المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفهوم الحضارة في فكر مالك بن نبي


Eng.Jordan
01-15-2016, 08:32 AM
مفهوم الحضارة في فكر مالك بن نبي من إعداد الطالب رحو أحمد








المــــــــــــــــقدمـة

يعتبر مالك بن نبي ومدرسته من أكثر المدارس الفكرية التي كان لها أثر واضح في تحديد وصنع ملامح الفكر الإسلامي الحديث، خاصة أن هذه المدرسة اهتمت أكثر من غيرها من المدارس الأخرى بدراسة مشكلات الأمة الإسلامية؛ انطلاقا من رؤية حضارية شاملة ومتكاملة. فقد كانت جهوده لبناء الفكر الإسلامي الحديث وفي دراسة المشكلات الحضارية عموما متميزة؛ سواء من حيث المواضيع التي تناولها أو المناهج التي اعتمدها في ذلك التناول.إلى حد تعبير ه أن "مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارية، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها" عندئذ يطرح السؤال هل قيام وازدهار أي حضارة مرهون بعوامل أساسية كالثقافة والأفكار وحركة المجتمع وغيرها؟ أم يمكن إن نصطلح على تأخر المجتمعات بالإشكال الحضاري؟
وانطلاقا من هذا الاعتقاد الراسخ بأهمية الحضارة وضرورة "فقه" حركتها، انتابني شعور عظيم اتجاه هذا المفكر العظيم فارتأيت إلا أن أقف أمام هذا العنوان العريض الجدير بالاهتمام ليكون موضوع بحثنا ودراستنا،لاسيما أن مثل هذا العنوان يكاد يخلو من مكتباتنا الإسلامية.كيف ونحن نعتز بكل ماهو جزائري من فكر أصيل وحضاري، وهذا ماجعلنا نتطلع إلى الكشف عن هذا الإرث المعنوي.
وسيتركز هذا البحث على مشكلات الحضارة الثقافة والأفكار، والمشكلات الدينية باعتبارها حازت على الأولوية والكثافة في كتابات مالك بن نبي، فهو يرى أن أخطاءنا تتكون في عقولنا قبل أن ترتسم على صفحة الوجود، فالمشكلة التي نواجهها هي مشكلة فكرية، وعقلية قبل أن تكون مشكلة سلوكية، رغم الترابط بينهما، ومشكلات الثقافة والفكر والتربية هي في واقعها مشكلة واحدة ترتبط جزئياتها برباط وثيق، وليس سليماً أن نتناول أجزاء منها بالعلاج ونترك أجزاء أخرى، فالعلاج يجب أن يطالها جميعاً.
ولعلنا نرجو من وراء هذا البحث الإسهام في زيادة المعلومات لدى الأجيال القادمة كما يضاف إلى قائمة البحوث المكتبية لدى المعهد الإسلامي بغليزان،وإحياء لفكر بن نبي ذالك الفكر الوهاج الذي أنار العقول الإسلامية بما فيه الغربية بشهادة المفكرين من شتى أنحاء العالم.
وفيما يتعلق بمضمون الدراسة. فإن المصادر كانت مقدَّمة على المراجع، لاسيما وأن معظم المراجع لم تتناول موضوع البحث من الزاوية التي تناولها الباحث،ولإعطاء فكرة واضحة عن الفكر البنابي الحضاري قمنا بإنجاز هذا البحث الذي يتضمن ثلاثة فصول وخاتمة.
افتتحنا موضوعنا هذا بمقدمة خصصناها لمدى أهمية الموضوع متضمنة أشكالية البحث ومبرراته.
الفصـل الأول عنوناه بالحضارة عند مالك بن نبي وتطرقنا فيه إلى ثلاثة مباحث متضمنة مايلي:
المبحث الأول مفهوم الحضارة وعناصرها
المبحث الثاني مفهوم المجتمع قيمته دوره ومدى قابليته للمعامل الاستعماري .
المبحث الثالث تحديد مفهوم المرض الاجتماعي ،وماهي الشروط الأولية للتربية الاجتماعية
أما الفصـل الثاني فتطرقنا فيه إلى إشكالية الثقافة والأفكار في تنمية الحضارة من خلال ثلاث مباحث أيضا تحتوي على مايلي :
المبحث الأول تحديد ماهية الثقافة وعلاقتها بعلوم التاريخ والاجتماع والنفس
المبحث الثاني خصصناه لتمايز الثقافات والأفكار،ومدى ارتباط الأفكار بالمجتمع والحضارة.
المبحث الثالث فتعرضنا فيه إلى الأخلاق مبدءا وتوجيها وقيمة وكذالك أثرها في قيام الحضارة.
أما الفصـل الثالث فعنوناه بمشكلات العالم الإسلامي يتضمن مبحثين هما:
المبحث الأول مشكلة الحضارة والمفهومة والثقافة لدى الأمة الإسلامية.
المبحث الثاني درسنا من خلاله مدى ارتباط الدين بالحضارة وأثر أفكار الإسلام والقرءان في بناء هذه الحضارة.

المبحـــــــــث الأول: مفهوم الحضارة وعناصـــــــــــرها
1- التعريف بمالك بن نبي:
وُلد مالك بن نبي في مدينة قسنطينة في الجزائر عام 1905 ، ونشأ في أسـرة فقيـرة ؛ لأن جده لأبيه هاجر إلى طرابُلس الغرب احتجاجاً على الاستعمار الفرنسي وحـمـل مـعـه كـل أملاك العائلة ، هذا الميلاد جعله يتصل بالماضي عن طريق من بقي حياً من شهوده .
بعد إتمام دراسته الثانوية انتقل إلى باريس لكن الإدارة الفرنسية رفضت انضمامه إلى معهد الدراسات الشرقية فدخل مدرسة اللاسلكي التي تخرج منها مهندسا كهربائيا عام 1935م ومع ذلك لم يهمل طريق النضال وعمل على توعية العمال المغاربة وتنظيمهم، كما التقى بعدة شخصيات وطنية وأجنبية لكن السلطات الفرنسية لم تغفل عنه بل حاصرته وحرمته الشهادات رغم تفوقه عل ى الفرنسيين أنفسهم ومنعته الوظيفة والسفر، وحاصرته أسرته في الجزائر، انتقل سنة 1956م إلى مصر حيث تفرغ لتأليف كتبه وترجمتها، كما اتصل بالعديد من الطلبة وتنقل عبر عدة دول يشرح عدالة القضية الجزائرية، بعد الاستقلال وفي سنة 1963م عاد إلى الجزائر وشغل منصب مدير جامعة الجزائر وطالب بإنشاء مدرسة جزائرية مستقلة لعلم الاجتماع.
في عام 1967م استقال من منصبه ليتفرغ للعمل الفكري.
العوامل المؤثرة في ثقافته :
1 - وُلد مالك بن نبي في عصر سمع فيه من جدته لأمه قصص الاحتلال الفرنسي للجزائر ، وعاش مأساة بلد يخطط الاستعمار لشل فاعليته ، ومن ثـم لـتحويلـه إلى فـريسـة سهلـة الالتهام ، عاشها مالك يوماً بيوم في المدرسة الفرنسية حيث لا يسمح (لابن البلد) إكـمـال الدراسة الثانوية التي تؤهله للدراسات الجامعية ، وعاشها في تحول المجتمع عن فطرته وكيف ساد الصعاليك بمعونة الإدارة الفرنسية ، وكيف أصبحت العائلات العريقة فقيرة ، ذليلة بسبب الاستيلاء على أراضيها ، وكان اليهود هم الواسطة لانتقال الملكية من أبنـاء البلاد إلى أبناء المستعمر ؛ فاليهودي دائماً كان يقرض بـفـائدة 60% ، وعنـدمــا درس في فرنسا وعاش مع الجالية الجزائرية رأى الاستعمار من زوايـاه المختلفة ، وشـعـر بخـبـث الأساليب التي يقوم بها لتمزيق العالم الإسلامي.
2 - القراءات الغزيرة المتنوعة ، فقد بدأ بالقراءة منذ أن كان صغيراً في الابتدائية ، وقرأ كتب علم النفس والاجتماع وهو لا يزال في المرحلة الثانوية ، وكان يقرأ كل الصحف التي تصل إلى قسنطينة أو


تبسه ، ولا شك أن هذا الاطلاع الواسع على الثقافة الغربية هو في جانب منه على حساب الثقافة الإسلامية وكان له أثر عليه أيضاً ، فكثرة قراءاته لأعمال الفلاسفة جعلته يعتبر عصر الفارابي عند المسلمين هو عصر خلق الأفكار مع أن الفارابي وأمثاله لم يقدموا شيئاً يذكر للحضارة الإسلامية ، وكانت نغمة (الإنسانية) و(الـعـالميـة) سائدة عند الفلاسفة الغربيين ، ونجد مالك يكررها فيتكلم عـن حضـارة الـيـوم التي تسير نحو الشمول والعالمية 1 ويستعمل أحياناً عباراتهم التي هي نتيجة انفصام عندهم بين الدين والعلم مثل قوله : "إن الطبيعة توجد النوع..." 2
أو وهبته الطبيعة.
3 - ثقافته الإسلامية : يـعتـرف مـالك بـأن الذي كان يـرده عن الـغلـو في هـذا الاتـجـاه (القراءات الكثيرة للفكر الغربي) هو ما كان يتلقاه من دروس في التوحيد والفقه ، وقراءاته للكتب التي تأتي من المشـرق الـعربي مثل : "الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق" لأحمد رضا ، و"رسـالـة الـتوحيد" للشيخ محمد عبده ، و"طبائع الاستبداد" للكواكبي ، والمجلات الإسلامية الجزائرية مثل (الشهاب) التي يصدرها الشيخ ابن باديس ، ولا شك أن ثقافته الشرعية ضعيفة ولكن عنده اطلاع على التاريخ الإسلامي وقدرة على فهم الآيات والأحاديث التي تتعلق بسنة التغيير الاجتماعي وبسبب عمق تفكيره وتحرُّقه على العالم الإسلامي كان يرى أن بذرة عـودة الـوعـي للأمة الإسلامية هي في حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي يعتبرها امتداداً لما قام بـه ابـن تيـمـية في التجديد ، ولنفس السبب أيد جمعية العلماء في الجزائر وكان يعقد الأمل عليهم في الإصلاح وإن اخـتـلف معهم بعدئذ ، ولبُعده عن المشرق ولضعف ثقافته الشرعية كان يمجّد جمال الدين الأفغـاني وتلميذه محمد عبده ويرى أن الأول هو مصلح الشرق ؛ فثقافته الإسلامية خليط من آراء مدرسة الأفغاني ومحمد عبده ومن فهمه لآيات القرآن وسنن التغيير ، وأنه لابـد مـن الـرجـوع إلى طـريـقـة القرآن والسنة في رفع الناس إلى مستوى الروح كما يعـبـر هـو ، والحقيقة أنه يجمع أشياء متناقضة وإن بدت منسجمة بالنسبة له.
4 - ومن المؤثرات الواضحة في شخصيته ما عاناه من الـفـقـر الشـديـد في طفولـته ، وحياة النَّصَب والتعب التي عاشها في شبابه بحثاً عن العمل ، سواء في الجزائر أو فرنـسـا ، فـقد عمل بعد تخرجه من الثانوية في مصنع للأسمنت في مدينة (ليون) بفرنسا ، فكـان يـحـمـل الأكياس على ظهره ، ومرة باع


بعض ملابسه حتى يوفر وجبة غداء ، وبعد تخـرجـه من الهندسة طرق أبواب العمل في الدول العربية والإسلامية ولكن دون جدوى.
هذه الأوضاع النفسية جعلته يكره - وهو صغير - الدور المتـرفـة الـتي كـانت تـفـضح أمـام ناظريه بؤس أقاربه ، وأحكامه المسبقة كانت بسبب العيش في عائلة فقيرة زرعت لاشعورياً في نفسه من
الغيرة والحسد حيال العائلات الكبيرة 3 ، وكـان يعـجـبـه مطالعة صحيفة (الإقدام) التي يصدرها الأمير خالد الجزائري والـتـي كانت تـركز على مـوضـوع الـفـلاح الجزائري وبؤسه.
هذا ما يفسر لنا ميله للدول التي بدأت بتطبـيـق الاشتراكية كالجمهـوريـة العربية المتحدة 4 والجـزائـر بـعـد استـقـلالهـا 5 وبتأثـيـر من هذه الـدول كان يـظـن أن الاتحـاد السوفييتي ليس عنده مُناخ استعماري وهو صديق للشعوب !

توفــــــي في: 1973.10.31م
من مؤلفاته: شروط النهضة، الظاهرة القرآنية، مشكلة الثقافة، تأملات، آفاق جزائرية، المسلم في عالم الاقتصاد، مذكرات شاهد القرن، مستقبل الإسلام، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي.










2- مفهـــــــوم الحضارة :
2-1 المفهوم العام:
الحضارة هي كل ما ينتجه عقل الإنسان من فنون وعلوم وآداب وفلسفة وتشريع، والقدرة على الاستفادة من هذه الحصيلة.
2-2 مفهومها عند مالك بن نبي:
ال حضارة هي نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر الدفعة التي تدخل به التاريخ، ومن هذا المنطلق فإن معنى التحضر هو أن يتعلم الإنسان كيف يعيش في جماعة، وأن يدرك شبكة العلاقات الاجتماعية في تنظيم الحياة الإنسانية من أجل وظيفتها التاريخية، كما أنها جملة العوامل المعنوية والمادية التي تنتج لمجتمع ما أن يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره.
إن قـــيام أي حضارة لايكون إلا بتوفر مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقسم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه". 1
3- عناصر الحضارة عند مالك بن نبي :
إن المفكر ابن نبي عندما جاء إلى تعريف الحضارة، طبق عليها آليتين أو منهجين متكاملين:
أولاً: المنهج التحليلي، إذ حلل الحضارة إلى عناصرها الأولية التي تعتبر الرأسمال الأولي، وصاغها في شكل معادلة رياضية ذات متغيرات ثلاثة هي الإنسان والتراب والوقت، وقوامها: إنسان+ تراب + وقت = حضارة.
ثانيًا: المنهج التركيبي، الذي من خلاله أراد أن يكتشف القانون الذي تخضع له الحضارة في بنائها، وتحديد المنهج الذي تخضع له الحضارة باعتبارها بناءً، وهو ما أسماه بقانون التفاعل، إذ العناصر الأولية تبقى ساكنة ما لم تتدخل الفكرة المركِّبة، محدثة الشرارة الروحية التي تجعل من العناصر الأولية ديناميكية متحركة في إطار التاريخ.. هذه الفكرة المركبة التي تحدث الشرارة هي الدين، أو الفكرة الدينية.
إذن فالعناصر الضرورية التي تتشكل منها كل الحضارات -حسب مالك بن نبي- هي ثلاثة: الإنســان + التــراب + الـــوقت. 2


إن عناصر الحضارة الثلاثة تحتاج إلى مركب لتوحيد تلك العناصر , والمركب اللازم لتكوين الحضارة هو : الفكرة الدينية .
يعتبر كل الأجناس والشعوب مؤهلة لإنشاء الحضارة، لأن الله منحها الرصيد الأولي والضروري ألا وهو التراب والوقت، فمتى وجدت الأعمدة الثلاثة (الإنسان، التراب، الزمن) توفرت المواد الخام لإنتاج الحضارة، لكن الأمر عند مالك بن نبي يحتاج إلى مركب تاريخي تكويني بغيابه تبقى العناصر الثلاثة موادا خاما لا تجدي نفعا، ومركب الحضارة هذا هو الدين أو الفكرة الدينية عموما، فالحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية(فلا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء يكون للناس شرعة
ومنهاجا، إذ هي- على الأقل- تقوم أسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبي، فكأنما قدر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية )3
الفكرة الدينية:
تتدخل كمركب في تركيب عناصر الحضارة الثلاثة ولذلك فإن كل حضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية بل و أن تطور الإنسانية هو ما يحدث من نمو في مشاعرها الدينية المسجلة في واقع الأحداث الاجتماعية تلك التي تطبع حياة الإنسان و عمله على وجه البسيطة.
إن الحضارة الإسلامية أول ما بدأت، بدأت في ساحة العمل حين شيدوا مسجدهم الأول في المدينة المنورة، وبذلك فلقد قبضوا لأول مرة على عصا التاريخ.
وبالذات الحضارة الإسلامية أنها انتهت مع انتهاء قيمة الإنسان حيث أن الحضارة تنتهي عندما تفقد في شعورها معنى الإنسان، فالحضارة لا تقوم إلا على أساس من التعادل بين الكم والكيف، بين الروح والمادة، بين الغاية والسبب، ومتى اختفى هذا التعادل فإن السقطة رهيبة وقاصمة.
إن الحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء يكون للناس شرعة ومنهاجا، أو على الأقل تكون أسسها توجيه الناس نحو معبود غيبي بالمعنى العام.
إن الأيام الكبرى في التاريخ فترات يسودها الإكبار والإجلال وتسكت فيها النزعات الخاصة وتهمد المنازعات حتى تلك التي تحركها الفوارق الإيديولوجية، وبهذا تسكن العقول والقلوب إلى بعضها.
كما أن كل قضية جليلة تضع بصماتها في مصير الإنسانية وتترك صداها في التاريخ ترسم على

مركب الزمن وجوها كريمة تمثلها، ويرى أن إرادة الشعوب طاقة من طاقات الحياة التي تقلب التقديرات، ولا يمكن مقاومتها فإن انتصار هذه الشعوب قدر حتم من أقدار التاريخ.
كما أنه يعتقد أن التاريخ لا ينضغط ولا يعود إلى الوراء، وليس من قوة في الأرض تستطيع أن تحد
مجراه أو أن تعيد أطراده.
ومن عادة التاريخ كما يرى أنه لا يلتفت للأمم التي تغط في نومها، وإنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا، وتزعجها حينا آخر؛ تطربها إذ ترى في منامها أبطالها الخالدين وقد أدوا رسالتهم، وتزعجها حينما تدخل صاغرة بسلطة جبار عنيد ولا بد أنه متأثر بنتاج استعمار بلده وغيرها من بلدان العالم التي ظلم فيها الناس.



















