المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التربية ، الأصولية ، وتفريخ ، الإرهاب


محمد زبير المغربي
01-15-2016, 01:26 AM
ذ. محمد زبير
تحمل التربية في التراث الفكري الاسلامي عدة دلالات ، وتنفتح على عدة أبعاد ، يهمنا منها الحصر لا الفصل ، فهي تجمع بين التأديب والتهذيب ؛ فالتأديب يترادف في غاياته مع التوجيه والانضباط وفق معايير أخلاقية واجتماعية ، تحدد سلوكيات الأفراد الغريزية وتقومها بعيدا عن الأهواء . اذن يعنى التأديب بالسلوكيات والممارسات والأفعال التي يُحتاج فيها الى استعمال أعضاء البدن الآلية ، أما التهذيب فغايته ضبط النفس بإرشادها الى الخير والجمال والإيمان والإحسان ، أي توجيه عوارض النفس )الشهوة ، اللذة ، الغضب ، الفرح ...) درءا للمذمة والقبح ، وبلوغا للمحمدة والفضيلة ؛ بإخضاعها للتمييز بالذهن . وهكذا يجمع التهذيب بين الايمان والفضيلة والعلم .
ان غاية التربية -الاسلامية - اذن هي بلوغ سعادة الفرد والمجتمع على السواء ، عن طريق الجمع بين العلم (شأن التهذيب ) والعمل (شأن التأديب ) ، بين ما يُعلَم وما يُعمَل ... وعن طريق الوسطية والاعتدال في كل اختيار ، فالتربية هنا شأن الفرد والأسرة والمجتمع ، وليست شأنا خاصا بفئة معينة أو جماعة ما ، من أجل ذلك تجشم كبار مفكري الإسلام عناء وضع مناهج للتربية ، تحديدا وتعلما ، بشكل دقيق وفعال ؛ من أمثال الفارابي والغزالي وابن خلدون وغيرهم .
فالتربية الإسلامية إذن ، وظيفة الأسرة المسلمة ، بل هي من واجباتها الدينية ، وحق للفرد تجاهها ؛ والتربية عموما كيفما كانت ، هي من وظائف الأسرة ، وفي هذا تتجلى الفطرة السليمة . لكن حصل أن اعتبرتها الجماعة الدينية الأصولية من وظائفها الأساسية ، فنازعت الفطرة السليمة ، ونازعت حق الأسرة .
فما دلالات التربية الأصولية ؟
حتى لا نسعى عبثا ، وحتى لا نمزج بين المفاهيم ، يلزمنا التمييز ضرورة بين الأصولية كمنهج فقهي مقترن بعلم الأصول ؛ وهذا ليس باب قصدنا ، وبين النزعة الأصولية السياسية المعاصرة التي تشير الى ذلك التصور المثالي والكلي للحياة وللعالم ، في كل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحياة ...، والتي تستمد مشروعيتها من اعتقادات متأصلة ، ومن أفكار ونسق من القناعات الدوغمائية المنغلقة التي لا محيد عنها . بمعنى أن الأصولية تتغيى فرض نموذج معين للحياة وللعالم ، مستمد من تصورات ومن أفكار دينية خاصة بالجماعة الدينية ، والتي ليست تعبر عن الدين بالضرورة . لذلك يلزم ضرورة ، التمييز بين علم الأصول والأصولية السياسية المعاصرة: فعلم الأصول له بصمة عظيمة في الاجتهاد وفي استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها،وكان الأصوليون روادا في علم الأصول ،لكن الأصوليون المعاصرين انما يركنون الى تقليدهم ، في القشور وليس اللب ؛ بنفي الخطأ عنهم، بل وتقديسهم لدرجة اهمال الأصول ذاتها . فأغلبهم يخبط خبط عشواء، ويظن أن الإسلام محصورة شعائره في أشكال ومظاهر وأنماط جامدة في السلوك ، لا حركة فيها ولا روح؛ بل هي قاصرة المعاني . وتبعا لما تقدم ، تسعى الأصولية الى فرض توجهاتها على الأفراد ، ثم على المجتمع ، وهذا لا يتأتى الا بالتربية ، أية تربية ؟
إن التربية بحسب السياق التداولي الأصولي ، شأن خاص بالجماعة الدينية التي تعرف وحدها الحق من الباطل ، وتعرف الخير من الشر ، لذلك من واجبها التدخل في كل الحياة العامة والخاصة ، وأقلمتها وفق قوالب جاهزة تعبر عن مبتغى الجماعة وعن وجودها المطلق . فلابد اذن من بناء حياة ضد التيار السائد ؛ فمادام الواقع هو سيادة الالحاد والانحلال والانحراف والفساد ... فلابد من بناء واقع جديد وحياة جديدة ، بإعادة بناء الماضي في الحاضر ، أي إعادة إحياء للعادات الإسلامية التي تجسد السنة و كل الخير ، وإقبار للعادات الأعجمية رديفة الشر والبدعة ؛ فليس بالإمكان الاتيان بأفضل مما كان .
