المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تونس وأزمتها المعاصرة


عبدالناصر محمود
02-10-2016, 08:47 AM
تونس وأزمتها المعاصرة
ــــــــــــ

(أحمد أبو دقة)
ـــــــ

غرة جماد أول 1437 هــ
10 / 2 / 2016 م
ـــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/810022016075527.png


ليست أزمة التعليم أو الاقتصاد أو الأمن أو الملفات الصحية في تونس أو حتى في عالمنا الإسلامي هي الأزمات الحقيقية التي ينتفض لها الشارع الإسلامي بقضه وقضيضه على وسائل الإعلام الاجتماعي أو في الشوارع من خلال المظاهرات أو غيرها من الأنشطة والفعاليات. إن المعاناة التي تعيشها الأمة تأتي متكاملة ولا تتجزأ، وهي امتداد لصراع استمر قروناً مع الاستعمار الذي استهدف المنطقة العربية لاعتبارات دينية وحضارية أكثر من أي أمر آخر.

لو تأملت آلاف المليشيات التي تحارب في سوريا واليمن أو العراق لصالح المشروع الإيراني، لوجدت أنها في الغالب مكونة من مراهقين تم إغراؤهم بالمادة وبعض الشعارات العاطفية ليكونوا جزءاً من معركة ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، وعلى سبيل المثال لا الحصر في اليمن لا يحارب في صفوف الحوثي فقط الشيعة الزيدية بل هناك كثير من المسلحين والأطفال الذين ذهبوا لأجل المادة. كذلك في سوريا لا يقاتل إلى جانب النظام السوري فقط أبناء الطائفة العلوية، بل هناك من فقدوا البوصلة وأصبحوا وقوداً لتلك المعارك.

آثار دهشتي الإعلان عن تنصيب الملحق الثقافي الإيراني في تونس محمد موحد، لأني أدركت أن إيران لا تقاتل بجيوشها بل تقاتل العرب والمسلمين بأبنائهم، ومن خلال متابعة الصفحة الخاصة بالملحقية الثقافية الإيرانية في تونس وجدتها تنظم احتفالات ومهرجانات ثقافية والعديد من الدورات التعليمية في طهران، يستفيد منها الشباب التونسي.
ما يجري في تونس يجري على نطاق واسع في عالمنا العربي، في الجهة المقابلة نجد أن المجهود الرسمي العربي لا يذكر في مواجهة هذه الظاهرة. إن استطاعت المخابرات الصهيونية تجنيد عميل لها في دائرة حكومية عربية يوماً ما سيُكشف أمرُه وسيحاكم وتنتهي القضية، لكن ماذا عن تجنيد الفكر والوعي واستلابه لآلاف المراهقين الذين يبحثون عن فرصة للعيش؟

أتاحت الثورة التونسية الأخيرة القليل من الحرية للعامة في انتقاد السلطة وتنوعت الأحزاب المتنافسة؛ لكنها ديمقراطية عاقر لم تسمح بصعود الشعب إلى سدة الحكم، بل بقيت رهينة في يد مافيات القطاع الخاص ومن يسيطر على وسائل الإعلام من فلول النظام السابق وغالباً أمثال هؤلاء يتزعمون لوبيات تعمل لصالح أجندة خارجية. لي كوان يو مؤسس سنغافورة الحديثة يقول جملة لا رياء فيها: "إن تنظيف الفساد مثل تنظيف الدرج يبدأ من بداية الدرج نزولاً". ما جرى في تونس يمكن أن نسميَه خروج آمن للفاسدين، وإعادة تدوير أزمة الفساد وسط انقسام مناطقي رهيب للمجتمع. إن أكبر خدعة شعرنا بها هي أن المجتمع التونسي أكثر وعياً من الشعوب الأخرى لأنه تجنب المواجهة مع الفساد. لويس السادس عشر ملك فرنسا أُعدم بالمقصلة ردعاً لأمثاله من الفاسدين، لكن في تونس أخذ مشرعو القانون على عاتقهم مهمة إخراج الفاسدين واللصوص من البلاد، أو تبرئة ساحتهم وعادوا عبر الديمقراطية إلى مهامهم السابقة بل أعلى رتباً ومراتب.