المبحـــــــــث الثاني: مفهوم المجتمع قيمته دوره ومدى قابليته للمعامل الاستعماري
1- دور المجتمع في بناء الحضارة:
إن المجتمع عند مالك بن نبي لا ينحصر في عدد أفراده إنما المجتمع عنده شيء خاص، هو بنيان و ليس تكديسا للأفراد، لأن المجتمع يقول مالك بن نبي هو المجتمع الذي يقوم بوظيفته نحو الفرد و يحقق راحته، فقبل أن تتجمع الأفراد تكون هناك فكرة عامة هي التي تؤلف بين ألأفراد، فإذا فقدت هذه الفكرة فقد الصلات بين ألأفراد وتفكك المجتمع و ضاعت المصلحة التي كانت تتمثل فيه..
ويوضح مالك بن نبي كيف يكون المجتمع متحضرا عندما تكون إنسانية الإنسان هي القيمة العليا في مجتمع ما و تكون الخصائص الإنسانية فيه موضع التكريم و الاعتبار، أما حين تكون " المادة" في أية صورة هي القيمة العليا، فإن هذا المجتمع يكون مجتمعا متخلفا، و في جانب آخر يبين مالك بن نبي كيف تنمي القيم الإنسانية و الأخلاق في الإنسان خصائص الإنسان التي يتفرد بها دون الحيوان عندما تكون هذه القيم سائدة في مجتمع ما..
ونظرا لحاجة المجتمع إلى قاعدة يرتكز عليها، يرى مالك بن نبي أن الأسرة هي القاعدة الأساسية في المجتمع ، باعتبارها النواة التي تنشا منها القيم و الأخلاق الإنسانية، فحين يهمل الإنتاج الإنساني عندئذ يكون التخلف الحضاري، وقد اهتم مالك بن نبي بالإنسان ( الفرد) اهتمام كبيرا و جعله موضوع دراساته من أجل بنائه الحضاري، و لهذا ارتبط الفرد عند مالك بن نبي ارتباطا كبيرا بالحضارة.
فعن الرسول (ص): "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا".
وهنا التحديد الذي نضعه للمجتمع الإسلامي، لاعلاقة له بالحركات المذهبية التي قسمته خلال التاريخ إلى مدارس أو طوائف،فهو تحديد مجتمع ديمقراطي يحتفظ في اتجاهاته إن لو يكن في مؤسساته، بجوهر الديمقراطية، يعني أنه كان مجتمعا بلا طبقات، والمجتمع الاروبي في القرن 19م يقدم لنا مثالا أخر للتراكب الاجتماعي بين الطبقات المختلفة الني كان يتألف منها.
فالمجتمع-أيا كان نموذجه التاريخي أو التشكيلي-ليس مجرد جمع لعناصر أو أشخاص تدعوهم غريزة الجماعة إلى أن يتكتلوا في إطار اجتماعي معين،هده الغريزة وسيلة لإنشاء المجتمع، وليست سببا في إنشائه،إذ يضم المجتمع ماهو أو أكثر من مجرد مجموعة من الأفراد الذين يؤلفون صورته.


فقد يحدث قي بعض الظروف التاريخية أن يفقد مجتمع ما شخصيته ويمحى من التاريخ، ومع ذالك فإن عدد أفراده قد لايتغير في هذه الحالة.بل يحتفظ كل فرد بغريزة العيش في جماعة، وهي الغريزة التي تحدد معالم الإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا، فإذا حدث أن اختفى الأفراد الذين يكونون مجتمعا ما في نهاية جيل معين، فإن المجتمع يبقى، ويحتفظ بشخصية لايمسها شيء، كما يحتفظ بدوره في التاريخ، وهذا هو العنصر الثابت وهو المضمون الجوهري للكيان الاجتماعي إذ يحدد عمر المجتمع واستمراره عبر الزمن وهو الذي يجسد شبكة العلاقات الاجتماعية التي تعبر عن ميلاد مجتمع 1
2- مفهوم المجتمع:
مصطلح المجتمع في معناه البسيط يعني : تجمُّع أفراد ذوي عاداتٍ متَّحدة ، يعيشون في ظلِّ قوانين واحدة ولهم فيما بينهم مصالح مشتركة .
تجمعات الأفراد الَّذين لا يُعدِّل الزمن من علاقاتهم الداخليَّة ، ولا تتغيَّر أشكال نشاطهم خلال المدَّة ، لا تُعدُّ من المجتمعات الخاصَّة الَّتي نقصدها بمصطلح " مجتمع
فالمجتمع هو الجماعة الإنسانيَّة ، الَّتي تتطوَّر ابتداء من نُّقطة يمكن أن نطلق عليها مصطلح ( ميلاد (
المجتمع ليس مجرَّد كميَّة من الأفراد، وإنَّما هو اشتراك هؤلاء الأفراد في اتِّجاهٍ واحد ، من أجل القيام بوظيفةٍ معيَّنة ذات غاية ..
3-الثروة الاجتماعية:
لا يقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء بل بمقدار ما فيه من أفكار، ولقد يحدث أن تلم بالمجتمع ظروف أليمة كأن يحدث فيضان أو تقع حرب فتمحو منه عالم الأشياء محواً كاملاً أو تفقده إلى حين ميزة السيطرة على عالم الأفكار وهنا يكون الخراب ماحقاً. أما إذا استطاع أن ينقذ أفكاره فإنه يكون قد أنقذ كل شيء، إذ أنه يستطيع أن يُعيد بناء عالم الأشياء ، فألمانيا في الحرب خسرت أشياءها لكنها كانت غنية بالأفكار، والأسبان الذين هزموا الأندلس كانوا أفقر بالأفكار لكن علاقاتهم الاجتماعية كانت أقوى. 1

4- قابلية المجتمع للمعامل الاستعماري:
المعنى الأول لهذا المفهوم هو الذي تكون فيه القابلية ناتجة عن الواقعة الاستعمارية وتقبلها واستمزاجها وهو ما يسمى حاليا بـ"الاستلاب". والمعنى الثاني هو الذي تتكون فيه مجموعة من الصفات العقلية والنفسية "تجعل المجتمع خاضعا للاستعمار"، أو تسهل للاستعمار مهمته، وهو المعنى الشائع، والذي يساء استعماله جلدا للذات. مالك بن نبي لا يعتقد بحتمية ظهور القابلية للاستعمار ويستشهد بألمانيا واليابان اللتين تعرضتا للاحتلال. وبالمقابل ثمة بلاد لم تحتل لكنها أظهرت قابلية للاستعمار مثل اليمن وبعض البلاد الإفريقية!
وهذا المفهوم يعد من أشهر مفاهيم مالك التي أبدعها، إذ أدرك أن الأمة الإسلامية في خطر، لا لأنها تحت الهيمنة الغربية، ولكن لأنها فقدت كثيرا من الدوافع التي رفعت من شأنها في القرون الماضية، وأصبح موقعها زمنيا في عهد ما قبل الحضارة .
فالقابلية للاستعمار هي جملة خواص اجتماعية تسهل سيطرة الغزاة على الأمة، وتؤدي إلى استمرار الوضع المنحل للحضارة، فهناك مجتمعات تعرضت للاحتلال العسكري لكنها مجتمعات غير قابلة للاستعمار مثل احتلال ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية، وفي المقابل توجد مجتمعات لم تتعرض للاستعمار لكنها قابلة للاستعمار .
وانتقد مالك فرض التسييس للنهضة الاجتماعي، والنظر المتمحور حول دور السلطة في الإصلاح الاجتماعي، ورأى أن هذين الخطأين كانا من أسباب تأجيل عمليات النهضة الاجتماعية .













المبحــــــث الثالث: مفهوم المرض الاجتماعي ،وماهي الشروط الأولية للتربية الاجتماعية
1- المرض الاجتماعي:
المرض الاجتماعي الذي يشير إليه مالك بن نبي في كتابه ميلاد مجتمع، هو كون تفشي الاستبداد، نذيرًا بهلاك الأمم، وذهاب ريحها، فقال: (قبل أن يتحلل المجتمع، تحللاً كليًا، ي لي المرض جسده الاجتماعي، في هيئة انفصالات، في شبكة علاقاته الاجتماعية… وهذه هي مرحلة التحلل البطيء، الذي يسري في الجسد الاجتماعي، بيد أن جميع أسباب هذا التحلل، كامنة في شبكة العلاقات، فلقد يبدو المجتمع في ظاهره ميسورًا ناميًا، بينما شبكة علاقاته مريضة، ويتجلى هذا المرض الاجتماعي، في العلاقات بين الأفراد، وأكبر دليل على وجوده، يتمثل في ما يصيب (الأنا ) عند الفرد، من (تضخم)، ينتهي إلى تحلل الجسد الاجتماعي، لصالح الفردية، عندما يختفي (الشخص)، أو خاصة عندما يسترد (الفرد) استقلاله، وسلطته في داخل الجسد الاجتماعي .
وبوسعنا أن نتخيل ماكان يمكن أن يحدث في مجتمع مريض-لو أن خليفة من طراز عمر بن الخطاب أراد أن يعزل رجلا من قيادة جيش الشام إلا أن محاولة كهذه كانت كفيلة بزلزلة العالم الإسلامي لو أنها حدثت بعد ذالك بقرنين أو ثلاثة قرون فحسب، ولكن الأنا الإسلامية كانت في العهد الأول سليمة سوية، فكان فعل عمر دون عقدة، وكان رد فعل خالد دون عقدة أيضا، لان علاقتهما كانت علاقات سوية منزهة.
فالعلاقات الاجتماعية، تكون فاسدة، حينما تصاب الذوات بالتضخم، فيصبح العمل الجماعي المشترك صعبًا، أو مستحيلاً، إذ يدور النقاش حينئذ، لا لإيجاد حل للمشكلات، بل للعثور على أدلة وبراهين .
في حالة الصحة، يكون تناول المشكلات، من أجل علاجها هي، أما في الحالة المَرَضِيَة، فإن تناولها، يصبح فرصة لتورم (الذات)، وانتفاشها، وحينئذ يكون حلها مستحيلاً، لا لفقر في الأفكار، أو الأشياء، ولكن لأن شبكة العلاقات، لم تعد أمورها تجري على طبيعتها.




2- الشروط الأولية للتربية الاجتماعية:
عن التربية الاجتماعية قال مالك بن نبي:" إنه لكي يمكن التأثير في أسلوب الحياة في مجتمع ما، وفي سلوك نموذجه الذي يتكون منه، وبعبارة أخرى: لكي يمكن بناء نظام تربوي اجتماعي ينبغي أن تكون لدينا أفكار جدّ واضحة عن العلاقات والانعكاسات التي تنظم استخدام الطاقة الحيوية، في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع" ([1])،فالله تعالى يقول ) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( ( [2]) ويقول ) إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ( ( [3]) وهكذا نرى أن كل ما يغير النفس يغير المجتمع( [4]). والقاعدة التي يتغير على أساسها الأفراد أنهم جميعاً خلقوا لعبادة الله، فإن عبدوه فقد ألّفوا مجتمعا ً عابدا ًلله.
"إن الفكرة الدينية تحدث تغييرها حتى في سَمْت الفرد ومظاهره، حين تغير من نفسه، وبذلك يكون لمنهج التربية الاجتماعية أثره في تجميل ملامح الفرد، أي أن مجموعة من الانعكاسات تؤدي إلى خلق صورة جديدة، كأنها تتمثل في وجه جديد (أي أن الرأس لها شكل الأفكار التي تحملها)"( [5]).
"ليس الهدف من التربية أن نعلم الناس أن يقولوا أو يكتبوا أشياء جميلة، ولكن الهدف أن نعلم كل فرد فن الحياة مع زملائه، إنما نعلمه كيف يتحضر".
إذن فالتربية ليست مجرد تزويد الأشخاص بالمعارف والقواعد والمفاهيم النظرية فذالك مفهوم محدود إذ لايمكن أن نتصوره مالم يستطع هؤلاء أن يطبقوه على أنفسهم وبيئتهم وبالتالي لاسلطة له على عالم الأشخاص والأفكار والأشياء.وكذالك لايمكن القول بأن الغرض من التربية هو إدماج الفرد في الحياة الاجتماعية أو تعليمه كيف يعيش مع أقرانه فهذا لايمكن أن يتحقق إذا كان المجتمع لم يبلغ رشده السلوكي.
وهنا يبرز المفهوم الأسمى للتربية والمتمثل في تهيئة مجموعة الأفراد التي تغير شرائط الوجود نحو الأحسن دائما،وكيف يكون معهم شبكة العلاقات الني تتيح للمجتمع أن يؤدي نشاطه المشترك في التاريخ.
فالثقافة ليست الأخلاق والجمال والمنطق العملي والصناعة الفنية، بل علينا أن ندركها في صورة برنامج تربوي يصلح لتغيير الإنسان الذي لم يتحضر بعد، في ظروف نفسية زمنية معينة أو لإبقاء الإنسان المتحضر في مستوى
وظيفته الاجتماعية وفي مستوى أهداف الإنسانية، فينبغي أن نحدد للإنسان العربي المسلم الشروط الأولية التي تحقق له ما ينبغي من ثقافة.

الشرط الأول: ربط التربية بالكمال الأخلاقي
بمقتضى هذا الربط تصبح التربية جزءا من النظام الأخلاقي الذي يتطلع إليه المجتمع، في بحثه الدائم عن رقي وسمو في نظرت الأخلاقية، والمجتمعات الإنسانية مطالبة بأن تضع لنفسها أفقا يمثل الكمال ، وكلما أرتقت مفاهيم الكمال سمت مكانة المجتمع، فالتطلع إلى الكمال وعي و حضارة ، وينموا هذا الوعي كلما ارتقت رؤية الإنسان في نظرته الاجتماعية،من خلال تكوين ثقافي سليم البنيان، ينهض بهمة الإنسان، لكي يكون الإنسان متحققا لابالوجود الإنساني، وإنما بالكمال الإنساني..
الشرط الثاني: ربط التربية بالتكيف الاجتماعي
بموجب هذا الربط تصبح التربية أداة حية مباشرة لإدماج الفرد في مجتمعه، عن طريق توفير الظروف النفسية التي تهيئه لكي يتقبل القيم الاجتماعية السائدة، والإدماج غرض مشروع، وغاية مرجوة، والفرد الذي يرفض مجتمعه سرعان مايتمرد عليه، فإذا شعر بعجزه أمام المجتمع فسرعان مايشعر بإحباط يدفعه للانعزال والانزواء.
ولايمكن للتربية أن تقتصر على دور الإدماج وتوفير ظروف المجتمع.ولو اقتصرت على هذه الغاية لتكرست حالات التخلف ، فالتربية قد تعني الإدماج ، وقد تعني رفض الإدماج، وفي هذه الحالة نقوم التربية بدور التصحيح، والتصحيح يتطلب تكوين جيل رافض لمظاهر التخلف، متطلع إلى واقع اجتماعي معبر عن كمال وسمو في سلوكه وفي رؤيته لقضاياه..
الشرط الثالث: ربط التربية بتكوين القابليات السليمة:
بموجب هذا الربط تصبح التربية أداة تكوين لشخصيات إنسانية،تملك قدرات ومهارات تمكنها من التفكير السليم والسلوك المستقيم:وكلما ارتقت مناهج التربية ارتقت معها قابليات الإنسان ونمت قدراته ومهاراته،لكي يكون أداة صالحة لتنمية شاملة، في المجالات الثقافة و الاجتماعية والاقتصادية، ولايمكن ولا يمكن للتربية أن تغفل هذا الهدف أو تقلل من أ أهميته، متطلعة إلى سمو أخلاقي بعيد عن المشاركة في الحياة العامة..
إننا من خلال هذه الشروط الثلاثة يتضح لنا أن التربية الاجتماعية لا تعطي عطاءها السليم إلا في وضوح أهدافها المرجوة منها ليس مجرد كمال ثقافي ومعرفي، فالكمال لايتجزء، وما نريده من التربية الاجتماعية أن تحقق لنا الكمال الذي ينهض بنا كمجتمع يتطلع إلى الأفضل، مصححا ما تراكم في سلوكه منم سيئ العادات، متمردا على واقعه المتخلف ببذل مزيد من الجهد لمقاومة الأمراض الاجتماعية، المتمثلة في بعض المظاهر السلبية في حياتنا
اليومية، مؤمنا بدور العلم في تطوير وسائل الإنتاج، محتكما في معاملاته اليومية إلى شريعته التي ما ضاقت يوما بمناصرتها لمبادئ العدالة..





1 مــــــــالك بن نبي -كتاب في مهب المعركة ،ص .33
2 مــــــــــالك بن نبي- ميلاد مجتمع ، ص16.
3 مــــــــالك بن نبي مذكرات شاهد للقرن ،ص 131.
4 مــــــــالك بن نبي ميلاد مجتمع ، ص48.
5 مالك بن نبي بين الرشاد والتيه ، ص24

1 مالك بن نبي: شروط النهضة، ص: 19-20.
2 مالك بن نبي: تأملات، ص: 168.
3 مــــــــالك بن نبي ( شروط النهضة ) ص57.
1 مالك بن نبي، مشكلات الحضارة، ميلاد مجتمع ص12
1 (مجلة المختار، العدد رقم:05 نوفمبر2005)
[1] ) ) ميلاد مجتمع ص 72
[2] ) ) الذاريات، آية 56.
[3] ) ) الرعد، آية 11.
[4] ) ) ميلاد مجتمع، ص 73
[5] ) ) المصدر نفسه، ص 74

المبحث الأول: تحديد ماهية الثقافة وعلاقتها بعلوم التاريخ والاجتماع والنفس
1-ماهية الثقافـــــــــة:
عرفها مالك بن نبي بأنها "مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لا شـعـوريـاً الـعـلاقـة الـتي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه 1 ،تعددت وتنوعت تعريفات الثقافة بتعدد الزوايا والمنطلقات التي ينطلق منها المعرّفون لها.
لكن دعونا نبدأ أولا بتفكيك كلمة "ثقافة".
1-1 الثقافة كمفهوم ذاتي متجدد:
في لسان العرب تم تعريف كلمة ثقافة على النحو التالي :
"ثقف الشيء أي حذقه ورجل ثقف أي حاذق وثقف الشيء أي أسرع في تعلمه وصار حاذقا فيه" هذا باختصار تفكيك كلمة ثقافة من منظور "لغوي بحت"، وفي القرآن: بمعنى أدركه وظفر به كما في قوله تعالى: " مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً" (الأحزاب:61). لكن ماذا عن المصطلح نفسه؟
مصطلح الثقافة يعد من أكثر المصطلحات شيوعا في الأوساط العربية ولكن - ومع الأسف - دائما ما يتبادر إلى أذهان الكثيرين منا أن هذا المصطلح يشير إلى حالة الشخص العلمية الرفيعة المستوى.
دلالات و أبعـــاد المفهوم:
أ - إن مفهوم "الثقافة" في اللغة العربية ينبع من الذات الإنسانية ولا يُغرس فيها من الخارج. ويعني ذلك أن الثقافة تتفق مع الفطرة، وأن ما يخالف الفطرة يجب تهذيبه، فالأمر ليس مرده أن يحمل الإنسان قيمًا-تنعت بالثقافة- بل مرده أن يتفق مضمون هذه القيم مع الفطرة البشرية.
ب - إن مفهوم "الثقافة" في اللغة العربية يعني البحث والتنقيب والظفر بمعاني الحق والخير والعدل، وكل القيم التي تُصلح الوجود الإنساني، ولا يدخل فيه تلك المعارف التي تفسد وجود الإنسان، وبالتالي ليست أي قيم وإنما القيم الفاضلة. أي أن من يحمل قيمًا لا تنتمي لجذور ثقافته الحقيقية فهذه ليست بثقافة وإنما استعمار و تماهٍ في قيم الآخر.

