المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في مخالفة مذهب الخوارج وإبطاله


عبدالناصر محمود
01-17-2016, 08:54 AM
تقريرات أئمة الدعوة في مخالفة مذهب الخوارج وإبطاله
ــــــــــــــــــــــــــــ

(محمد السحابي)
ـــــــ


7 / 4 / 1437 هــ
17 / 1 / 2016 م
ــــــــــــ


جاء في كتاب تقريرات أئمة الدعوة في مخالفة مذهب الخوارج وإبطاله جمعا ودراسة تأليف الدكتور محمد هشام طاهري مناقشة

سماحة مفتي المملكة
الشيخ عبد العزيز آل شيخ (عضوا)

رئيس قسم العقيدة
الشيخ أ.د. سعود بن عبد العزيز الخلف (عضوا)

الشيخ أ.د. أحمد بن عطية الغامدي (مقرّرا)

دار غراس اانشر والتوزيع

تحت عنوان موقف الخوارج من إقامة الحجة وتقريرات أئمة الدعوة في بيان أهمية إقامة الحجة في التكفير تحقيق وبيان لمواقف أئمة الدعو النجدية من مسألة العذر بالجهل والتفريق بين إقامة الحجّة وفهم الحجّة فقرّرت نسخ هذا الفصل وتقريبه للقرّاء وإن كنت أعتذر مسبقا عن عدم إدراجي للجانب التوثيقي للنصوص مكتفيا بالإحالة إلى الكتاب وهذا نتيجة لترتيب في وقتي فإن شعر أحد الإخوة بالحاجة إلى توثيق نصّ معيّن فلا بأس بذكره ونقل ما علّق به الدكتور في كتابه وقد ارتأيت نقل فائدة من هامش الكتاب - ولا تخلو صفحاته من فائدة - تتعلّق بمفهوم مصطلحي : إقامة الحجّة وفهم الحجّة وهذا ليتسنى للإخوة الأكارم مطالعة ما جاء في هذا الفصل وهم على بيّنة من أمرهم

قال حفظه الله : [ والذي يتبين لي من خلال كلام أئمة الدعوة أنّ :

المراد بقيام الحجة : هو علم المكلّف بالمدلول المطلوب منه بالخطاب ؛ كفهم أن الشرك هو صرف العبادة لغير الله ، ولهذا قالوا ( أجعل الآلهة إلها واحدا . . . ) .
وأمّا المراد بفهم الحجّة : فإدراك المراد مع العمل به وبهذا فهو نوع آخر غير قيام الحجة ، فإذا كان مع إدراك الحجة عمل ؛ فهو فهم والتزام ، ولهذا عاب الله على المشركين لعدم فهمهم هذا الفهم وعدم سماعهم هذا السماع ، وإلاّ فمجرّد السماع الذي هو فهم الخطاب حاصل لهم ، ولكن لم يوفقوا للعمل فانتفى عنهم سماع العمل والإهتداء ، وأما إذا لم يكن مع إدراك المراد عمل فهو إقامة للحجة ، والله أعلم ] ص 478

والآن مع ما جاء في الكتاب فلتتفضّلوه مشكورين :

موقف الخوارج من إقامة الحجة وتقريرات أئمة الدعوة في بيان أهمية إقامة الحجة في التكفير

الخوارج يكفرون الأمة بالظنون والأهواء ولا ينظرون إلى مسألة إقامة الحجة في تكفيرهم للمعين بل كانوا يقتلون من يقع تحت أيديهم ممن ليس معهم إذا لم يعلن توبته من الكفر الذي زعموه ومن دون نظر إلى كون شروط التكفير موجودة في المعين وموانعه منتفية أم لا
فعامة الخوارج لا يرون إقامة الحجّة شرطا في تكفير المسلم المعين بل إنّ المسلم المعين عندهم يكون كافرا بمجرد وقوعه فيما هو كفر – ولو في نظرهم – ولو كان كفرا أصغر بل والكبيرة .
أما النجدات من الخوارج فهم يرون أن الدين أمران :

1 – معرفة الله ورسوله وتحريم دماء المسلمين وأموالهم والإقرار بما جاء من عند الله جملة فهذا لا يعذرون فيه .
2 – ما عدا ذلك فإن الناس عندهم معذورون فيه بالجهل إلى أن تقوم عليهم الحجة

أو بتعبير آخر : يكفرون فيما أجمعت الأمة على أنه كفر بدون إقامة حجة وأما ما كان إجتهاديا فإنهم يعذرون فيه حتى تقوم عليه الحجة في مسائل الخلاف .
وبنحو هذا الإعتقاد تعتقد الإباضية قال محمد يوسف إطفيش الإباضي : (حجة الله إنما تقوم عندنا بالكتب والرسل .... ، وقد قامت على المكلفين جميعا من لدن آدم .
فصاحب الجزيرة غير معذور في الشرك ولا في جهل الفرائض ولو لم يسمع من أحد عندنا وإن كان على شريعة نبي عند ما لم تصله الحجة بالنسخ أو بالزيادة

وقال بعض قومنا : يعذر في غير التوحيد إن لم يصله غيره )
وهذا نص أن من وقع في الكفر أو الشرك ممن يكون في جزيرة فإنه يعذر وأ بعضهم عذره في مسائل غير التوحيد .

وهكذا من تأثر بفكر الخوارج – من المعاصرين – يرون إقامة الحجة ليس بشرط ؛ فهذه جماعة التكفير والهجرة دونوا في كتابهم : (الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد) : (أنّ الدين ينقسم إلى أصل وفرع :


والأصل : هو التوحيد ، أو الإيمان المجمل ، أو أصل الإسلام ، وهذا لم يختلف فيه الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم ، وهذا لا عذر فيه بالجهل ، سواء وجدت مظنّة العلم ، أم لم توجد ، وسواء ثبتت إقامة الحجة أم لا ، ويعد كافرا ؟! .

وفروع : وهي فروع الشرائع المختلفة بين كل رسول ، حسب زمانه ، واختلاف قومه .. وهذا لا يكفّر جاهله قبل إقامة الحجّة عليه ، وذلك لعدم قطعية الدليل ؛ بل يعتبر مبتدعا أو فاسقا ؟ !

- (كما زعموا) - : أنّ الناس جميعا يجب أن يكونوا على درجة واحدة من العلم والمعرفة في أحكام الدين ، وأن الحق بتفاصيله قد بلغ الجميع ؟ فمن غابت عنه الأوامر وجهل التشريعات يكون فاسد العقيدة ؟
وبهذا يعد المسلمون – في هذا الوقت الذي نعيشه – قد فسدت عقيدتهم ، وخرجوا عن دين الإسلام ؛ لأنهم جهلوا معالم الدين ؟! ) .

أما أهل السنة والجماعة الذين هم أرحم الأمة بالخلق ، وأعرف الناس بالحق ؛ لا يكفرون إلاّ من قامت عليه الحجة ، ووجدت فيه شروط التكفير ، وانتفت عنه الموانع .
ومن المسائل المشهورة عن أهل السنة والجماعة أن الله تعالى لا يؤاخذ عباده إلاّ بعد وصول الرسالة إليهم ، وإقامة الحجة عليهم ، وذلك بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب .
ولتحرير محلّ النزاع في مسألة إقامة الحجة لا بدّ من معرفة أمور :

الأول : المشهور عن أهل السنة أن من لم تبلغه الرسالة المحمدية في أي عصر كان ، ولم يسمع بها في أي مكان كان ؛ فإنه يعذر ، وحينئذ فإنه يعامل معاملة ما هو عليه من الديانة في الدنيا .
وأما في الآخرة فيعامل بمعاملة أهل الفترة ، (وأحسن ما قيل في هذا الصنف من الناس أنهم يمتحنون يوم الإقامة فمن أطاع الأمر دخل الجنة ، ومن عصى الله دخل النار ؛ لقول الله تعالى : (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [الإسراء : 15]) ، وفي المسألة أقوال أخرى وتفصيل ذكره ابن القيّم وبيّنه .

الثاني : من بلغتهم الدعوة من الكفار والمشركين ، ووصلتهم الرسالة ، وأقيمت عليهم الحجة الرسالية ، ولم يدخلوا في الإسلام ، ولا أذعنوا للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة ، وهؤلاء أصناف :

1 – صنف أنكر بعد ما عرف واستكبر .

2 – صنف لم يبال بالدين وأعرض عن سماعه وتفهمه .

3 – صنف قلّد آباءه ، وشحّ بجاهه ، وماله ، ولم يؤمن .

فلا شك أنّ هؤلاء الأصناف كلّهم كفار ، سواء كانوا من اليهود والنصارى ، أو من غيرهم من أهل الأديان ، الذين سمعوا بالدين الإسلامي ، وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فهؤلاء هم الكفار الأصليون ، ولا شك في كفرهم البيتة ، وهذا أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام .

الثالث : من دان بالإسلام ، واعتقد بالإيمان ، ثمّ وقع منه الكفر الأكبر ؛ وهو عالم بذلك ، وذاكر له ، وهو في نفسه مختار ؛ فهذا أيضا لا يشك في كفره .

الرابع – وهو محلّ النزاع - : من وقع في الكفر الأكبر – ممن يشهد الشهادتين – خطأ ، أو تأويلا ؛ أو جهلا ؛ فهل يكفر أم لا يكفر إلاّ بعد فهم الحجة ؟ .