هذا الجانب المظلم ليس الوحيد في تونس، فهناك قضية التطبيع مع الصهاينة والبعد الحضاري في هذه القضية، فعلمانية وفرنكوفونية المجتمع التونسي أعطته مساحة كبيرة لقبول الآخر، لكن ليس بالضرورة أن تنعكس هذه المقولة على عوام الناس بل هنا الحديث يدور عن النخب الحزبية والسياسية التي تعتبر التطبيع مع الكيان الصهيوني جزءاً من دبلوماسيتها لقبول العالم الخارجي للدولة التونسية، كيف لا، وقد أضحت تونس مثالاً لتجربة التغريب الفرنسية؟ في مدينة سوسة في مارس/ 2015م أصدرت محكمة ابتدائية قراراً بإلغاء رحلات إلى الكيان الصهيوني، لكن لا يزال المشرعون في تونس غير موفقين في إصدار تشريع يجرم الكيان الصهيوني ويجرم التطبيع معه، وكأني أشعر أن تونس أضحت مدينة فرنسية تديرها اقطاعيات المخابرات الغربية.

التجربة التونسية الديمقراطية كانت جزءاً لا يخرج عن الصراع العام بين المشروع الحضاري الغربي والمشروع الإسلامي، لكن الفارق كبير في أدوات الصراع، فنحن عبارة عن جسد محطم ليس له معين، لديه كثير من النوازل التي أصابته في مقتل، سواء باحتلال العراق من قبل إيران أو سوريا أو اليمن أو الاحتلال الصهيوني في فلسطين، أو العنجهية الأمريكية في الصومال وأفغانستان والعراق، أو شبح الفساد والطاغوتية التي لا تفارقنا، أو فقدان النخب الفكرية والإسلامية التي تتزعم وتقود هذا المشروع. في الجزائر وفلسطين ومصر وتونس وليبيا تجربة واحدة كان عنوانها " قتل أي مشروع إسلامي قابل للنهوض"، ولا أعتقد أن الفكرة في اجتماع العدوان المشترك على المنطقة من "اليهود، والفرس، والصليبيين" هو محض صدفة، بل إنه مخطط متكامل فيه أدوات مختلفة منها: "الفساد، وإهمال التعليم، وقمع النخب الإسلامية، وصناعة الأقليات، وصناعة الإرهاب"، وغاية هذا المشروع واحدة وهي القضاء على أي حالة نهوض إسلامية في المنطقة لأن المنطقة العربية ذات الأغلبية السنية المسلمة هي مهد أي مشروع إسلامي قادم، بغض النظر عمن سيقود هذا المشروع. تم إسقاط المشروع الذي مثله حزب النهضة في تونس كونه أول مشروع إسلامي ينضج للمشاركة في صناعة الدولة بعد الثورة، لكن - ودون الخوض في تفاصيل كثيرة - سقطت النهضة لأنها تحمل نوايا تمس بالمشروع الغربي في تونس. مثلما جرى في الجزائر أو في مصر أو غيرها من الديمقراطيات الناشئة، لا تُوصِل الديمقراطية إلى السلطة إلا المتواطئين مع الغرب ومشاريعهم، لكن المفرح في تونس أن جذوة الثورة ما تزال مشتعلة، فالانقسامات التي مزقت كتلة نداء تونس البرلمانية والمظاهرات البسيطة التي تخرج بين فينة وأخرى والتي ينظمها عاطلون عن العمل، تذكِّر عمومَ الشعب التونسي بأن الديمقراطية في تونس لا تزال عاقراً لم تحمل حلولاً لمشاكل الجميع.

رغم مراهنة حركة النهضة وبعض المعارضين على انقسام حزب نداء تونس وإعادة تدويره داخل كواليس التجمع الدستوري، وفشله في إدارة شؤون البلاد الأمر الذي يمكن أن يزيد من فرص اشتعال ثورة جديدة في تونس إلا أن مثل هذه الفرصة ستكون محدودة جداً إذا لم تكن النخب السياسية مستعدة للتضحية والمبادرة، فالشعب التونسي مل من التضحية لصالح النخب السياسية الفاسدة، ولا يريد أن يصبح الجمل الذي يحمل الجميع على ظهره دون مكافئة .


--------------------------------

احمد كمال
06-03-2016, 04:10 AM
ربنا يعينهم