاب الحقوق عليها و الدائنين أن يطالبوا حملة أسهمها بشيء إلا ما تبقى من أموال في الشركة . علاوة على ذلك فان أرباب المال بحاجة إلى 50% من الأسهم للسيطرة على أعمال الشركة وأموال المساهمين، ويعتبر باقي المساهمين حملة لأوراق الأسهم لبيعها وشرائها في سوق الأوراق المالية لتحقيق أرباح آنية. إلا أن الذي يتحكم في سعر السهم هم كبار المستثمرون لأنهم الأقدر على التأثير في اتجاه السوق لرفع أو خفض أسعار الأسهم ، كذلك فان نظام الشركات المساهمة يمنح الحق لحملة الأسهم بما فيهم أرباب المال الذين يمتلكون 50% من أسهمها ، أن يقوموا باستغلال ظروف الشركة و السوق عند البيع و الشراء ، كان يبيعوا أسهمهم قبل الإعلان عن خسائر أو يشتروا أسهمها قبل الإعلان عن أرباح .
2- النظام المصرفي الربوي : يعتبر النظام المصرفي الربوي العمود الفقري للنظام الاقتصادي الرأسمالي ، فهو يمكّن البنوك من أموال المودعين و التصرف بها و إعادة استثمارها على شكل تسهيلات مصرفية مباشرة . فهي تقرض المتداولين بالأسهم – وهو ما يسمى الاستثمار بالهامش بضمان رهن الأسهم لدى البنوك المقرضة - لأخذ الربا المضمون على كل تسليفه ، وهذا الإقراض له كل الأثر السيئ على سوق الأوراق المالية ، حيث أن هذه البنوك بحكم خبرتها في السوق تستطيع أن تتوقع اتجاه الأسعار ، فان كان التوقع إلى الصعود فإنها تقرض المتداولين ، مما يؤدي إلى مضاعفة الأسعار بسبب توفر الأموال للشراء و زيادة الطلب على الأسهم ، وبالتالي تتضخم عمليات التداول لتصبح فيما بعد أسعار الأسهم اكبر بكثير من قيمتها الفعلية ... وعندما تبدأ الأسعار بالهبوط لأي سبب كان فان البنوك تتوقف عن الإقراض وتبدأ بعدها ببيع أسهم المستثمرين (المقترضين) مما يؤثر على الأسعار فتتراجع لكثرة العرض عليها ، ثم تسرع البنوك المقرضة و باقي المتداولين أكثر و أكثر في عرض أسهم المقترضين و بيعها مما يؤدي إلى انهيار أسعارها ، وهو ما يعرف "بفقاعة الأسهم" ، وعندما يتكرر هذا الهبوط في اسهم عدد كبير من الشركات يؤدي إلى هبوط في مؤشرات الأسهم ثم إلى انهار تام في البورصة .
3- نظام النقد الورقي الإلزامي : وبحسب هذا النظام يكون للبنك المركزي الحق في إصدار عملة للتداول في بلده على شكل أوراق مطبوعة لا قيمة عينية لها لديه كالذهب أو الفضة ، و لكنها إلزامية بالقانون و أمام القضاء لاداء الحقوق حيث تعتمد على الثقة بالدرجة الأولى ، ومعنى ذلك أن للبنك المركزي الحق في أن يصدر أوراق مالية ونقدية متى شاء لتحقيق سياسة الدولة دون وجود أية قيود عليه جراء هذا الإصدار، كأن يكون لدية موجودات بقدر ما يملك من النقود أو غير ذلك ... ، وهذا ما حدث بالفعل عندما قام الرئيس نيكسون في العام 1971م بالتحرر من الذهب وإلغاء ارتباط الدولار بالذهب نهائيا بعد أن كان مغطى بالذهب سابقا بنسبة 25% فقط ... وان هذا القرار لم يأتي عبثيا و إنما بهدف هيمنة الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي على العالم . مع العلم بان إنشاء الأموال الورقية الإلزامية يكثر من كميات النقد المتداولة . مما يسبب انخفاض قيمة النقد ، فينتج عن ذلك ارتفاع في أسعار السلع و الخدمات مع انخفاض في القيمة الشرائية للنقود وهو ما يعرف بــ "التضخّم المالي". ولهذا يشكوا الاقتصاد الرأسمالي دائما من التضخم و ارتفاع الأسعار .
