المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاتحاد الأوروبي والعوامل المؤثرة على وزنه الدولي


Eng.Jordan
01-15-2016, 09:04 AM
الاتحاد الأوروبي والعوامل المؤثرة على وزنه الدولي

تاريخ تسلم البحث: 12/4/2012م تاريخ قبوله للنشر: 10/10/2012م

محمد المقداد * صايل السرحان **








































*
**
file:///C:/Users/ENG~1.BAS/AppData/Local/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image002.gifأستاذ مشارك، معهد بيت الحكمة للعلوم السياسية، جامعة آل البيت.
أستاذ مساعد، معهد بيت الحكمة للعلوم السياسية، جامعة آل البيت.






المقدمة والإطار النظري :
يعتبر ظهور الاتحاد الأوروبي من أبرز مظاهر التعاون والشراكة بين الوحدات السياسية التي ظهرت منذ انتهاء الحرب الباردة، وتمثل ذلك من أكثر معالم الانسجام الإقليمي في العلاقات الدولية لما له من آثار ترتبت في تحولات جيوبولتكية في مضامين وأبعاد الوزن الدولي للتكتلات في التاريخ المعاصر. حيث شكل الاتحاد بتركيبته المؤسسية وأهدافه المتعددة منظومة أوروبية ذات وزن مؤثر على الساحة العالمية، لما يمتلكه من مقومات اقتصادية وعسكرية واجتماعية، تؤدي إلى إعطاء الدور الواضح على الصعيد السياسي في النظام العالمي، على الرغم من وجود التنوع بين دول الاتحاد في العديد من المقومات. كما ويذهب العديد من السياسيين والاقتصاديين - أمثال (جيرمي شابيرو) الباحث في معهد بروكنجز، و (كال توماس) الأمريكي المحافظ – إلى أن تكامل الاتحاد الأوروبي وتوسعه سيسهم في خلق قوة عالمية قادرة نوعياً في خلق التوازن السياسي والاقتصادي على الصعيد العالمي، وتقف في مواجهة النظام الدولي التي تقوده الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام (1991).
إن قيام الاتحاد الأوروبي لم يأت وليد لحظة، بل تكون نتيجة روح من التضامن الفكري والعملي البناء، ومن أشكال الشراكة المرحلية والمتعددة بين عدد من الدول الأوروبية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث بدأ بالتوقيع على اتفاقيات للتعاون في مجالات معينة، واتفاقيات من التجارة التفضيلية بإزالة العوائق التي تعترض انتقال وتنمية المنتجات المتداولة بين الأعضاء، والاستغلال الأمثل للموارد المتاحة، وإقامة اتحاد جمركي يخدم السلع المحلية في مواجهة تنافسية السلع المستوردة من خارج التكتل، مما سهل ذلك على تطوير فكرة تأسيس اتحاد اقتصادي تكاملي مبني على سياسات مالية واقتصادية كلية بصورة مستقلة، بما يعود بالنهاية على تنمية الناتج الإجمالي لكل دولة ويحسن مستوى الوضع الاقتصادي للأفراد والمؤسسات العامة والخاصة، ومما يساعد ذلك في إيجاد فرص العمل ويقلل من نسب التضخم. أما في المجال الأمني، فقد بدأت مجالات التعاون المشترك في أوروبا عام (1952) عندما تم توقيع معاهدة (باريس) للدفاع الأوروبي المشترك، وبناء إستراتيجية أمنية تخدم سلامة وأمن الدول الأعضاء أسهمت بالتالي في التوصل لمعاهدة (ماسترنحت) في العقد الأخير من القرن الماضي، التي عززت كافة الجوانب الأمنية ومواجهة مختلف التحديات الخارجية التي تمس باستقرار منظومة الاتحاد الأوروبي.