ج - أنه يركز في المعرفة على ما يحتاج الإنسان إليه طبقًا لظروف بيئته ومجتمعه، وليس على مطلق أنواع المعارف والعلوم، ويبرز الاختلاف الواضح بين مفهوم الثقافة في اللغة العربية ومفهوم " Culture " في اللغة الإنجليزية، حيث يربط المفهوم العربي الإنسان بالنمط المجتمعي المعاش، وليس بأي مقياس آخر يقيس الثقافات قياسًا على ثقافة معينة مثل المفهوم الإنجليزي القائم على الغرس والنقل.
وبذلك فإنه في حين أن الثقافة في الفكر العربي تتأسس على الذات والفطرة والقيم الإيجابية، فإنها في الوقت ذاته تحترم خصوصية ثقافات المجتمعات، وقد أثبت الإسلام ذلك حين فتح المسلمون بلادًا مختلفة فنشروا القيم الإسلامية المتسقة مع الفطرة واحترموا القيم الاجتماعية الإيجابية.
د - أنها عملية متجددة دائمًا لا تنتهي أبدًا، وبذلك تنفي تحصيل مجتمع ما العلوم التي تجعله على قمة السلم الثقافي؛ فكل المجتمعات إذا استوفت مجموعة من القيم الإيجابية التي تحترم الإنسان والمجتمع، فهي ذات ثقافة تستحق الحفاظ عليها أيَّا كانت درجة تطورها في السلم الاقتصادي فلا يجب النظر للمجتمعات الزراعية نظرة دونية، وأن تُحترم ثقافتها وعاداتها. إن الثقافة يجب أن تنظر نظرة أفقية تركيبية وليست نظرة رأسية اختزالية؛ تقدم وفق المعيار الاقتصادي -وحده- مجتمع على آخر أو تجعل مجتمع ما نتيجة لتطوره المادي على رأس سلم الحضارة.
وقد أدت علمنة مفهوم الثقافة بنقل مضمون والمحتوى الغربي وفصله عن الجذر العربي والقرآني إلى تفريغ مفهوم الثقافة من الدين وفك الارتباط بينهما.
الثقافـــة في الفكر الغربي :
على العكس فيما يقابل هذا المصطلح - الثقافة أعني - في المعاجم الأوروبية.
فكلمة Culture المقابلة لكلمة ثقافة لدينا لها تعريف مختلف تماما في اللغات الأوروبية، في عام 1871م، قدم إدوارد تيلور تعريفًا لهذا المفهوم في كتابه " Primitive culture "، حيث اعتبره "ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في مجتمع".حيث يعني مجموعة العادات و القيم و التقاليد التي تعيش وفقها جماعة أو مجتمع بشري ، بغض النظر عن مدى تطور العلوم لديه أو مستوى حضارته و عمرانه. وهذا ماذهب إليه الدكتور إبراهيم البليهي

في تعريفه للثقافة على أنها " أسلوب أو طريقة الحياة التي يعيشها أي مجتمع بما تعنيه من تقاليد وعادات وأعراف وتاريخ وعقائد وقيم واهتمامات
واتجاهات عقلية وعاطفية وتعاطف أو تنافر ومواقف من الماضي والحاضر ورؤى للمستقبل، إنها طريقة تفكير وأنماط سلوك ونُظُم ومؤسسات اجتماعية وسياسية وما يعيشه المجتمع من انفتاح أو انغلاق"
وإذا ما اعتمدنا التعريف الأنف الذكر فهذا يعني أن جميع المجتمعات مثقفة بثقافة ناشئة من داخل بيئتها، فلا يمكننا القول بأن البدوي في صحراء الجزيرة العربية بأنه شخص غير مثقف بل على العكس تماما هو شخص مثقف بثقافة صحراوية تختلف عن أخيه أو ابن عمه القاطن في المدينة والمتثقف بدورة بثقافة مدنية تختلف في الكثير من أوجهها عن ثقافة قريبة القابع في الصحراء.
إن ثقافة أي مجتمع غالبا ما تنشأ من البيئة المحيطة به وتمتزج - أي الثقافة - بكينونة الشخص المتلقي لها "وتقولبه" ضمن المجموعة التي يعيش معها لتجعل منه - في الغالب - صورة طبق الأصل عن الأشخاص الذين يشاركونه نفس الظروف البيئية والمجتمعية.
دلالات و أبعاد المفهوم:
تشعب المفهوم وأصبح جزءًا من العلوم الاجتماعية ، والذي عليه تقوم افتراضات النظريات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية حول تاريخ المجتمعات وتطورها وصورها السابقة والقوانين التي تحكمها، ثلاث قواعد أساسية تنبع منها نظريات علمائه، وهذه القواعد هي:
أ - المجتمعات تسير في نسق تطوري في نمط متصاعد؛ انطلاقًا من الحالة البدائية الأولى التي وجد عليها الإنسان في مرحلة ما بعد انفصاله عن عالم الحيوان إلى المرحلة الراقية التي وصل إليها المجتمع الأوروبي المعاصر، والذي يقع على قمة السلم التدريجي، ويتم تقسيم المجتمعات طبقًا لمعايير نابعة من الـ " Culture ". ولذلك ظهرت مفاهيم مثل: التحديث، واللحاق بالركب.
ب - الـ " Culture " تنشأ في مجتمع معين ثم تنتشر في المجتمعات الأخرى، فيما يطلق عليه "الانتشار الثقافي"، أي انتقال الثقافة من المجتمع الأكثر رقيًا إلى المجتمعات الأدنى أو الأقل تطورًا، وتحت هذا المعنى برزت مفاهيم مثل: مسألة الرجل الأبيض والثورات الثقافية.

ج - " Acculturation " أي التثاقف أو المثاقفة، ويقصد بها تأثر الثقافات بعضها ببعض نتيجة الاتصال بينها، أيَّا كانت طبيعة هذا الاتصال أو مدته، ولقد عرّف "مليفن هرسكوفيتز" التثاقف بأنه: التغيير الثقافي في تلك الظواهر التي تنشأ حين تدخل جماعات من الأفراد الذين ينتمون إلى ثقافتين مختلفتين في اتصال مباشر، مما يترتب عليه حدوث تغييرات في الأنماط الثقافية الأصلية السائدة في إحدى الجماعتين أو فيهما معًا. وغالبًا ارتبط هذا المفهوم بالدور الاستعماري للغزاة الأوروبيين في إفريقيا.
ويعتبر التطور في مفهوم " Culture " نتيجة منطقية للجذر اللاتيني له، حيث يعبر عن طبيعة الإنسان الأوروبي ودوره في العصور الحديثة تجاه المجتمعات غير الأوروبية، فطبيعة الإنسان الأوروبي أنه صاحب حضارة زراعية يستمد منها رموزه الفكرية، ومن ثم فليس غريبًا إذا ما تعاظم إنتاج الفكر وبدأ غرس القيم الجديدة وحصد ثمار النهضة أن يطلق الإنسان الأوروبي لفظ " Culture " على هذه العملية.
وأما عن دوره تجاه المجتمعات الأخرى فهو مفهوم يعبر عن عملية زرع القيم والأخلاق والمؤسسات الأوروبية في المجتمعات الأخرى تمهيدًا لحصاد هذه المجتمعات سواء عقول مبدعة تهاجر إلى المجتمع الأوربي أو موارد اقتصادية تغذي عجلة اقتصاده.
تعريف الثقافة الإسلامية :
قدم الباحثون في الثقافة الإسلامية تعار يف عديدة يكمل بعضها البعض ، ومنها :
1- علم يبحث مقومات الأمة الإسلامية العامة المتعلقة بماضيها وحاضرها .
2- إدراك المفاهيم الإسلامية الصحيحة لجوانب الحياة المختلفة .
3- الصورة الحية للأمة الإسلامية .
4- التراث الحضاري والفكري في جميع جوانبه النظرية والعملية .
5- كل ما صنعته يد الإنسان وعقله ، من مظاهر البيئة الاجتماعية .
6- العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحذق فيها .
7- ويرى مالك بن نبي صاحب كتاب " مشكلة الثقافة " أن الثقافة هي : المحيط الاجتماعي الذي يحدد أسلوب الحياة الاجتماعية ، ويطبع تصرفات الفرد بطابع معين . ويرى أن الثقافة مكونة من أربعة عناصر :
العنصر الأول : التوجيه الأخلاقي ( المبدأ الأخلاقي ) والذي سيأتي ذكره في المبحث الثالث من هذا الفصل.

العنصر الثاني : التوجيه الجمالي ( الذوق الجمالي ) :
إذا كان المبدأ الأخلاقي يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات ، فإن ذوق الجمال هو الذي يصوغ صورته ، وهو شيء مطلوب فوق الضروريات والحاجيات ، وعندما ذكر الله سبحانه وتعالى خلق النجوم وغاياتها ذكر منها (الزينة) ((ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمـَصـابــيـحَ وجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ ))وكذلك عندما ذكر خلق الحيوانات ((ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ)) وقد ورد في الحديث »إن الله جميل يحب الجمال« وذلك في معرض رد الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الصحابي الذي سأله عن اللباس الحسن والنعل الحسن هل هذا من الكبر فالذوق الرفيع من العناصر الإيجابية في الثقافة ، فالتناسب والتناسق في الأشكال والأشياء يعطي للإنسان راحة نفسية ، والمنظر القبيح المتنافر لا يوحي بأي خيال جميل ، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أزهد الناس ولكنه كان ينفر من ألوان معينة ، ويشجع الناس على النظافة والاهتمام بالمظهر الحسن وخاصة في المساجد وأيام الجمع والأعياد.
إن تربية الذوق الحسن في الأمة هو جزء من ثقافتها ومؤشر على درجة ثقافتها.
العنصر الثالث : المنطق العملي ( ارتباط العمل بالمقاصد ) :
إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة أو العقل المجرد، فهذا متوفر فهي بلادنا، ولكن ينقصه منطق ،العمل والحركة ، كيف يصرف المسلم وقته؟ كيف ينفق أمواله؟كيف يستغل علمه؟ مع الأسف إن جزءاً كبيراً من حياتنا يذهب عبثا ، فالمسلم أحيانا لا يفكر ليعمل بل لـيـقــول كلاماً مجرداً، بل أكثر من ذلك، فهو أحيانا يبغض الذين يفكرون تفكيراً مؤثراً، ولـنـنـظـر إلى الأم التي تربى ولدها فهي إما أن تبلده بمعاملة وحشية ، وإما أن ترخي له العنان وتتميع معه ، إن الوهن والسخف يطبعان منطق قولها 1.
العنصر الرابع : التوجيه الفني أو الصناعي ( التقنية الحديثة ):
عرَّف ابن خـلـدون الـصناعة بأنها: ملكة في أمر عملي فكري 2وهذا تعريف دقيق لما يسمى الآن (التقنية) فهي تحتاج إلى العلم والممارسة اليدوية حتى ترسخ مع الزمن وتصبح (ملكة) كما عـبـر عنها ابن خلدون ، وهذه الصناعة لا تكون إلا في مجتمع متحضر ، لأن المجـتـمـع الـبـدائي يحتاج إلى أمور بسيطة لا تحتاج لتقنية ، فوجودها يدل على درجة الـتـحـضر والـعـلـم ، فلابد أن يكون في المسلمين فئة تتقن هذه

(الصناعة) وتبدع فيها مما يناسب الإسلام والحضارة الإسلامية، وتبتعد عن شرور سيطرة (الآلة) على الإنسان، وهذا يحتاج لمجـلـس للـتـوجيه الفني ليحل نظرياً وعملياً المشكلة الخطيرة للتربية المهنية تبعاً لحاجات البلاد 3.
وإن الإمكانيات في البلاد الإسلامية لتسمح بتكوين القيادات التي تشرف على طريقة تنفيذ هذه (التقنية) وأن تخضع لثقافة المسلم وذوقه المتميز . هذه العناصر التي يرى الأســـتــاذ مـالـك بـن نبي أنها من مكونات الثقافة وأنها تحتاج لتوجيه معين لاشك أنها تصلح لكل مجموعة بشرية أو لكل أمة تبحث عن ثقافتها الخاصة ، وكأن مالك استلهم هذا التحديد من علماء الاجتماع والحضارات في أوربا ، وكـان الأولى أن يـذكــر زيادة على هذا العناصر الخاصة بالثقافة الإسلامية، إن عنصر الأخلاق مثلاً أو الذوق الجمالي يتبعان عقيدة المسلم وتصوراته الخاصة ، فهل يقال للمسلم يجب أن يكون عندك ذوق في الموسيقى أو النظر إلى فن التصوير؟! لاشك أن للمسلم خصوصياته في هذا المجال.










2-الثقافة وعلاقتها بعلم التاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع:
اعتمد مالك بن نبي في تحليله على عناصر الحضارة، و حدد شروط النهضة بناءا على الجانب الروحي في الإنسان، كباعث أساسي لقيام أية حضارة، وعلى دور العقيدة في تكوين الدوافع الاجتماعية، مع أنه كان يرى العلم والأخلاق أصلين من أصول الحضارة، وأن القابلية للاستعمار إنما هي مركب نفسي، يعني الخضوع والانصياع له، ويتضمن سلب الحريات والقيم والخيرات والمقدرات.
2-1 الثقافة والتاريـــخ:
حاول مالك أن يفهم الثقافة في إطار التاريخ، فوجد تطبيق الثقافة في نطاق التربية. لكن على الثقافة أن تتصل في معناها بالتاريخ، لذلك لا يمكن «أن نتصور تاريخاً بلا ثقافة، فالشعب الذي يفقد ثقافته يفقد حتماً تاريخه» 1. وبالتالي فإن معنى الثقافة يتحدد بما تحركه من قوى في الفرد وفي المجتمع، الأمر الذي يجعلها أشبه بحالة نفسية اجتماعية. وتتطور هذه الحالة بتطور المجتمع، لكن الأدق هو أن يتطور المجتمع تبعاً لهذه الحالة. وهذا يتطلب تحديد الثقافة في ضوء تصوّر وضعها التاريخي، أي بصفتها صيرورة. وتغدو «الثقافة هي تلك الكتلة نفسها بما تضمنه من عادات متجانسة، وعبقريات متقاربة وتقاليد متكاملة، وأذواق متناسبة وعواطف متشابهة، وبعبارة جامعة: هي كل ما يعطي الحضارة سمتها الخاصة: من عقلية ابن خلدون، وروحانية الغزالي، أو عقلية ديكارت، وروحانية جان دارك، وهذا هو معنى الثقافة في التاريخ».2
2-2- الثقافة وعلم الاجتماع:
ومن وجهة نظر علماء الاجتماع، فإن معنى مصطلح الثقافة ينحصر في الأفكار الرئيسة للمجتمع والتي تشمل عقائد ورموزاً وقيماً وأعرافاً. وهناك علاقة جدلية بين الطبيعة والثقافة، يتجلى فيها البعد التكويني الإنساني، أو الفعالية الإنسانية. فالثقافة وليدة الطبيعة، وهي أداتها لتغيير ذاتها وإعادة تغييرها مجدداً. ويرى تيري إيغلتون أن الطبيعة أداة فاعلة، لكن الثقافة: التراث الإنساني، أداتان فاعلتان. والعمل الإنساني هو الذي يهيئ الفرصة للتأثير. ومن دون الطبيعة لا ثقافة، ومن دون الثقافة لا تغيير في الطبيعة. والعمل الإنساني لحمة هذه العلاقة الجدلية وسداها.


2-3 -الثقافة وعلم النفـــس:
يرى ابن نبي (رحمه الله) أن العامل النفسي هو الذي يناط به توجيه النشاط والطاقات الاجتماعية.. والطاقات الاجتماعية يُبحث عن مفهومها في حقيقة الواقع الاجتماعي، وإذا حُللت إلى عناصرها الأولية فإنها تنحصر في ثلاثة: اليد، والقلب، والعقل، (لأن كل الطاقات الاجتماعية تنطلق منها، و العملية الاجتماعية نفسها لا تخرج عن هذه العناصر; فكل طاقة اجتماعية تصدر حتمًا من دوافع القلب، ومن مبررات وتوجهات العقل، ومن حركات الأعضاء، فكل نشاط اجتماعي مركب من هذه العناصر، لذا فأن رؤية بعض الناس أن الثقافة قضية الإنسان كونها تقوم على مجموع الاستعدادات والأفكار للفرد أي تقوم على الجانب الفردي والنفسي ،في حين يرى آخرون أنها قضية مجتمع إذ تمثل في نظرهم الصورة الاشتراكية لبنية هذا المجتمع، وللتوفيق بين للوجهتين أمكن إيضاح أن الثقافة هي علاقة تبادل بين الطرفين في الفكرة التالية، والتي مفادها حسب مالك انه من العسير ان نصل إلى تمييز موضوعي بين دور الفكرة ودور الشيء في ظاهرة التثقيف، إذ أننا ندرس عامة هذه الظاهرة في مرحلتها الحركية، أي في الحالة التي تكون فيها عناصرها مندمجة في حركة متواصلة،وفي هذه الحالة يصبح من العسير أن نحدد أيا من العناصر كــــان سببا في الحركة،فالفكرة والشيء إذن مرتبطان ومتعاونان تعاون الذراع والعجلة في الآلات التي تغير حركة أفقية إلى حركة دائرية،فالذراع هو الفكرة والعجلة هي الشيء 3 ،كما أن أي مجتمع في بدايته لايكون نشأ بعد عالم أشيائه، بل ماهنالك أن عالم أفكاره يبدأ في التكوين، إن النشاط الاجتماعي والثقافي لفكرة م،عندئذ يكون مرتبطا بالواقع ببعض الشروط النفسية والاجتماعية والتي بدونها تفقد الفكرة فاعليتها.