فلا غرابة اذن في هذا الانفصام الذي يعيشه الأصولي بين روحه وفكره المستلب، وبين واقعه المعاش ،ولا غرابة في وصفاته الدينية لعلاج بعض مشاكل عصرنا . انه ببساطه في زمن غير زمانه، فلا يزال يحقد على هذا العصر وعلى أهله .
ولقد لجأت الأصولية من أجل بلوغ ذلك ، إلى استثمار طريقتين :
- طريقة خاصة : تكمن في الأسرة والزيارة والندوة والمصاحبة والرحلة ...
- طريقة عامة : تقوم على الموعظة والقدوة والقصص والوعد والوعيد ...
وهكذا تحاول الجماعة الأصولية وضع منهج في التربية يقوم على التدرج ، والجمع بين ما يُعمل وما يُعلم ، أي بين ما فكري أخلاقي ، وما هو عملي تطبيقي ؛ حتى تحصل الدُربة اللازمة ويُبلغ الحذق المبتغى . وهنا يمكن أن نحصر خطوات المنهج التربوي للجماعة الدينية الأصولية في عدة محطات :
-1 الاستقطاب :
وهو لحظة التمهيد ، اذ تتأسس هذه المرحلة الأولى على استمالة الأفراد والتأثير فيهم ، باستغلال أوجه القصور والضعف لديهم ؛ وغالبا ما تكون الفئة المستهدفة من المراهقين والمهمشين والمقهورين والأميين ، او من ذوي المعرفة المحدودة ، أو السوابق العدلية... ومعنى هذا أن التربية الأصولية هنا تستغل الدونية والضعف النفسي والأخلاقي والقيمي الذي يحس به الفرد داخل المجتمع ، كما تركب على الطموح الطبيعي لدى لمراهق الذي يروم بناء الذات والبحث عن موقع في المجتمع ؛ فتعوض النقص الحاصل لديه والضياع في الفراغ الذي يؤرقه ، باحتلال واستلاب روحه ، وتزكية تذمره من المجتمع .
فالفرد هنا يتمثل أصلا ويحمل ضغائن وأحقاد ضد المجتمع الذي يعيش فيه ، وضد العالم ، بل وحتى ضد نفسه ؛ باعتباره لا يحسن التكيف لا مع ذاته ولا مع محيطه . وهنا وجه الشبه والتلاقي بين الفرد المقهور والجماعة الدينية ، فكلاهما يشتركان في التذمر من المجتمع ، ويرغبان في تغييره بتدميره ، وبناء مجتمع آخر يوافق أهواء الجماعة الدينية والفرد المقهور . إنه إذن تحالف فعال بأهداف مشتركة .
2 – الشحن :
لما تنجح عملية الاستقطاب والاستمالة ، تحاول الجماعة الدينية ، عن طريق الشحن ، تثبيت الفرد على جملة من القواعد والمبادئ – البسيطة في ظاهرها - حتى تسكن روحه ويحس بالطمأنينة في عالمه الجديد ؛ وتقوم هذه المرحلة على التكوين الأساسي في المفاهيم الدينية ، والتركيز على أنماط معينة من السلوك ، كارتياد المسجد ، وتطويل اللحية ، ولباس النقاب لدى المرأة...
هكذا تمهد الجماعة الدينية لاحتلال جسد الفرد واستلاب روحه بشكل مطلق ؛ بل والتحكم في كل حركاته وسكناته ، وعلاقاته الخاصة والعامة مع ذاته ومع أسرته ومحيطه ؛ حيث يلزم أن يلحق التغيير المفاجئ الأبناء والزوجة والآباء والإخوة والأصدقاء والأقارب ، بل والعالم بأسره . انها إذن ثورة حقيقية كانت الذات تتوق إليها وتبحث عنها ، ولن تهنأ الا بفرضها فرضا .
