المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حملة الصليب المزدوج


عبدالناصر محمود
02-13-2016, 09:27 AM
حملة الصليب المزدوج
ـــــــــ

الغرق الروسي في البحر السوري
----------------------

(د. سامي بن محمد صالح الدلال)
ـــــــــــــــ

4 / 5 / 1437 هــ
13 / 2 / 2016 م
ـــــــــ

https://scontent-cai1-1.xx.fbcdn.net/hphotos-xtp1/v/t1.0-9/12717710_1002056599874941_7594446799717652567_n.jp g?oh=640128e7631b4d21d7758217f849f12c&oe=576DAF77



سلك بشار ونظامه الطائفي النصيري جميع الطرق التي يمكن أن يجابه بها غضبة شعبه وليوقف بها زحف المجاهدين الصادقين لإسقاطه عن عرشه، وذلك ضمن سلسلة من الاستقواءات أسوقها فيما يلي:

• استقوى بحزبه البعثي فلم ينفعه.
• استقوى بجيشه وآلته التدميرية فلم ينفعه.
• استقوى بمخابراته فلم تنفعه.
• استقوى بطائفته النصيرية فلم تنفعه.
• استقوى بالشبيحة وأصحاب المصالح فلم ينفعوه.
• استقوى بالمعارضة المزيفة الداخلية التي اصطنعها فلم تنفعه.
• استقوى بحزب الله اللبناني الشيعي فلم ينفعه.
• استقوى بالحرس الثوري الإيراني فلم ينفعه.
• استقوى بالدعم اللوجستي والمالي الإيراني فلم ينفعه.
• استقوى بالحشد العراقي الشيعي وبالدعم السياسي والعسكري الرسمي الشيعي فلم ينفعه.
• استقوى بالأفغان الشيعة المدربين عسكريًّا فلم ينفعوه.
• استقوى بالتنسيق السري مع «داعش» فلم ينفعه.
• استقوى بالتواطؤ الغربي والأمريكي معه فلم ينفعه.
• استقوى بدعم بعض الحكومات العربية فلم ينفعه.

• استقوى بالصمت والخذلان العربي للشعب السوري على مستوى معظم الحكومات والشعوب فلم ينفعه.
جميع ما ذكرت لم ينفع بشار ونظامه في حسم المعركة مع المجاهدين ومع شعبه لصالح تحقيق أهدافه والوصول إلى مآربه، فعندما أفلس على أصعدة جميع ما ذكرت قرر أن يضيف إلى القائمة السابقة الاستقواء بروسيا، ولن تنفعه. وأحسب - والله تعالى أعلم - أن هذا آخر سهم بقي في جعبته.

وقد عبَّر بشار عن ذلك تعليقًا على استنجاده بالدولة الروسية قائلًا في مقابلة متلفزة مع قناة إيرانية: «إن سوريا وروسيا وإيران والعراق متحدة في قتال الإرهاب وستنجح على الأرجح!! ويجب أن يكتب لها النجاح!! وإلا فنحن أمام تدمير منطقة بأكملها [يقصد الشرق الأوسط]» (رويترز: 4/10/2015م).
ولكن فليعلم بشار أن استنصاره بأعداء الإسلام من الصليبيين الروس هو دقٌّ للمسمار الأخير في نعشه، إذ لم يبقَ له من الأرض السورية الواقعة تحت سلطته أكثر من 17% بعد أن استنفذ أكثر من 90% من قدراته العسكرية واستنزفت إيران في سبيل دعمه وإبقائه حوالي 40 مليار دولار، ولم تعد قادرة على استمرار اللعب في الحلبة لولا أن تداركت نفسها بتوقيع الاتفاق النووي مع مجموعة (5 + 1) لتتمكن من الإفراج عن أموالها المجمدة في المصارف الأمريكية والأوربية، ثم سعت إلى روسيا لتشاركها مسؤولية حماية بشار والحيلولة دون سقوطه، فقد قام قاسم سليماني بزيارة لموسكو في يوليو 2015م لهذا الغرض، وذلك بأمر من خامنئي الذي كان قد اجتمع قبل بضعة أشهر بوزير الخارجية الروسي لافروف بغرض الاتفاق على التدخل العسكري الروسي في سوريا، وقد قام سليماني بشرح الوضع العسكري في سوريا للجانب الروسي مدعومًا بالخرائط (نقلًا عن رويترز: 7 أكتوبر 2015م، بتصرف).

