المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصحيحان واختزال المقدمات


عبدالناصر محمود
02-09-2016, 09:16 AM
الصحيحان واختزال المقدمات
ـــــــــــــــ

( د. عصر محمد النصر)
ــــــــــــ

30 / 4 / 1437 هــ
9 / 2 / 2016 م
ـــــــــــ


https://pbs.twimg.com/profile_images/626216792428392448/O8C1oBzV_400x400.jpg




الصحيحان واختزال المقدمات
--------------------

مما توارد عليه أهل العلم على مرّ التاريخ إعلاء شأن الصحيحين وتعظيم مكانتهما, وقد تناقلت الأجيال هذه المكانة جيلا بعد جيل, ولم تكن هذه المكانة مبنية على حسن الظن فحسب, بل لمكانة الأصول التي قامت عليها العملية الحديثية لدى أصحاب الصحيح, وحال هذه الحقائق كحال غيرها مما تجري عليه أحكام الزمان حتى توهن معالمها وتضعف وجودها, حتى أصبحت مكانة الصحيحين عند كثير من أبناء الجيل مجرد إحسان للظن دون أسس علمية, فلما هبت رياح الشك ضعفت علومهم ومعارفهم عن رد الوارد عليهم, ومن هنا جاءت فكرة المقال لإحياء ما أندرس من أدبيات هذا العلم مما كان متقررا في علوم الأئمة, إلا أنه اتخذ جانبا منهجيا يتعلق بأخطاء في الاستدلال سلكها بعض الباحثين المتأخرين في التعامل مع أحاديث الصحيحين, حيث يراد من هذه المقدمات التوسل إلى نقد أحاديث الصحيحين التي تقدم اتفاق الأمة على تلقيها بالقبول, وفي معرض ذكر هذه المقدمات لا بد التنبيه على ضرر الاضطراب المعرفي الذي تضمنته هذه المقدمات على العلم وأثره على قناعات الناس تجاه الصحيحين.

المقدمة الأولى : نفي عصمة أئمة الصحيح : هذه إحدى المقدمات التي يطلقها كثير من منتقدي الصحيحين, حيث يواجه بها النقد الموجه إليه, وهذا الاستدلال غير دقيق ولا مسلم لصاحبه, فكون البخاري –مثلا- غير معصوم هو أمر خارج محل البحث في الأصل, وإنما مراد صاحبه تجويز الخطأ على أئمة الصحيحين, ثم تنزيل ذلك على الحديث أو الأحاديث المعينة التي يريد نقدها, والفرق بين نفي العصمة وتجويز الخطأ ظاهر, فلكلٍ أحكامه الخاصة, كما أن هذا القدر من الاستدلال مبني عند صاحبه على تجريد الحكم على أحاديث الصحيحين من جميع أدواته وقرائنه, والاقتصار على إخراج أئمة الصحيح له كعلماء حديث, ومعاملة هذه الأحاديث كغيرها دون أي مزية لها, وقد تقرر عند أهل الحديث أن صحة الحديث إنما تكون بصفات تجتمع فيه, منها ما هو أساسي في الحكم على الحديث, كعدالة الراوي وضبطه واتصال السند ونفي الشذوذ والعلة, ومنها ما هو فوق ذلك, كأن يكون الراوي في الدرجات العليا من الحفظ والإتقان, أو تكون له مزية في روايته عن الراوي بحيث يكون في الطبقة الأولى عن عنه أو له به اختصاص, ومنها ما يجري عليه الأمام من شروط خاصة تميز بها, أو يرجع الأمر إلى جلالة الإمام ومنزلته...إلى غير ذلك من صفات, وعلى قدر نقص هذه المقدمات تنقص مرتبة الحديث, وهذا من أسباب تنوع مراتب الأحاديث, وعند النظر نجد أن أحاديث الصحيحين قد بلغت الغاية في توفر صفات قبول الأحاديث, فلا يمكن أن تجرد عن هذه الصفات بدعوى عدم العصمة وإمكانية الخطأ, فهذا القدر كما سيأتي مما لا يمكن أن تعلق عليه أحكام, فهي مسألة ذات مقدمات متعددة.
وأما عدم العصمة التي لم يقل بها أحد في الأصل= فهي غير دقيقة لخروجها عن محل البحث أولاً, ولتعلق المسألة بمقاييس علمية دقيقة, كما أنها غير مسلمة بإطلاق, فالجهد البشري قد يبلغ مرتبة العصمة بشرطه كما هو مقرر في موضعه, وقد علم أن إجماع الأمة معصوم, فكل ما نزّل منزلة الإجماع أخذ حكمه, كما أن الاحتجاج لا يتوقف على العصمة, ولا يكفي فيه مجرد نفي العصمة وإلا لبطلت كثير من الأدلة لوجود الاحتمال.