3- الإعداد :
تمثل هذه اللحظة مرحلة حاسمة في نهج الجماعة الدينية ، حيث يتأتى من خلالها اختيار الأخيار من الأفراد المستقطبين لتحميلهم أهداف الجماعة الدينية من أجل تحقيق التغيير المراد ؛ إنها لحظة انتقاء جنود الله من المصطفين الأخيار . فمن ظهر فيه الإلتزام بالتعاليم ، والتحمس لنهج الجماعة ، والخضوع الكلي والحرفي لمبادئها يتم اعداده بشكل جيد ؛ وفق برنامج خاص بالجماعة .
إن إعداد القادة والجنود هنا يهدف إلى مزيد من الاستقطاب في صفوف المراهقين والشباب وغيرهما من المستهدفين كما أشرنا فيما تقدم ، كما يهدف إلى توسيع قاعدة الجماعة ونشر تعاليمها المتسترة في الموعظة والإرشاد ؛ والحاملة لأهداف أخرى خفية، تتأسس على كفر المجتمع وضرورة الجهاد ضده .
وهكذا يتم تكوين الأفراد القادة وإعدادهم جيدا ، علما وعملا ، حتى يتجلى روحهم في روح الجماعة ؛ ويتجلى روح الجماعة فيهم .
4 – العمل
هنا تكمن حصيلة التربية الخاصة بالجماعة الدينية الأصولية ، ويبلغ قصدها ، هنا تتغير المفاهيم والأفهام ، حيث تنتقل الجماعة من مجرد الدعوة الى الخير والموعظة ... الى التطبيق، عن طريق الجهاد في سبيل الله بالمال والعمل والذات . ولا يصل الى هذه المرحلة الا أولئك المصطفين الذين وهبوا أنفسهم لنهج الجماعة والمتماهين مع أهدافها ، التي أصبحت هي أهدافهم كذلك ، فلا فرق . هنا حيث الاستعداد المطلق للذات وللروح لخدمة الرسالة والحقيقة المطلقة التي لا محيد عنها ، حيث يزول الشك والتردد والخوف وتنتفي الريبة وتتقوى العزيمة والطاعة وإرادة التضحية ، ويتحقق الاخلاص والوفاء ؛ وتفتح أبواب الجنة على مصراعيها ، إلا على من أبى الدخول...
تمثل هذه المرحلة العملية اذن ركنا أساسيا من خلالها يتم أعداد المجاهدين في سبيل الله ، وإعداد القادة من الدعاة المتشبعين بأهداف الجماعة ، وإعداد الاستراتيجيين وفق قواعد الجماعة ، وأخيرا التمهيد لمرحلة الفعل الجهادي ؛ والخروج من السر والتخفي الى الجهر والعلن ؛ أو كما يقال : من التمسكن الى التمكن ...
5 – الجهاد :
هنا لما تتقوى الجماعة ، ويحصل لها التمكن ، تنتقل الى المواجهة ، عن طريق فرض نهجها على كل مناحي الحياة والمجتمع ؛ فقد كانت دعوتها في الأصل ، واستحواذها على التربية ، دليل قاطع على رفضها لقيم المجتمع الكافر ، ورفض تربيته للأفراد على الكفر والإنحلال . ولما ملكت القوة باتت الآن قادرة على تغيير المنكر ، ليس في النفس كأضعف الايمان لما لم تتمكن ؛ بل باليد لما تمكنت .
تقوم الجماعة الدينية الأصولية هنا ، بفعل الجهاد ، المتمثل في ضرورة نشر دين الله ، وفرض حاكميته ؛ واصطباغ الحياة العامة والخاصة والمؤسسات والدولة بصبغة الإسلام – اسلام الجماعة الدينية - ، والتخلص من الجاهلية المستوردة من الغرب الكافر ؛ بتدمير مؤسساته وبرامجه التعليمية وبنوكه الربوية واقتصاده ، وكل ما فيه رائحة الغرب الكافر ، كبلاء ابتليت به الأمة ، وهذا لا يتم الا بالمواجهة والجهاد بالنفس وبالمال ؛ فالغاية تبرر الوسيلة .
كما تقوم الجماعة بفرض نهجها القويم ودستورها الرشيد داخل الدولة أولا ، ثم تعميمه على العالم بالتنسيق مع جماعات دينية أخرى تابعة ، أو تجمعها معها الغاية نفسها والأخوة الدينية .