المبــحث الثــاني: تمايز الثقافات والأفكار،ومدى ارتباط الأفكار بالمجتمع والحضارة.
1-اختلاف الثقافات وتعايشها:
من الملاحظ أن وجود اختلافات ثقافية كبيرة وعميقة بين الشعوب أيمكن أن تصل في بعض الأحيان إلى حد التناقض بين شعوب العالم المختلفة، أي الاختلافات بين النظم الاجتماعية والعادات والتقاليد والمعتقدات، وأحيانا نجد نفس الاختلاف بشكل تقريبي موجود عبر المناطق المختلفة داخل الوطن الواحد والشعب الواحد 1،من عصر إلى عصر، وأحيانا يظهر بعض الاختلاف حتى خلال العصر الواحد في الوطن الواحد،من خلال نمط أو نسق ثقافي تنفرد به طائفة أو فئة معينة من أفراد المجتمع حيث يلاحظ مثلا انه من الرغم من وحدة السمات الثقافية الأساسية التي يفترض أن تكون سائدة في المجتمع ،توجد إلى جانب هذه العموميات بعض الخصوصيات المتعلقة بالفئات المهنية،أو فئات السن أو الجنس ينفرد بها أفراد هذه الفئة ويتميزون بهاو بعضهم عن بعض،فيتفرد الرجال ببعض أنماط السلوك المختلفة عن سلوك النساء،ويختلف المتزوجون عن العزاب، ويختلف التجار في الحضر عن الفلاحين في الريف، ويختلف الصغار عن الكبار، وقد يكون الاختلاف الثقافي أيضا راجع لاختلاف الديانات أو تعددها داخل المجتمع الواحد،فنجد لأتباع كل دين،أو طائفة سلوكا متميزا عن سلوك أفراد الطائفة الأخرى.
وإذا كان الشمول الثقافي الذي يعتمد على العموميات الثقافية في المجتمع هو الذي يحقق الوحدة الثقافية ويؤدي الدور الأول في التماسك والتلاحم والتفاهم والانسجام بين أفراد المجتمع،فان الخصوصيات الثقافية وان كانت لاتتعارض في وجودها من الناحية النظرة مع العموميات الثقافية،بل تتعايش معها حسب مبدأ علاقة الجزء بالكل، إلا أن هذه الخصوصيات(الطائفية منها واللغوية على وجه الخصوص) كثيرا ماتكون مدعاة إلى زعزعة التماسك الاجتماعي، وربما هددت وحدة المجتمع ككل داخل الوطن الواحد.






2-الأفكار والحضارة:
يؤمن مالكٌ بأنَّ الحضارة نتاج ترابٍ ووقتٍ وإنسان ، وأنَّ الفكرة تلعب دور المحرِّك الأساسي لهذه العناصر الثلاث. حيث يولي مالك بن نبي أهمية كبيرة للأفكار وتأثيرها على الفرد والمجتمع وبناء الحضارات فالفكر ركيزة هامة في حياة الشعوب، وهو دليل على حيويتها وتقدمها أو على العكس دليل على جمودها وتخلفها لأن نتاج العقل البشري الذي خلقه الله لهذه الغاية فالنجاح الفكري وسيلة للقضاء على الأفكار الميتة لأن "تصفية الأفكار الميتة وتنقية الأفكار المميتة يعدان الأساس الأول لأية نهضة حقه". 1
وكذلك فإن انحراف الأفكار عن مجراها بالنسبة للأفكار الجوهرية تبين لنا مقدرا عدم فعالية المجتمع مما يؤدي إلى الزيغ من جيل إلى جيل عن طريق الامتصاص وتعتبر الأفكار في هذه الحالة هي الجراثيم التي تكون كالعدوى الاجتماعية لنقل الأمراض. فينعكس المرض على المجتمع، وأحياناً قد يحدث انعكاس الفكرة المردودة فيعود ذلك بالخير بسبب اكتشاف بطلانها. 2
ولذلك رأى مالك الاستعمار دائماً يحاول القضاء على الأفكار البناءة التي تؤدي إلى وعي الشعب بمخاطر وجود الاستعمار ،مما يهدد هذا الكيان الاستعماري .







3-الأفكار والمجتمع:
إن الأفكار الميتة هي أفكار تركة ثقافية لم تصفَّ، والأفكار المُمِيتة هي أفكار تقليد أعمى، ( [1]) الأولى يعطيها مالك بن نبي اسما آخر وهو (الأفكار المطبوعة) بينما الثانية (الأفكار الموضوعة) ويقول أن الأولى هي التي تجذب وتنادي الثانية إلى المجتمع، وهذا الجذب يكون بطريقة الاختيار والنقاية وهذه النقاية (أي اختيار الأفكار المميتة الموضوعة) ستنتج عندنا نموذجها الأصلي (الفاسد) بلا مناعة – أي أنها ستنتج عندنا أفكاراً وأشخاصاً وأشياء فتاكة بالمجتمع كالتطعيم الزراعي، عندما ننقل إلى شجرة ضعيفة فرعاً من شجرة قوية مثلاً، فالفرع الجديد يثمر ثمرة شجرته الأصلية وليس ثمر الشجرة التي رُكِّب فيها. ( [2]) فالفرع الجديد لم يصلح الشجرة المعينة وإنما جاء بشجرته الأم ونقلها إلى مكان آخر.
ويضرب مثالاً آخر، فقد يكون معلوماً لدينا أن2 هيدروجين+ 1 أكسجين= يعطينا ماء، ولكن عند التطبيق نصطدم بأن هناك نقص في المعادلة هو غير ملحوظ "فجميع أنواع الحلول ذات الصيغة الاجتماعية التي نقتبسها عن بلاد أخرى ثبت فيها صلاحيتها، تشبه الصيغة الكيمائية المشار إليها، هي صحيحة في بلادها على وجه التأكيد، ولكنها تقتضي عند التطبيق عناصر مكملة لها تأتي معها، ولا يمكن في الواقع، أن تأتي معها، من حيث كان لا يمكن حصرها، ولا يمكن فصلها عن المحيط في بلادها، أي لا يمكن فصلها عن روحها". ( [3])
إن الازدواجية في سلوك المسلم ما بين المسجد وخارج المسجد، مردها إلى الأفكار المطبوعة الميتة والأفكار الموضوعة المميتة، ذلك أن الأفكار المطبوعة هي التي نهضت بها الحضارة في أول أمرها من نقطة البدء "فعندما تبدأ الأولى في الزوال والاختفاء من سطح اسطوانة(*) إحدى الحضارات تخرج عنها في البداية ترددات تشبه النشاز والصفير والحشرجة ثم يليها الصمت التام" ( [4]). وهو يرى أن التفلت عن الأفكار الأصلية يؤدي إلى تآكل تلك الأفكار وحلول الأفكار النشاز مكانها، فتستمر حالة الهبوط حتى يحل الصمت التام حين لا نرى أي رد فعل يتمثل في الطرب(**) عند سماع الألحان الجميلة أو النفور من الألحان الشاذة". ( [5])

إنها حالة الانفصام والجمود التي يعيشها مسلم اليوم الذي استورد أفكاراً ليست أفضل من أفكاره الميتة بل كانت الأفكار المستوردة (الموضوعة) أشد بأساً وأشد تنكيلاً، فهي قاتلة مميتة وبخاصة لأنها مقطوعة عن أصولها في بلادها فيقول "وبعد أن تصبح الأفكار الموضوعة مبتورة الجذور عن الثقافة الأصلية يغلبها الصمت هي الأخرى إذ ليس لديها ما تعبر عنه ولا تستطيع أن تعبِّر عن شيء، وعندما يصل المجتمع إلى هذه النقطة يفنى ويتحول إلى ذرات لعدم وجود دوافع جماعية... وبعد أن عاش المجتمع الإسلامي اللحظات المجيدة لميلاد الحضارة الإسلامية حيث ظهرت الأفكار المطبوعة في عصر النبوّة والخلافة الوضّاء... عاد في الوقت الحاضر يعيش في عصر صمت الأفكار الميتة... والألم أشد والحسرة أكبر عندما نحاول إحياء العالم الثقافي المشحون بالأفكار الميتة بالاستعانة بأفكار قاتلة مقتَبسة من حضارة أخرى". ([6])
لقد خذلنا أفكارنا الأصيلة، كما خذلنا الأفكار التي استوردناها ممسوخة عن واقعها الأصلي "لقد لُطِّخ سلوكنا الحالي بخيانة مزدوجة، فقَدَ المسلمون اتصالهم بالنماذج المثالية الخاصة معالمهم الثقافي الأصيل، ولم يتمكنوا بعد من إقامة الاتصال الحقيقي مع عالم أوربا الثقافي كما فعلت اليابان، وإننا اليوم نعاني من هذا الانخفاض المزدوج للقيم الأصيلة والمكتسبة، إن الأفكار المخذولة من كلا الجانبين تنتقم بشراسة ونحن في وقتنا الحاضر نعاني من هذا الانتقام المروع". ( [7])











المبحث الثالث: الأخلاق مبدءا وتوجيها وقيمة و أثرها في قيام الحضارة.
1- المبد ء الأخلاقي والديني في الحضارة الإسلامية:
إن دعوة الإسلام إلى ربط العلم والتقنية بالقيم الخلقية هو الجوهر الأساس لبناء الإسلام وإقامة حضارته بعد توحيد الله والإيمان بالغيب، ويطلق على هذه القيم: الأخلاق والأدب وتزكية النفس، لذلك نرى اهتمام الحضارة الإسلامية بالجانب السلوكي والتربوي للرفع من مستوى الإنسان المسلم في جميع مناحي حياته وتصرفاته، فالأدب كما يقول ابن القيم:" هو الدين كله " ( [8]) ويقول عكرمة مولى عبد الله ابن عباس: " لكل شيء أساس، وأساس الإسلام الخلق الحسن" ( [9]) . وحقيقة الأدب اجتماع خصال الخير، ولذلك قال رسول الله (ص( { أدبني ربي فأحسن تأديبي }. وقــــال له ربه: { وانك لعلى خلق عظيم } ( [10] ). وما بعـــث محمد رسول الله(ص) إلا ليتمم مكارم الأخلاق كما جاء في الحديث الشريف. والأدب يكون أولا مع الله ومع رسول الله(ص) ومع الخلق: بشرا وحيوانا ونباتا وجمادا، لذلك فإن وسطية الإسلام تبرز بشكل قوي في هذه الشبكة العظيمة للأخلاق والآداب التي تحيط بالإنسان في جميع أحواله وعلى جميع مقاماته ومستوياته ومختلف مسؤولياته، كما أحاطت الإنسان المسلم بأدعية وأذكار وكلها مرتبط بإصلاح الباطن. ومضمون تلك القيم يجعل المسلم متوازنا في حياته نافعا لمجتمعه بل للإنسانية جمعاء، وما يحيط بها من البيئة. وتجعله عنصر إسعاد لنفسه ولغيره. ولنأخذ مثلا لذلك التعامل مع الجار ومواجهة الجهل والجاهل، وحق الطريق، وحق المنابع المائية، وحق المرافق الاجتماعية، وحق الحيوان، وحقوق الوالدين وأصدقائهما، وحق المسلم على المسلم في شتى الأحوال والعلاقات، وحق الرحم ولو كانت كافرة، وحق المواطنين غير المسلمين، بل حق نفسه على نفسه، وحق أهله وأولاده... وهناك النوافل المختلفة وفروض الكفاية تجعل من المسلم العضو الصالح والنافع والمسهم بحيوية في تغذية المجتمع بثقافة الخير والمحبة والسلام، وهذه الثقافة تمتاز ما دامت تستمد تعاليمها من منابعها الصافية بالتماسك الداخلي وبالشمول والحيوية والبناء المطرد كالشجرة المباركة.




2- توجـــــيه الأخلاق:
من أهم التحديات التي تواجهنا بها العولمة تحدي الفساد الأخلاقي الذي يكتسح العالم بفعل غياب بعد الأخلاق في الحياة المعاصرة، والقيمة الخلقية أرقى من السلوك التجاري الذي يظهر في تصرفات الكثير، وليس الغاية من ذلك نداء الضمير بقدر ما هو بروتوكولات وإتكيت وبالتعبير الغربي ( Ethics )، وهناك فرق بين الخلق الذي هو ألصق بالفطرة ونداء الضمير والتزام التقوى، وبين الإثيكس بالمفهوم الغربي الذي يراعي المظهر الشكلي دون الجوهر.
لقد غدت الأخلاق بالمفهوم الغربي ذات بعد نفعي تجاري، فالرجل لا يكذب لأن سمعته تتأثر، فإذا لم تتأثر فليس في الأمر تثريب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التحلل من القيم صار موضة، وعلامة على الحضارة الغربية التي هتكت الأستار وعرّت الإنسان، وتجاوزت في إباحيتها كل وصف، وهذا الذي دفع كثيراً من الشباب إلى الاستقالة الاجتماعية من الحياة؛ إما عن طريق الانتحار بطرقه المختلفة، وإما بالانغماس في عالم الرذيلة والمخدرات والفجور، مما أصبح يهدد الأسرة بالانهيار والتفكك، ويقضي على قيم التآلف والرحمة والعطف، وكل القيم الروحية التي تفتح أمام الإنسان أبواب الأمل في الحياة الكريمة، وتخفف عنه آلام حضارة البعد الواحد.
3-القيمـــة الخلقية:
للقيمة الخلقية دور ريادي في تحقيق سعادة البشرية، وفي صياغة وجهة البنيان الاجتماعي، وتزويده بالمبررات الغيبية اللازمة لحفظ التوازن بين مطالب النفس وتطلعات الروح، وبين زخم الحركية الاجتماعية.
قول مالك بن نبي في موقع الأخلاق من البناء الاجتماعي: "إن القيمة الأخلاقية لها أهميتها في الحفاظ على البناء الاجتماعي والحضاري، إذ تحمي البنيان الاجتماعي من التفكك وتعطيه قيمة فوق أرضية، وتدفع النفَس الحضاري إلى الاستمرار في الإنجاز وتزوده بالمبررات التي هي أسمي من الكسب المادي وحياة الترف. ومن هنا ندرك سر القيمة الأخلاقية التي خص بها محمد _صلى الله عليه وسلم_ الفضائل الخلقية باعتبارها قوة جوهرية في تكوين الحضارات" 1.





4-أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة:
يرى ابن نبي أننا حينما نتأمل القرآن يبدو الدين ظاهرة كونية تحكم فكر الإنسان وحضارته، كما تحكم الجاذبيةُ المادةَ، وتتحكم في تطورها. والدين على هذا يبدو وكأنه مطبوع في النظام الكوني، قانونًا خاصًا بالفكر، الذي يطوف في مدارات مختلفة، من الإسلام الموحِّد إلى أحط الوثنيات البدائية. فهو قانون من قوانين الله عز وجل التي فُطرت عليها النفس الإنسانية.. وهو فضلاً عن أنه يغذي الجذور النفسية العامة، فإنه يتدخل مباشرة في العناصر الشخصية التي تكوِّن الأنا الواعية في الفرد، وفي تنظيم الطاقة الحيوية التي تصنعها الغرائز في خدمة هذا الأنا .
ثم يرجع ابن نبي إلى التاريخ باعتباره السجل الأمين للتحولات التي شهدتها البشرية، فيجد التاريخ يشهد أن الدين ثابت من ثوابت الشخصية الإنسانية، ليس هذا فحسب، بل إن الدين كان من وراء كل المنجزات البشرية، ولهذا فابن نبي ينتقد نظرية (توينبي ) في التحدي والاستجابة، لأنها وإن كانت تفسر قيام بعض الحضارات فإنها لا تفسر لنا قيام بعضها الآخر، كما ينتقد ما ذهب إليه (ماركس ) ومدرسة المادية التاريخية، إذ أن من الحضارات ما لا يمكن أن نفسر قيامها بالعامل المادي، مثل الحضارة الإسلامية، وحتى الحضارة الغربية نفسها، كما يتنقد ما ذهب إليه دعاة التفوق العرقي، وقيام الحضارات على أساس العرق، ويقدم الدين بديلاً تفسيريًا لقيام الحضارات ومنجزاتها عبر التاريخ. يقول ابن نبي: (كلما أوغل المرء في الماضي التاريخي، في الأحقاب الزاهرة لحضارته، أو المراحل البدائية، وجد سطورًا من الفكرة الدينية. ولقد أظهر علم الآثار دائمًا -من بين الأطلال التي كشف عنها- بقايا آثار خصصها الإنسان القديم لشعائره الدينية، أيًا كانت تلك الشعائر )، ليس هذا فحســـب، بل إن الحضــارات ما أشـــرقت إلا من أمثـــال الكعبة أو معبد سليمان، ومن هناك كانت تشرق هذه الحضارات لكي تنير العالم. ولهذا يقرر أن (الدين الذي هو التعبير التاريخي والاجتماعي عن هذه التجارب المتكررة خلال القرون، يعد في منطق الطبيعة أساس جميع التغيرات الإنسانية الكبرى، وإذًا فلن نستطيع أن نتناول الواقع الإنساني من زاوية المادة فحسب ).
فابن نبي لا يرى الفكرة الدينية نسقًا من الأفكار الغيبية فقط، ولا يقصرها على الدين السماوي فقط، بل هي قانون يحكم فكر الإنسان، ويوجه بصره نحو أفق أوسع، ويروض الطاقة الحيوية للإنسان، ويجعلها مخصصة للحضارة، وهي في نظره كل فكرة تقدم معبودًا غيبيًا ووعدًا أعلى، ابتداء من الإسلام الموحد إلى أحط الوثنيات. ولهذا فهو يعقد فصولاً، خاصة في كتابه (شروط النهضة )، لتحليل دورتين من دورات الحضارة; هما الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية لاستخراج السر الذي دفع بكلتا الحضارتين إلى مسرح التاريخ، وتحديد الموقع الذي