الخلفية العقدية للتدخل الروسي:
---------------------

ليس ثمت شك للحظة واحدة في عداء روسيا الصليبية سابقًا ثم الشيوعية ثم الصليبية حاليًا للإسلام والمسلمين. وما تكاد تتقلب أيام التاريخ إلا وهي طافحة في صفحاتها بالتعبير عن هذا العداء المستحكم، ولسنا الآن بصدد تعداد كل ذلك، فإنه مما تنوء به المجلدات، ولكن تكفي الإشارة إلى تهجير نصارى القياصرة ثم من بعدهم الشيوعيون لمسلمي القرم، وما فعله الاتحاد السوفيتي الشيوعي في أفغانستان، وكذا في الجمهوريات الإسلامية التي ضمها إليه، ثم في الجمهوريات الإسلامية الواقعة في إطار الاتحاد الروسي الحالي.
إن الحكومة الروسية في الكرملين ترى أن سقوط بشار لصالح انتصار المجاهدين المسلمين في سوريا سيكون تطورًا خطيرًا سيترك آثاره وبصماته على إعادة إحياء الجهاد في الشيشان وغيرها من البقاع الإسلامية التي ترفل في سلاسل المستخرب (يسمى المستعمر وهذا خطأ) الروسي، ولذلك فإن روسيا ترى أن استعلاء عقيدة الإسلام في سوريا على أنقاض عقيدة بشار النصيرية والعلمانية سيعلي راية الإسلام خفاقة على حساب راية الكفر وراية الصليب، وضمن هذه الرؤية فإن هذا التدخل مدعوم سرًّا - سيكون علانية بعد برهة زمنية لن تطول - من جميع الدول الصليبية في أوربا وأمريكا؛ إنها في حقيقة الأمر «حرب صليبية» محضة.

أهداف وأبعاد التدخل الروسي:
--------------------

تتلخص أهداف وأبعاد التدخل الروسي في النقاط التالية:

استبقاء نظام بشار والحيلولة دون سقوطه باعتبار هذا النظام هو موطئ قدم الروس في المنطقة.
إفشال خطط الفصائل الإسلامية المجاهدة في سوريا، التي تريد إحلال نظام إسلامي على أنقاض النظام العلماني البعثي الحالي.
القضاء على المجاهدين في سوريا، سواء بالقتل أو بإلحاق الهزيمة بهم أو بشرذمتهم.
التمكين للنفوذ الإيراني في سوريا كي يستمر وليكتمل الهلال الإيراني في المنطقة.
تقديم الدعم للكيان اليهودي الصهيوني في فلسطين من خلال إحاطته بالحماية الإيرانية الروسية المشتركة.
التمهيد لإيجاد واقع جغرافي جديد في سوريا موزع بين الإثنيات والطوائف في إطار تقسيم جديد لسوريا.
التمكن من إيجاد وسيلة ضغط مباشرة على دول المنطقة للانخراط في تلبية المطالب الروسية، وذلك من خلال التلويح بقوة الآلة العسكرية الروسية الموجودة على الأرض السورية.
إيجاد موطئ قدم عسكري روسي للانطلاق منه باتجاه العراق، وذلك لجعل العراق عمقًا إستراتيجيًّا للوجود العسكري الروسي في سوريا، ولتوسيع رقعة العمليات العسكرية في حالة حصول حرب ما في المنطقة (سواء في منطقة الشرق الأوسط أو في الخليج العربي).
الإحاطة بتركيا من جهة جنوبها الجغرافي بما يشكل خطرًا عليها ولزعزعة نظامها السياسي ولإضعاف قوة أردوغان، ولربما جرَّها إلى حرب ضروس تقضي على آمال تركيا الاقتصادية والتنموية وتؤدي إلى تفككها الجغرافي على أسس إثنية ومذهبية، ولتقضي على مواقفها الداعمة للحقوق الإسلامية في العالم، ولتفكيك محورها مع كلٍّ من السعودية وقطر وباكستان.
إنشاء قاعدة عسكرية ضخمة في كل من اللاذقية وطرطوس السوريتين بما يهدد الخاصرة الجنوبية الشرقية للحلف الأطلسي، ويفتح عليه جبهة جديدة تقتضي إعادة النظر في إستراتيجيات المواجهة مع روسيا، وإعادة توزيع القوات الأطلسية وفق الوضع المستجد، مع ما يستتبعه ذلك من ميزانيات تمويلية وفتح خطوط إمداد لوجستية وما إلى ذلك.