الذي عليه السلف ، والأئمة من بعدهم أن قيام الحجة شرط في التكفير ؛ وهذا لا خلاف فيه بينهم في الجملة .
وإنما الخلاف – إن حكي أو نقل ؛ فإنما هو بسبب عدم التفريق بين أقوال أهل العلم المطلقة في الأوصاف ، وتنزيلها في الوقائع المعينة من جهة ، وفي آحاد الصور ، أعني فيمن يعذر ومن لا يعذر هذا من جهة أخرى .ومسألة إقامة الحجة حتى تكون أدق جمعا في كلام أئمة الدعوة وأوضح دراية ؛ فإنّي أذكرها على النحو التالي :

أولا : اتفاق أئمة الدعوة على التفريق بين الإطلاق والتعيين متبعين النصوص وما عليه السلف :

إن مسألة الآحاد مختلفة عن مسألة العموم والإطلاق ؛ فالسلف والأئمة من بعدهم يرون قيام الحجة أمرا ضروريا في مسألة تكفير المعين ، ولكن قد يختلفون في بعض الصور ؛ فيرى بعضهم أن فلانا قامت عليه الحجة بالكتاب ، وفلانا قامت عليه الحجة بالسنة ، وفلانا قامت عليه الحجة بهما معا ، وفلانا لم تقم عليه الحجة ، إما لعدم فهمه للغة القرآن ، أو لعدم وصول السنة إليه ، أو لعدمهما .

وهذا لا يعني في الحقيقة خلافا ؛ بل هذا مثل مسألة التكفير نفسه ؛ فإن أهل السنة – قديما وحديثا – يرون أن من وقع في الكفر فإنه يكفر ، هذا من حيث الإطلاق والوصف بالإتفاق وأما من حيث التعيين والتخصيص فإن بعضهم قد يكفر فلانا لاعتقاده بأن شروط التكفير متوفرة ، وموانعه منتفية ، والآخر لا يكفر لاعتقاده عدم وجود أحد الشروط ، أو ظنّه قيام المانع ، مع أن الكلّ متفق على أن الفعل نفسه كفر .

قال الشيخ حمد بن ناصر رحمه الله : (ومن بلغته هذه الدعوة المحمدية ، وانقاد لها ، ووحد الله ، وعبده وحده لا شريك له ، والتزم شرائع الإسلام ... ؛ فهذا من المسلمين الموعودين بالجنة ، في كلّ زمان ومكان .
وأما من كانت حاله حال أهل الجاهلية ، لا يعرف التوحيد الذي بعث اللّه رسوله يدعو إليه ، ولا الشرك الذي بعث الله رسوله ينهى عنه ، ويقاتل عليه ؛ فهذا لا يقال : إنه مسلم لجهله ؛ بل من كان ظاهر عمله الشرك بالله ؛ فظاهره الكفر ؛ فلا يستغفر له ، ولا يتصدّق عنه ، ونكل حاله إلى الله الذي يبلو السرائر ، ويعلم ما تخفي الصدور .
ولا نقول : فلان مات كافرا ؛ لأنا نفرق بين المعين وغيره ؛ فلا نحكم على معين بكفر ؛ لأنا لا نعلم حقيقة حاله ، وباطن أمره ؛ بل نكل ذلك إلى الله) .

فقرر الشيخ أولا : أن من وقع في الكفر والشرك الأكبر فإنه يكون كافرا ، وهذا على سبيل الإطلاق ؛ فإنّ (من) لفظ يفيد أن المراد : العام المطلق .

ثمّ بين : أن المعين من هؤلاء نكل أمره إلى الله تعالى ، ولا نعينه بالتكفير .
ومن جهة أخرى فلأن المعين تختلف الأنظار فيه ؛ فمن أهل العلم من يرى أنه كافر ، ومنهم من لا يرى فيه ذلك لوجود موانع يراها .

قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله : (وأما تكفيره – أعني المخطيء ، والغالط – فهو من الكذب والإلزام الباطل ؛ فإنه لم يكفّر أحد من العلماء أحدا إذا توقف في كفر أحد من الأسباب التي يعذر بها العالم إذا أخطأ ، ولم يقم عنده دليل على كفر من قام به هذا الوصف الذي يكفر به من قام به ؛ بل إذا بين له ثم بعد ذلك عاند وكابر وأصر .
ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين كقدامة ابن مظغون وأصحابه شرب الخمر ، وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة ، اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون ؛ فإن أصروا على الإستحلال كفروا ، وإن أقروا بالتحريم جلدوا .
فلم يكفروهم بالإستحلال ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يبين لهم الحق ؛ فإذا أصروا على الإستحلال كفروا ، وإن أقروا بالتحريم جلدوا .
فلم يكفروهم بالإستحلال ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يبين لهم الحق ؛ فإذا أصروا على الجحود كفروا .
ولكن الجهل ، وعدم العلم بما عليه المحققون أوقعك – في التهور بالقول بغير حجة ولا دليل – بالإلزامات الباطلة ، والجهالات العاطلة .
وكانت هذه الطريقة من طرائق أهل البدع ؛ فنسج على منوالهم هذا المتنطع بالتمويه والسفسطة ، وما هكذا يا سعد تورد الإبل) .

إذا أهل السنة يفرقون بين الإطلاق والتعيين ، خلافا لأهل البدع والمتنطعين ؛ فإنهم يحملون النصوص حملا واحدا ولا يرون فرقا بين الإطلاق والتعيين .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى : (قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى : .. إني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني ، أني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية ، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة ، وفاسقاً أخرى ، وعاصياً أخرى ،
وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها ، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية .
وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية .

إلى أن قال : وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حق ؛ لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين .

إلى أن قال : والتكفير هو من الوعيد ؛ فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة ، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة ، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص ، أو سمعها ولم تثبت عنده ، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئا . ا.ه) .
ثم ذكر قولا لشيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب ، وقد ذكرته ، ثم قال : وإذا كان هذا مقتضى نصوص الكتاب ، والسنة ، وكلام أهل العلم فهو مقتضى حكمة الله تعالى ، ولطفه ، ورأفته ، فلن يعذب أحداً حتى يعذر إليه ، والعقول لا تستقل بمعرفة ما يجب لله تعالى من الحقوق ، ولو كانت تستقل بذلك لم تتوقف الحجة على إرسال الرسل فالأصل فيمن ينتسب للإسلام : بقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي ، ولا يجوز التساهل في تكفيره )

قال إمام الدعوة رحمه الله مبينا المراد : ( وأما عبارة الشيخ ... ؛ فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة .
فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة ؛ فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما - ؛ بل إذا بلغه كلام الله ورسوله ، وخلا من شيء يعذر به ؛ فهو كافر ؛ كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن )
وبعض أئمة الدعوة في بعض عباراتهم ما يفهم منه عدم شرطية قيام الحجة ؛ وقد يكون مجملا في بعض المصنفات ؛ فينبغي حمل ذلك على التكفير المطلق الذي كان المخالفون ينازعونهم فيها ، ومن تأمل في تمام كلماتهم يجد أنهم لم يشترطوا فهم الحجة في مسائل معينة ، وليس معنى ذلك أنهم لا يرون قيام الحجة شرطا في تكفير المعين ، وإن بعض هذه العبارات كانت مقيدة بالوقت ، أو بمسألة ، أو بشخص فيتنبه لهذا ، وهذا مسلك معروف عند العلماء ، إذ يطلقون في موضع ويقيدون في موضع آخر ، ويجملون في موضع ويبسطون في موضع آخر ؛ فيحمل المطلق على المقيد ، والمجمل على المبين .
ففي بعض مواضع من عباراتهم تفصيل محرّر ، أو إجمال فصّل في موضع آخر فيحرّر ، أو كلام في الأوصاف معتبر ، فحمله على المعين يسبب الشرر .


ثانيا : الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة :

قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله ( فصل في الفرق بين قيام الحجة ، وفهم الحجة : قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله : وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة ؛ فإنه من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة ، إذا كان على وجه يمكن معه العلم ، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان ، والقبول ، والإنقياد لما جاء به الرسول ؛ فافهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة قيام الحجة .
قال تعالى : (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) [الفرقان : 44] ، وقال تعالى : (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) [البقرة : 7]. انتهى .