يمثله الدين في حركة الحضارة. وهو بتحليله لهذين الدورين ينتهي إلى تأكيد أن السر الكوني الذي يركِّب العناصر الثلاثة الأساسية للحضارة; الإنسان والتراب والوقت، ويبعثها قوة فاعلة في التاريخ هو الدين.
فكلتا الحضارتين تنطلقان (من الفكرة الدينية التي تطبع الفرد بطابعها الخاص، وتوجهه نحو غايات سامية ). بل أن ابن نبي يرى أن هذا القانون الدافع للحضارة لا نجده في الحضارتين: الإسلامية والغربية فحسب، بل يتعداه إلى بقية الحضارات التي سجلها تاريخ الإنسانية، كالديانة البوذية في الحضارة البوذية، والبرهمية في الحضارة البرهمية. أي أن كل حضارة في أساسها ذات مبعث ديني. ولا يمكن للحضارة أن تظهر في نظر ابن نبي إلا (في صورة وحي يهبط من السماء يكون للناس شرعة ومنهاجًا، أو هي -على الأقل- تقوم أسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبي بالمعنى العام ).
ومن هنا فالحضارة تبدأ عندما يمتد نظر الإنسان إلى أفق أعلى من يومه وعن حقبته التي يعيشها، ومن هنا ينبغي علينا أن نتتبع تأثير الدين من خلال تركيبه بين العبقرية الإنسانية والشروط الأولية للحضارة، أي تتبع ذلك (الاطراد بين الفرد والفكرة الدينية التي تبعث الحركة والنشاط).
الوظيفة الاجتماعية للدين:
إن الدين في ضوء القرآن له غايتان، فإن قـوله تعــالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )(الذاريات:56)، يبين أن الدين غايته أن يربط الأرض بالسماء، وهو حين ينشئ الشبكة الروحية التي تربط الفرد والمجتمع بالله، فإنه في الوقت نفسه يبني شبكة العلاقات الاجتماعية التي تتيح لهذا المجتمع أن يضطلع بمهمته الأرضية، وأن يؤدي نشاطه المشترك، وهو بذلك يربط أهداف السماء بضرورات الأرض.. فهذا القانون الذي بينته الآية، لم يرد أن يفصل الناس عن الأرض، ولكن أراد أن يفتح لهم طريقًا أعظم خيرًا ليضطلعوا بعملهم الأرضي.
من هذه الوجهة ينظر ابن نبي إلى الدين باعتبار أن له وظيفة الربط بالله عن طريق هذا الوضع الإلهي،
كما أن له أن يفتح آفاقًا أوسع للإنسان حينما يربطه بأبعاد السماء، ويرفع بصره إلى ما بعد حياته الأرضية. فهناك غايتان للدين; ربط الصلة بالله، وبناء شبكة العلاقات الاجتماعية التي تدخل بالمجتمع دائرة الحضارة.



وباعتباره يبحث عن القوانين التي تحكم التغيير الاجتماعي، وينظر في شروط البناء الحضاري، فإن ابن نبي يركز على الوظيفة الاجتماعية للدين، معتمدًا في ذلك على الاعتبارات النفسية الاجتماعية بالإضافة إلى الاعتبارات التاريخية. فهو يختبر هذه الوظيفة من ناحيتين; من ناحية تسجيل الفكرة الدينية في النفوس، ومن ناحية تسجيل الفكرة الدينية في التاريخ، وهو ما بينه في كتابه (شروط النهضة ) ، وهذا الاختبار لعمل الفكرة الدينية، جعله يختار دراستها في إطار دورتين حضاريتين مختلفتين، هما; دورة الحضارة الإسلامية، ودورة الحضارة الغربية.
فمن الجانب التاريخي، يتتبع ابن نبي كيفية عمل الفكرة الدينية، من خلال الحقائق التاريخية المنقولة، أما من الناحية
النفسية الاجتماعية، فإنه يتتبع بالتحليل والتركيب كيفية دخول الفكرة الدينية في بناء الشخصية الإنسانية، وكيفية دخولها في تركيب ثقافي معين، وكيفية إحداثها للتغيير الاجتماعي، ثم كيف تصبغ تجربة معينة من خلال إعطائها المبررات المتمثلة في المثل الأعلى. وما دام الموضوع متعلقًا بالحضارة الغربية، فإن تركيز البحث سيكون حول المسيحية وبديلاتها الدينية واللادينية في الحضارة الغربية.
و لهذا فهو يقرن ميلاد الحضارة الغربية بتسجيل الفكرة المسيحية في النفوس، يقول: (إن الفكرة المسيحية قد أخرجت أوروبا إلى مسرح التاريخ. ولقد بنت عالمها الفكري انطلاقًا من ذلك. ومع عصر النهضة استعادت اكتشافها العالم الإغريقي فتعرفت على (سقراط) باعث الأفكار، و(أفلاطون) المؤرخ لتلك الأفكار، و(أرسطو) مشرعها. غير أن هذا العالم الذي التقت به ثانية وهي تقتفي أثر الحضارة الإسلامية قد اكتسى منذ (توماس الأكويني) صبغة مسيحية .
فالمسيحية تُعتبر في نظر ابن نبي دافعًا أساسيًا في تشكيل أوروبا ككيان حضاري، بالرغم مما أضيف إليها من بعد إغريقي. كما يؤكد ذلك (توينبي ) نفسه، بأن المسيحية كانت مركبًا مهمًا من مركبات الحضارة الغربية، واعتبرها من الأديان الكبرى التي ارتبطت بحضارات تاريخية، فإذا كانت البوذية ارتبطت بالصين والهندوسية بالهند والإسلام بالحضارة الإسلامية، فإن المسيحية ارتبطت بالحضارة الغربية. وابن نبي نفسه يحيلنا إلى الغربيين بقوله: هكذا يجب أن نلتفت نحن إلى مختبر التاريخ ليدلنا على المركب الذي تدخل في تركيب العناصر الثلاثة: الرجل، والتــراب، والوقـــت، كيما يكونــها حضــارة. ولا أريد هنا إطالة الكلام على تأثير الدين كعامل مركب للحضـــــارة، فمـــن درس تـــاريخ الحضـــــارة الغربـيــــــة، (تويـــــنــبي) أو (ماسيس)، يرى أثر الفكرة المسيحية في تركيبها .

وهذا (برنال ) في كتابه (العلم في التاريخ ) عندما يتحدث عن حركة الإصلاح البروتستانتي يقول: كانت الحركات التي قضت على الإقطاع والنفوذ الكنسي هي نفسها التي قضت على العبودية والأنظمة المتخلفة المتوارثة، وكما في السياسة كذلك في العلم حدثت ثورة على التقاليد، التي حررت عقل وإبداع الإنسان وأخرجته من الدائرة الضيقة التي كان مسجونًا فيها ، وهذا هو الدور الذي كان ابن نبي ينظر إليه بقوله: إن الفكرة المسيحية شكلت أنا الأوروبي أو ذاته، كما صاغت منظر أوروبا الذي نشهده في منتصف هذا القرن .
وبما أن الفكرة الدينية تشكل الأنا، الفردي والجماعي، فإن هذه الفكرة المسيحية كانت المشكِّل الأول للفردية الأوروبية، والأنا المتفوق الذي كان يشعر به الغربي في بداية حملة التوسع الاستعماري الغربي في العالم، يقول (هانتنجتون ): (المسيحية الغربية -الكاثوليكية أولاً ثم البروتستانتية- هي المميز التاريخي الوحيد الأكثر أهمية في
الحضارة الغربية. وفي الحقيقة، خلال الألفية الأولى -ما صار يعرف اليوم بالحضارة الغربية- كان يسمى الغربي المسيحي. وهناك شعور مسيحي مشترك بين الغربيين يجعلهم يحسون بروابط بينهم تميزهم عن الترك والبيزنطيين وغيرهم ..
بل إن المسيحية كانت الفكرة الوحيدة، والدافع الأخلاقي الذي وظفته أوروبا -كما سبق- لغزو العالم، يقول ابن نبي: في هذا المجتمع ذي الفضائل الجاذبية الأثرة -التي سنت التعاون وجهلت سنة الضيافة- أودعت المسيحية (خميرة) التوسع الأخلاقي، الذي استخدم فيما بعد ذريعة للحروب الصليبية، وللمشاريع الاستعمارية . بل كما يرى (هانتنجتون ) أن الغربيين في القرن السادس عشر لما انطلقوا في غزوهم للعالم، كان ذلك من أجل الله ومن أجل الذهب أيضًا. ويستشهد ابن نبي بالتفسير الذي ذهب إليه (كسرلنج ) الذي يرى الحضارة الغربية الأوروبية باعتبارها تركيبًا مكونًا من روح المسيحية وتقاليد الجرمانية. ومن قبله المؤرخ الفرنسي (جيزو ) الذي كان ينظر إلى الأشياء من هذه الزاوية نفسها قبل (كسرلنج ) بقرن كامل.
كل هذا التأكيد من ابن نبي على أن المسيحية كانت المفعِّل الأول لشروط الحضارة الأولية في الغرب، يدفعنا إلى التساؤل عن موقع اللادينية، أو بتعبير أصح ما موقع الماركسية ؟ وما موقع المادية من تفسيره لدور الدين ؟ أين الدين في التجربة الماركسية، بل وفي أوروبا الحداثة وما بعد الحداثة ؟
يرى ابن نبي أن المسيحية التي شكلت الغرب، ليست هي مسيحية عيسى عليه السلام والحواريين، وإنما هي المسيحية التي نمت في أوروبا وسجلت وجودها النفسي في الغرب بعد ثلاثة قرون من تسجيلها في التاريخ،

وخضعت خلال ذلك كله إلى تشكيل خاص أدخل في تكوينها البعد الإغريقي واليهــودي، مما يمكن أن نسميها الفكرة الإغريقية اليهودية المسيحية، وصارت تشكل الإطار النفسي الذي تتشكل فيه الخميرة الأخلاقية، وينمو فيه الأنا الغربي، فرديًا كان أو جماعيًا.. وبما أن الديـن سنة مرتبطة بالوجــــود الإنساني كما سلف، وهو سنة مفتوحة كما أشار (باقر الصدر ) من قبل، فإن الفكرة الدينيــــة تبـــقى تعمل، وتقـــوم بـــدورها الاجتمـــاعي ما بقيت متمسكة بقيمتها الغيبية... أي بقــدر ما تكون معــبرة عن نظرتـــنا إلى ما بعد الأشياء الأرضية ، وعندما تفقد هذه القيمة الغيبية، فإنها تترك مكانها، أو تعمل بواسطة بديلاتها اللادينية نفسها، وهــذا ما حدث في الغرب، عندما كانت المسيحـــية لا تملك بعدًا غيبيًا متماسكًا، فإنها بقيت إطارًا أو بنية تحتية أنتجت الماركسية، التي هي في حقيقتها دين بمفهـــومها العـــــام بمــــا تقدمــــه من تفــــسير للنظرة الكونيـــة، وبما تقـدمه من وعــــود، وبما قامت به من ربط ودفع نفسي لمعتنقيها.
فالمادية إذًا مفهوميه دينية في حقيقتها حينما تطرح نفسها بديلاً للدين.
وخلاصة الحديث عن الفكرة الدينية، أن ابن نبي يستعمل مفهوم الدين باعتباره تلك السنة التي فطر الله عليها الإنسان، وأن الدين وحده هو المركب الحقيقي للقيم الحضارية، وهو يعطي شرارة الانطلاق لتدخل الحضارة في التاريخ، وتتحقق في عالم الإنجاز.

1 "مالك بن نبي - مشكلة الثقافة/ص71

1 مالك بن نبي –شروط النهضة ص147

2 مقدمة ابن خلدون 2/935

3 مالك بن نبي – شروط النهضة ص 149

1 مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ص76

2 مالك بن نبي –مشكلة الثقافة،ص 77

3 نفس المرجع السابق،ص44

1 كتاب هذي هي الثقافة،د.احمد بن نعمان،ص226

1 مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص83 )
2( مالك بن نبي، مشكلة الأفكار، ص158)



1مال بن نبي- مشكلة الأفكار، ص197.

2 المصدر نفسه، ص202-203، 206.

3 مالك بن بني، ميلاد مجتمع، شبكة العلاقات الاجتماعية، ترجمة عبدالصبور شاهين. (طرابلس: دار الإنشاء، 1974)، ص96.

* استعارة تصريحيه، حيث شبه فترة الحضارة باسطوانة تسجيلية.

4 مشكلة الأفكار، ص84.

( **) استعارة مكنية، حيث شبه التأثر بالأفكار الموروثة أنه طرب بألحان جميلة، وعدم التأثر أنه نفور من الألحان الشاذة.

1 مالك بن نبي-مشكلة الأفكار، ص89.

2 المصدر نفسه، ص90-91.

3 المصدر نفسه، ص217.

1 مدارج السالكين2 / 384.

2 مشكلة الثقافة ص 81 للأستاذ مالك بن نبي - دار الفكر المعاصر - بيروت- دار الفكر - دمشق- ط4- سنة 1420هـ 2000م.

3 سورة القلم آية: 4.

1 مالك بن نبي- كتاب وجهة العالم الإسلامي، ص30


المبحث الأول: مشكلة الحضارة والمفهومية والثقافة لدى الأمة الإسلامية
1-مشكلة الحضارة :
إن مشكلة الحضارة كما يراها مالك بن نبي: هي مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب، ومشكلة الوقت، ويتم التفاعل بين هذه العناصر الثلاثة بفكرة دينية، وهو ما رافق تركيب الحضارة (أيُّ حضارة) عبر التاريخ، وهذه الصيغة تأخذ شكل المعادلة التالية:
إنسان + تراب + وقت + فكرة دينية حضارة ( [1])
فالإنسان هو الذي يعتنق الفكرة ويتفاعل بها فيصبح إنساناً فعّالاً يستثمر التراب والوقت وينطلق من فكرته الدينية نحو ثقافة خاصة به ليبني بذلك جميعه: حضارة.
من مشكلات هذه المعادلة تنشأ عندنا في العالم الإسلامي اليوم: المشكلات الثقافية والفكرية، والاجتماعية، والدينية، والاقتصادية، والسياسية، وهي مشكلات تطرق إليها مالك بن نبي على أنها: مشكلة الإنسان ومشكلة التراب ومشكلة الوقت ومشكلة الأفكار ومشكلة الثقافة، ومشكلة الاقتصاد ومشكلة الروح...إلخ، منطلقاً من معادلته الشهيرة سالفة الذكر، وسيتركز هذا البحث على مشكلات الثقافة والفكر، والمشكلات الدينية باعتبارها حازت على الأولوية والكثافة في كتابات مالك بن نبي، فهو يرى أن أخطاءنا تتكون في عقولنا قبل أن ترتسم على صفحة الوجود، فالمشكلة التي نواجهها هي مشكلة فكرية، وعقلية قبل أن تكون مشكلة سلوكية، رغم الترابط بينهما، ومشكلات الثقافة والفكر والتربية هي في واقعها مشكلة واحدة ترتبط جزئياتها برباط وثيق، وليس سليماً أن نتناول أجزاء منها بالعلاج ونترك أجزاء أخرى، فالعلاج يجب أن يطالها جميعاً.
ينطلق فكر ابن نبي من سؤال لا يزال يلح على الـمسلمين منذ أن صدموا بالحضارة الغربية وهى تطرق الأبواب وتدخل من كل المنافذ ، وكان السؤال: ما هي أسباب تقهقر المسلمين؟ وما هي شروط النهضة ليستعيد المسلمون دورهم وفـاعـلـيـتـهم المفقودة وليكونوا شهداء على الناس؟. وكانت الإجابة عن هذا السؤال هي محور كتابات وأقـوال الـذيـن تصدوا لحركة الإصـلاح والنهـوض بالأمة على اختلافهم في القرب أو البعد عن الصواب. بل إن كـثـيـراً منهم كانوا "لا يعالـجـون المرض بقدر ما


يعالجون أعراضه" (1) ، وأما الإجابة المتبادرة: (لابد من العودة للدين) فـهـي وإن كـانـت صـحـيحة بلا شك ولكنها بحاجة إلى تفاصيل، فـعـنـدمـا نـدخـل في عمق الموضوع ونبدأ بالعمل سنجد أن هذا المسلم المقتنع بهذا الجواب يحمل بين جنبيه أمراضاً اجتماعية وفكرية ونفسية تعيقه عن فهم الكتاب والسنة فهماً صحيحاً ، ليتحول هـذا الـفـهـم إلـى فعالية للتغيير ، وهذه الأمراض كانت نتيجة تراكم عصور من الابتعاد عن العلم النافع والعمل المثمر ، فالأمة الإسلامية (كالفارس الذي أفلت الركاب من قدميه ولم يسترده بعد ، فهو يحاول أن يستعيد توازنه ) (2).
كيف نصوغ عقل هذا المسلم مرة أخـرى حـتـى يـعـود إلـى فعاليته؟ من هنا ينطلق ابن نبي ليقول: "إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارية ، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية ، ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها" (3) . فالمسلم الآن لا يعيش حالة (حضارة) وإنما هو من بقايا حضارة وهي الحضارة الإسلامية طبعاً ، ولابد من إدخاله مرة ثانية في دورتها، فالإنسان السابق على الحضارة (العربي قبل البعثة مثلاً) هو مثل جُزَيء الماء قبل وصوله إلى خزان ينتج الكهرباء ، فهذا الجزيء منطو على طاقة مذخورة ، قابل لتأدية عمل نافع ، ولكن هذا الجزيء يفقد طاقته بعد أن استنفذها في إنتاج الكهرباء ، وإذا أردنا أن نعيد له قوته علينا أن نرفعه مرة ثانية إلى مكان عال، أو أن يتبخر ثم يتكثف ليعود جزءاً من طاقة مائية تقع قبل خزان معين" (4).
ورفع المسلم إلى هذا المكان السامق لا يتم إلا بشحنة إيمانية عالية وأخلاق كأخلاق الصحابة، ولا يتم هذا إلا (بتوتر روحي) حسب تعبير مالك.