تسعى روسيا لقطف الثمرة الاقتصادية فيما يتعلق بنقل النفط والغاز عبر الأراضي السورية بعد أن يستتب الوضع السياسي في سوريا بانتصار بشار - فيما تزعم - وستحصل على مكافآت اقتصادية من إيران فيما يتعلق بالمخزون النفطي والغازي في بحر قزوين وغيره.
ترمي روسيا إلى تمكين الكفة الإيرانية في الخليج العربي على حساب القوة السعودية من خلال الدعم العسكري الروسي الذي يمكن أن تقدمه روسيا لإيران من جهة، ومن خلال استفادة إيران من الوجود الروسي في سوريا لتخفف من أعباء تواجدها هناك لتتفرغ للمواجهة مع السعودية ومن يقف معها من دول مجلس التعاون الخليجي.
ترمي روسيا من تحقيق نصر فائق في سوريا إلى إرسال رسالة إلى المجاهدين الإسلاميين في كل أنحاء العالم أنه لا فائدة من جهادهم، طمعًا في طمس عقيدة الجهاد في المسلمين وليقولوا لهم كفوا أيديكم فإن الزمن قد تجاوز تلك المفاهيم وليس أمامكم سوى المشاركة في «اللعبة الديمقراطية» حيثما وجدت، صحيح أنها رسالة مكلفة لكنها أيضًا خطيرة!
بهذا التدخل العسكري الروسي العنيف في سوريا فإن الكرملين يبث رسالة لجميع دول العالم ممثلة في حكوماتها بأننا معكم إذا وقفت شعوبكم ضدكم، ولكن بشرط انصياعكم لتحقيق مصالحنا، تمامًا كما فعل بشار الأسد، لقد انصاع لنا فقدمنا له المعونة، كونوا مثله!

التدخل الروسي غطرسة أم حسابات؟
---------------------

غطرسة القوة هي ما يتميز به الطغاة والمتجبرون، وقد تمر هذه الغطرسة بحالة سبات في وقت الوهن المادي والمعنوي، ولكنها تستيقظ بقوة في حالة البروز الاقتصادي والعسكري، غير أن استخدام هذه الغطرسة لتحقيق أهداف ومآرب محددة يحتاج إلى حسابات. إذن ما فعلته روسيا من تدخلها العسكري في سوريا غطرسة أم حسابات؟
الجواب: هو جمع بين هذا وذاك، إذ من المعلوم أن بوتين كان رئيسًا لجهاز المخابرات الروسي ويتمتع بحيوية بدنية وكفاءة مهنية قيادية، وبناؤه النفسي تعود جذوره إلى أيام حكم الحزب الشيوعي الروسي إبان الاتحاد السوفيتي الذي تميز بالدموية والولوغ في دماء المسلمين في أفغانستان، وعندما انفجر الجهاد الإسلامي في الشيشان كان بوتين في موقع من يؤخذ رأيه في قرارات قمع ذلك الجهاد، ومن جهة أخرى فإن بوتين ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية المتعصبة، والمتطرفة جدًا ضد المسلمين، فضلًا عن تطرفها ضد الكاثوليك والبروتستانت. إذن بوتين في تكوينه النفسي ينطلق من فوهة غطرسة القوة العسكرية والمخابراتية وغطرسة التعصب الصليبي الأرثوذكسي. لم نفرد بوتين بهذه «الخاصية» فإن مجلس الدوما قد تخرج من المدرسة نفسها، ولذلك فإنه صوَّت بالإجماع لصالح قرار جواز أن تقاتل القوات الروسية خارج روسيا، وكان ذلك ضوءًا أخضر لبوتين ليقدم على خطوته المشينة.