قلت : ومعنى قوله – رحمه الله – (إذا كان على وجه يمكن معه العلم) ؛ فمعناه : أن لا يكون عديم العقل والتمييز ؛ كالصغير والمجنون ، أو يكون ممن لا يفهم الخطاب ،ولم يحضر ترجمان يترجم له ، ونحو هؤلاء ؛ فمن بلغته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبلغه القرآن ؛ فقد قامت عليه الحجة ، قال تعالى : (لأنذركم به ومن بلغ) [ الأنعام : 19] ، وقال تعالى : (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) [ النساء : 165].
فلا يعذر أحد في عدم الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ؛ فلا عذر له بعد ذلك بالجهل .
وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم ، ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم ، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون ، ونعتقد كفرهم ، وكفر من شك في كفرهم ، وقد دلّ القرآن على أنّ الشكّ في أصول الدين كفر ، والشك هو التردد بين شيئين ؛ كالذي لا يجزم بصدق الرسول ولا كذبه ، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه ... ، وهذا كفر بإجماع العلماء .
ولا عذر لمن كان حاله هكذا ؛ لكونه لم يفهم حجج الله ، وبيناته ؛ لأنه لا عذر له بعد بلوغها ، وإن لم يفهمها ، وقد أخبر الله تعالى عن الكفار أنهم لم يفهموا ؛ فقال : (وجعلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه وفي ءاذنهم وقرا) [الإسراء : 46] .. ؛ فبين سبحانه أنهم لم يفقهوا ؛ فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا ؛ بل صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار × كما في قوله تعالى : (قل هل ننبّؤكم بالأخسرين أعمالا الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا () وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ()أولئك الذين كفروا بآيات ربّهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) [ الكهف ] )
وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل شيخ رحمه الله : (أيّ عالم ، وأي فقيه : اشترط في قيام الحجة والبيان معرفة المخاطب بالحقّ ؟
قال تعالى : (أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلاّ كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا) [الفرقان : 44] .. وأمثال هذه الآيات – التي تدل على عمايتهم ، وعدم معرفتهم للحق – كثير ...
وإنما يشترط فهم المراد للمتكلم ، والمقصود من الخطاب ؛ لا أنه حق ؛ فذاك طور ثان ، هذا هو المستفاد من نص الكتاب ، وكلام أهل العلم) .

ومما يؤكد أنه لا بد من أن يفهم المخاطب المراد ، أن أئمة الدعوة بينوا أنه لا بد في اعتبار قيام الحجة النظر إلى العلماء ، وأن الحجة تقوم بهم .
ولو كانت الحجة قائمة بمجرد وصول الكتاب ، ولو مع عدم فهم الخطاب ؛ لكان وجود العلماء وعدمه سواء ، وهذه نقولات أئمة الدعوة في بيان من تقوم الحجة بهم :

قال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : (تعريف أهل العلم للجهال بمباني الإسلام ، وأصول الإيمان والنصوص القطعية والمسائل الإجتماعية حجة عند أهل العلم ، تقوم بها الحجة ، وتترتب عليها أحكام ، أحكام الردة وغيرها ، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالتبليغ عنه ، وحث على ذلك ، و قال الله في الإحتجاج و النذارة في كتابه (لأنذركم به و من بلغ) و من الذي يبلغ و ينقل نصوص الكتاب والسنة غير أهل العلم وورثة الرسل ؟

فإن كانت الحجّة لا تقوم بهم و ببيانهم أن هذا من عند الله ، و هذا كلام رسوله فلا حجة بالوحيين ، إذ النقل و التعريف يتوقف على أهل العلم ، كما أن بيان المعاني المقصودة و التأويلات المرادة يتوقف على أهل العلم ، و تقوم الحجة بهم ، وهم نوّاب الرّسول صلى الله عليه وسلم في الإبلاغ عنه و قيام الحجة بهم كما قال علي بن أبي طالب في حديث كمال بن زياد ( بلى ، لن تخلو الأرض من قائم لله بحججه ، كي لا تبطل حجج الله و بيناته ) ... إلى آخر كلامه ، وفي الحديث ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم و لا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) بالجملة فالحجة في كل زمان إنما تقوم بأهل العلم ورثة الأنبياء ) .
وقال أيضا : (قول شيخنا رحمه الله في جوابه للشريف : (ونكفره بعد التعريف إذا عرّفناه وأنكر) قول صحيح ؛ فإن العلماء – رحمهم الله تعالى – ذكروا أن المرتد يستتاب ويعرف ؛ فإن أصرّ وأنكر يكفر بذلك ، ولو كان المستتيب له من آحاد أمراء المسلمين أو عامتهم ؛ فكيف بقضاتهم وعلمائهم ؟) .
أي أن آحاد أمراء المسلمين تقوم الحجة بهم على المستتيب ، فقيام الحجة ببيان القضاة والعلماء من باب أولى .
قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله : (هل كلّ تقوم به الحجة أم لا بدّ من إنسان يحسن إقامتها ؟
فالذي يظهر لي - والله أعلم - : أنها لا تقوم الحجة إلاّ بمن يحسن إقامتها ، وأما من لا يحسن إقامتها ؛ كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه ، ولا ما ذكره العلماء في ذلك فإنه لا تقوم به الحجة فيما اعلم ، والله أعلم ) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : (إن الوضوح والإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي يختلف فيه الناس بحسب العلم والفهم، فقد يكون مشكلا عند شخص وهو واضح عند شخص آخر ......
أما من حيث واقع النصوص الشرعية فليس فيها -بحمد الله- ما هو مشكل لا يعرفه أحد من الناس معناه فيما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم ) .
فما دام الأمر في وضوح المسائل وإشكالها نسبيا فإن الذي يبين المشكل على الناس هم العلماء ، وأهل البيان ، وخلفاء الرسول في أمته ، وأمناؤه على دينه .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : (إذا عرفت هذا تبين لك ... أن ما قرره الشيخ مباين لمذهب الخوارج ، موافق لمذهب أهل الإسلام ، من أهل العلم والدين .
وأن من زعم أن قول الشيخ هو قول الخوارج فقد تضمن زعمه وبهته تجهيل أئمة الدين ، وعلماء المسلمين ، ممن نهى عن الشرك بالله رب العالمين ، وأنهم لم يفرقوا بين مذهب الخوارج ودين الرسل ؟
بل لازمه أن ما تضمنه الكتاب العزيز والسنة النبوية من تكفير من دعا مع الله آلهة أخرى هو مذهب الخوارج ؟ فنعوذ بالله من الجهل المعمي ، والهوى المردي ) .


ثالثا : مسألة قيام الحجة من المسائل الخلافية بين أهل العلم :

إنّ بعض أئمة الدعوة نبّه على الإختلاف في مسألة قيام الحجة وأنه من الإختلاف الفرعي الذي لا يترتب عليه خلاف منهجي ، ولا خلاف عقدي ، وذاك لأن هذه المسألة مبنية على نظر المجتهد ؛ فمن كفر فلأنه يرى أن الحجة قائمة عليه ، ومن لم يكفر يرى أن الحجة لم تقم عليه ؛ فهم متفقون في أصل مسألة قيام الحجة ، ومختلفون في قيامها و عدمه ، هذا من جهة المجتهد .

ذكر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله أن في المسألة قولين ، ورجح أن العذر في المسائل المتعلقة بالتوحيد ليس عذرا .

والمقصود : أن المسألة خلافية بين أهل السنة ؛ فلا ينبغي التشنيع فيها ، وممن ذكر القولين عن الشيخ بن باز شيخنا المحدث عبد المحسن العباد البدر حفظه الله تعالى ، حيث قال : (ومن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله ؛ فهو مشرك كافر ، وهذا الحكم إنما هو على الإطلاق وعلى من بلغته الحجة ، وأما الشخص المعين فإذا حصل منه صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ؛ كدعاء الأموات ، والإستغاثة بهم ، وهو جاهل ؛ فإنه يتوقف في تكفيره حتى يبين له ، وتقام عليه الحجة .
وهذا أحد قولين في المسألة ، ذكرهما شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله في جواب سؤال عن بعض أهل البدع ، جاء فيه : (كذلك التوسل بالأولياء قسمان :

