المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في التطور التاريخي لنظرية صدام الحضارات


Eng.Jordan
01-15-2016, 08:50 AM
هنتنغتون يمثل استمرارية لعداء الفكر الغربي للإسلام



رغم مرور أكثر من عشر سنوات على طرح صموئيل هنتنغتون نظريته حول صدام الحضارات، إلا أن النظرية لا تزال تلقى رواجا كبيرا على مختلف المستويات سواء الأكاديمية أم العملية ما جعل منها النظرية الأكثر بروزا في تفسير أساس العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة.
http://cdn1.albayan.ae/polopoly_fs/1.540194.1293957431!/image/3618717878.jpg
وعززت أحداث 11 سبتمبر 2001 من النظرية بالشكل الذي ذهب معه الكثيرون في الغرب إلى أن هذه الأحداث تؤكد صحتها وأن الصدام لم يعد يقع في إطار الفكر، وإنما حدث بالفعل في إطار الواقع. وبغض النظر عن المواقف المختلفة من النظرية ما بين رافض ومؤيد، فإن التعامل معها ينبغي أن يتم في إطار نظرة شاملة لعلاقات الغرب مع العالم الإسلامي بشكل خاص وفي ضوء التطورات التي يحياها العالم والتي تجعل من الولايات المتحدة القوة المهيمنة عالمياً.
وعلى هذا فإن النقطة الأساسية التي ينبغي أخذها في الاعتبار، والتي نسعى إلى التأكيد عليها هنا، هي أن هنتنغتون رغم الشهرة التي حازها جراء طرحه لهذه النظرية إنما يمثل في نهاية الأمر استمرارية وليس قطيعة مع الفكر الغربي في التعامل مع الآخر ممثلا بشكل أساسي في العالم الإسلامي، وهو ما يعني تبرئة هنتنغتون من تهمة كونه المحرض الأول على الصدام إذا نظرنا إليه من زاوية العالم الإسلامي، وانتزاع الفضل عنه في طرح النظرية إذا نظرنا إليه من زاوية غربية إذا كان في المسألة فضل من الأصل.
وفي هذا الصدد لعلنا لا نجانب الصواب كثيرا حينما نشير إلى أن فكرة العداء والصدام هي الفكرة المحورية التي حكمت الغرب بشأن الموقف تجاه العالم الإسلامي على مدار تاريخ هذه العلاقات. وغذى هذه المشاعر محطات تاريخية في العلاقة بين الطرفين ليس المجال هنا متاحا للخوض في تفاصيلها.
وإذا كانت الأوضاع قد تغيرت في غير صالح المسلمين خلال القرون الأربعة الأخيرة، بالشكل الذي عزز من هيمنة الغرب وانحسار الخطر الإسلامي منظوراً إليه من قبل الغرب، حقيقة كان أم مفتعلاً، فإن مخزون العداء ظل كامنا يتحين الفرصة لظهوره بشكل أو بآخر، الأمر الذي اتخذ شكله الحالي المتمثل في نظرية صدام الحضارات في أوائل القرن العشرين وليس القرن الحادي العشرين.
رؤية توينبي حول الصدام
فرغم نجاح الغرب في الإجهاز على تركيا الرجل العجوز والقضاء التام على الخلافة الإسلامية في 1924 الأمر الذي مثل مرحلة جديدة في صيغة العلاقات بين الجانبين، إلا أن رؤى العداء واصلت طرح نفسها. وقد بدأ هذا الأمر بشكل غير مباشر في كتاب لأرنولد توينبي صدر حسبما تذكر المصادر سنة 1923 بعنوان: «المسألة الغربية في اليونان وتركيا دراسة في تفاعل الحضارات».
ومع خلاف في التفاصيل طور توينبي رؤية في مجال صدام الحضارات تكاد رؤى هنتنغتون تتطابق معها، ما يشير إلى صحة الفرضية التي نؤكد عليها من أن هذا الأخير في تقديمه لنظرية صدام الحضارات لم ينطلق من فراغ وإنما من مناخ يحمل في جذوره مناخ العداء للإسلام.
ففي العام 1947 ألقى أرنولد توينبي محاضرته الأولى ضمن سلسلة المحاضرات التي ألقيت في كلية برين مور في شهري مارس وفبراير عن مؤسسة ماري فلكتر وكانت المحاضرة بعنوان الصراع بين الحضارات ثم تم تضمينها في كتابه «الحضارة في الميزان». وعلى أفكار هذه المحاضرة بنى هنتنغتون نصه في نظريته حول صراع الحضارات.