2-مشكلة المفهومية:
يعبر مالك بن نبي عن الفرد ذو الثقافة والمتفاعل في مجتمعه، أنه (شخص)، "فكلمة شخص تعني تغيير في المجال الثقافي الذي يدين له الفرد ليصبح شخصاً" ([2])، ولكي تتم عملية تغيير مجتمع أو فرد إلى شخص، هناك شرطان لابد من تحققهما:
أولاً: أن يقتنع الإنسان بالفكرة الموجِّهة لمناهجه في الحياة.
ثانياً: أن يُقنع الآخرين بهذه الفكرة. ( [3])
فباقتناع الفرد بالفكرة التي تؤلف الطاقات وتفعيلها نحو بناء الحضارة، وقيامة بدور المستقطِب لها والداعي إليها، يتجه المجتمع نحو التغيير الشامل ولكن بصورة بطيئة، وإنما أكثر ضماناً للتغيير المطلوب.
- إن إدراك كون مشكلتنا أنها نابعة من العقل والفكر، يضع يدنا على مفتاح التغيير والعلاج لمشكلاتنا بمختلف أنواعها، يقول مالك بن نبي: " إن مشكلتنا ليست فيما نستحق من رغائب بل فيما يسودنا من عادات وما يراودنا من أفكار، وفي تصوراتنا الاجتماعية بما فيها من قيم الجمال والأخلاق وما فيها أيضاً من نقائص تعتري كل شعب نائم.... إن جوهر المسألة هو مشكلتنا العقلية." ( [4])
- أن نعي أن مشكلتنا ليس في الإسلام- الذي يجب أن نحمله بأصالته- لكنها في المسلم، "فمما لا جدال فيه أن الإسلام قد احتفظ بإمضائه الذي صيغت به الحضارة الإسلامية كدرة فريدة في التاريخ، ولكن المسلم هو الذي فقد استخدامه الاجتماعي" ( [5]) .
لقد استعصى الإسلام على الطاعنين فيه، ومنهم كثير من المستشرقين، وأثبت صحته في كل زمان، فلم تعد المشكلة في إثبات صحة الإسلام:" إن المشكلة ليست في الدفاع عن الإسلام الذي يجد في جوهره حصانة من عطاء الله إليه، ولكن في تعليم المسلمين كيفية الدفاع عن أنفسهم بما في الإسلام من وسائل الدفاع" ( [6]) .
- وما دمنا نعاني من الازدواجية في السلوك النابعة من الانفصال بين الجانب الاجتماعي والجانب النفسي فلابد لمعالجتها " أن تكون لدينا فكرة عليا تصل ما بين الروحي والاجتماعي وتجري من

جديد تركيب الشخص المسلم بحيث يتماثل مع ذاته، في المسجد وفي الشارع" ( [7]) .إن إدراكنا ووعينا لأهمية وجود مثل هذه الفكرة العليا هو جزء مهم من علاج مشكلاتنا.
- أن نعي أن الحضارة تسبق، وتلد منتجاتها، " فمن المعلوم أنه حينما يبتدئ السير إلى الحضارة، لا يكون الزاد بطبيعة الحال من العلماء والعلوم، ولا من الإنتاج الصناعي أو الفنون، تلك الأمارات التي تشير إلى درجة ما من الرقي، بل إن الزاد هو (المبدأ) الذين يكون أساساً لهذه المنتجات جميعاً" ( [8]) .
- أن نعرف دورة حضارتنا، كيف بدأت، وكيف يمكن أن تعود؟ فبمجرد اعتناق العرب للإسلام كيّفوا حياتهم وفقاً لمبادئ الإسلام وكبتوا غرائزهم فنهضوا بسرعة، ولابد من أن نعيد حضارتنا من جديد باعتناقنا الإسلام بصورة تتكيف معه حياتنا فيصبح هو واقعنا ( [9]) .
- أن نعي وندرك أن مشكلاتنا ليست في نقص الموارد، وإنما في المناهج أو الأفكار ( [10]) .
- أن نعي وندرك الخطر الملم بالعالم الإسلامي ليتولد لدينا حالة قلق تدفعنا نحو التغيير وإصلاح الواقع، حالة القلق هذه هي التي تبعث في الفرد "الفعالية" ( [11]).
فكلما توجه تفكير الفرد نحو مشكلات مجتمعه، وشعر بضرورة إصلاح الأوضاع القائمة واهتم لذلك بشكل أصبح يقلقه ويوتِّره، فإن ذلك هو بداية الطريق نحو الإصلاح والتغيير، فإن الشعور بالظلم مثلاً هو بداية الانفلات من الظلم، وهكذا.
- أن نعي ونعرف حقيقة المجتمع الغربي، وهبوطه الأخلاقي، فالغربي لا يحمل فضائل للآخرين، بل يستغلهم ويستغل ثرواتهم تحت شعار الاستعمار، ولما يضجر من زيادة الرفاهية لديه، فإنه لا يتصدق أولا يتكافل مع الشعوب الفقيرة بل يعدم منتجاته الفائضة ليحافظ على السعر وعلى السوق وعلى خضوع تلك الشعوب الفقيرة .( [12])




3-مشكلة الثقافة:
رأى مالك بن نبي فرْقاً بين الثقافة والعلم أو المعرفة، حيث الثقافة نظرية في السلوك أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة، ( [13]) وضرب للتدليل على ذلك مثلاً: أن سلوك فردين ينتميان لمجتمع واحد ومستوى علمي مختلف كطبيب وراعي انجليزيان، يتميز بتماثل معين في الرأي إزاء مشكلات الحياة مما يمثل (الثقافة الإنجليزية)، بينما يختلف سلوك طبيبين من مجتمعين مختلفين، ومن هنا خرج مالك بن نبي بتصور لمفهوم الثقافة: "فالثقافة إذن ُتعرَّف بصورة عملية على أنها مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته". ( [14]) أو هي: "جو من ألوان وأنغام، وعادات وتقاليد، وأشكال وأوزان، وحركات تطبع على حياة الإنسان اتجاها وأسلوباً خاصاً يقوي تصوره ويلهم عبقريته ويغذي طاقاته الخلاقة، وإنها الرباط العضوي بين الإنسان والإطار الذي يربطه". ( [15]) أي بين الإنسان ومجتمعه، ومن هنا رأى أن "الثقافة ليست علماً خاصاً لطبقة من الشعب دون أخرى، بل هي دستور تتطلبه الحياة العامة... وهي الجسر الذي يعبره المجتمع إلى الرقي والتمدن... والحاجز الذي يحفظ بعض أفراده من السقوط من فوق الجسر إلى الهاوية". ( [16])
بناءً على هذه التعريفات حدد مالك بن نبي مشكلة الثقافة في العالم الإسلامي ورآها أنها مشكلة ذات شقين:
‌أ- فقدان المجتمع الإسلامي لشبكة الاتصالات الثقافية.
‌ب- ضعف الطبقة المثقفة .( [17])
فالأولى تعني تفريغ معنى الثقافة من محتواه الحقيقي، فتصبح ثقافة لا سلوكية. ولا يرتبط بها جميع أفراد المجتمع، والثانية تعنى قصور الطبقة المثقفة فتصبح طبقة متعالمة تدعي العلم ولا تتفاعل مع المجتمع، فهي طبقة ليست فعّالة.
ومن هنا؛ يصبح التخلف قرين اللافعالية الفردية في المجتمع، ولا يمكن تخفيض هذه اللافعالية بواسطة المدرسة فقط، ( [18]) فالمدرسة لا تحل وحدها مشكلة الثقافة، فقد يكون الفرد متفوقاً دراسياً قياساً بآخرين


غرباء، لكنهم أكثر فعالية منه، وقد ضرب مالك بن نبي مثلاً الطالب الجزائري الذي يتفوق دراسياً على زميله الأوربي واليهودي معاً،
لكنهما يتميزان عنه بفعاليتهما، فالمتعلمين الجزائريين وقفوا حائرين أمام منع التدريس المدرسي الذي فُرض على يد حكومة ديغول، بينما يهود الجزائر جعلوا من بيوتهم مدارس، دلالة فعاليتهم. ( [19])
ورأى مالك بن نبي أن من مظاهر المشكلة الثقافية هو ما نراه ونلمسه في مجتمعاتنا من أثقال التقاليد والحرفية اللغوية والجدل والعادات المتخلفة المتراكمة، والنزعة إلى الكم، والاهتمام بالشعر على حساب غيره، ( [20]) فالغرام بالكلمات يفقد الإنسان فاعليته وتصبح هناك فجوة بين الكلام والعمل، أدركها الاستعمار واستثمرها "فكرومر عميد الاحتلال البريطاني في مصر كان لا يرى في حرية الصحافة خطراً، إدراكاً منه أن العربي إذا كتب وهاجم أوخطب، شعر بأنه أدى واجبه، وبالتالي تروج في سوق الثقافة آلاف الكلمات غير المرتبطة بالواقع، فتتحول إلى عادة ثقافية تفرغ العمل الجاد وتجهض قوى التغيير" ( [21]) .



خــــــــــــــــاتمة
إن شمولية فكر مالك بن نبي مَعْلماً بارزاً في شخصيته، وقد ناقش مشكلات العالم الإسلامي مناقشة جادة، جعل مردَّها إلى عدم تفاعله بالفكرة الإسلامية الحقيقية، وانحرافه عنها. ومن هنا نشأت المشكلات الثقافية والفكرية، والاجتماعية، والدينية، والاقتصادية، والسياسية، لأنه انحراف شامل عن الفكرة الإسلامية الشاملة. وجمود شامل أصابها بتقاعسنا عن حملها على وجهها الصحيح، وبعبارة: (عدم تفاعل المسلم بالإسلام الحقيقي).
والمخرج من هذه المشكلات: هو تنقية الفكرة الإسلامية مما علق بها من تراث لا يناسب نهضتنا الجديدة وانطلاقتنا نحو الحضارة، وتنقيتها من سلبيات الأفكار المستوردة، وحمل الفكرة الإسلامية من جديد كما نزل بها الوحي، وتفعيلها في واقعنا لننهض من جديد.
نرجو أن نكون قد وفقنا إلى حد ما في الإلمام بجوانب هذا البحث ،وأن يكون هذا الأخير مفيدا للقراء والباحثين في المستقبل إن شاء الله تعالى.













المبحث الثاني: ارتباط الدين بالحضارة وأثر أفكار الإسلام والقرءان في بناء هذه الحضارة.
1-الديـــن والحضارة:
لقد وضع مالك بن نبي معادلته الشهيرة التي بيَّن فيها رأسمال الحضارة_ أيّ حضارة_ فمعادلته هي:(حضارة = إنسان +تراب +وقت) وأنه لا يتم التفاعل بين العناصر الثلاثة إلا بتدخل مركِّب معيَّن هو (الفكرة الدينية) وهي التي رافقت تركيب الحضارة عبر التاريخ ( [22]) ، ويؤكد على أهمية الدين في مبعث الحضارات فيقول:" الحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية... فالحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء يكون للناس شرعةً ومنهاجاً، أو هي _على الأقل_ تقوم أُسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبي وكأنما قدر الإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية أو بعيداً عن حقبته" ([23]) .
ولكن كيف يتم تكييف (ضبط وتوجيه وتفعيل) الفكرة الدينية للطاقات الحيوية (الفطرية) وإخضاعها لنظامها؟ للإجابة على هذا السؤال الذي يبين أهمية الدين في نشوء وارتقاء الحضارات، نلخص ما أورده مالك بن نبي:
- إنسان الفطرة (أو إنسان ما قبل الحضارة) هو إنسان طبيعي، تتولى الفكرة الدينية إخضاع غرائزه لعملية تكييف تتمثل بـ (الكبت) بمفهومه في علم النفس، فهي لا تقضي على الغرائز ولكن تكبتها "وفي هذه الحالة

- يتحرر الفرد جزئياً من قانون الطبيعة المفطور في ذاته، ويخضع وجوده كله للمقتضيات الروحية التي أوجدتها الفكرة الدينية في نفسه بحيث يمارس حياته في هذه الحالة الجديدة طبقاً لقانون الروح، ومن أمثلة ذلك: تحمُّل بلال بن رباح، واعتراف الغامدية على نفسها بالزنا ( [24]) .
- ويواصل المجتمع تطوره وتكتمل شبكة علاقاته الداخلية بقدر امتداد شعاع فكرته في العالم فتنشأ المشكلات المادية لهذا المجتمع الوليد نتيجة توسعه، كما تتولد ضرورات جديدة نتيجة اكتماله، فتسلك الحضارة منعطفاً جديداً (تمثله مرحلة النهضة في أوروبا_ أو استيلاء الأمويين على الخلافة) وهو منعطف "العقل"، "غير أن هذا العقل لا يملك سيطرة الروح على الغرائز، وحينئذ تشرع الغرائز في التحرر من قيودها بالتدريج ويكفّ

- المجتمع عن ممارسة ضغطه على الفرد.. وكلما واصل التاريخ سيره، واصل التطور عمله في نفسية الفرد، وفي البناء الأخلاقي للمجتمع، الذي يكفّ عن تعديل سلوك الأفراد، وبقدر ما تتحرر هذه النزعة من قيودها في المجتمع، ينكمش التحرز
- الأخلاقي في أفعال الفرد الخاصة شيئاً فشيئاً (وتبرز الأنا) ( [25]) ، وبعبارة أخري: " نلاحظ نقصاً في الفاعلية الاجتماعية للفكرة الدينية، وإن هذه الفكرة تتناقص دائماً، منذ أن دخلت الحضارة منعطف العقل"، ويرافق ازدهار الحضارة ظهور أمراض اجتماعية لا ينتبه إليها المؤرخون وعلماء الاجتماع في وقتها لعدم إحساسهم بها، وبهذا "تواصل الغريزة _ المكبوحة الجماح بيد الفكرة الدينية – سعيها إلى الانطلاق والتحرر وتستعيد الطبيعة سيطرتها على الفرد، وعلى المجتمع شيئاً فشيئاً، فإذا ما بلغ هذا التحرر تمامه، عادت الغرائز إلى سيطرتها على مصير الإنسان، وبدأ الطور الثالث من أطوار الحضارة بظهور الغرائز التي تسفر عن وجهها تماماً. وهنا تنتهي الوظيفة الاجتماعية للفكرة الدينية" ( [26]) .
وهكذا تفعل الغريزة فعلها في الإنسان وحضارته، فكلما استجاب الإنسان لنداء بطنه وفرجه انحطت قيمته، وكلما علا على غرائزه ومتطلباته حتى الأساسي منها، ارتفعت قيمته. وقد أشار الرسول (ص) إلى شيء من ذلك عندما قال: (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ( [27] )) فارتكاب الذنوب، والتي هي صورة من صور الغرائز يحرم الإنسان من الرزق، وأظنه يحرم المجتمع الإسلامي من الحضارة التي توفر له مستوى معيشي واجتماعي راقي.








والشكل التخطيطي التالي يبين دورة الحضارة في التاريخ ( [28]):

إنه لكي تبدأ نهضتنا في الاتجاه الصحيح نحو الحضارة لابد من عودتنا إلى إسلامنا الصحيح الأصيل، نحمله بإيمان وفعالية فيتلبس كل حياتنا ونكبت به غرائزنا، كغريزة حب الحياة وكراهية الموت، وغيرها. وعندها فقط ننطلق من نقطة أفول حضارتنا السابقة لنبني حضارة نكون فيها شهداء على الناس.










2-القيمة الاجتماعية لأفكار القرءان:
عند بوادر الحضارة لا يطرأ التغيير على الأشياء والعلوم ولكن على الأشخاص الذين يحملون الفكرة الدينية ويُصْبَغون بها صِبغة جديدة، كما نزل القرآن على الجيل الأول، فحدد علاقات اجتماعية جديدة، بُنيت عليها الحضارة الإسلامية، وهي: التآلف والإخاء، الذي مَنّ الله به على المسلمين ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ( ( [29]) بالإضافة إلى الطاقات الحيوية أو الفعّالية، بحيث يتحمل الصحابي، أو المسلم في كل زمان يتمسك فيه بدينه، كل الصعاب ولا يعرف المستحيل فينهض ويبني ويؤسِّس حضارة في زمن وجيز لم يسبقه إليه أحد ولم يدركه بعده أحد ( [30]) .
ويجعل مالك بن نبي من التمسك بالإسلام الحقيقي والبناء على أساسه وتفعيله، أساساً للنهوض: " إن علمية إعادة التنظيم والتوجيه (البناء والتفعيل) ينبغي أن تكون المهمة الأولى في خطة النهضة الإسلامية، لأن تحقيقها هو الذي يوجد الشرط الأول لتحويل الجهود في نطاق هذه النهضة إلى جهود فعّالة، وقد تم هذا العمل في المجتمع الإسلامي الأول بفضل رعاية الفكرة القرآنية، لا على أنها مفاهيم تدرَّس، وتعلَّم على يد فقهاء في الشريعة، ولكن على أنها "حقيقة" عاملة مؤثرة، تجمع في نظامها مباشرة كل ما يقوم به الفرد من أعمال وإشارات" ( [31]).
وعن التربية الاجتماعية قال مالك بن نبي:" إنه لكي يمكن التأثير في أسلوب الحياة في مجتمع ما، وفي سلوك نموذجه الذي يتكون منه، وبعبارة أخرى: لكي يمكن بناء نظام تربوي اجتماعي ينبغي أن تكون لدينا أفكار جدّ واضحة عن العلاقات والانعكاسات التي تنظم استخدام الطاقة الحيوية، في مستوى الفرد وفي مستوى المجتمع"([32])، فالله تعالى يقول ) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( ( [33]) ويقول ) إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ( ( [34]) وهكذا نرى أن كل ما يغير النفس يغير المجتمع( [35]). والقاعدة التي يتغير على أساسها الأفراد أنهم جميعاً خلقوا لعبادة الله، فإن عبدوه فقد ألّفوا مجتمعا ً عابدا ًلله.


"إن الفكرة الدينية تحدث تغييرها حتى في سَمْت الفرد ومظاهره، حين تغير من نفسه، وبذلك يكون لمنهج التربية الاجتماعية أثره في تجميل ملامح الفرد، أي أن مجموعة من الانعكاسات تؤدي إلى خلق صورة جديدة، كأنها تتمثل في وجه جديد (أي أن الرأس لها شكل الأفكار التي تحملها)" ( [36]) .
" والعنصر الديني: يعمل على تكوين نظام الانعكاسات لدى الفرد المكيَّف المشروط، كما يعمل على تكوين شبكة العلاقات التي تتيح للمجتمع أن يؤدي نشاطه المشترك" ( [37]) ، وكما تعمل هذه الفكرة على ميلاد مجتمع، فإنها أيضاً تؤدي إلى نهضة هذا المجتمع، وكما قال الإمام مالك رحمه الله:(لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ( [38]) ( [39]) .