الأول : التوسل بجاه فلان ، أو حق فلان ، هذا بدعة ، وليس كفرا .
التوسل الثاني : هو دعاؤه ، بقوله : يا سيدي فلان انصرني ، أو اشف مريضي ، هذا هو الشرك الأكبر ، وهذا يسمونه توسلا أيضا ، وهذا من عمل الجاهلية ، أما الأول فهو بدعة ، ومن وسائل الشرك . قيل له : وقولهم : إنما ندعوه لأنه ولي صالح ، وكل شيء بيد الله ، وهذا واسطة ؟ قال : هذا عمل المشركين الأولين ؛ فقولهم : مدد يا بدوي ، مدد يا حسين ، هذا من جنس عمل أبي جهل وأشباهه ؛ لأنهم يقولون : (ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى) [الزمر : 3]، (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) [ يونس : 18] ، هذا الدعاء كفر ، وشرك بالله عزّ وجل .
لكن اختلف العلماء هل يكفر صاحبه أم ينتظر حتى تقام عليه الحجة ، وحتى يبين له ، على قولين :
أحدهما : أن من قال هذا يكون كافرا ، كفرا أكبر ؛ لأن هذا شرك ظاهر لا تخفى أدلته .
والقول الثاني : أن هؤلاء قد يدخلون في الجهل ، وعندهم علماء سوء أضلوهم ؛ فلا بد أن نبين لهم الأمر ، ويوضح لهم الأمر حيث يتضح لهم ؛ فإن الله قال : (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [ الإسراء : 15]؛ فإذا وضح لهم الأمر وقال لهم : هذا لا يجوز ، قال الله كذا ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم كذا ، بين لهم الأدلة ، ثم أصرّوا على حالهم ، كفروا بهذا .
وفي كلّ حال فالفعل نفسه كفر ، شرك أكبر ، لكن صاحبه هو محل نظر ، هل يكفر أم يقال : أمره إلى الله ، قد يكون من أهل الفترة ؛ لأنه ما بين له الأمر ؛ فيكون حكمه حكم أهل الفترات ، أمره إلى الله عز وجل ؛ لأنه بسبب تلبيس الناس عليه ، من علماء السوء) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وقد سئل عن مسألة العذر بالجهل فيما يتعلق بالعقيدة ؛ فقال :
(الجواب : الإختلاف في مسألة العذر بالجهل كغيره من الإختلافات الفقهية الإجتهادية ، وربما يكون اختلافا لفظيا في بعض الأحيان ، من أجل تطبيق الحكم على الشخص المعين .
أي أن الجميع : يتفقون على أن هذا القول كفر ، أو هذا الفعل كفر ، أو هذا الترك كفر ، ولكن يصدق الحكم على هذا الشخص المعين لقيام المقتضى في حقه ، وانتفاء الموانع ، أو لا ينطبق لفوات بعض المقتضيات ، أو وجود المانع ، وذلك أن الجهل بالمكفر على نوعين :
الأول : أن يكون من شخص يدين بغير الإسلام ، أو لا يدين بشيء ، ولم يكن يخطر بباله أن دينا يخالف ما هو عليه ؛ فهذا تجري عليه أحكام الظاهر في الدنيا ، وأما في الآخرة فأمره إلى الله - تعالى - ، والقول الراجح أنه يمتحن في الآخرة بما يشاء الله جلّ وعلا ، والله أعلم بما كانوا عاملين ..
وإنما قلنا : تجري عليه أحكام الظاهر في الدنيا وهي أحكام الكفر ؛ لأنه لا يدين بالإسلام ؛ فلا يمكن أن يعطى جكمه ، وإنما قلنا : بأن الراجح أنه يمتحن في الآخرة ؛ لأنه جاء في ذلك آثار كثيرة ، ذكرها ابن القيم رحمه الله - ..
النوع الثاني : أن يكون من شخص يدين بالإسلام ، ولكنه عاش على هذا المكفّر ، ولم يكن يخطر بباله أنه مخالف للإسلام ، ولا نبهه أحد على ذلك ؛ فهذا تجري عليه أحكام الإسلام ظاهرا ، أما في الآخرة ، فأمره إلى الله عزّ وجل ، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم .
فمن أدلة الكتاب : قوله تعالى : (وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا) [الإسراء : 15]، وقوله : (وما كان ربّك مهلك القرى حتّى يبعث في أمّها رسولا يتلوا عليهم ءايتنا وما كنّا مهلكي القرى إلاّ وأهلها ظلمون) [ القصص : 59] ... إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحجة لا تقوم إلاّ بعد البيان والعلم .
وأمّا السنة : ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة – يعني أمة الدعوة- يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار ) .
وأما كلام أهل العلم : فقال في المغني : (فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام ، والناشيء بغير دار الإسلام ، أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم ، لم يحكم بكفره) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى : إني دائما – ومن جالسني يعلم ذلك مني – من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير ، وتفسيق ، ومعصية ، إلاّ إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة ، وفاسقا أخرى ، وعاصيا أخرى .
وإنّي أقرّر أن الله – تعالى – قد غفر لهذه الأمة خطأها ، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية ، والمسائل العلمية .
وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ، ولم يشهد أحد منهم لا بكفر ، ولا بفسق ، ولا بمعصية .
إلى أن قال : وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فقهو حق ؛ لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين .
إلى أن قال : والتكفير هو من الوعيد ؛ فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة ، ومثل هذا لا يكفر إلاّ بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة ، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص ، أو سمعها ولم تثبت عنده ، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئا .ا.ه).
ولما كانت مسألة قيام الحجة من المسائل الخلافية فإن تحرير النزاع فيها أمر ضروري ، ثم أسرد الأقوال في المسألة .
قال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن حسن رحمه الله : ( .. إنّ النزاع فيمن قامت عليه الحجة ، وعرف التوحيد ، ثمّ تبين عداوته ومسبته ورده ... ، أو أعرض عنه فلم يرفع به رأسا ؛ كحال جمهور عباد القبور ، ولم يعلم ، ولكن تمكّن من العلم ، ومعرفة الهدى فأخلد إلى الأرض واتبع هواه ، ولم يلتفت إلى ما جاءت به الرسل ، ولا اهتم به .
وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب يقرّر في مجالسه أنه : لا يكفر إلاّ من قامت عليه الحجة الرسالية ، وإلاّ من عرف دين الرسول ، وبعد معرفته تبين في عداوته ، ومسبته ) .


رابعا : من يفهم من كلامه أنه لا يرى فهم الحجة .

قد يفهم من كلام بعض أئمة الدعوة أن الحجة قائمة بوجود الحجة ، اعني : بوجود الكتاب والسنة ، وأنه لا عذر لأحد من هذه الأمة إذا وقع في الكفر الأكبر ، أو الشرك الأكبر ، وأن هؤلاء يكفرون بأعيانهم ، وأن من وقع في الشرك الأكبر ، المعلوم من الدين بالضرورة أنه يكفر .
قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل شيخ رحمه الله : (فجنس هؤلاء المشركين ، وأمثالهم ، ممن يعبد الأوثان ، والصالحين ، نحكم بأنهم مشركون ، ونرى كفرهم ، إذا قامت عليهم الحجة الرسالية ، وما عدا هذا من الذنوب ، التي هي دونه في المرتبة والمفسدة ، لا نكفّر بها .... ) .
ويعني بقيام الحجة الرسالية ، وصول الكتاب والسنة إليه ، فإنه رحمه الله يفهم من كلامه أن مجرد وصول الكتاب والسنة كاف في قيام الحجة ، وأن إزالة الشبهة ، وبيان المحجة ليس شرطا في التكفير ، وعلى هذا الأساس بنى كتابه : حكم تكفير المعين .
وهو صريح قول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ؛ فإنه سئل : (هل يعذر المسلم إذا فعل شيئا من الشرك ؛ كالذبح والنذر لغير الله جهلا ؟
ج/ الأمور قسمان :
قسم : يعذر فيه بالجهل ، وقسم : لا يعذر فيه بالجهل .4
فإذا كان من أتى ذلك بين المسلمين ، وأتى الشرك بالله ، وعبد غير الله ؛ فإنه لا يعذر لأنه مقصّر لم يسأل ، ولم يتبصر في دينه ؛ فيكون غير معذور في عبادته غير الله من أموات وأشجار ، أو أحجار ، أو أصنام ؛ لإعراضه وغفلته عن دينه ؛ كما قال الله سبحانه : (والذين كفروا عمّى أنذروا معرضون) [الأحقاف : 3]، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استأذن ربه أن يستغفر لأمه ؛ لأنها ماتت في الجاهلية لم يؤذن له ليستغفر لها ؛ لأنها ماتت على دين قومها عبّاد الأوثان ....
فكيف بالذي بين المسلمين ، وهو يعبد البدوي ، أو يعبد الحسين ، أو يعبد الشيخ عبد القادر الجيلاني ، أو يعبد الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم ، أو يعبد عليا ، أو يعبد غيرهم ؟
فهؤلاء وأشباههم لا يعذرون من باب أولى ؛ لأنهم أتوا الشرك الأكبر وهم بين المسلمين ، والقرآن بين أيديهم ، وهكذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودة بينهم ؛ ولكنهم عن ذلك معرضون .

والقسم الثاني : من يعذر بالجهل كالذي ينشأ في بلاد بعيدة عن الإسلام في أطراف الدنيا ، أو لأسباب أخرى ؛ كأهل الفترة ، ونحوهم ، ممن لم تبلغهم الرسالة ، فهؤلاء ؛ معذورون بجهلهم .
وأمرهم إلى الله عزّ وجل ، والصحيح أنهم يمتحنون يوم القيامة ؛ فيؤمرون ؛ فإن أجابوا دخلوا الجنة ، وإن عصوا دخلوا النار ... ) .
وفي فتاوى اللجنة الدائمة : (السؤال : شخص عبد غير الله ، أو دعا غير الله ، أو ذبح لشيخ ، هل يعذر بجهله أم لا يعذر ؟
وإذا كان لا يعذر بالجهل ؛ فما الرد على قصة ذات أنواط ؟ أفتونا مأجورين .

الجواب : لا يعذر المكلّف بعبادته غير الله ، أو تقربه بالذبائح لغير الله ، أو نذره لغير الله ، ونحو ذلك من العبادات التي هي من اختصاص الله ، إلاّ إذا كان في بلاد غير إسلامية ، ولم تبلغه الدعوة ؛ فيعذر لعدم البلاغ لا لمجرّد الجهل ؛ لما رواه مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة : يهودي ، ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار) ؛ فلم يعذر النبي صلى الله عليه وسلم من سمع به ، ومن يعيش في بلاد إسلامية قد سمع بالرسول صلى الله عليه وسلم فلا يعذر في أصول الإيمان بجهله .. ) .