ومع هذا تبقى دراسة الاتحاد الأوروبي كتكامل إقليمي بين الدول الأعضاء، وبكل ما يمتلكه من مقومات القوة التي تناولها علماء الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية في أدبياتهم النظرية التي يتناول العديد منها تحديد وقياس الوزن الجيوبولتكي للوحدات السياسية بشكل عام، وتحديد عناصر القوة الشاملة للوحدات السياسية- كما ذهب إليها العالم (كلاين)- الا أن ذلك يبقى ضمن مجال الجدل العلمي النظري في قياس مدى كفاءة الاتحاد الأوروبي الذي سيستمر مكان نقد في حسابات القدرات في النظام الدولي. وفي الجانب السياسي فإن الوصول إلى إقامة اتحاد فدرالي يسير بتوحيد السياسات الوطنية لدول أوروبا يعتبر من مدلول الوقائع والحقائق الواضحة هو أقرب إلى الاستحالة من الصعوبة، وذلك كون العديد من القضايا السياسية والأمنية الدولية التي ظهرت بعد تشكل الاتحاد بصورته الحاضرة، تؤكد على وجود اختلاف في مسار التعامل وعدم الوصول إلى توجه سياسي موحد من الدول الأعضاء يعبر عن موقف الاتحاد الأوروبي.
كما وأن هناك العديد من القضايا الجوهرية التي تبين بان الاتحاد الأوروبي هو أقرب للمنظومة الاقتصادية مقارنة بالمنظومة الأمنية والاجتماعية والسياسية، على الرغم من وجود رؤية معينة بأن العديد من الدول التي انضمت للاتحاد باتت عبئاً على موارد الدول الأخرى، وإن ثلث مجموع الدول ما زالت تستخدم العملة الوطنية إلى جانب اليورو، وفي الجانب الأمني والسياسي هناك اتفاقيات ومعاهدات إستراتيجية أمنية بين العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مع دول فاعلة على الساحة الدولية، كحلف شمال الأطلسي (الناتو)، لا تخولها بالتالي التحلل من التزاماتها مع دولة كالولايات المتحدة لطالما كانت حليفة لمعظم دول القارة الأوروبية في مواجهة دول المحور والدول الشيوعية في فترة استمرت لعقود من القرن المنصرم.
أما في الجانب الاجتماعي، فيعتبر عامل الانسجام بين الشعوب المكونة للاتحاد عنصراً هاماً في تحديد وزن ومستوى قوة الاتحاد على الساحة الدولية، فهناك تعدد في الثقافات واللغات بل وفي التمسك بالهوية الوطنية، ويعلل ذلك بعدم المصادقة على دستور الاتحاد الأوروبي من قبل فرنسا على سبيل المثال، مما يعني أن ذلك بمجمله بالنسبة لمستقبل الاتحاد الأوروبي يبقى خاضعاً في تجارب الدول الأعضاء لعامل المصلحة ورهينة لحجم المكاسب التي تجنيها الشعوب على مستوى كل دولة، لذا سيستمر التمسك بالسيادة الوطنية والاستقلال السيادي للدولة الواحدة لأن ثقافة شعار نحن الهولنديون، أو الإنجليز، أو الألمان، أو الفرنسيون، سيبقى يخيم على النخبة أو الجهة المؤيدة لشعار (نحن الأوروبيون).
وعلى ضوء ما تقدم، تأتي هذه الدراسة البحثية، لمناقشة وزن الاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية، من خلال تتبع الأهداف والتركيبة المؤسسية التي يقوم عليها الاتحاد، والبحث في عوامل القوى المؤثرة إيجابياً في وزن الاتحاد، وفي المقابل تشخيص التحديات التي تواجه منظومة الاتحاد، وذلك استناداً لعناصر المقومات الجيوبولتكية والمتمثلة بكل من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على المستويين الداخلي والخارجي.
1-1 مشكلة الدراسة:
تعتبر تجربة تشكيل الاتحاد الأوروبي بصورته الحاضرة، من التجارب الصاعدة في مسعى الدول الأعضاء لبناء إطار من النظام الإقليمي على أسس التفاهم والتعاون في شتى المجالات المشتركة، والتي من شأنها تقوية أهداف الدول الأوروبية في إيجاد منظومة دولية قادرة على خلق التوازن الدولي وإيجاد وسائل قوية تواجه حراك التنافس الدولي في ظل وجود وحدات سياسية كبرى تسعى لتحقيق مكاسب متنوعة في مناطق مختلفة من العالم. لذا، فإن دراسة الاتحاد الأوروبي كتنظيم دولي مركب، ومن دول لها أدوار متعددة في تاريخها، ولطالما في واقعها متفاوتة في ثقافتها، ومقوماتها المادية، وروابطها السياسية من خارج محيطها الجغرافي الأوروبي، يبقى من أوليات البحث في تشخيص ماهية أدوار التكتلات والتنظيمات الدولية خلال العقد الراهن.