ويذهب توينبي في هذا الصدد إلى أن الحادثة الكبرى والأهم في القرن العشرين والتي سيقف عندها المؤرخون كثيرا في القرون المقبلة هي حادثة اصطدام الحضارة الغربية بسائر المجتمعات الأخرى القائمة في العالم وأهمية هذا الحدث تنبع في رأيه من أنه كان الخطوة الأولى نحو توحيد العالم في مجتمع واحد عن طريق تحطيم التراث الاجتماعي الإقليمي للحضارات الأخرى عند اصطدامها بالتراث الاجتماعي الغربي.
فتوينبي نظر إلى تاريخ الحضارات على أنه صراع بين الحضارات وأن هذه الحضارات إنما قائمة على الدين كمعتقد رئيس ومرجع أساسي في قيام الحضارة.
؟ ثم كان صدور كتاب آخر بعد ثلاث سنوات (في العام 1926) بعنوان: «مسار الإسلام الفتى: دراسة في صدام الحضارات» لمؤلفه باسيل ماثيوز وقد كان سكرتيرا أدبيا في الاتحاد العالمي لجمعية الشبان المسيحيين. وكان منظور ماثيوز للإسلام كما كان لكثيرين من معاصريه يفهم لدى العديد من المعجبين بهنتنغتون على أنه ينطبق على عصرنا الحالي وهو يقول: إن الإسلام هو في صلبه نظام ذو طابع عسكري العقيدة صرخة حرب، ثواب الذين يموتون في الجهاد جنة مليئة بالعذارى أما الذين يبقون أحياء فلهم الغنائم.
وهو ما يتطابق بشكل كبير مع ما يذهب إليه هنتنغتون في كتابه حول صدام الحضارات من أن المشكلة الكامنة بالنسبة للغرب ليست في الأصولية الإسلامية وإنما تتمثل في الإسلام لانه حضارة مختلفة أهلها مقتنعون بتفوق ثقافتهم ويستحوذ عليهم قصور قوتهم.
لويس والنسخة المعاصرة
غير أن التطور الأبرز على صعيد نظرية صدام الحضارات في نسختها المعاصرة إنما يمكن إرجاعه بشكل أساسي إلى المستشرق الأميركي البريطاني برنارد لويس الذي اشتهر باتخاذ مواقف عدائية تجاه الإسلام والمسلمين.
فقد استخدم لويس المفهوم نفسه منذ أكثر من أربعة عقود مضت وبالتحديد في العام 1957 في دراسة له قدمها إلى مؤتمر «التوتر في الشرق الأوسط» نظمته جامعة جون هوبكنز الأميركية حيث أشار لويس إلى أن صدام الحضارات يفسر أسباب الكراهية من قبل دول المنطقة للولايات المتحدة رغم عدم وجود ماض سلبي لها مع المنطقة.
مؤكدا أنه يمكن استيعاب هذا الفهم حسب كلماته «إذا نظرنا إلى الموقف على أنه ليس صراعا بين دول أو أمم وإنما صدام بين حضارات». ويعيد لويس في دراسته المشار إليها التأكيد على طرحه مضيفا أنه في تحليله للأوضاع في المنطقة ومحاولة استيعاب أبعاد الكراهية للسياسة الأميركية إنما حاول أن يرتقي بمستوى النقاش بشأن تناول النزاعات في الشرق الأوسط من مستوى نزاع بين دول إلى مستوى صدام بين حضارات.
وقد عزز لويس مفهومه هذا من خلال عملين تاليين له هما مقالته الشهيرة حول جذور الغضب الإسلامي التي نشرها في «أتلانتك منثلي» عام 1990 والتي يرى الكثيرون أنها تعد المقدمة الأساسية التي بنى عليها هنتنغتون نظريته في صدام الحضارات، ثم كتابه حول «ثقافات في صراع» cultures in conflict الذي صدر في العام 1993.
وفي صدد تقديمه للمفهوم بشأن صدام الحضارات في «جذور الغضب الإسلامي» يقول لويس إن زعماء الأصوليين لا يخطئون عندما يرون أن الحضارة الغربية هي أكبر تحد يواجه أسلوب الحياة الذي يرغبون في انتهاجه أو استعادته لشعبهم .. ويجب أن يكون واضحا الآن أننا في مواجهة حالة وحركة تتجاوز بكثير مستوى القضايا والسياسات والحكومات التي تتابعها.. إن هذا ليس أقل من صدام بين الحضارات .. ربما يكون غير عقلاني ولكنه بالتأكيد رد فعل طبيعي لمنافسة قديمة ضد تراثنا اليهودي المسيحي وحاضرنا العلماني والامتداد العالمي لكليهما.