حاول بوتين أن يضفي شعورًا بأن تحركه العسكري نحو سوريا يقع ضمن حسابات إستراتيجية، ولها تمهيدات واقعية، من أبرزها أنه اتفق على هذا التدخل مع أوباما في لقائهما الذي عقد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم بالاتصال الهاتفي التنسيقي بين وزير الدفاع الروسي ووزير الدفاع الأمريكي، وكذلك تم الاتفاق على ذلك بين بوتين ونتانياهو في الزيارة التي قام بها الأخير لموسكو قبل التدخل العسكري الروسي ببضعه أيام ثم بالزيارة التنسيقية التي قام نائب رئيس الأركان الروسي إلى الكيان الصهيوني بعد بدء التدخل العسكري المباشر في سوريا ببضعة أيام، ويفهم من ذلك أن حسابات روسيا تقوم على إيجاد مظلة دولية متعددة الأطراف لتدخلها السافر، ولكي لا يحرج هذا التنسيق الخفي المحور الأوربي الأمريكي فإن تصريحات خجولة نضحت من هذا المحور مبدية استنكارها «الصوري». أما إيران فترى وجوب إخراج هذا التنسيق المخفي إلى العلن، كما جاء ذلك على لسان رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني هاشمي رفسنجاني عندما أوضح أنه من المستبعد استئصال جذور الإرهاب قريبًا إلا إذا تم تشكيل تحالف دولي يتمتع بحسن النوايا والدوافع الإنسانية! بعيدًا عن المصالح الضيقة والسياسات الانتقائية، وحذر من حدوث احتكاك دولي فوق سوريا، إذ لا بد من التنسيق المسبق، وقال: «إن المواجهة بين القوى العظمى في سوريا مؤشر على عدم امتلاكها برنامجًا للتصدي للإرهابيين» (تصريحات رفسنجاني نقلتها وكالة فارس شبه الرسمية للأنباء، ونشرت بتاريخ 7 أكتوبر 2015م).

وفي المجال الميداني فإن حسابات روسية تقوم على أساس إنزال أقسى الضربات الجوية بأشرس أنواع القنابل والصواريخ فتكًا على جميع الفصائل الجهادية المقاتلة في سوريا باستثناء داعش، ثم القيام باجتياح برّي باستخدام الدبابات والمدرعات والمدفعية لجميع مواقع المجاهدين وإعادة الأراضي السورية التي تحت سيطرتهم إلى حضن السيطرة الرسمية التي يقبع بشار على قمتها[1]؛ وقلنا: باستثناء داعش لأن داعش هي ناب النظام الناهش، وقد سعت ولا تزال لاسترداد الأراضي التي تحت سلطة المجاهدين لردّها تحت سلطة النظام السوري ولكن تحت رايتها السوداء، أو لاستبقائها تحت سلطتها ضمن اتفاقات دولية تتعلق بتقسيم سوريا، كما سيأتي الحديث عن ذلك لاحقًا، ولذلك فإن روسيا أعلنت أن تدخلها في سوريا ليس ضد داعش وإنما ضد الإرهاب، وتقصد به الفصائل الإسلامية المجاهدة ضد النظام، ويؤكد ذلك ما أعربت عنه ألمانيا بتاريخ 5 أكتوبر 2015م من شكوكها حيال إعلان روسيا أن ضرباتها الجوية في سوريا تستهدف «داعش» بدلًا من مجموعات المعارضة الأخرى، وبحسب الاستخبارات البريطانية فإن 5% من الضربات الروسية استهدفت «داعش» فيما معظم الغارات قتلت مدنيين واستهدفت فصائل معتدلة، أما فرنسا فقد جاء على لسان رئيس وزرائها «مانويل فالس» أن روسيا يجب أن لا تخطئ الأهداف بضرب منظمات غير داعش وبضرورة تجنب المدنيين، وإذا كانت داعش هي العدو الذي يهاجم مجتمعاتنا (كما يقول) فقد يكون صحيحًا أيضًا بالنسبة لروسيا، وبالتالي يتعين ضرب داعش وعدم ارتكاب خطأ في الهدف (وكالات: 5 أكتوبر 2015م).