إن البحث في إمكانيات الاتحاد الأوروبي يعتبر من المسائل التي طالما تدفع المهتمين والمتخصصين في النظم السياسية والشؤون الدولية في التعرف المستمر على قدرات الاتحاد خاصة وأنه في حالة توسع باستقطاب دول أعضاء من فترة لأخرى، مما يستدعي الوقوف على قياس قوة الاتحاد الأوروبي والعوامل المؤثرة على تفاعله الذاتي وتفاعله الدولي، وهنا لا بد من تبيان وزن الاتحاد على ضوء تركيبته المؤسسية والعوامل الجيوبولتكية ومقوماته الإيجابية والسلبية.
1-2 أهداف الدراسة:
تهدف الدراسة إلى توضيح العديد من الجوانب ذات العلاقة بتحديد حجم الوزن الدولي للاتحاد الأوروبي وطبيعة تفاعلاته السياسية والاقتصادية على الساحة الدولية، وذلك على ضوء التعرف على طبيعة الجوانب الإيجابية والسلبية المؤثرة على حراكه الخارجي من جانب، ومن خلال الوقوف على العوامل الداخلية ممثلة بتركيبته المؤسسية ومقوماته المتعددة من جانب آخر.
1-3 أهمية الدراسة:
تكمن الأهمية العلمية لمشكلة الدراسة في كونها تبحث في الجوانب الجيوبولتكية للتكتلات الدولية التي تشكلت نتيجة اتفاقيات ومعاهدات مرحلية بين عدد من الدول الأوروبية مضمونها التعاون والشراكة لتوطيد معالم التكامل بجوانبه المختلفة من جهة، ومواجهة التحديات الخارجية بإيجاد منظومة تعكس أهداف الدول الأعضاء خاصة وأن عدداً منها يقع ضمن الدول الكبرى عالمياً،
من جهة ثانية، أما من الناحية العملية تظهر أهمية الدراسة كونها تضيف بالتحليل طبيعة التفاعلات الدولية في ظل نظام يوصف بأحادي القطبية منذ انتهاء الحرب الباردة ودور الاتحاد الأوروبي في المجالات المتعددة.
1-4 فرضيات الدراسة:
تقوم الدراسة على فرضية رئيسة مفادها "وجود علاقة ارتباطيه مؤثرة بين التركيبة المؤسسية والمقومات الجيوبولتكية التي يتمتع بها الاتحاد الأوروبي وبين تحديد وزنه الدولي وتفاعله في مختلف المجالات الدولية". كما وينبثق عن الدراسة عدة فرضيات فرعية ذات علاقة بأهداف الدراسة والمضمون العام للمشكلة البحثية، وتتمثل بما يلي:
1- هناك علاقة ارتباطيه بين المقومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يمتلكها الاتحاد الأوروبي وبين قدرة الاتحاد في تعاظم وزنه وتأثيره الدولي.
2- هناك علاقة سلبية بين أهداف الاتحاد للوصول إلى شراكة أوروبية موحدة وفاعلة في مختلف المجالات من جهة ، وبين مصالح الدول الأعضاء البارزة وذات الإمكانيات الأكثر تأثيرا في ارتباطها المؤسسي مع الاتحاد، والحفاظ على سيادتها الوطنية وعلاقاتها السياسية الدولية المعهودة خاصة مع الولايات المتحدة من جهة أخرى.
3- يوجد علاقة سلبية بين المكون السكاني للاتحاد الأوروبي في بعض الجوانب ذات الصلة بالاستقرار الاجتماعي مثل (الكثافة، والعمر، والتركيبة العرقية،و الهجرة، الثقافة والانسجام..) إضافة إلى التحديات الممثلة بأزمة الديون والبطالة والتضخم والطاقة وبين قدرة الاتحاد على تعظيم أدواره الداخلية والدولية خاصة في الظروف الراهنة .