خامسا : من يفهم من كلامه التوقف في مسألة قيام الحجة :

قال شيخنا عبد المحسن العباد البدر – حفظه الله تعالى - : (والقول الثاني من القولين – وهو التوقف في التكفير – قرره كثير من العلماء ، منهم : شيخ الإسلام ابن تيمية ، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ... ) .
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في حق من وقع في قبيحة الشرك : (وأما الإنسان الذي يفعلها بجهالة ، ولم يتيسر له من ينصحه ، ولم يطلب العلم الذي أنزله الله على رسوله ؛ بل أخلد إلى الأرض ، واتبع هواه ؛ فلا أدري ما حاله ) .
فهذا صنف من الناس توقف الإمام في حالهم ، وإنما المراد – والله أعلم – بعض المعينين ممن سئل عنهم لعدم وجود من ينصحهم ، وينتج عنه عدم علمه بإدراكه لمعنى النص ، فالأظهر أنه عذره لعدم وجود من ينصح له ، مع أنه لو بذل فإنه لا يجد من ينصحه ؛ فلهذا سكت عن حاله الإمام ، وتوقف فيه .
والقاعدة عند إمام الدعوة : انه لا يكفر أحدا بعد إقامت الحجة ، وأنه لا يكفر بالظن والتخمين ، ولا يكفر إلاّ باليقين ، الذي لا يختلف فيه ، وتوقفه هنا يؤكد على أهمية التحذير من التكفير فيمن يظن قيام الحجة عليه ؛ فكيف بمن لم تقم الحجة عليه بالمرة ؟ .
قال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : (إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لا يكفر أحدا قبل قيام الحجة ... ) .

وقال إمام الدعوة رحمه الله ذاكرا توقفه في تكفيره بعض المعينين ممن صدر منهم الشرك الأكبر ، وعدم التعرض للسوالف من الخوالف : (بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم ... ، والله يعلم أن الرجل افترى عليّ أمورا لم أقلها ، ولم يأت أكثرها على بالي ؛ فمنها قوله : ... إني أقول إن الناس من ست مئة سنة ليسوا على شيء ؟ ... ، وإني أكفر من توسل بالصالحين ، وإني أكفّر البوصيري ؛ لقوله : يا أكرم الخلق .... ، جوابي عن هذه المسائل أن أقول : سبحانك هذا بهتان عظيم) .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل شيخ رحمه الله : (تقدم .. أن الشيخ لا يكفر إلاّ من قامت عليه الحجة ، وبلغته النصوص ، ويقرّر لأصحابه أن الشرائع لا تلزم إلاّ بعد البلاغ ... ؛ فكلام الشيخ الذي نقل في هذا الكتاب من أوله إلى آخره : مضمونه أن من بلغته الحجة في أصول الدين وأصر وعاند يكفر بالإجماع ، وإنما يتوقف فيمن لم تقم عليه الحجة ، ولم يبلغه الدليل ) .


سادسا – من يرى أهمية فهم الحجة

قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله : (ثم ذكر – (أي :العراقي المعترض) – أن تكفير المسلم أمر غير هين ، وأنه قد أجمع العلماء منهم الشيخ ابن تيمية ، وابن القيم : على أن الجاهل ، والمخطئ من هذه الأمة – ولو عمل ما يجعل صاحبه مشركا أو كافرا – يعذر بالجهل والخطأ ، حتى تبين له الحجة بيانا واضحا ، لا يلتبس على مثله .

فيقال في جوابه : أما تكفير المسلم فقد قدمنا أن الوهابية لا يكفرون المسلمين ، والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من أعظم الناس توقفا وإحجاما عن إطلاق الكفر ، حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور ، أو غيرهم ، إذا لم يتيسر له من ينصحه ، ويبلغه الحجة ، التي يكفر تاركها) .

ومما يؤكد أن أئمة الدعوة يرون أن قيام الحجة أمر لابد منه في مسألة التكفير – وأن الحجة تقوم بالكتاب والسنة ، وتذكير العلماء الراسخين ، حتى يفهم المخاطبون الخطاب ، ويعرفوا المراد من الإيراد – أنهم لم يكفروا أحدا من الأموات السابقين – من زمن دعوتهم التجديدية المباركة – بعينه ؛ بل (من ظاهره الإسلام ؛ لو وجد في كلامه زلة من شرك ، أو بدعة ؛ فالواجب التنبيه على ذلك ، والسكوت عن الشخص ؛ لما تقدم أنا لا ندري ما خاتمته ) .

ومن أقوال أئمة الدعوة – رحمهم الله – وتقريراتهم في مسألة فهم الحجة ، وبيان المحجة ما يأتي – وهي متضمنة الرد على الخوارج الذين لا يرون إقامة الحجة شرطا بإطلاق في تكفير المعين - :
قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : (إن الذي لم تقم عليه الحجة هو : الذي حديث عهد بالإسلام ، أو نشأ ببادية ، أو يكون ذلك في مسألة خفية ، مثل الصرف والعطف ؛ فلا يكفر حتى يعرّف .
ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرّقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة ؛ فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم ؛ كما قال تعالى : (أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلاّ كالأنعام بل هم أضل سبيلا) [الفرقان : 44] ، وقيام الحجة وبلوغها نوع ، وفهمهم إيّاها نوع آخر ، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها نوع آخر .
فإن أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج : (أينما لقيتموهم فاقتلوهم) ... ، وهم يظنون أنهم مطيعون لله ؟ وقد بلغتهم الحجة ، ولكن لم يفهموها .
وكذلك قتل عليّ رضي الله عنه الذي اعتقدوا فيه ، وتحريقهم بالنار ، مع كونهم تلاميذ الصحابة ، ومع عبادتهم ، وصلاحهم ، وصيامهم ، وهم أيضا يظنون أنهم على حق ؟ وكذلك إجماع السلف على تكفير ناس من غلاة القدرية وغيرهم ، مع كثرة علمهم ، وشدة عبادتهم ، مع كونهم يظنون أنهم يحسنون صنعا ، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم ؛ لأجل أنهم لم يفهموا ؛ فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا .
إذا علمتم ذلك فهذا الذي أنتم فيه ، وهو : الشك في كفر أناس يعبدون الطواغيت ، ويعادون أهل الإسلام ، ويزعمون أن (ليس) ردّة ؛ لأجل أنهم فهموا ؟ كل هذا أظهر وابين مما تقدم ... ) .

فهذا الكلام من إمام الدعوة يفيد أن ثلاثة أصناف يعذرون ولا يكفرون حتى تقام عليهم الحجة :

1 – حديث العهد بالإسلام ، وهذا يدخل فيه من أسلم حديثا ، أو اسلم في دار الكفر قديما وجاء إلى دار الإسلام حديثا ، وكان في بعد لا يمكن معه من إدراك تعاليم الإسلام .

2 – الناشيء في بيئة خفية قصية عن العلم ، كبيئة البوادي ونحوهم .

3 – المسائل الكفرية الخفية ، التي تخفى على من ليس بعالم ، أو تخفى على مثله ؛ كالصرف والعطف .

وهذا فيه بيان أن المكلف متى جهل الأمر لم يؤاخذ إذا كان الجهل ناشئا عن عدم تفريط منه ، وتدل – عبارته السابقة – أيضا على أن من نشأ في بلاد الإسلام ، وتعلم القرآن ، وبلغه القرآن ، وقرأه ، وأدرك المراد من دلالته على التوحيد ، ثم فرّط فوقع في الكفر الأكبر فإنه يكون كافرا ؛ لأن الحجة قائمة عليه بالنصوص الشرعية الدالة على التوحيد ، والذامة للشرك ، وهو مدرك منها المراد .
أما من لم يفرط وإنما وقع منه الكفر خطأ ، أو تأويلا ؛ أو إجتهادا ؛ فهذا يعذر أيضا ، حتى تقام عليه الحجة ؛ فإن استكبر وأعرض فإنه يكفّر بعد ذلك :
قال إمام الدعوة رحمه الله : (قوله : (ما من مسلم يصيبه أذى) .. و ... سؤالكم : هل هذا في المسلم الذي لم يصدر منه شرك بالكلية ؟
فنقول : أما الشرك الذي يصدر من المؤمن وهو لا يدري مع كونه مجتهدا في اتباع أمر الله ورسوله ؛ فأرجو أن لا يخرجه هذا من الوعد .
وقد صدر من الصحابة أشياء من هذا الباب ؛ كحلفهم بآبائهم ، وحلفهم بالكعبة ، وقوقلهم : ما شاء الله وشاء محمد ، وقولهم : اجعل لنا ذات أنواط ، ولكن إذا بان لهم الحق اتبعوه ، ولم يجادلوا فيه حمية الجاهلية لمذهب الآباء والعادات .
وأما الذي يدّعي الإسلام وهو يفعل من الشرك الأمور العظام ؛ فإذا تليت عليه آيات الله استكبر عنها ؛ فهذا ليس بالمسلم .... )
وقال إمام الدعوة رحمه الله ، ناصّا على أنه لا يكفر الشخص إلاّ بعد أن يبين له التوحيد ؛ بخلاف الجاهل : (اعلم أني عرفت بأربع مسائل :
الأولى : بيان التوحيد ، مع أنه لم يطرق آذان أكثر الناس .

الثانية : بيان الشرك ، ولو كان في كلام من ينتسب إلى العلم ، والعبادة ...

الثالثة : تكفير من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله ، ثم أبغضه ، ونفّر الناس عنه ..
وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن ... أو أكفّر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة ؛ فهذا بهتان عظيم ، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله .

والرابعة : الأمر بقتال هؤلاء خاصة ، حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين كلّه لله ... ) .
وقال أيضا : (وأما التكفير : فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبّه ، ونهى الناس عنه ، وعادى من فعله ؛ فهذا هو الذي أكفره ، وأكثر الأمة – ولله الحمد – ليسوا كذلك ... )
وقال رحمه الله : (ولا نقاتل إلاّ ما أجمع عليه العلماء كلهم ، وهو الشهادتان ، وأيضا : نكفّره بعد التعريف إذا عرف وأنكر ) .
وقال رحمه الله أيضا ، مبينا كفر من عاند : ( تعرفون أن البادية قد كفروا بالكتاب كله ، وتبرّؤوا من الدين كله ، واستهزؤوا بالحضر الذين يصدّقون بالبعث ، فضّلوا حكم الطواغيت على شريعة الله ، واستهزؤوا عنادا ، ومع هذا تنكرون علينا كفرهم ؟) .
فعلم مما تقدم أن الشيخ يريد بإقامة الحجة قيامها على وجه يعلم بها المقام عليه المراد من النص ، ويتبين له المقصود والمطلوب .
وقال الشيخان : عبد الله وحسين ابنا الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمهم الله - : (إن صاحب البردة ، وغيره ، ممن يوجد الشرك في كلامه ، والغلو في الدين ، وماتوا ، لا يحكم بكفرهم ، وإنما الواجب إنكار هذا الكلام ، وبيان أن من اعتقد هذا على الظاهر فهو مشرك كافر .
وأما القائل : فيرد أمره إلى الله سبحانه ، ولا ينبغي التعرّض للأموات ؛ لأنه لا يعلم هل تاب أم لا ؟ .. ) .

وقريب من هذا ما قرره الشيخ عبد الله رحمه الله حيث قال : (فإن قال قائل منفر عن قبول الحق ، والإذعان له : يلزم من تقريركم – وقطعكم في أن من قال : يا رسول الله أسألك الشفاعة : أنه مشرك ، مهدر الدم – أن يقال بكفر غالب الأمة ، ولا سيما المتأخرين ، لتصريح علمائهم المعتبرين : أن ذلك مندوب ، وشنوا الغارة على من خالف ذلك ؟

قلت : لا يلزم ذلك ؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب ؛ كما هو مقرر ...
ونحن نقول فيمن مات : تلك أمة قد خلت ، ولا نكفر إلاّ من بلغته دعوتنا للحق ، ووضحت له المحجة ، وقامت عليه الحجة ، وأصر مستكبرا معاندا ؛ كغالب من نقاتلهم اليوم ، يصرون على الإشراك ويمتنعون من فعل الواجبات ، ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات ، وغير الغالب : إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله ، ورضاه به ، ولتكثير سواد من ذكر ، والتأليب معه ؛ فله حينئذ حكمه في قتاله .

ونعتذر عمن مضى : بأنهم مخطؤون معذورون ؛ لعدم عصمتهم عن الخطأ ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعا ، ومن شن الغارة فقد غلط ، ولا بِدْعَ أن يغلط ؛ فقد غلط من هو خير منه ....
بل غلط الصحابة رضي الله عنهم وهم جمع ، ونبينا صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم سار فيهم نوره ، فقالوا (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) .

فإن قلت : هذا فيمن ذهل ؛ فلما نبه انتبه ، فما القول فيمن حرر الأدلة ؟
واطلع على كلام الأئمة القدوة ؟ واستمر مصرا على ذلك حتى مات ؟

قلت : و لا مانع أن نعتذر لمن ذكر ، ولا نقول : إنه كافر ، لما تقدم أنه مخطيء ، وإن استمر على خطئه ؛ لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته ، بلسانه وسيفه وسنانه ؛ فلم تقم عليه الحجة ، ولا وضحت له المحجة ؛ بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين : التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسا ، ومن اطلع عليه أعرض عنه ، قبل أن يتمكن في قلبه ، ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق النظر في ذلك ، وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في شيء من ذلك إلاّ من شاء الله منهم .....
ونحن كذلك : لا نقول بكفر من صحت ديانته ، وشهر صلاحه ، وعلم ورعه وزهده ، وحسنت سيرته ، وبلغ من نصح الأمة ، ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتآليف فيها ، وإن كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها ؛ كابن حجر الهيتمي ، ولهذا نعتني بكتبه ، كشرح الأربعين ، والزواجر ، وغيرهما ، ونعتمد على نقله إذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين .
هذا ما نحن عليه : مخاطبين من له عقل وعلم ، وهو متصف بالإنصاف ، خال عن الميل إلى التعصب والإعتساف ، ينظر إلى ما يقال ، لا إلى من قال ... ) .
وقال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في ردّه على عثمان بن منصور : (وحاصل دعواه .. : أنه لا يكفّر إلاّ من عرف وعلم واختار الكفر على الإيمان ؟
ومن دعا الأموات والغائبين وجعلهم وسائط بينه وبين الله في حاجاته وملماته لا يكفر بذلك ؟ لأنه لا يعلم أنه كفر ، ولا يختار الكفر ؟
فيقال لهذا : قد رجعت عن قولك الأول : فإنك جعلتهم خير أمة أخرجت للناس ، ومن أهل العلم والدين ...... ، وأن عبّاد القبور هم أهل لا إله إلاّ الله ، وأنها تنفعهم ، وتعصم دماءهم وأموالهم ، وإن عبدوا القبور ؟ فكيف ترجع هنا وتحتج بأنهم لا يعلمون ؟
ثمّ هو احتجاج فاسد في نفسه ، ما عرف مورده ومعناه ، وما أريد منه ؛ فإن المقصود أن يعلم مراد المعلم ، والمنبه ، والمرشد ، ويعرف ذلك .
وليس المقصود أن يتبين له الصواب في نفس الأمر ؛ فإن كثيرا من أهل النار نل عرفوا الحق في الدنيا ، ولا تبين لهم ...
وأما من أتى بمكفر ، وقامت الحجة عليه ؛ فلا شك في كفره ، وترك الإنقياد للحجة ، والدليل ، وداعي الحق ، يقتضي إيثار الكفر واختياره وقصده ، لا أنه لا يكون مختارا قاصدا إلاّ إذا علم أنه كفر ، وارتكبه مع العلم بأنه كفر .....
و الآيات القرآنية ، و الأحاديث النبوية ، تدلّ على أن من قامت عليه الحجة حكم عليه بمقتضاها من كفر أو فسق ، وفي الحديث : (إنّ الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ، ما يلقي لها بالا ، لا يظن أن تبلغ ما بلغت ، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ، ما يلقي لها بالا ، ما يظن أن تبلغ ما بلغت ، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه ) .. ) .
وأورد العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله كلام شيخ الإسلام ابن تيمية مبينا حال من وقع في الشرك الأكبر : ( أما هؤلاء الضلال ، أشباه المشركين ، والنصارى : فعمدتهم ، إما أحاديث ضعيفة ، أو موضوعة ، أو منقولات عمن لا يحتج بقولهم ، إما أن تكون كذبا عليه ، وإما أن تكون غلطا منه .. ، وهذا – (أي دعاء غير الله) – ما علمته ينقل عن أحد من العلماء ؛ لكنه موجود في كلام بعض الناس ، مثل : الشيخ يحيى الصرصري ، ففي شعره قطعة منه ، والشيخ محمد بن النعمان ، كان له (كتاب المستغيثين بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام) .
وهؤلاء : لهم صلاح ، ودين ، لكن ليسوا من أهل العلم ، العالمين بمدارك الأحكام ، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام ، ومعرفة الحلال والحرام ، وليس لهم دليل شرعي ، ولا نقل عن عالم مرضي ؛ بل عادة جروا عليها ؛ كما جرت عادة كثير من الناس بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ، ويدعوه .
وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم ، ولهم صلاح وزهد ، إذا نزل به أمر ، خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات معدودة واستغاث به ؟
وهذا : يفعله كثير من الناس ، ولهذا لما نبه من نبه من فضلائهم تنبهوا ، وعلموا أنما كانوا عليه ليس من دين الإسلام في شيء ؛ بل هو مشابهة لعباد الأصنام .
ونحن نعلم بالإضطرار من دين الإسلام : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات ، لا الأنبياء ، ولا غيرهم ، لا بلفظ الإستغاثة ، ولا بغيرها ؛ كما أنه لم يشرع السجود لميت ، ولا إلى ميت ، ونحو ذلك ؛ بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور ، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله .
لكن لغلبة الجهل ، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين ، لم يمكن تكفيرهم بذلك ، حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخالفه .
ولهذا : ما بيّنت المسألة قط لمن يعرف دين الإسلام إلاّ تفطّن لهذا ، وقال : هذا هو أصل دين الإسلام .
وكان بعض أكابر الشيوخ ، العارفين من أصحابنا يقول : هذا أعظم ما بينته لنا ‘ لعلمه بأن هذا أصل الدين .. )
وهذا النص من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيه الدلالة على أن بعض العلماء فضلا عن السفهاء قد يقع منه الكفر والشرك الأكبر عن جهل من غير تفريط ، أو خطأ من غير عمد ، أو تأويل مع حسن نية ؛ وأنه يجب إقامة الحجة عليهم .
قال العلامة الشيخ عبد اللطيف رحمه الله بعد هذا النقل : (فانظر – رحمك الله - : إلى ما ذكره هذا الإمام ، من أنواع الشرك الأكبر ، الذي قد وقع في زمانه ، ممن يدعي العلم والمعرفة ، وينتصب للفتيا والقضاء .
لكن لما نبههم الشيخ رحمه الله على ذلك ، وبين لهم أن هذا من الشرك الأكبر ، الذي حرمه الله ورسوله ، تنبه من تنبه منهم ، وتاب إلى الله ، وعرف أن ما كان عليه شرك وضلال ، وانقاد للحق .
وهذا مما يبين غربة الإسلام في ذلك الوقت ، عند كثير من الأنام ... )
وقال رحمه الله أيضا : (فتأمل : أول كلامه وآخره ، وتأمل كلامه : فيمن دعا نبيا أو وليا ، مثل أن يقول : يا سيدي أغثني ، ونحوه ، أن يستتاب فإن تاب وإلاّ قتل ، تجده صريحا في تكفير أهل الشرك ، وقتلهم بعد الإستتابة ، وإقامة الحجة عليهم ) .
وقال أيضا مبينا معتقد إمام الدعوة ، وأنه لا يكفر إلاّ بعد قيام الحجة : (وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب ، وأنه لا يكفر إلاّ بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله ، من الشرك الأكبر ، والكفر بآيات الله ورسوله ، أو بشيء منها ، بعد قيام الحجة ، وبلوغها المعتبر ؛ كتكفير من عبد الصالحين ؛ ودعاهم مع الله ، وجعلهم أندادا له فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية وهذا : أجمع عليه أهل العلم والإيمان ... ) .
وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله : (والشيخ رحمه الله لا يعرف له قول انفرد به عن سائر الأمة ؛ بل ولا عن أهل السنة والجماعة منهم .... ، ولا يكفر إلاّ على الأصل – (أي : التوحيد) – بعد قيام الحجة المعتبرة ؛ فهو في ذلك على صراط مستقيم ، متبع لا مبتدع ) .
وقال أيضا : (وأما قول هذا المعترض : ولا يقول : يا كافر ، ويا مشرك ، ويا جهمي ، ويا فاسق ، ويا مبتدع ، ونحو ذلك .
فأقول : أما في حالة الدعوة إلى الله فلا ينبغي أن يكافحهم بهذه الألفاظ ابتداء ؛ بل الواجب أن تكون الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة .
وأما كون المسلم دائما مع أعداء الله ورسوله في لين وتلطف ؛ فهذا لا يقوله من عرف سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسيرة أصحابه ؛ كما قدمنا أن ذلك منهم قد كان في مبدأ الأمر ، وحال الضعف . و أما مع قوة شوكة المسلمين ودولتهم ، وبعد قيام الحجة ، وبلوغ الدعوة ، فحاشا وكلا ) .
وقال أيضا : (فقوله لأحدهم : يا كافر ، أو يا جهمي ، خطأ ؛ فإنه لا يقال هذا إلاّ لكافر أو جهمي قد قامت عليه الحجة ، وبعد ذلك كابر وعاند ) .
وقال شاعر الدعوة رحمه الله أيضا : (قال ابن القيم رحمه الله في طبقات المكلفين بعد أن ذكر الطبقة السادسة عشر ، وأطال الكلام فيها ، ثم ذكر الطبقة السابعة عشر ؛ فقال :