ويرتب لويس على ذلك نتائج خطيرة بقوله إنه ليس من المستبعد أن تخف حدة الكراهية التي يكنها المسلمون إزاء الولايات المتحدة إلا إذا تغير الإسلام نفسه وهو ما يعني أنه على الولايات المتحدة أن تتخلى عن التفاهم أو التقرب من المسلمين وإلا أسيء فهمها إذ قد يفسرون هذا السلوك على انه علامات ضعف وخشية تساور أميركا وليس علامات صداقة أو حسن نوايا.
وفي عبارات شبيهة أوردها هنتنغتون وأشرنا لها في السطور السابقة في سياق استعراض مقولات توينبي يرجع لويس المزاج الذي يراه ماثلا لدى الكثير من المسلمين من الإعجاب والمنافسة وهو المزاج الذي تحول إلى نوع من الكراهية إلى الشعور بالخزي إزاء القلق المتنامي بين ورثة حضارة مسيطرة لمدة طويلة وقديمة وتبعث على الفخر.
أفكار مكرورة
وإزاء التطورات التي شهدها النظام الدولي في عقد التسعينيات والتي كان من أبرز ملامحها انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي ما أدى إلى إنفراد الولايات المتحدة بمقدرات النظام الدولي كانت ولادة المفهوم ـ النظرية في شكلها الحالي على يد هنتنغتون من خلال مقالته في مجلة «فورين أفيرز» في العام 1993 ثم طرحها في كتاب عام 1996 مما زاد من مستوى الجدل بشأنها سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها في ضوء أنها ترسي مجموعة من المفاهيم التي قد تلقي حال الأخذ بها بتأثيرات سلبية على أوضاع النظام الدولي.
ويتمثل جوهر نظرية هنتنغتون في أنه في أعقاب الحرب الباردة سيحكم الصدام بين الحضارات الشؤون السياسية العالمية وستكون الخطوط الفارقة بين الحضارات هي خطوط القتال في المستقبل والحرب العالمية القادمة إذا نشبت ستكون حربا بين الحضارات.
وبمعنى آخر وحسبما يقول هنتنغتون في معرض تقديمه لنظريته فإن خطوط الفصل، بين الحضارات تحل محل الحدود السياسية والأيديولوجية للحرب الباردة باعتبارها النقاط المؤشرة على الأزمة وإراقة الدماء. ويحدد هنتنغتون: ثمة ارتباط كونفوشيوسي إسلامي برز لتحدي المصالح والقيم والقوة الغربية، ليصل إلى استنتاج أن ثمة بؤرة مركزية للصراع في المستقبل القريب ستكون بين الغرب ومختلف الدول الإسلامية والحضارة الغربية قد استمرت على مدى 1300 سنة، وهنا فإنه يصف الإسلام بأنه يعادي الغرب إيديولوجيا فضلا عن أن الإسلام له حدود دموية، وهي العبارة التي رأى فيها البعض ربطا بشكل فاضح بين الدين الإسلامي وإراقة الدماء لا ربطها بأفعال بعض المسلمين.
السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا اكتسب مفهوم ونظرية صدام الحضارات على يد هنتنغتون كل هذه الأهمية التي آلت إليها، فيما لم تنل كتابات توينبي أو لويس هذه الشهرة، رغم أن هذا الأخير يعد الأب الروحي لمدرسة المستشرقين المعاصرين المناوئين للإسلام أو بمعنى آخر «كبيرهم الذي علمهم *****»؟
قدمت اجتهادات عديدة في هذا الصدد بشأن أبعاد الأهمية التي احتلتها نظرية هنتنغتون منها الأهمية التي يحتلها هنتنغتون نفسه في الفكر السياسي والوسط الأكاديمي الأميركي، فضلاً عن طرح الكثيرين لفكرة تبدو وجيهة وتجد سندها من الواقع تتمثل في أن النظرية إنما جاءت في إطار النظر للإسلام بشكل أساسي على أنه يمثل العدو الأخضر بعد العدو الأحمر وهو الشيوعية، وأن انهيار الاتحاد السوفييتي كان وراء البحث عن عدو جديد وأن الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص، وفقا لهذا الطرح، وجدا ضالتهما في الإسلام باعتباره هو العدو. ورغم وجاهة الطرح الأول إلا أنه لا يمكن إرجاع شهرة النظرية إليه فقط ذلك أنه على هذا المستوى فقد كان من الأولى أن تنسب للويس باعتباره أكثر شهرة أميركياً وعالمياً.