1-5 منهجية الدراسة:
توظف الدراسة عدة مقتربات ذات علاقة بطبيعة المشكلة البحثية، حيث سيتم استخدام المنهج المؤسسي عند تناول الجزئية المتعلقة بالواقع المؤسسي الذي يحكم تركيبة وعمل الاتحاد الأوروبي، كالدستور والمؤسسات العامة للاتحاد ممثلة بكل من المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية والبرلمان ومحكمة العدل، وطبيعة الأهداف التي يسعى الاتحاد نحو تنفيذها. كما وتوظف الدراسة المنهج المورفولوجي كأحد المناهج الرئيسية في الجغرافيا السياسية الذي يهتم بتحليل أنماط العناصر للوحدات السياسية، كنمط التنظيم السياسي والإداري والتنظيم الإقليمي، ودراسة الوزن الجيوبولتكي للاتحادات الدولية، كالموارد الاقتصادية والسكان والمساحة والمشكلات التي تواجه الدول، والتكتلات الإقليمية والعالمية، حيث يتلائم توظيف هذا المنهج (المورفولوجي) عند تناول المبحث المتعلق بالاتحاد الأوروبي وتفاعله الخارجي على ضوء العوامل الداخلية والخارجية السلبية والإيجابية المؤثرة على وزنه الدولي، كالعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وأخيراً، سوف يتم توظيف منهج التحليل الإحصائي عند استعراض العديد من الجداول الرقمية ذات العلاقة بالبيانات الكمية، التي تبين العناصر الأساسية لوزن الاتحاد الأوروبي مقارنة مع الدول الكبرى، واستخدام النسب المئوية لإبراز التحديات التي تواجه دول الاتحاد الأوروبي، كالمديونية والبطالة والتضخم والطاقة.


1-6 الدراسات السابقة:
هناك العديد من الدراسات العلمية المحكمة التي تناولت الاتحاد الأوروبي ومنشـورة في كتب ودوريات متخصصة في المنظمات والعلاقات الدولية. منها من تناول التركيبة المؤسسة والعامة للاتحاد الأوروبي، وأخرى تناولت الاتحاد الأوروبي لتوضيح طبيعة التداعيات الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة، بالإضافة إلى عدد من الدراسات التي تناولت الاتحاد الأوروبي على ضوء علاقاته الاقتصادية والسياسية الدولية.
فضمن دراسة بعنوان "الإصلاح المؤسسي في الاتحاد الأوروبي"، بين المؤلف (Vaughne Miller) العديد من الجوانب المؤسسة المتعلقة بتركيبة الاتحاد الأوروبي، حيث حدد مجالات رئيسية يتعين على الدول الأعضاء في الاتحاد الالتزام بها وذلك لمعالجة الإصلاح المؤسسي، منها التعامل مع مستقبل حجم المفوضية الأوروبية، والأخذ بنظام ترجيح التصويت في المجلس الوزاري، وموضوع الإلزامية في التطبيق بعد التصويت بالأغلبية المطلقة، بالإضافة إلى الحاجة لزيادة صلاحيات البرلمان الأوروبي في الرقابة على كافة الأمور ذات الشأن لمصلحة تقوية نفوذ عمل الاتحاد لترسيخ مختلف الأهداف التي قام عليها خدمة لتقوية حاضره ومستقبله. وخلصت الدراسة إلى نتيجة جوهرية مفادها بأن الاتفاقيات والمعاهدات المؤسسة في الاتحاد الأوروبي ما زالت بحاجة إلى مراجعة دورية في تحديثها، لتأخذ طبيعة الواقع القانوني للدول الأعضاء الجديدة، حتى يبقى مستقبل الاتحاد أكثر قوة في توازنه الداخلي بين توجهاته الفيدرالية وعناصر التركيبة الدولية التي تحكم نجاح مساره ((Miller,1999,P:33.
كما وقدم الباحث (Helmut Schmidt) دراسة تقييميه عن مستقبل الاتحاد الأوروبي، بين فيها أن مواطني أوروبا في هذه الفترة يواجهون عدة تحديات باتت أكثر من الإنجازات الهائلة للمبادرات التي توصل إليها الاتحاد الأوروبي، وذلك بسبب الاندماج السريع للاقتصاديات الأوروبية ووضع سياسات تعزز الأهداف المشتركة للاتحاد الذي توسع ليضم العديد من الدول الشرقية ذات الإمكانات الاقتصادية الأقل بالمقارنة مع دول الاتحاد الأخرى، مما ينتج عنه مساوئ عند مساعدة هذه الدول في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية لإنجاح هيكل السلطة القادرة في مؤسسات الاتحاد ((Schmidt,2002,P:44.