هذا ... وان الأنظمة الاقتصادية التي هي من صنع البشر لم و لن تتمكن من إيجاد نظام متكامل و فيه جميع الحلول الاقتصادية للناس و للعالم اجمع ، حيث انه ومن فضل الله علينا أن شرّع لنا نظاما اقتصاديا متكاملا ، وهذا النظام هو من عند رافع السماء بلا عمد ، وليس من الإنسان الناقص و المحدود و العاجز عن التشريع من دون الله ، فضلّ طريق الهداية و أضل غيره . قال سبحانه و تعالى :"ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السماوات و الأرض ومن فيهن بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون" ( المؤمنون 71 ) .



فهذا النظام الاقتصادي المتكامل من الحق سبحانه خاليا من النظام المصرفي الربوي لانه حرّم الربا ، ومن أسواق الأوراق المالية لان عقد الشركة المساهمة بأنواعها المتعددة باطل شرعا ابتداءا ، ومن نظام العملة الورقية الإلزامية لانه أوجب الذهب قاعدة للنقد .
ثم عالج الاقتصاد على أساس انه قضية توزيع الثروات وليس إنتاجها كما سبق و ذكرنا ، وكذلك شرّع للتجارة أحكاما ، و للصناعة أحكاما ، و للإجارة أحكاما ، وللزراعة أحكاما ... واعتبر أن قضية الإنتاج قضية علمية وليست اقتصادية ، فخلا من الركود و الكساد و التضخم و الغلاء ، ثم فوق ذلك كله فهو ليس بحاجة إلى الارتباط باقتصاديات دول أخرى حتى ينمو.
بعض أقوال وآراء خبراء الاقتصاد الرأسمالي الغربيون :
لقد صرح بعض خبراء الاقتصاد الغربيون خلال أزمة الاقتصاد العالمية الأخيرة بتصريحات نارية أثبتت فشل النظام الاقتصادي الرأسمالي ، ليس فحسب في معالجة الأزمات و إنما في صلاحيته كنظام اقتصادي عالمي ، وانه يتوجب إقصائه و إيجاد البديل ، حيث أن البديل هنا هو بتطبيق الاقتصاد الإسلامي الذي هو مغيب عن الساحة الدولية ، والذي هو العلاج الناجع و البلسم الشافي لمشكلة السيولة و الأزمات في الاقتصاد الرأسمالي ، وهذه التصريحات وردت كالتالي :
1- رئيس تحرير مجلة "تشالينجر" ، بوفيس فانسون : كتب مقالا بعنوان "البابا أم القرآن" ، حيث تسائل فيه عن أخلاقية الرأسمالية و قال : "أظن أننا بحاجة اكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا و بمصارفنا ، ولو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم و أحكام وطبقوها ، لما حلّ بنا ما حل من كوارث و أزمات مالية، لان النقود لا تلد النقود" .
2- رئيس تحرير صحيفة "لوجورنال دي فاينانس" ، رولان لاسكين : اقترح تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية للخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية في مقال له بعنوان : "هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية" ؟؟؟
كلمة أخيرة :
مع نهاية الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر للعام / 2008 ، يبرز إلى السطح ديون الأفراد الأمريكيين جراء استخدامهم بطاقات الائتمان مثل ( بطاقات الفيزا ، الماستر كارد ، اميركان اكسبرس ..... و غيرها ) على نطاق واسع حيث يقدّر الخبراء حجم ديون هذه البطاقات بأكثر من تريليون دولار , وإذا لم يتكن حملة بطاقات الائتمان من سداد ديون بطاقاتهم ، فان تعثرهم في سداد تلك الديون سيكون بمثابة الحبل الجديد الذي سوف يزيد الخناق على الاقتصاد الأمريكي و بالتالي تفاقم الأزمة الاقتصادية الحالية .
*****


الأستاذ / سالم محمد سالم
في 23/10/2008