3-دور الاسلام والقرءان في بناء الحضارة:
إن جزءاً كبيرا من الغزو الفكري، حركة فكرية هائلة، وما تنتجه هذه الحركة، يخصنا نحن المسلمين، ويخص عقيدتنا، ولغتنا، وتراثنا، وتاريخنا وذاتيتنا.
وإن جزءاً كبيراً آخر من الغزو الفكري، حركة عملية هائلة، تأخذ المواقع، وتسيطر على القلوب.
والغزو الفكري بحركته الفكرية والعملية، من أخطر ما نواجه في حياتنا، لأن ما يقوم به من أهداف تقوض الدعائم، يتعلق بأعمق أعماقنا، عقدياً، وفكريا، وحضارياً ، وليس هناك أمام المسلمين من سبيل إلا المواجهة وقبول التحدي وإثبات الذات وإلا فلسنا جديرين بالحياة.
ولا يخفى على أحد أن السعي إلى إثبات الذات، والعمل على مواجهة هذه التحديات والتيارات الغازية دليل صحة، ودليل صحوة. . . -إذن- لا بد من منهج.
والمنهج الصحيح هو أن نواجه الفكر بالفكر، والعمل بالعمل.
ولكن قبل أن نواجه الغزو الفكري، لا بد من بناء شخصيتنا، وتحصين أنفسنا، لنصبح ممنوعين من تأثير الغزو، ليست عندنا قابلية له. . وإذا تحصنا، لم يعد للغزو تأثير فينا.
ولعل أخطر ما استهدفه الغزو الفكري، الذي تسلط على المجتمعات الإسلامية هو هدم شخصية المسلمين، هدما عقديا، وثقافيا، وفكرياً.
ولا يخفى أن انهدام الشخصية، يساعد على قبول الزيوف والأباطيل. كما يدفع إلى التبعية والذوبان.
ولهذا كان لا بد لنا إذا رغبنا أن لا تؤثر فينا مخططات المتربصين، أن نبني شخصيتنا. بحيث تكون مصبوغة بصبغة الإسلام. وموسوعة بميسم الإيمان (والشخصية المصبوغة بالإسلام، والموسومة بالإيمان) شخصية إيجابية، تعيش في حركة فكرية، ونفسية، وجسدية، بناءة، تعطي، وتأخذ، وتعطي أكثر مما تأخذ.
ولا شك أن إدراكنا لضرورة الإسلام لنا، ولغيرنا، يفتح أعيننا على مكانتنا، كما ينبهنا إلى موقعنا ومركزنا.
وجدير بنا، ونحن نخطو على مجد نسعى إليه، أن نتعرف على حقيقة الإيمان. فإذا وقفنا على هذه الحقيقة، وتعلقنا بها كان لنا دور.
ومن شأننا ونحن نتابع الخطى، أن نعرف ما الذي نأخذه من الأمم غيرنا، وما الذي لا يصلح لنا.
ويجب أن ندرك أن إعداد القوة، ضرورة من ضرورات الحياة، حتى يتم النمو، ويكمل البناء.
ضــــــــرورة الإســــــــلام :
إن الإنسان آية الله في خلقه، طبعه ربه على هذا النحو العجيب، وفطره على هذه الصبغة الفذة، مقترنة بعديد

من الغرائز والميول، وحينما تشده الأولى إلى زكاة النفس، واستواء الفطرة، وقصد السبيل، فإن الثانية تشده إلى النقيض تماماً بتمام، وبين هذا وذاك يتطلع الإنسان ويرنو إلى ما يحفظ عليه نقاء معدنة وصفاء جوهره، وزكاة نفسه، وطهارة قلبه، واعتدال خلقه، وقصد سلوكه، ويجعله على طول الخط سوي المنهج، قويم السبيل، زكي الباعث، نبيل المقصد، متعلقا بمعالي الأمور، نائياً عن سفافها، يتطلع إلى ذلك ويهفو إليه، فلا يجده إلا في رحاب الإيمان بالله وأحضان الطاعة له، وظلال القرب منه.
والإنسان بفطرته لا يملك أن يستقر في هذا الكون الهائل، فلا بد له من رباط معين بهذا الكون، يضمن له الاستقرار فيه، ومعرفة مكانه في هذا الكون، الذي يستقر فيه، فلا بد له إذن من عقيدة، تفسر له ما حوله، وتفسر له مكانه فيما حوله، فهي ضرورة فطرية، شعورية، تقوم بالتأصيل لجوهر الفطرة، ومتابعة بعثها، لضمان استمرار حركتها وعملها وانطلاقها.
ومن هنا: كانت حاجة الإنسان إلى العقيدة حاجة فطرية، مركوزة في فطرته، ومغروسه في شعوره، ومخلوطة بدمه وعصبه،ولكنه قد يضل عن إدراك هذه الحقيقة، فيشقى ويحار، ويفقد الاستقرار.
هذه الحاجة الفطرية في الإنسان إلى العقيدة، هي التي يتحقق بها إدراك الإنسان لحقيقة مقامة في هذه الحياة، ورسالته وعمله ودوره.
وقد أودع الله - سبحانه وتعالى - في الإنسان، ما يستطيع به إدراك الحقائق الكبرى في الوجود وندبه الله - سبحانه وتعالى - للقيام بمهمة التعرف على هذه الحقائق، التي يراها الحس والعقل والوجدان، في الآفاق وفي النفس، وفي كل شيء ففي الأرض آيات للمؤمنين، وفي السماء مثلها وأعظم. فالفطرة الإنسانية السليمة، هي التي تتوجه إلى الكون، بروح منفتحة، تكشف ما فيه من قصد، وتصميم وإبداع، وتنتهي إلى إدراك مكانها من هذا الوجود وتحديد كيفية سلوكها فيه، ومن خلال هذا التصور تتحدد علاقة الإنسان بربه -عز وجل-.
فالإنسان لا غني له عن الدين، لأنه يحسه في نفسه، شعورا ووجدانا ويشير إلى هذا الشعور ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة ).
وقول الله تعالى: (وإذ أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من

بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون )(الأعراف172-173).
ففي هذه الآية: بين الله تعالى أنه أخرج من صلب آدم وبنيه ذريتهم نسلا بعد نسل، على هيئة ذر، وذلك قبل
خلقهم في الدنيا وأشهدهم على أنفسهم قائلاً لهم: ألست بربكم، فأجابوا: (بلى شهدنا) بذلك، فالله سبحانه وتعالى- أشهدهم على أنفسهم قائلا لهم: ألست بربكم، فأجابوا: (بلى شهدنا) بذلك، فالله سبحانه وتعالى أشهدهم على ربوبيته، حتى لا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا التوحيد غافلين، أو غير عالمين.
فالإيمان بالله فطرة فطر الناس عليها وإنما يضلون عنها بعض الوقت، أو كل الوقت، ثم يعودون إليها، ولو عند فراق الحياة، أو عند نزول الكوارث والأحداث، فقد كان فرعون يدعي الألوهية، ويقول لقومه: (…أنا ربكم الأعلى )(النازعات 24). وسام بني إسرائيل سوء العذاب، وكفر بموسى، وإله موسى، ولكنه عندما أدركه الغرق قال: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين )(يونس 90) .
والمشركون بالله ، والكافرون به، في كل الأجيال، كانوا يعبدون الأصنام،ويستقسمون بالأزلام. فإذا مسهم الضر في البر، أو في البحر، لجأوا إلى الله يدعونه ويسألونه النجاة (وإذا مسّ الإنسان الضرُّ دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مرّ كأن لم يدعنا إلى ضرٍّ مسه) (يونس 12).
ومن هذا يتبين: أنه يوجد في طبيعة تكوين الإنسان استعداد فطري لمعرفة الله وتوحيده، فالاعتراف بربوبيته متأصل في فطرة الإنسان ، وموجود في أعماق روحه، فقد أنشأهم الله على الاعتراف بالربوبية له وحده. (فالاعتراف بربوبية الله وحده، فطرة في الكيان البشري، فطرة أو دعها الله الخالق في هذه الكينونة، وشهدت بها على نفسها بحكم وجودهما ذاته. وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة، فالتوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر، وخالق البشر، منذ كينونتهم الأولى).
والوجود كله عابد بطبيعته، منصاع لوظيفته، لا يسعه إلا أن يطيع ربه في ولاء لا يشوبه استنكاف، ولا يطاله تأب، بل إنه جميعاً من أعلاه إلى أسفله يهتف في البداية بلغة المقهور أمام عظمة القاهر. وهتاف العابد، تجاه قدسية المعبود، بما سجله الحق في قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخانُ فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرهاً قالتا أتينا طائعين )(فصلت 11).
والإنسان وإن كان من طبعه أن ينسى أحياناً، وأن يغفل، وأن يجحد أحياناً، وأن يكفر، لأن امتزاج الروح بالجسد، وانشغال القلب بمطالب جسده، ومطالبه المختلفه، التي تستلزمها حياته في الدنيا، وعمارة الأرض ، قد جعلت من معرفة الإنسان بربوبية الله، واستعداده الفطري للتوحيد، عرضة لأن تطمره الغفلة، ويغمره

النسيان، ويطويه الاشعور في أعماقه، ويصبح الإنسان في حاجة إلى ما يوقظ هذا الاستعداد الفطري، ويبعد عنه النسيان، ويبعثه من أعماق الاشعور، فيظهر جليا واضحا في الإدراك، والشعور، ويتم ذلك عن طريق

تفاعل الإنسان مع الكون وتلك فطرة فطر الله الناس عليها، وصبغة صبغهم بها، لا فكاك لهم منها، ولا شذوذ لهم عنها.
فعاطفة التدين، أو الاعتقاد بدين من الأديان، أمر غريزي، ويشترك بين الناس عامة في كل عصر ومكان، فإنه لم تخل جماعة من الناس في أي زمان، من عقيدة دينية على نحو ما - (وقد أثبت التاريخ أنه قد وجد في الماضي السحيق جماعات إنسانية من غير فلسفات وعلوم وفنون. ولكن لم توجد قط جماعة إنسانية من غير دين) إذ لا بد في حياة الناس من نظم تلم شتاتها، وترفه حياتها، وتضمن لها أسباب النهوض والتقدم، ويعيش الناس في ظل هذه النظم على قواعد الحق والعدل، في أمن وسلام، وقد كرم الله الإنسان بالعقل لكنه أودع فيه نفسا أمارة بالسوء، وهو يعيش في صراع بين عقله الهادي إلى الصلاح، ونفسه الأمارة بالسوء، فكان من تمام نعمته عليه، أن وضع له النظم التي توصله إلى التغلب على النفس، وسد منافذ الشيطان إليها، فحمله أمانة التكليف، وأخذ عليه العهد، بأن يعبده، ولا يشرك به شيئاً، وأمده بهداية الرسل -عليهم الصلاة والسلام-.
إذن (لكي تتحقق الحكمة الإلهية في خلق الإنسان، ويتبين المصداق الحق لقوله تعالى إرشادا للملأ الأعلى: (…قال إني أعلم ما لا تعلمون... )(البقرة30)، كان لا بد لقوة الخير في الإنسان من مدد يعينها على سد منافذ الشر والطغيان).
ومن هذا يتبين: أن الدين للإنسان من الشؤون الضرورية التي لا حياة له إلا بها والله سبحانه وتعالى قد خلق الناس، ولم يتركهم وشأنهم، بل اختار لهم نظماً وأحكاماً، تسعدهم في الدنيا والآخرة، وذلك لأن الإنسان عاجز عن إدراك المغيبات، ويتأثر تفكيره بمؤثرات من الزمان، والمكان، والمجتمع، وهو عاجز عن حمل غيره على طاعته، لعدم قدرته على القهر الذي يحمل الناس على كامل الطاعة، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى في كل أمة رسولا منها، وأيده بالمعجزات، وأمده بتعاليم السماء، لينشر الخير، ويعالج الشر (لئلا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرُّسل وكان الله عزيزا حكيما ً)(النساء 165)، وقد شرع الله تعالى لخلقه ما يناسب حالهم، ويتلاءم مع ظروف حياتهم، وقوة إدراك عقولهم، وقوة احتمالهم.
وإذا كان الدين والتدين أمراً غريزياً وفطرياً في الإنسان، في كل زمان -كما عرضنا- فإن الدين الإسلامي هو:

الدين الحق، الذي رضيه الله تعالى للناس جميعاً. والآية الكريمة التي عدت الدين عند الله الإسلام: (إن الدين عند الله الإسلام... )(آل عمران: 19) تعني: مجموعة المبادئ الإسلامية وتعاليم الإسلام. . فالإسلام مر بمراحل كثيرة عبر أنبياء الله ورسله، إلى أن انتهى إلى المرحلة المتكاملة في رسالة محمد - عليه الصلاة والسلام - التي جاءت إلى الإنسانية كلها -إذن- رسالة الإسلام هي الإسلام الشامل للإنسانية، في وحدة إيمانها بالله، قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً )(المائدة:3) ولهذا كان الإسلام يشتمل على امتداد زماني في المعتقد الديني، ويعرض لقضية البشرية من نشأتها إلى غايتها، ويشتمل على شمول موضوعي يغطي مجالات الحياة جميعاً، ويشتمل على شمول يضم الأديان كلها، ويدعوها إلى تصحيح معتقداتها).
فالديانات وإن تعددت في الفروع والتكاليف والأعمال، فقد اتحدت في المصدر الذي صدرت عنه، وهو الله تعالى -واتحدت أيضاً- في الأصل الذي دعت إليه، وهو التوحيد.
فالقدر المشترك بين الديانات جميعا هو: تصحيح العقيدة أولا، ثم معالجة الأمراض الخلقية والاجتماعية الموجودة في تلك البيئات، قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )(النحل:36)، وقال تعالى : (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لاإله إلا أنا فاعبدون )(الأنبياء:25) وقال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه... )(الشورى:13).
ولقد جاء الإسلام في جانبه الإيماني، يؤكد هذه الأسس، التي أكدها كل نبي، ولكنه في الجانب الذي يستتبع الشريعة، جانب الالتزام والعمل، كان الإسلام الفصل الأخير في تكامل التشريعات.
وهذا الطابع الشمولي الملتقي في أسس العقيدة، والمتكامل في التشريع، هو الذي جعل من الإسلام الصيغة الوحيدة الباقية المستمرة أبد الدهر، ولعل هذا هو السر الذي جعل من الإسلام كلمة تختص بالدين الذي جاء به رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم.
وكلمة الإسلام، وفي الإطار اللفظي تعني: التسليم والخضوع، وفي مفهوم الدين يراد منها: التسليم، والخضوع لله وحده، لا شريك له، وبهذا المعنى، أطلقت على كل من آمن بالله، وسلم لأمر الله، فأتباع كل نبي، وكل من يدين لله من أصحاب الأديان السماوية الحقة، هم مسلمون بهذا المعنى.
ووحدة الإيمان حقيقة تفرضها وحدة المصدر بصورة قاطعة، لا تقبل الجدل أو التشكيك، ولا يغير من واقعها وجود فواصل البعد الزمني بين الأنبياء، الذين أرسلهم الله إلى عباده.
فالإيمان بالله سبحانه وتعالى ليس غريزة فطرية فقط، بل هو ضرورة، فالدين عنصر ضروري، والإنسانية بحاجة إليه، للكمال النفسي، والروحي. فالإنسان جسم وروح، والجسم يتغذى بالطعام، والشراب، بينما تتغذى
الروح بالإيمان، والعقيدة، وعلى ذلك فالإسلام منهج شامل لأمور الدنيا والآخرة، محقق لمصالح الفرد والجماعة، قوامه الشريعة والعقيدة والأخلاق، فليس ديناً فقط، ولكنه دين ونظام حياة، لا تنفصل فيه العلاقة بين الله والإنسان، عن الصلة بين الإنسان والإنسان، وهو ينظمها جميعاً.
فالعقيدة الإسلامية ضرورة للإنسان، وذلك لرفع مستواه والمحافظة عليه من الانحراف المادي والإلحادي.
ومن القواعد المقررة أن الإنسان مدني بطبعه، ومعنى ذلك أن الإنسان بفطرته، يميل إلى التعارف، والتعايش مع غيره، ولذلك جعل الحق سبحانه وتعالى التعارف بين الناس، من أهم أسباب خلقه لهم، إذ قال سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير )(الحجرات:13) هذا التعارف ليس مقصودا لذاته، وإنما جعل أولاً: غذاءً لطبيعة الإنسان، وثانيًا: وسيلة للتعارف على كل ما فيه إسعاد البشرية، وتحقيق حياة أفضل لأفرادها في جانبها المادي والفكري، يبين ذلك المفكر محمد عبد الله دراز، فيقول: (إنه لا قيام للحياة في الجماعة، إلا بالتعاون بين أعضائها، وهذا التعاون إنما يتم بقانون ينظم علاقاته، ويحدد حقوقه وواجباته، وهذا القانون لا غني له عن سلطان نازع، ووازع، يكفل مهابته في النفوس، ويمنع انتهاك حرماته.
وعلى ذلك نستطيع أن نقرر -دون أن نجانب الصواب- أنه ليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة التدين، أو تدانيها في كفالة احترام شرع الله، وضمان تماسك المجتمع، واستقرار نظامه، والتئام أسباب الراحة، والطمأنينة فيه. والسر في ذلك، أن الإنسان يمتاز عن سائر الحيوانات الحية، بأن أفعاله وأعماله الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمعه ولا بصره، ولا يوضع في يده، ولا في عنقه، ولا يجري في دمه، ولا يسري في عضلاته وأعصابه، وإنما هو معنى إنساني روحاني اسمه الفكر والعقيدة. وقد ضل قوم قلبوا هذا الوضع، وحسبوا أن الفكر والضمير لا يؤثران في الحياة المادية والاقتصادية، بل يتأثران بها.
وليست قوانين الجماعات، ولا سلطان الحكومات بكافيين وحدهما لإقامة مدينة فاضلة، تحترم فيها الحقوق، وتؤدى الواجبات على وجهها الكامل، فإن الذي يؤدي واجبه رهبة من السوط أو السجن، أو العقوبة المالية، لا يلبث أن يهمله متى اطمأن إلى أنه سيفلت من طائلة القانون.
والقانون إما إلهي، أو وضعي: لن لكل حضارة شطرين: شطراً روحيا، وشطرًا مادياً، فالشطر المادي يعتمد