وفي دراسة هامة عن دور الاتحاد الأوروبي في الاقتصادي العالمي، قدم (غابريل أندريه وآخرون) العديد من البيانات التي تؤكد قوة الاقتصاد الأوروبي على المستوى العالمي، والتي تجعله في درجة توصف بأنه عملاق اقتصادي، ينافس الولايات المتحدة والدول الاقتصادية العالمية كاليابان والصين وروسيا، حيث أن الاتحاد الأوروبي حقق منذ عام (2008) وحتى (2011) ما نسبته (40%) من مجموع إيرادات وصادرات التجارة العالمية، ويشكل ما نسبته (25%) من إجمالي الناتج المحلي العالمي. وبهذا خلصت الدراسة إلى أن الاتحاد الأوروبي بات يعتبر أغنى كتلة اقتصادية على الصعيد العالمي، إلا أن هناك العديد من المشكلات الاقتصادية القائمة التي تواجه الاتحاد وتحتاج إلى حلول آنية حتى لا يصبح الوضع أكثر تعقيداً بعد انضمام أعضاء جدد، وتتمثل على الصعيد الدولي بمواجهة الفجوة التكنولوجية المتزايدة للاتحاد الأوروبي مقارنة مع الولايات المتحدة واليابان Andrei and Simon,2012,P:55)).
وأخيراً، وعلى الرغم من أهمية الدراسات السابقة، تأتي هذه الدراسة لاستعراض مختلف الجوانب الرئيسية التي تؤثر على وزن الاتحاد على الساحة الدولية، ممثلة بالتركيبة المؤسسية والتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جانب، وتبيان معالم القوى الإيجابية التي تجعل من الاتحاد الأوروبي تكتلاً دولياً نموذجاً خاصة عند الاستمرارية في مواجهة المشاكل المتعددة والبناء السياسي والاقتصادي الذي ينعكس بشكل ملموس على شعوب وحكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
I: الاتحاد الأوروبي: النشأة والأهداف والتركيبة المؤسسية:
I-I الاتحاد الأوروبي: النشأة والأهداف
أولاً) النشأة:
ترجع فكرة توحيد القارة الأوروبية - ومن خلال التعاون والمساواة في العضوية- إلى المفكر والأديب الفرنسي (فيكتور هيوجو) عام (1851) الذي دعا إلى التوحد السلمي لدول أوروبا (مقلد،2011،ص:253)، إلا أن الفكرة لم تأخذ الفرصة الجادة في التطبيق، بل ازداد وضع أوروبا أكثر انقساماً نتيجة الصراع الكارثي، حيث وقعت حربان عالميتان في العقد الثاني والعقد الرابع من القرن العشرين، ومع هذا ظهرت حاجة الشراكة المدفوعة بالحاجة إلى إعادة بناء أوروبا ومواجهة أي احتمال لوقوع حرب شاملة أخرى، مما استدعى عدد من الدول الأوروبية إلى تشكيل الجماعة الأوروبية
للفحم والصلب عام (1951) التي تألفت من ست دول آنذاك وهي (ألمانيا الغربية، فرنسا، إيطاليا، هولندا، بلجيكا، لوكسمبورغ). وكانت بهذا أول وحدة جمركية عرفت دولياً باسم المؤسسة الاقتصادية الأوروبية، وبالسوق المشتركة بعد اتفاقية روما عام (1957)، واستمرت الفكرة بالتوسع حتى الوصول إلى اتفاق من تبادل تجاري إلى شراكة اقتصادية وسياسية تجمع حتى الآن غالبية قارة أوروبا وبمسمى جديد (الاتحاد الأوروبي) وكان ذلك في الأول من تشرين أول عام 1993 حينما دخلت معاهدة (ماسترخت) حيز التنفيذ، والتي أرست دعائم التعاون الأوروبي من خلال كل من التعاون الاقتصادي بين الدول الأوروبية، ودعم توحيد الرؤى في القضايا السياسية الدولية ضمن سياسة خارجية وأمنية مشتركة، والتعاون في مجال العدل والشؤون الداخلية((Tuathail,2003,P:142.