المقدمة الثانية : الانطلاق من ادعاء احتمالية الخطأ على الرواة ( الخطأ العام) وتقرير هذه المقدمة يقوم على تعليق الحكم على مجرد الاحتمال, وهي مقدمة أولية لا تصلح لتعليق الحكم عليها في إثبات نتائج يقف القول بها عند أئمة الحديث على إجراءات متعددة تتمثل بمنظومة حديثية وضعها أهل الشأن.
وهذا المقدار من احتمالية الخطأ على الراوي يلجأ إليه أهل الحديث في تفسير أوهام الثقات وما يجري لهم من عوارض, وقد احترز أهل الحديث فيما قرروه من شروط للحديث الصحيح, حيث اشترطوا نفي الشذوذ والعلة, وهما أصدق تعبير عن هذا الخطأ إذا توفرت أسبابه, وعليه فليس هذا الخطأ من الأسباب الظاهرة التي ينطلق منها لاستدعاء النقد, بل من الأسباب الباطنة التي يرجع إليها إذا وجد ما يقتضي ذلك من وهمّ للثقة أو نحو ذلك, وإلا لبطلت الرواية جملة.

المقدمة الثالثة : الاستدلال بنقد بعض العلماء لأحاديث الصحيحين : والمراد بهذه المقدمة فتح باب النقد لأحاديث الصحيحين من خلال نفي الفارق بين أنواع الأحاديث المنتقدة, كما رأوا أن المكانة لا تمنع من النقد, وقد أغفلت هذه المقدمة جملة من الحقائق, وبيانها على النحو الآتي :
البعد التاريخي للنقد وأثره في مكانة الصحيحين حيث كان النقد في حقبة التأسيس, والتي تعد حقبة نضوج علم الحديث وتكامل أركانه, وهي جزء من تكوين مكانة الصحيحين, وهذه الحقبة هي متكأ إعلان العلماء لتلقي الصحيحين بالقبول, فأول تأريخ هو بعد هذه المدة, والمقصود أن هذا النقد الذي كان في تلك المدة لا يخرج عن قبول أحاديث الصحيحين, بل هو من أول الدلائل على قوتها ومكانتها, فكانت أحاديث الصحيحين تقدم بين يدي العلماء على أنها صحيحة في أعلى مراتب الصحة, فكان النقد يأتي متوافقا وهذه الدعوى, وقد اعتبر العلماء هذا النقد ووضعوه في إطاره المتوافق ومكانة الصحيحين, فلا سبيل للاحتجاج بهذا النقد إذ فاتت أسبابه وسياقه, وقد دل على ذلك أن إعلان تاريخ التلقي كان بعد هذه المرحلة.
ومما يضاف إلى هذا أن أدوات النقد التي استخدمها العلماء, هي أدوات علماء الحديث التي خرجت من رحم مدرستهم, وهي تمثل أصالة علم الحديث وواقعيته, بعيداً عن المؤثرات الخارجية و المناهج الأجنبية, كالمنهج الكلامي والأدوات المنطقية, على عكس ما نراه عند كثير من الناقدين من استحداث أدوات نقدية, وبالعودة إلى نقد أئمة الحديث فإن المتأمل في النقد يجد أنه متعلق بالصناعة الحديثية وبمراتب الصحة, ولا يرد على ما تقدم تقريره ما وجد في كلام بعض الأئمة السابقين لتأليف الصحيحين, من نقد لأحاديث وردت فيهما, وهذا يعود لتقدم هؤلاء الأئمة حيث انعقد الإجماع بعدهم وانتشرت أحاديث الصحيحين بعدهم بمدة مديدة, وكذلك يعود الأمر لاختلاف الاجتهاد بين العلماء في الحديث المخصوص, والأول أظهر.
كما لا يرد على هذا إخراج أحد أئمة الصحيحين لحديث مع نصه على تقديم غيره عليه, فهذا يعود لاختلاف اجتهاد الأمام في تقديم حديث على آخر, كما أن تقديم حديث على آخر لا يعني تقديمه في الأصحية بإطلاق, بل قد يقدم لسبب آخر, والعبرة بما استقر عليه الأمر وانعقد عليه اتفاق أئمة الحديث.