الطبقة السابعة عشر : طبقة المقلدين ، وجهال الكفرة ، وأتباعهم ، وحميرهم الذين معهم تبع ، يقولون : إنا وجدنا آباءنا على أمة ، ولنا أسوة بهم ، ومع هذا فهم مسالمون لأهل الإسلام غير محاربين لهم ؛ كنساء المحاربين ، وخدمهم ، وأتباعهم الذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصب له أولئك أنفسهم من السعي في إطفاء نور الله ... ؛ بل هم بمنزلة الدواب .
وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار ، وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاءِ بالنار وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث فى الإسلام .
إلى أن قال : والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاءَ به، فما لم يأْت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً وإما جهلاً وتقليداً لأهل العناد.
فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد، وقد أخبر الله فى القرآن فى غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار، وأن الأتباع مع متبوعيهم وأنهم يتحاجون فى النار وأن الأتباع يقولون: (رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ) [ الأعراف : 38] ، وذكر آيات نحو هذه .
ثم قال : نعم لا بد فى هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان فى الوجود، فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذى لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان :

أحدهما : مريد للهدى مؤثر له محب له، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة.

الثانى : معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه.

فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك ديناً خيراً مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدى ونهاية معرفتى.

والثانى: راض بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه سواه ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق:

فالأَول : كمن طلب الدين فى الفترة ولم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع فى طلبه عجزاً وجهلاً،

والثانى : كمن لم يطلبه، بل مات فى شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض.
فتأمل هذا الموضع، والله يقضى بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به فى جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو بعينه قامت عليه الحجة أم لا، فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول .
هذا فى الجملة والتعيين موكول إلى علم الله [عز وجل] وحكمه هذا فى أحكام الثواب والعقاب.
وأما فى أحكام الدنيا [فهى جارية مع ظاهر الأمر فأطفال الكفار ومجانينهم كفار فى أحكام الدنيا] لهم حكم أوليائهم.

وبهذا التفصيل يزول الإشكال فى المسألة. وهو مبنى على أربعة أُصول :

أحدها: أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذَّبِينَ حَتَّى نبعث رَسُولاً) [الإسراء: 15] ، وقال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: 165] ، وقال تعالى: (كُلَّمَا أَلْقِى فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزْنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فكَذَّبْنَا وَقُلنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ) [الملك: 8- 9] ، وقال تعالى: (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك: 11] ، وقال تعالى: (يَامَعْشَرَ الْجِنّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ يَقُصّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىَ أَنْفُسِنَا وَغَرّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ أَنّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ) [الأنعام: 130] ، وهذا كثير فى القرآن، يخبر أنه إنما يعذّب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة، وهو المذنب الذى يعترف بذنبه، وقال تعالى: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) [الزخرف: 76] ، والظالم من عرف ما جاءَ به الرسول أو تمكن من معرفته، وأما من لم [يكن عنده من الرسول خبراً أصلاً ولا يمكن من معرفته بوجه] وعجز عن ذلك فكيف يقال إنه ظالم؟

الأصل الثانى: أن العذاب يستحق بسببين :

أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم [إرادة العلم] بها وبموجبها.

الثانى: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض والثانى كفر عناد. وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذى نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل.

الأصل الثالث: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار فى زمان دون زمان وفى بقعة وناحية دون أُخرى كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون وإما لعدم فهمه كالذى لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له. فهذا بمنزلة الأصم الذى لا يسمع شيئاً ولا يتمكن من الفهم، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم فى حديث الأسود وأبى هريرة وغيرهما.

الأصل الرابع: أن أفعال الله سبحانه وتعالى تابعة لحكمته التى لا يخل بها [سبحانه] ، وأنها مقصودة لغايتها المحمودة وعواقبها الحميدة .

قال شيخنا : فقف هنا وتأمل هذا التفصيل البديع ؛ فإنه رحمه الله لم يستثن إلاّ من عجز عن إدراك الحق مع شدة طلبه ، وإرادته له ؛ فهذا الصنف هو المراد في كلام شيخ الإسلام وابن القيم وأمثالهما من المحققين ) .
وقال الشيخ عبد الله ابن الإمام محمد – رحمهما الله - : (إن سؤال الميت والإستغاثة به في قضاء الحاجات ، وتفريج الكربات ، من الشرك الأكبر ، الذي حرّمه الله تعالى ورسوله ، واتفقت الكتب الإلهية ، والدعوات النبوية ، على تحريمه ، وتكفير فاعله ، والبراءة منه ، ومعاداته .