هكذا ، إذن تتدخل الجماعة الدينية في التربية ، بتملكها ونزعها من الأسرة وتحويلها الى سلاح لقضاء حاجاتها ، ولتفريغ مكبوتاتها المتمثلة في الحقد على المجتمع وعلى العالم الكافرين . ولتغذية ذلك تركب على الحاجيات البسيطة للأفراد البسطاء من المراهقين الباحثين عن الذات ومن المهمشين الكارهين للمجتمع ومن ذوي السوابق العدلية الحاقدين على القانون وعلى المؤسسات ... إنه اذن تحالف ، مبني كله على الإحساس بالنقص وبالدونية ، ومعزز بضرورة الإنتقام والهدم والتخريب ، ولو على جثت الآخرين .
لكن ، كلما وجهت أصابع الاتهام الى الجماعات الأصولية بشأن العنف تلفيها تتحصن بدعوى الدعوة والنصيحة والتربية الأخلاقية , متملصة من التهم والشبه ، بينما تكمن الحقيقة في ترسيخها وتفريخها لأعشاش العنف والتطرف .
ان التربية الأصولية نهج لتطوير القابلية والاستعداد النفسي لدى الأفراد بغية تمثل حقائق دينية معينة ، كقيم مطلقة وخالدة ، تتجاوز الزمان والمكان والأحوال والاختلاف ، مما يغذي تمثلات دينية وأفكار ايديولوجية لا تؤمن إلا بسيادة الذات ، وتجسيدها لكل الحق ، كمصحف يمشي وإسلام يرى ، وبكفر الغير وتجسيده للجاهلية وللشر المطلق .
ان نتيجة ذلك بادية في أنماط سلوكية فردية وجماعية لفئة معينة من المجتمع تدعي الطهرانية وتجسيد الحق المطلق ، مما يخولها حسب دعواها ، حراسة الأخلاق ، والدفاع عن النهج القويم ، وهداية العالم الجاهل الى الطريق المستقيم : طريق واحد ، وصوت واحد بنبرة واحدة ، ليست فيه معارضة ولا اعتراض ، ولا تشوبه الأدران ولا الأخطاء ، ولا مجال فيه للشك ولا للسؤال .
ان أزمة الوعي الأصولي بالضياع النفسي الأخلاقي للمجتمع ، كامنة في الجهل المطبق بالعلاقات الواقعية التي تجمع الضمير الأخلاقي للأفراد بالمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية . فليس ضمير الناس ما يشكل واقعهم بل على العكس تماما يتأسس الضمير على اليومي دائم التغير . من أجل ذلك ، يضيع الوعي الأصولي في حلقة مفرغة ، تفضي في الغالب الى وعي زائف متجل في أشكال وسلوكات متطرفة . مما يجعل من التربية الأصولية تربية على الأوهام لا على الحقيقة ، بمعنى تحاشي الخوض في تفاصيل الواقع المر بمفارقاته وتناقضاته المادية ، والارتكان الى وهم امتلاك صرح أخلاقي متعالي ، غير خاضع لأية قواعد اقتصادية أو اجتماعية ....
هكذا تنفصل الجماعة الأصولية عن المجتمع الواقعي بخلق مجتمع وهمي يجسد بالنسبة للشخص الأصولي الحقيقة المطلقة ، في مقابل عالم بشري يحكمه الخطأ والرذيلة ، فيكون لزاما وواجبا تغيير هذا العالم وإخضاعه للجماعة الدينية ردا به الى النهج القويم ، ويتخذ هذا الواجب عدة طرق ، ويكون تحت عدة تسميات كالجهاد وتغيير المنكر ...
خلاصة الكلام ، أن الجماعة الدينية الأصولية ، إنما هي نتيجة مباشرة لتلاحق الأزمات والقهر على الأفراد اللذين يشكلونها ؛ وبالتالي فمشروعية وجودها حقد على الذات وعلى العالم ، وابتغاء في التدمير ، وتلذذ به وشوق إليه . انها أزمة نفسية سادية اجتماعية ، تحاول بناء الذات عن طريق تدمير الآخر والعالم ؛ فمن قلب المأساة تولدت المعانات وتولد التطرف ، ومن البدهي انتشار أورام الأصولية والتعصب داخل كل مجتمع متخلف ينخره الجهل والأمية والفقر والاستغلال ؛ ومن البدهي تراجع هذا المرض بسلاح العلم والمعرفة ؛ أما مواجهة العنف بالعنف ، فليس إلا زيادة للعنف .