ولكن هذه التصريحات لا تتجاوز ذر الرماد في العيون لأن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لم يكن جادًا أبدًا في شنِّه الحرب على داعش، بدليل أنه قد مرَّ أكثر من عام على ذلك دون إحداث أي تغيير على الأرض، سوى أن داعش ازداد تمددًا، وهذا ما حدا ببشار أن يقول: «إن الضربات الجوية التي يشنها التحالف بقيادة واشنطن منذ عام في سوريا والعراق ضد تنظيم داعش أدت إلى تصاعد العنف»، إذن هناك تنسيق تحت الطاولة بين روسيا وداعش سواء بشكل مباشر أو عن طريق بشار أو عن طريق الولايات المتحدة.
على الجانب الآخر، تدخل في الحسابات الروسية الاستفادة العملياتية بالتنسيق المعلن مع الكيان الصهيوني، وهذا ما فعله «نيكالو بدونبسكي» نائب رئيس الأركان الروسي عندما التقى نظيره الصهيوني «بائير جولان» وكبار الضباط في سلاح الجو وشعبة الاستخبارات العسكرية والموساد، وناقش معهم عدة محاور رئيسية، أبرزها تثبيت ما تم التوافق عليه في لقاء نتانياهو مع بوتين في سبتمبر 2015م، وأفادت قناة الكيان الصهيوني الأولى أن طلبات الكيان الصهيوني من الروس تتضمن مزيدًا من الدعم الروسي للكيان الصهيوني مقابل تقديم عروض مغرية للجيش الروسي تسهل من قدرته على التدخل في سوريا بأقل المخاطر، وكذلك تزويدهم بمعلومات استخباراتية حول أماكن تجمع قوى المعارضة السورية لتسهيل استهدافها، كما أفادت الإذاعة العبرية، وتتضمن حسابات الروس أيضًا أنهم سيحسمون المعركة لصالح بشار بطريقة تبقي بشار محتاجًا لبقائهم في سوريا لمدة طويلة، ربما سنوات، وكذلك تؤكد نفوذهم الداعم لدولة الكيان الصهيوني على امتداد الأراضي السورية والعراقية، أي أنهم جاؤوا ليبقوا، وليس لتحقيق هدف آني ثم الانسحاب. وسأتحدث الآن عن خطأ حسابات الروس في هذا التدخل المشؤوم.

روسيا والحسابات الخاطئة:
-----------------

لم يسجل التاريخ - إلا في حالات قليلة جدًّا - أن استمر خضوع شعب لغزاته بشكل دائم وأبدي، لقد تمردت الشعوب التي غزتها الجيوش الأجنبية على من احتل أرضها حتى أجلتهم منها وأوقعت بهم الهزيمة، قد يطول الزمن أو يقصر للوصول إلى هذه النتيجة، لكنها في النهاية تصنف ضمن «الحتميات»، ويبدو أن القيادة الروسية قد عميت عن قراءة التاريخ وظنت أن سوريا حديقة للتنزه، كما ظنت قبل ذلك مثل هذا الظن عندما اجتاحت أفغانستان فغرقت في وحولها فتفككت أوصالها، ويمكننا رصد أخطاء الحسابات الروسية في عدوانها الخاسر على سوريا في النقاط التالية:

1- على المستوى السياسي:
----------

برغم أن روسيا استبقت تدخلها في سوريا بترتيبات وتنسيقات سياسية مع الولايات المتحدة وأوربا ومفادها تطمينات تتعلق بعدم الإخلال بقواعد اللعبة، وأهمها ألا تتعرض للفصائل التي ترى واشنطن أهمية وجودها وتحركها على الساحة السورية لضمان إبقاء حالة اللاغالب بغية الاستنزاف الكامل والشامل لكل مقومات سوريا، سواء تحت حكم بشار أو تحت حكم من يخلفه، فإن روسيا ضربت بتلك القواعد عرض الحائط من أول يوم ومن أول غارة جوية، ثم استمرت على ذلك، وقد اعتبرت الولايات المتحدة هذا الخرق الفاضح لقواعد اللعبة المتفق عليها إستراتيجية خاسرة، وقد جاء ذلك على لسان وزير الدفاع الأمريكي «أشتون كارتر» خلال المؤتمر الذي نظمه مركز الدراسات الإستراتيجية والدفاعية في مدريد في 5 أكتوبر 2015م، إذ قال: «ما زلت آمل أن يدرك فلاديمير بوتين أن تقرب روسيا من سفينة تغرق إستراتيجية خاسرة، إذ عليه أن يقرر التصدي للتهديد الذي يطرحه تنظيم داعش بدلًا من مواصلة غاراته الجوية الأحادية ضد المعارضة».