على الحس والعقل، وليس الأمر كذلك، فيما يتعلق بالشطر ******** أو النظري.
والشطر النظري: العقيدة والأخلاق، والتشريع، ونظام المجتمع ولذلك جاءت العقيدة الإسلامية كاملة هادية
في الجانب النظري، فشملت التشريع، والأخلاق، ونظام المجتمع، ومن خصائص الوحي فيما يتعلق بالتشريع: أنه هاد للعقل، وكما أن الدين هاد للعقل، كان لا بد في استخدام العلم، من رقيب أخلاقي يوجهه لخير الإنسانية، وعمارة الأرض، لا إلى نشر الشر والفساد، ذلكم الرقيب هو : العقيدة والإيمان.
ولا يخفى على أهل العلم: أن من الخطأ المبين، أن يظن بعض الناس أن في نشر العلم والثقافات وحدها ضمانا للسلام، والرخاء، وعوضا عن التربية والتهذيب الديني والخلقي) ذلك (أن العلم سلاح ذو حدين، يصلح للهدم والتدمير، كما يصلح للبناء والتعمير) فكما يستعمل للخير، يستعمل كذلك للشر، فلا بد للعلم من تربية عالية، وتوجيه سديد، وإيمان راسخ يوجه المجتمع، وذلك أن وظيفة العلم محصورة في الجانب الحسي المحض. فهو يقف عند حدود لا يتجاوزها، بينما وظيفة الدين في الحياة ذات مجال رحب. فالإسلام بما حواه من هداية إلهية، وتشريعات سماوية، يكفل للمجتمع الإنساني، كل عوامل السعادة، والأمن والاستقرار، ولا يكون ذلك عن تشريع وضعي، يضعه فرد، أو جماعة معينة، ذلك لأن الإنسان مهما سما فكره، ونضج عقله، لا يمكن أن يحيط بكل ما يوفر للإنسانية أمنها واستقرارها.
لقد بين الله سبحانه وتعالى بالدين الإسلامي، وهو خاتم الرسالات الإلهية، ما هو حق وخير، في مجتمع شؤون الحياة، فهو لم يترك الإنسان سدي ، بل بين له الرشد من الغي، ووضعه على الجادة الصحيحة، والطريق السوي، فيما يختص بالعقيدة، والسلوك الفردي والاجتماعي، والعلاقات التي تربطه بغيره من الناس جميعاً، فالدين الإسلامي فيه صلاح الناس جميعاً، حتى الذين لم يرزقوا حظا وافراً من التفكير العقلي السليم، ولذلك كان الوحي الإلهي رحمة عامة لجميع الناس، ولهذا نرى الدين ضرورة اجتماعية كما هو فطرة إنسانية.
والله الذي خلق الإنسان، وركب فيه طبائعه ونوازعه، هو الخبير بكل أدوائه، والعليم بوسائل شفائه، هو وحده الذي يقدر أن يضع للجماعات الإنسانية من الشرائع والنظم، ما يحقق لها أسباب السعادة، وجميع وسائل الأمن والاستقرار، وذلك بالدين الذي يدعوها إليه، فهو السلطان المهيمن على نفوس المؤمنين به، يحملهم على الأخذ بتعاليمه، ويدفعهم إلى القيام بما سنه لهم، من تشريع وتنظيم، ويدفعهم إلى التحلي بالفضائل، ويحول بينهم، وبين ارتكاب الرذائل، وليس هناك وراء الدين شيء يهيمن على النفوس، غير نظام خالق النفوس.

فالإسلام نظام رباني، يقوم على مبادئ سياسية، رضيها الله لعباده دستورا يقودهم في دنياهم إلى حياة كريمة، ويعدهم في أخراهم لميراث جنة عرضها السماوات والأرض.
فالإسلام هو الرابطة التي جمعت البشرية على الإيمان بالله واليوم الآخر، ذلك أن القصد من الدين ليس إلا تزكية النفس، وتطهير القلب، وظهور روح الامتثال والطاعة، واستشعار عظمة الله. وإقرار الخير والصلاح في الأرض، على أساس قوي متين، من ربط العبد بخالقه.
فهو إذن مطلب إنساني رفيع، يغذي جانب الروح ولا ينسى حاجة العقل، وبعبارة أخرى: هو مطمع العقل، وبعبارة أخرى: هو مطمع العقل، وغاية الروح، وبجانب ما للدين من وظائف نفسية، تجعل منه غذاءاً ضرورياً لقوى النفس، وعصارة مقومة لحيويتها، توجد له وظائف اجتماعية، لا يكون موضوعها الفرد، وإنما يكون موضوعها المجتمع ككل. وهكذا يتبين للباحثين والدارسين: أن العقيدة الإسلامية تعبر عن حاجات النفس الإنسانية، في مختلف ملكاتها ومظاهرها. ومن هنا تنبع حاجة البشر إلى الدين، من طبيعة الإنسان نفسه، فقد خلقه الله تعالى ومنحه طبيعة الكائن المتكيف، وعلى ذلك فحاجة الإنسانية إلى التدين نبتة فطرية أصيلة ركبت فيه، وفطر عليها، ولذلك يكون الدين هو الرقيب الذاتي داخل النفس، يدفع الإنسان إلى مراقبة الله، الذي يعلم السر، وما تخفي الصدور، فيكون دافع الدين والاعتقاد شاملا لجميع القوى المختلفة: الجسمية، والروحية، والنفسية، والخلقية والاجتماعية.
فالدين يزكي النفس، ويطهرها، ويحول دائماً بين الإنسان، وبين نوازع السوء والضلال فيه. وذلك أنه يشعر دائماً بمراقبة الله له في كل شيء، ومن هنا تزكو نفسه بفعل الخير وعمله، والبعد عن الشر، وهذا مبلغ ما ينبغي أن تسعى الإنسانية إليه.
فالإنسانية بحاجة إلى الدين، لأنه جزء من فطرة الإنسان، وطبيعته ولا يمكن لإنسان عاقل أن يستغني عن جزء من فطرته وكيانه، فهو الوسيلة الوحيدة التي نأمن مخاطرها، ونضمن نتائجها، لتحقيق الحياة الإنسانية. . فالدين يقيم نظاماً يدعو إلى الفضيلة واعتناقها، كما يقيم دستوراً حكيماً يحفظ للإنسان إنسانيته، كما يحفظ له نفسه وماله.
وكما أن حاجة الإنسانية إلى الدين لحفظ النفس، والمال، والعرض كذلك فإن الإنسانية في حاجة إلى الدين، لتربية الإنسان، الذي كرمه الله تعالى فقال: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم )(التين:4) وقال تعالى: (ولقد


كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً )(الإسراء 70).
وعلى ذلك فإن احتياج الإنسان إلى العقيدة نزعة فطرية ركبت فيه، وفطر عليها. ومن هذا المنطلق يصف القرآن الكريم الدين أنه الحياة، وبأنه النور الذي يضيء للسالك الطريق، قال تعالى: (أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون )(الأنعام:122).
فالعقيدة تقوم من المجتمع مقام الروح من الجسد، ولسعادة المجتمع لا بد من العقيدة الصحيحة، التي تنير الطريق، وتحدد أسلوب معاملة الفرد للجماعة والجماعة للفرد.
ولقد كان لهذه العقائد والأصول والمبادئ الإنسانية، التي قام الإسلام عليها، ولما قام عليه هذا الدين من المساواة والعدالة، والإحسان، كان لذلك أثر بالغ في سرعة انتشاره، وحسن تقبل الناس له في أقطار العالم المختلفة، كما كان ذلك من العوامل الحاسمة، والأسباب القوية، فيما أدركه الإسلام من عز، ومجد، وسلطان، سعد به العالم الذي عاش تحت لوائه.
فمن طبيعة المنهج الذي يرسمه هذا الدين، ومن حاجة البشرية لهذا المنهج، نستمد يقيننا الذي لا يتزعزع، في أن المستقبل لهذا الدين، المتعطشة إليه البشرية جمعاء.
فالعقيدة هي أساس قيام المجتمع، وأساس صلاحه أو فساده، بل هي أساس بقائه واستمراره، فهذا الدين في حقيقته النقية المصفاة، له أثره المبارك في تهذيب النفس، وإسعاد الإنسان، وتوجيه الحياة وجهة الحق والخير، إن الدين ضرورة من ضرورات الإنسانية الراشدة، لا تغني عنه فكرة عقلية، ولا تنظيم وضعي) قال تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا، فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به، فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيما )(النساء:174-175).
لقد كان الإنسان في الماضي يعبد ما لا ينفع، ولا يضر، وكان يخاف من كل شيء، فجاء الدين الحق، ودعا الناس إلى التحرر من خوف غير الله، وما عداه من المخلوقات، وبهذا تغيرت نظرة الإنسان إلى كل شيء.
إن الباحث: إذا تأمل أحوال الإنسانية في هذا العصر، فسوف يجد أنها في أمس الحاجة إلى الإسلام.
فالحضارة الغربية وصلت إلى أعلى مستوى من الرقي العمراني، والتقدم العلمي الهائل، ولكن قصة البشرية –


برغم التقدم الحضاري - فيها مساوئ كثيرة، زلت فيها أقدام البشر، وضاعت عقولهم. فقد أطلقت الحضارة الغربية حرية الإنسان، وحررت غرائزه من كل ضبط، وتحولت الحريات إلى انحراف في الغريزة، وإلى شذوذ في
الطبيعة، وإلى عدوان على حريات الآخرين، ونتيجة لهذه الحرية لم يعد هناك ضابط.
ومن تعاسة الحضارة المادية، أنها عكست كرائم النعم، والملكات التي أنعم الله بها على الإنسان، عكساً أسقط الإنسان في وديان الهلاك والدمار، وسقط بالإنسانية دون عالم الحيوان، فراجت خسائس العادات، و ذمائم الصفات من الاختلاط الفاضح، والشذوذ في السلوك، وظواهر الخنفسة والهيبيز، والارتخاص، والابتذال والخلاعة.
لقد تقدمت العلوم بلا ريب، ولكن هذه الحضارة التي علمت الناس كيف يسبحون في الماء بالغواصات الجبارة، وكيف يطيرون في الفضاء، وفي الهواء وفوق السحاب، عجزت حتى اليوم عن تعليم ناسها، وشعوبها كيف يسيرون على الأرض في طريق الخير، بغير عوج والتواء، أو تعثر.
إن الغرب اليوم في حيرة بالغة ، وقلق واضطراب شاملين، وكل ذلك يأخذ عليهم عقولهم وقلوبهم، وأصبح الضمير هناك لا يطمئن إلى عقيدة أو مبدأ أو نظام، فلم يعد يجد اليقين الذي يفيء إلى ظله، في جو من الهدوء والراحة والاستقرار.
والبشرية اليوم في مفترق الطريق، فهناك اضطراب في الأفكار وحيرة في الاتجاهات، وزعزعة في النظم، وخواء من العقيدة، أصبح يجرفها دولة بعد دولة، وشعباً بعد شعب، إلى هاوية المادية والضلال.
وليس الحال في الشرق والبلاد العربية، بأحسن من الغرب، فقد انحرف الكثير عن الدين في غير قليل من شؤون الحياة. لقد تأثرت بعض المجتمعات بالغزو الحضاري الغربي. وليس ذلك التأثير في الجانب العلمي، والصناعي، والعمراني، ولكن - للأسف - وفي أسوأ المساوئ، وأصبح بعضهم يقلد الغرب في كل ما هب ودب، وما من ظاهرة من الظواهر العفنة، ولا موضة من موضات العصر، إلا ولها في بعض المجتمعات صدى واهتمام.
لقد أفلست الحضارة الغربية، برغم التقدم العلمي الهائل الذي وصلت إليه، وبدأ الإنسان الأوروبي يهرب من حضارته، لأنه لم يحس في ظلها بالسعادة، ولم يحس في مجتمعه بالأمن، والأمان والاطمئنان، فقد انتشرت عصابات القتل، والخطف، والتخريب، والإرهاب، وتفاقم خطر الجريمة، وازداد عدد المجرمين، وامتلأت البلاد بجماعات العربدة والفجور، وأقيمت نوادي العراة، وأبيح في غير استحياء الشذوذ الجنسي إلى غير ذلك.
وأخيراً لهذا وغير هذا: لجأ الغربيون إلى الهروب من معتقداتهم الدينية، ومذاهبهم الاقتصادية، بل من كل

حضارتهم التي افتتنت بالعلم والعقل، فأصبحت شقية عمياء لا تبصر، طارت بحضارتها إلى الفضاء، وانحدرت بالشباب الغربي إلى مدارك السفالة والانحطاط، ليعيشوا في حياة الجنس والخمر، ونوادي العراة.
والشيوعية في الشرق وفي الغرب قد أعلنت فشلها وسقطت، بعد أن شبع الناس جوعاً، وبكوا توجعاً، وتألموا من شدة الكبت، وفقدوا كل كرامة وكل شيء.
وهكذا تعجز النظم البشرية، والقوانين الوضعية، عن تقديم أي عون للإنسان، أو الأخذ به إلى الطريق السليم، مما يؤكد ضرورة الإسلام للمجتمعات الإنسانية، لأن الإسلام قد انطوى على طاقة روحية جعلت منه - عند التطبيق - قوة فعالة ومؤثرة، بل إن فاعلية الإسلام، شملت حياة الأفراد، وحياة الجماعات من جميع الجوانب.
والإنسانية في عصرنا هذا أشد ما تكون حاجة إلى الدين الإسلامي، فإن التقدم العلمي المادي الذي غزا الفضاء، لم يستطع أن يحقق للناس السعادة والطمأنينة التي ينشدون، بل زادهم تكالباً على المادة، وتنافساً جشعاً جر إلى حروب.
فالذي نرجوه إذن لإصلاح هذا العالم، الذي نعيش فيه، بعد أن أفلست كل نظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبعد أن ظهرت فيه فلسفات تدعو لإنكار وجود الله، والتحلل من المسؤولية، وفاضل الأخلاق.
إنه لا شيء غير هذا الدين الإسلامي، فلا خلاص للإنسانية إلا بالرجوع إلى الدين الحق، ولن نجد هذا الدين -كما أنزله الله- واضحاً ميسراً، خالياً من الغموض والتعقيد، سليماً من التحريف والتبديل، إلا في الإسلام خاتم الرسالات الإلهية، فهو دين الروح والمادة، والقلب والعقل، والفرد والجماعة، والدنيا والآخرة.
فإلى هذا الإسلام في عقيدته وشريعته، في عباداته ومعاملاته، في نظمه وأخلاقه، ندعو البشرية كلها: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبينا. فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيما ً)(النساء:174-175)
هذا الدين لا يزال العالم في حاجة شديدة إليه، ولا خلاص للإنسانية مما تعانيه إلا بالإيمان به ، فهو الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر والداعي إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم.





(1) أنظر شروط النهضة، ص48-50، تأملات، ص169-170، حديث في البناء الجديد، ص139.

[2] ) ) الأخضر شريط، مشكلة التاريخ عند مالك بن نبي (الجزائر: جامعة الجزائر،1989) ص 69

[3] ) ) المرجع نفسه ص 71

[4] ) ) شروط النهضة ص 37، 40.

[5] ) ) فكرة الأفريقية الآسيوية ص 226

[6] ) ) الصراع الفكري في البلاد المستعمرة ص 72

[7] ) ) ميلاد المجتمع ص 100

[8] ) ) شروط النهضة ص55

[9] ) ) ميلاد المجتمع، انظر فيه عن دورة حضارتنا ص 102- 104 وعن إعادتها ص 104.

[10] ) ) مشكلة الأفكار ص 149

[11] ) ) حديث في البناء الجديد ص 58- 59

[12] ) ) المصدر نفسه، ص 30- 34

( [13]) شروط النهضة، ص88.

( [14]) شروط النهضة، ص89.

( [15]) حديث في البناء الجديد، ص24-25.

( [16]) شروط النهضة، ص92-93.

( [17]) حديث في البناء الجديد، ص69.

( [18]) أنظر مالك بن بني، آفاق جزائرية، ترجمة الطيب الشريف، (الجزائر: مكتبة النهضة الجزائرية، 1964)، ص121.

( [19]) أنظر المصدر نفسه، ص111-112.

( [20]) وجهة العالم الإسلامي، ص51-52.

( [21]) علي القريشي، التغيير الاجتماعي عند مالك بن بني، منظور تربوي لقضايا التغيير في المجتمع المسلم المعاصر، القاهرة، الزهراء للإعلام العربي، 1986م، ص175.

[22] ) ) شروط النهضة ص 50

[23] ) ) المصدر نفسه ص 56

[24] ) ) ميلاد مجتمع ص 102

[25] ) ) المصدر نفسه، ص 103

[26] ) ) المصدر نفسه، ص 103 – 104؛ انظر للاستزادة :شروط النهضة، ص 57-59

[27] ) ) الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم، المعجم الكبير، تحقيق : حمدي بن عبدالمجيد السلفي، (الموصل: مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية، 1404 – 1983) جزء 2 - صفحة 100.

[28] ) ) شروط النهضة، ص 74، وعن الانتكاسة الحضارية انظر: مشكلة الأفكار، ص 43.

[29] ) ) الأنفال، آية 63.

[30] ) ) مشكلة الأفكار ص 72 بتصرف

[31] ) ) ميلاد مجتمع ص 101

[32] ) ) ميلاد مجتمع ص 72

[33] ) ) الذاريات، آية 56.

[34] ) ) الرعد، آية 11.

[35] ) ) ميلاد مجتمع، ص 73

[36] ) ) المصدر نفسه، ص 74

[37] ) ) المصدر نفسه، ص 75

[38] ) ) فقد علّق الإمام مالك على قوله تعالى في سورة المائدة (آية 3):{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضت لكم الإسلام دينا} قال رحمه الله : (وما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها). الألباني، محمد ناصر الدين: فقه الواقع (جزء 1 - ص 22)

[39] ) ) ميلاد مجتمع، ص 75.