وبهدف إرساء دعائم التعاون بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بينت المعاهدة أن القرارات تؤخذ بأغلبية الأصوات بناءً على أن ممثلي حكومات الدول الأعضاء هم أعضاء مجلس الاتحاد، وبحيث تعمل الدول معاً للتوصل إلى تفاهم مشترك يؤدي إلى الإجماع.
أما العوامل التي أسهمت في عملية اندماج البلدان الأوروبية في تشكيل الاتحاد تتمثل بالتالية (عوض،1999،ص:31):
1- العامل الجغرافي: حيث أسهم عامل الجوار الجغرافي في عملية الاندماج بين الدول الأوروبية، خاصة وأن موقع أوروبا عبر التاريخ يعتبر استراتيجياً من مختلف النواحي، وهو كذلك يوفر ظروف طبيعية ملائمة على الصعيد الجيوبولتكي.
2- العامل التاريخي: منذ قرون عديدة كان للدول الأوروبية ظروف تاريخية مشتركة انتهت بالصراع ومن ثم التعاون في مواجهة الصراع خاصة في الحربين العالميتين في القرن العشرين، وهذا بدوره أسهم في إيجاد ثقافة فكرية وعملية لإيجاد منظمة أمنية متكاملة لتحقق مصالح الدول والشعوب الأوروبية.
3- العامل الاقتصادي: أسهم النظام الرأسمالي الذي ارتبط بنهج الدول الرئيسية في الدول الأوروبية بإيجاد توافقات ذات ركائز أساسية أدت إلى سهولة تقارب وسائل التعاون بين الدول للدخول في اتفاقيات ومعاهدات مشتركة كان لها دور إيجابي في تعزيز وتقوية وجهات النظر في توسعة العضوية والرؤية لإيجاد اتحاد مشترك يخدم الدول الأوروبية، كما كان لانهيار المنظومة الاشتراكية بانهيار الاتحاد السوفييتي عام (1991)، أن جعلت من دول أوروبا الشرقية الرغبة المباشرة في الانضمام لمنظومة التعاون الأوروبي الرأسمالية.
4- العامل السياسي: تعتبر جميع الدول الأوروبية التي أسست المنظومة الأوروبية متشابهة إلى حد كبير في شكل نظام الحكم الذي يأخذ بدولة القانون والمؤسسات، ويأخذ بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الإعلام والتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني، وهذا بدوره سهل عملية التجاوب بين الحكومات والشعوب الأوروبية في تشكيل رؤى الانسجام والتوافق نحو إيجاد اتحاد أوروبي يلبي تطلعات الشعوب على المدى البعيد.
ثانياً) أهداف الاتحاد الأوروبي:
يمكن توضيح أهداف قيام الاتحاد الأوروبي - على ضوء المراحل التأسيسية والبنائية التي مرّ بها منذ العقد الخامس من القرن العشرين وحتى ما تمخضت عنه معاهدة لشبونة عام (2007)- على النحو الآتي ((Egenhofer,2011,PP:28-29:
1- التنمية المستدامة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على أساس النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
2- إيجاد اتحاد اقتصادي قوي يخدم أبعاد السوق الاجتماعي، وليكون ذات قدرة تنافسية عالية مما يمكن من توفير العمالة الكاملة التي تعزز بالتالي كافة مجالات التقدم الاجتماعي.
3- إيجاد سوق حرة واحدة تلبي احتياجات المستهلكين الأوروبيين، وتعزز من قدرتهم الشرائية، وتقوي من الميزان التجاري لكافة دول الاتحاد.
4- العمل على تعزيز السلام والرفاه لمواطني
الاتحاد الأوروبي.
5- تعزيز الجوانب الأمنية الداخلية ومن كافة التحديات الخارجية.
6- محاربة الإقصاء الاجتماعي والتمييز، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
7- دعم برامج التعليم وتعزيز الثقافة الإنسانية والحفاظ على الميراث الحضاري الإنساني.
8- تحقيق الاستقرار الاقتصادي بتحديد وتنفيذ السياسات النقدية لمنطقة الاتحاد الأوروبي، وحيازة الاحتياطات النقدية الأجنبية الكافية، وتقديم البيانات المالية للنظام النقدي الاتحادي من خلال البنك المركزي الأوروبي الموحد وعرض ذلك على البرلمان الأوروبي بطريقة دورية.