ولكن أزمنة الفترات ، وغلبة الجهل ، لا يكفر الشخص المعين بذلك حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ، ويبين له ، ويعرف أن هذا هو الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله ؛ فإذا بلغته الحجة ، وتليت عليه الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، ثمّ أصرّ على شركه فهو كافر .
بخلاف من فعل ذلك جهالة منه ولم ينبه على ذلك ، فالجاهل فعله كفر ، ولكن لا يحكم بكفره إلا بعد بلوغ الحجة إليه ؛ فإذا قامت عليه الحجة ، ثم أصر على شركه فقد كفر ، ولو كان يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويصلى ويزكي ويؤمن بالأصول الستة ..
وأما من مات وهو يفعل الشرك جهلا لا عنادا فهذا نكل أمره إلى الله تعالى ، ولا ينبغي الدعاء له ، والترحم عليه ، والإستغفار له ، وذلك لأن كثيرا من العلماء يقولون : من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة ؛ كما قال تعالى : (لأنذركم به ومن بلغ) [الأنعام : 19] ؛ فإذا بلغه القرآن ، وأعرض عنه ، ولم يبحث عن أوامره ونواهيه ؛ فقد استوجب العقاب ، قال تعالى : (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ) ، وقال تعالى : (وقد ءآتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنّه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه) .
وقال أيضا : ( أمّا الجواب عن السّؤال الثّالث عن حال مَن صدر منه كفر من غير قصدٍ؛ بل هو جاهل، هل يعذر أم لا؟ سواء كان ذلك الشّيء قولاً، أو فعلاً، أو اعتقاداً، أو توسّلاً؟
فنقول: إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله ما يكون فعله كفراً، أو قوله كفراً، أو اعتقاده كفراً جهلاً منه بما بعث الله به رسوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فهذا لا يكون عندنا كافراً، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم الحجة الرّسالية التي يكفر من خالفها.
فإذا قامت عليه الحجّة، وبيّن له ما جاء به الرّسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وأصرّ على فعل ذلك بعد قيام الحجّة، فهذا هو الذي يكفر ...
وكل من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة بالرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن الجاهل يحتاج إلى من يعرّفه بذلك من أهل العلم ، والله سبحانه وتعالى أعلم )
وذكر الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله عن العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله أنه قال : (وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب يقرر في مجالسه ورسائله : أنه لا يكفر إلّ من قامت عليه الحجة الرسالية ، ومن عرف دين الرسول بعد معرفته تبين في عداوته ومسبته .
وتارة يقول : وإن كنا لا نكفر من يعبد قبة الكوافر ، ونحوه ؛ لعدم من ينبههم ؛ فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا .
ويقول في بعضها : وأما من أخلد إلى الأرض ، واتبع هواه فلا أدري ما حاله ) .
قال الشيخ إبراهيم وعبد الله ابنا عبد اللطيف ، وسليمان بن سحمان – رحمهم الله - : (وأما قول الشيخ محمد – رحمه الله تعالى- : (أنه لا يكفر من كان على قبة الكوّاز ونحوه ، ولا يكفر الوثني حتى يدعوه وتبلغه الحجة) .
فيقال : نعم ؛ فإنّ الشيخ محمد – رحمه الله تعالى – لم يكفّر الناس ابتداء إلاّ بعد قيام الحجة والدعوة ؛ لأنهم إذ ذاك في زمن فترة ، وعدم علم بآثار الرسالة ، ولذلك قال لجهلهم ، وعدم من ينهاهم ؛ أمّا إذا قامت الحجة فلا مانع من تكفيرهم ، وإن لم يفهموها ... ) .
وقال الشيخ عبد الله أبو بطين رحمه الله : (وأمّا قول من يقول : إنّ النبي صلى الله عليهم وسلم أو غيره ينجي من عذاب الله ، أو يغني من الله شيئا ؛ فهذا كفر صريح ، يحكم بكفر صاحبه بعد تعريفه إن كان جاهلا ) .
وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : (وقال رحمه الله في رسالته للشريف : وأمّا الكذب والبهتان مثل قولهم : إنّا نكفر بالعموم ... ، ومثل هذا وأضعاف أضعافه ، وكل هذا من الكذب والبهتان ، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله .
وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر ، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي ، وأمثالهما ؛ لأجل جهلهم ، وعدم من ينبههم ؛ فكيف نكفّر من لم يشرك بالله ... ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .
فإذا كان هذا كلام الشيخ رحمه الله فيمن عبد الصنم الذي على القبور إذا تيسر له من يعلمه ، ويبلغه الحجة ... ، فالشيخ على منهاج نبوي ، وصراط مستقيم ، يعطي كلّ مقام ما يناسبه من الإجمال والتفصيل ) .
وقال العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : (إنّ كلام الشيخين – (يعني ابن تيمية وابن القيم ) – في كل موضع فيه البيان الشافي أن نفي التكفير بالمكفرات : قولها ، وفعلها ، فيما يخفى دليله ، ولم تقم به الحجة على فاعله ، وأن النفي يراد به نفي تكفير الفاعل وعقابه قبل قيام الحجة ، وأن نفي التكفير مخصوص بمسائل النزاع بين الأمة .
وأما دعاء الصالحين والإستغاثة بهم ، وقصدهم في الملمات والشدائد ؛ فهذا لا ينازع مسلم في تحريمه ، أو الحكم بأنه من الشرك الأكبر وتقدم عن الشيخ أن فاعله يستتاب وإلاّ قتل ..
والعراقي لم يفقه هذا ، لغلظ فهمه ، وعدم علمه ؛ بل هو يعتقد أن كلام أهل العلم وتقييدهم بقيام الحجة وبلوغ الدعوة ينفي اسم الكفر والشرك والفجور ، ونحو ذلك من الأفعال والأقوال ، التي سماها الشارع بتلك الأسماء ؛ بل ويعتقد أن من لم تقم عليه الحجة يثاب على خطئه مطلقا ؟
وهذه من الأعاجيب التي يضحك منها اللبيب ؛ فعدم قيام الحجة لا يغير الأسماء الشرعية ؛ بل يسمي ما سماه الشارع كفرا ، أو شركا ، أو فسقا باسمه الشرعي ، ولا ينفيه عنه ، وإن لم يعاقب فاعله إذا لم تقم عليه الحجة ، ولم تبلغه الدعوة ، وفرق بين كون الذنب كفرا ، وبين تعيين فاعله ) .
فقيام الحجة أمر لابد منه في تكفير المعين ، وأن من أقرّ بالوحدانية ، وشهد بالرسالة ، لا يكفر إذا وقع بالكفر إلاّ إذا بين له ، فأعرض ، أو عاند ، أو استكبر .
فوصول الكتاب والسنة ، أوالإجماع ، إلى المكلف بطريقة يمكنه فهم المراد ، هذا هو المراد من إقامة الحجة عند جمهور أئمة الدعوة ، وأنه ليس المراد مجرد وصول الكتاب إليه ؛ فإن الكتاب قد يكون موضوعا في بيت رجل ولا يتنبه ولا يدري ما فيه من الأوامر والنواهي ؛ لأي مانع من الموانع .
قال الشيخ السعدي رحمه الله : (قد كثر كلام أهل العلم في هذا الباب ، وكثرت تفصيلاتهم ، وإيراد أنواع ؛ بل أفراد من الأشياء المكفرة ... ، فنقول :
الكفار نوعان :

أحدهما : الكفار الذين لم يدخلوا في دين الإسلام ، ولا انتسبوا إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من أميين ومشركين وأهل كتاب من يهود ونصارى ومجوس .. فهؤلاء الجنس دلّ الكتاب والسنة في مواضع كثيرة جدا ، وإجماع المسلمين على كفرهم ، وشقائهم ، وخلودهم في نار جهنم ، وتحريم الجنة عليهم .
لا فرق بين عالمهم وجاهلهم .... ، وهذا أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام ؛ فهذا القسم ليس الكلام فيه .

إنما الكلام في القسم الثاني : الذين ينتسبون لدين الإسلام ، ويزعمون أنهم مؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم يصدر منهم ما ينقل عن هذا الأصل ، ويزعمون بقاءهم على دين الإسلام ؟ وأنهم من أهله ؟
فهؤلاء لتكفيرهم أسباب متعددة ، ترجع كلها إلى تكذيب الله ورسوله ، وعدم التزام دينه ، ولوازم ذلك .
فمنها : الشرك بالله تعالى .. ؛ فالشرك بالله إمّا شرك في الربوبية ، بأن يعتقد أحدا شريكا في الملك ، أو التدبير ... ، وإما شرك في ألوهيته وعبادته بأن يصرف نوعا من أنواع العبادات لغير الله تعالى ، بأن يدعو غير الله من أنبياء وأولياء ، أو غيرهم ... ، أو يعتقد أن أحدا يستحق الألوهية والعبادة مع الله تعالى ، أو يجعل بينه وبين الله وسائط يتقرّب إليهم ليقرّبوه إلى الله ؛ كما هو شرك المشركين ...
والنوع الثالث من الشرك : الشرك بالرسول ، وذلك أنه لا يتم الإيمان بالرسول حتى يعتقد أنه رسول الله إلى الإنس و الجن والعرب وغيرهم ... ؛ فمن اعتقد أنه رسول إلى الإنس دون الجن ، أو إلى العرب دون غيرهم ، أو في بعض مسائل الدين دون بعضها ... ؛ فكل هذه الأمور وشبهها شرك بالرسول ، وكفر بالله ، وتكذيب لله ولرسوله ، وخروج عن الدين ...
ومن أنكر حكما من أحكام الكتاب والسنة ظاهرا مجمعا عليه إجماعا قطعيا ؛ كمن ينكر حل الخبز ... ؛ فضلا عن الأمور الكفرية ، والخصال الشركية ؛ فهو كافر مكذب لكتاب الله وسنة رسوله ، متبع غير سبيل المؤمنين ... ، وكذلك من شك في ذلك بعد علمه به ومثله لا يجهله فهو كافر لأنه تارك لما وجب عليه من الإيمان مكذب لكتاب الله وسنة رسوله .
لكن هنا تقييد لابدّ منه :
وهو أن المتأولين من أهل القبلة ، الذين ضلوا وأخطئوا في فهم ما جاء به الكتاب والسنة مع إيمانهم بالرسول ، واعتقادهم صدقه .. ؛ لكنهم أخطئوا في بعض المسائل الخبرية ، أو العملية ؛ فهؤلاء قد دلّ الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين ... ) .
وسبق ذكر عبارات أئمة الدعوة في أناس بأعيانهم ، مع أن بعضهم كانوا منافحين عن الشرك ، وداعين إليه ؛ بل ومؤلفين للكتب ؛ لكن لوجود المانع لم يصرحوا بتكفيرهم ، ولم يخرجوهم من الدين ؛ بل صرّحوا بأنهم لا يكفرون من سبق ، وأن من ظاهره الإسلام فإنه يعامل معاملة المسلمين بحق .
ولأن شأن التكفير خطير ، والأمر فيه غير يسير ؛ فإن أئمة الدعوة قد حذّروا من التكفير إذا لم تتوفر فيه الشروط ؛ [وهذا ما أبينه في المبحث الآتي] .


---------------------------------