وعلى هذا يكون تفسير الأمر أكثر منطقية كونها تلبي حاجة لتوجهات السياسات الأميركية في الفترة التي طرح فيها ما دعاها إلى تبنيها والترويج لها رغم محاولة المسؤولين الأميركيين النأي بأنفسهم عنها، فانتشار النظرية إنما يعبر عن توظيف أميركي لمفهوم ورؤية قديمة للعلاقات الدولية في إطار واقع جديد بالشكل الذي يحقق رؤاها الاستراتيجية.
وعلى ذلك يمكن القول إن نظرية صدام الحضارات كانت تلبي طبيعة الحاجة الأميركية في المرحلة التي طرحت فيها، ما دعا البعض إلى إشاعة أنها نظرية مصنوعة في قلب المطبخ السياسي الأميركي، على غرار ما يروج له بعض الاتجاهات من أن أحداث سبتمبر تمت بترتيب رسمي أو سكوت ضمني من قبل الجهات الأميركية.
وبعيداً عن الإيغال في نظرية المؤامرة فإن الرأي الذي يبدو منطقيا هو أنها كانت تلبي حاجة أميركية، فالولايات المتحدة وفي ذروة نشوة الانتصار المتمثل في انهيار الاتحاد السوفييتي الأمر الذي لم يكن ليصدقه الأميركيون رغم أنهم كانوا يعملون على تحقيقه على مدى عقود، وجدت نفسها أمام حالة جديدة سادها قدر من التخبط بشأن النموذج النظرية الذي يفسر هذا التطور.
وليس أدل على ذلك من الترويج الكبير الذي تم لنظرية فوكوياما بشأن نهاية التاريخ باعتبار أنها تمثل تفسيرا لتطورات تلك الفترة. ثم العودة إلى تبني نظرية صدام الحضارات رغم ان جوهر النظريتين أنهما متصادمتان، حيث انه فيما تبشر الأولى بانتصار النموذج الليبرالي إلى الحد الذي تعلن معه نهاية التاريخ، فإن الثانية تأتي على النقيض منها لتنذر بمرحلة جديدة تتسم بنوع آخر من الصراع. وفي ضوء الهيمنة الأميركية فقد كان للنظرية أن تسود وتثير قدرا كبيرا من الجدل لا يزال متواصلا حتى اليوم.
الفصل الأول
في رؤيته حول صدام الحضارات أسقط توينبي النظرية على التاريخ المعاصر والمستقبلي حيث يقول إننا لا نزال في الفصل الأول فقط من قصة صراعنا مع حضارات المكسيك والبيرو والمسيحية الأرثوذكسية والإسلام والعالم الهندوسي والشرق الأقصى وقد بدأنا منذ زمن وجيز جدا نشاهد بعض آثار صراعنا مع هذه الحضارات ولكننا لم نبدأ في مشاهدة آثار الهجوم المضاد الذي ستقوم به علينا وستكون هذه الآثار هائلة بلا شك.
وفي تفصيل رؤية توينبي نشير إلى تأكيده على ضرورة النظر إلى التاريخ على أساس الحضارات لا على أساس الدول وان يتم النظر إلى الدول على اعتبار أنها ظواهر ثانوية وسريعة الزوال في حياة الحضارات التي تبزغ هذه الدول وتغرب في سمائها. ولا يمكن للمرء حين يقرأ أفكار هنتنغتون التي ضمنها كتابه حول الموضوع سوى أن يخرج بالنتيجة التي مؤداها أن هذه الأفكار إنما تمثل في التحليل الأخير إحياء لأفكار رسخها توينبي.
مراجع الدراسة
- ريتشارد بوليت، دفاعا عن مقولة الحضارة الإسلامية المسيحية، دار النهار، بيروت، الطبعة الأولى، 2005
- صموئيل هنتنغتون، صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي، ترجمة طلعت الشايب، دار سطور، القاهرة، 1999
- رضوان جودت زيادة، صدى الحداثة، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2004
- فواز جرجس، أميركا والإسلام السياسي.. صدام الثقافات أم صدام المصالح، دار النهار، بيروت، 1999.