I-I I التركيبة القانونية والمؤسسية للاتحاد الأوروبي:
أولا) الدستور:
في عام (2004) تمّ الموافقة على دستور الاتحاد الأوروبي من جانب حكومات الدول الأعضاء، إلا أن إقرار الدستور يتطلب من الدول الأعضاء القيام بالاستفتاء الشعبي العام أو الاقتراع البرلماني. ومن الجدير بالذكر بأن دستور الاتحاد قام بكتابة مواده لجان دستورية شُكلت من ممثلين من الدول الأعضاء وبرلماناتها، بالإضافة إلى الدول المرشحة للانضمام، ومن ممثلين عن البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية، ومن أجل توسيع المشاركة الشعبية في مناقشة مواد الدستور، تمّ عقد جلسات علنية مع ممثلين عن جمعيات أهلية متخصصة بمجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة للاستفادة من الآراء والمقترحات، كما عرضت مواد الدستور على شبكة الإنترنت حتى يتسنى لكل مواطن الاطلاع عليها وكتابة تعليقات حولها، ويتراوح عدد صفحات الدستور الأوروبي بين (352 – 482) صفحة، وذلك حسب اللغة المترجم إليها، وينقسم إلى أربعة
أجزاء رئيسية وهي (Egenhofer,2011,PP:33-35):
الأول: يشتمل على تعريف للقيم والأهداف والواجبات وطرق اتخاذ القرار، ويسمي الأجهزة المختلفة للاتحاد الأوروبي.
الثاني: يعالج وثيقة التأسيس، وفيها تمّ تعريف القوانين الأساسية على مستوى الاتحاد بشكل سهل، وبأسلوب مأخوذ من توصيات المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان.
الثالث: يعرف طرق عمل الأجهزة المختلفة في الاتحاد الأوروبي، كما يوضح مجال عملها الداخلي والخارجي، كحرية انتقال المواطنين، والتجارة. . . الخ.
الرابع: يبين الأحكام العامة ويعرف رموز الاتحاد الأوروبي، ويضع قواعد تحدد كيفية إدخال مواد جديدة على الدستور وكيفية دخولها حيز التنفيذ.
ويهدف الدستور إلى جعل أوروبا أكثر ديمقراطية وكفاءة في مختلف المجالات، وبغية تحقيق ذلك تضمن الدستور إيجاد رئاسة للاتحاد تكون مهامها تنظيم العمل بين المجالس الأوروبية المختلفة وتمثيل الاتحاد الأوروبي في الساحات الدولية، كما أدخل الدستور منصب وزير خارجية للاتحاد ليعنى بتشكيل سياسة خارجية تعبر عن توجهات الاتحاد في القضايا الإقليمية والدولية و يتولى كذلك منصب نائب رئيس الاتحاد. وبين الدستور عملية اتخاذ القرار من خلال المجلس الوزاري الأوروبي بحيث يتم بطريقة الغالبية المطلقة، إضافة إلى تحويل صلاحيات البرلمان الأوروبي في صناعة القرار وبطريقة يتساوى بها في التصويت على اتخاذ القرار المناسب مع المجلس الوزاري عند الاقتراع على القوانين.
منذ أن قامت الدول الأعضاء بالاستفتاء العام على الدستور الأوروبي كانت هناك (14) دولة من أصل (27) دولة زادت نسبة التأييد لديها عن (50%) من الأصوات الشعبية ((Keukeleire,2008,P:348، ويبين الجدول التالي (1-1) مستويات تأييد الدول الأوروبية الأعضاء على الدستور الأوروبي، حيث نلاحظ أن كلاً من إيطاليا وهولندا وسلوفاكيا وبلجيكا زادت نسبة التأييد عن (61%) من الأصوات الشعبية التي اقترعت على الدستور، كما أبدت جماهير كل من إسبانيا وألمانيا وسلوفينيا والمجر واستوانيا ولوكسمبورغ وبنسبة زادت عن (51%)، أما باقي الدول فقد كانت نتيجة الاقتراح أقل من (50%) ووصلت نسبة التأييد – عند عدد من الدول الأعضاء- إلى أقل من (30%) كما هو عند المملكة المتحدة وإيرلندا والسويد وقبرص (Jens,2005,P:77).





حمل المرجع كاملاُ من المرفقات