المقدمة الرابعة : الانطلاق من بعض الألفاظ المختلف فيها : حيث يُستدل ببعض الألفاظ التي وردت في الصحيحين اختلف فيها أهل العلم بالحديث, فَتُقدم هذه الألفاظ كذريعة لنقد الأحاديث, وفي هذا إغفال لحقائق مهمة, منها : أن الاختلاف في هذه الألفاظ قدر زائد على صحة الأحاديث, حيث ذهب أهل الحديث إلى صحة أصولها ولم يروا أن هذا الخلاف مؤثر في صحة الحديث, وخصوصا أن الترجيح قائم بينها, وقد تقرر أن صحة الأحاديث درجة فوق مسألة ثبوت بعض الألفاظ.

المقدمة الخامسة : الاستدلال بما يعرض للأحاديث من استشكال : حيث استدل كثير من الناقدين لأحاديث الصحيحين بما يرد على الأحاديث من إشكالات من جهة معانيها للقول بضعفها وإعادة النظر فيها, وهنا ينبغي التنبيه على جملة أمور :

الأول : أن الاستشكال من حيث هو, أمر طبيعي وذلك لوفرة أسبابه وكثرتها.

الثاني : أن الاستشكال لا يستلزم الضعف, بل هو وارد على كل نص في أي مرتبة كان.

الثالث : أن الاستشكال أمر نسبي يختلف من إنسان لآخر, وليس هو صفة لكل أحد.

وعليه فإن الاستشكال من حيث هو عارض للنظر, لا يصلح أن يكون منطلقا علميا للبحث والنظر في صحة الأحاديث بمجرده, وثمة مسألة مهمة في هذا الباب, وهو أن من معاني النصوص ما لا تدركه العقول لضعفها وقصور معارفها, ومثل هذا فإن المشروع في حقه التسليم وهو من لوازم الإيمان بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم.

المقدمة السادسة : الاستدلال بأحاديث أخرجت في الصحيحين لغير غرض التصحيح, والمراد أن الإمام يخرجها لأغراض أخرى مثل أن تعرف وتظهر مخالفتها, وهي ليست على شرطه, ومثل هذا يقال فيه ما قيل في المقدمة الثالثة, وهذا يتوقف على إثبات ذلك, وغالب ما قيل فيه هذا فهو محل نظر واجتهاد, والقياس عليه كما تقدم عسير, وبعضه متعلق بالألفاظ لا بأصول الأحاديث كما تقدم في المقدمة الرابعة.

كتبه:
د. عصر محمد النصر
دكتوراة الحديث الشرف - جامعة اليرموك الأردنية


-------------------------------