ومما يعنيه ذلك بدء سريان محلول عدم الثقة في شرايين الوصال بين روسيا والولايات المتحدة وحلفائها، ومن حيث الواقع فإن طبيعة الصراع بين روسيا والغرب على تقاسم مواقع النفوذ تمنع تمامًا أن تسلم تلك المنظومة الأطلسية سوريا إلى روسيا على طبق من ذهب، وفي إطار المناورة السياسية الخاطئة ابتدأت روسيا بصب حممها على مواقع الجيش الحر، ثم عادت بعد بضعة أيام وقالت إنها على استعداد لاستقبال ممثل الجيش الحر للتفاوض معه، وكانت قبل ذلك قد قالت إنه لا وجود أصلًا للجيش الحر! ولكن قصدها من ذلك تفتيت وحدة المعارضين الجهاديين باستخدام المفردات الانتقائية.
إن روسيا تعتقد أنها بتصعيد عدوانها وزيادة اتساع مساحته سيركع المجاهدون ويُأتى بهم إلى طاولة المفاوضات أذلاء ليوقعوا على صكوك هزيمتهم لصالح بقاء بشار وزمرته في سدة الحكم!
وهذا مجرد هراء، بل هو بلاهة وغباء، وإن واقع الحال يقول إن بوتين لن يتمكن من امتلاك الأوراق السياسية في المنطقة منفردًا، بل ولا حتى إن كان مع إيران متضامنًا.

2- على المستوى العسكري:
--------------

جاء التدخل الروسي العسكري تتويجًا للدعم السياسي اللامحدود الذي قدمته روسيا لبشار كي يحسم الوضع في الداخل السوري لصالحه، غير أنه فشل في ذلك فشلًا ذريعًا، اعتقدت القيادة الروسية أن بشار لم يحسن مجابهة المعارضين، فهم في نظر تلك القيادة مجرد شراذم مسلحة متناثرة، أشبه ما تكون بالعصابات، وأن القدرة القتالية لجيش بشار قد أصابها الوهن ودبَّ فيها الضعف في مواجهتها لتلك الشراذم الإرهابية - على حد زعمها -، وأن استعانة بشار بإيران وحزب الله لم تتمكن من جبر ذلك الضعف في قواته، ليس لأن المجاهدين أثبتوا قوة وصمودًا وحققوا انتصارات باهرة في ميادين القتال بل لأن القوى التي جابهتهم ليست على المستوى المطلوب، والآن أصبح ملحًّا أن تتدخل القوات الروسية لتحقق ما عجز عنه نظام بشار والحرس الثوري وحزب الله ومليشيات الحشد العراقي الشعبي الداعمة له!
كل ذلك يدل على حسابات خاطئة اعتمدت لغة الغطرسة بدل اعتمادها لغة التحليل والواقعية والموضوعية، فقد استخدم بشار أقصى ما لديه من مخزون الأسلحة المدمرة، وكلها روسية، بما فيها الأسلحة الكيميائية والصواريخ الفتاكة والبراميل المتفجرة والقنابل العنقودية والحارقة، مستعينًا بالطائرات الحربية والدروع البرية وقذائف المدفعية، فقتل أكثر من نصف مليون وشرد أكثر من اثني عشر مليونًا في الداخل السوري وفي خارجه، وارتكب أعظم المجازر وحفر أوسع المقابر ودمّر مدنًا بكاملها على سكانها وقضى على البنية التحتية في سائر الربوع السورية ومارس أقسى أنواع التعذيب والتنكيل ضد شعبه، ثم وسع دائرة تلك الجرائم الوحشية بإشراك حلفائه من الإيرانيين وحزب الله، فلم يفلح ذلك كله في وقف جهاد الفصائل المقاتلة في سوريا ضد حكمه، فماذا عسى أن يفعل الروس أكثر من ذلك الذي فعله بشار! وإنه من المؤكد تمامًا أن الروس لم يستفيدوا قيد أنملة من دروس وعبر تدخلهم العسكري في أفغانستان، وها هم الآن يرتكبون الخطأ نفسه!