- Bernard Lewis, From Babel To Drgomam,Weidenfeld&Niclson,London,2004
- Bernard Lewis , the roots of Muslim rage, the Atlantic monthly , September 1990.
قصة صناعة عداء
يرسم لنا إدوارد سعيد في كتابه «تغطية الإسلام» والمفكر الأميركي جون اسبوزيتو في كتابه: «التهديد الإسلامي.. خرافة أم حقيقة» صورة بالغة الدقة بشأن صناعة العداء الغربي للإسلام والمسلمين. وإذا كان سعيد قد وجه انتقادا أصيلا لنظرية صدام الحضارات التي نعرض لها على هذه الصفحة معتبرا إياها تعبر عن قدر من الجهل يكشف عن عدم تعمق أصحابها الكافي في أوضاع مختلف الحضارات بالشكل الذي يمكنهما من إدراك وجود اختلافات عميقة داخل هذه الحضارات تؤدي إلى صعوبة الحديث عن الغرب أو الإسلام ككل كمجموعة واحدة، فإن اسبوزيتو يشير إلى دلالة الرسم الذي صاحب مقالة «جذور الغضب الإسلامي» لبرنارد لويس وهى المقالة التي تعتبر بمثابة التدشين الرسمي لنظرية صدام الحضارات في ثوبها الجديد.
لقد صور الغلاف الخارجي للمجلة التي نشرت المقالة مسلما متعمماً ملتحياً متجهماً وفي عينيه المتوهجتين أعلام أميركية وقد انضمت إلى موضوع التهديد ونغمة المواجهة صورتان توضيحيتان صاحبتا المقالة وهما تقدمان الفهم الإسلامي لأميركا باعتبارها عدواً بشكل واضح الزيف حيث أن الصورة الأولى عبارة عن حية مرقومة بالنجوم والشرائط تعبر الصحراء أي هيمنة أميركا أو تهديدها للعالم العربي.أما الصورة الثانية فهي توضح الحية كامنة وراء مسلم متدين يؤدي الصلاة وهو آمن كما لو كانت على وشك مهاجمته.
وقد عبر عن الفهم ذاته المفكر اليساري الأميركي زكاري لقمان في كتابه: «سياسات الإستشراق» والذي كشف من خلاله عما يمكن اعتباره الصناعة البحثية المتكاملة التي تقوم على تغذية الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة وبشكل خاص خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
ليس الهدف هنا استعراض تفاصيل وآليات تأجيج مناخ العداء والكراهية بين عالمين وإنما الإشارة إلى الأسس التي يستمد منها هذا المناخ مقومات وجوده من خلال استعراض ولو لمحة سريعة عن فكر كبرائهم الذين علموهم *****، وهى لمحة تستهدف أن تكون كاشفة لا محرضة على مسايرة هذا الاتجاه، فذلك مما ينبغي نبذه إذا كنا نريد بالفعل أن نعيش في عالم ينعم بقدر من التواؤم بين مختلف الحضارات وهي هنا بشكل أساسي الحضارتان الغربية والإسلامية.
ولعله مما يثلج الصدر هنا أنه بقدر نشاط وهمة أصحاب تيار صناعة العداء إلا أن أنصار تيار التفاهم يتزايدون يوما بعد يوم، وهو ما يتبدى في ظهور مفاهيم غربية مضادة لصدام الحضارات تقوم على التأسيس لصدام المصالح وليس الحضارات، وأخرى تدعو إلى بلورة مفهوم حول الحضارة المسيحية الإسلامية بدلا من الحضارة اليهودية المسيحية السائد في الغرب، وهو الأمر الذي دعا إليه المفكر الأميركي ريتشارد بوليت مقدما نقدا قاسيا لرؤى التيار المتشدد في الفكر الأميركي.
الطبع فإن المشهد لا يعكس حالة استقطاب حاد بين تيارين، بما قد يعني توازنا بين التيارين، وإنما يشير إلى غلبة تيار التشدد غير أن الأمل يبقى قائما في تعزيز تيار الاعتدال الأمر الذي يجعل من مهمة المسلمين وممثليهم الفكريين جسيمة في سياق الصراع على كسب قلوب وعقول الغربيين باستعارة المفاهيم السائدة عنا في الغرب.
مصطفى عبدالرازق