لقد حسب الروس أنهم سيواجهون الفصائل الجهادية المقاتلة الآن في سوريا فحسب!! ولكن ما لم يحسبوا حسابه أن تلك الفصائل سيأتيها المدد في العديد والأموال من جميع أنحاء العالم الإسلامي وبشكل متدفق ومستمر، لأن الجهاد في سوريا الآن قد أصبح جهاد مسلمين ضد كفار معتدين محتلين، وليس مجرد مقاتلة نظام حاكم، وسينفتح هذا الباب الواسع في دعم الجهاد في سوريا بأوسع مما انفتح إبان الجهاد في أفغانستان، وستتحول سوريا إلى مقبرة لهؤلاء الطامعين الغزاة.

3- على المستوى الاقتصادي:
-------------------

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي انقلبت روسيا إلى دولة فقيرة تتحسس جيوبها لترى إن كان ثمت شيء قد تخلف في طياتها لتتمكن من دفع رواتب موظفي الدولة وقوات الجيش، حيث إن الجهاد الأفغاني قد أنهك قواها الاقتصادية، ولم تكد روسيا تتعافى اقتصاديًّا نوعًا ما حتى أعاد عجلتها إلى الخلف الجهاد الشيشاني، وها هي الآن قد أعادت دعم بنيتها الاقتصادية، لكنها دون مستوى إمكانية تمويل الحروب، فأعادت التقام شبه جزيرة القرم، لتوسع صدرها الذي قد ضاق حتى كاد أن يقضي على أنفاسها الاقتصادية التي أوشكت أن تنكتم بسبب التورط الروسي في أوكرانيا، وقد ذكر إلياس حنّا في صحيفة القبس الكويتية بتاريخ 11 أكتوبر 2015م أن «بوتين يتبع إستراتيجية انتحارية، لأن مشاريعه الجيوسياسية تفوق بكثير قدراته المالية، فهو يرعى أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا، ونوغورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان، والحركة الانفصالية في مولدوفا، وشبه جزيرة القرم التي تكلفه وحدها 4 مليارات دولار سنويًّا».
وها هي الآن في مواجهة استنزافها اقتصاديًّا بواسطة الجهاد السوري[2]. إن روسيا قد تورطت فعلًا، حيث إن تصورها إمكانية القضاء على المجاهدين في وقت قياسي هو مجرد أوهام يقظة، وسوف تتوالى الشهور ثم السنوات، ولن يكون أمام الجيش الروسي خيارات سوى الانسحاب مندحرًا أو الغرق في بحر الجهاد السوري منتحرًا!

وسوف تنهار روسيا اقتصاديًّا، وستتأثر مشاريعها التنموية وستزداد مساحة الهوة بينها وبين الغرب، فالغرب صاعد وهي هابطة، وستنهك أعمالها العسكرية جميع مرافق بنيتها الاقتصادية، ولعل هذا التحليل يشير إلى بعد نظر في مراكز الدراسات الإستراتيجية التي ربما أشارت على القيادات في أمريكا وأوربا بإعطاء روسيا الضوء الأخضر لتعتدي على سوريا اعتداء احتلال وليس اعتداء دعم ومشاركة.
ربما ترى الولايات المتحدة وأوربا أن توريطها لروسيا في البحر السوري بهذا الحجم لن يُضعفها ويوهن قواها فحسب، بل سيؤدي إلى تفككها وليكون اسمها في المستقبل هو مجرد كلمة «روسيا» فحسب بعد أن تجرِّدها الوقائع والأحداث في داخل كيانها من لفظ «الاتحادية»، فلفظة «روسيا الاتحادية» هي مجرد تعريف للواقع الروسي قبل تفككه!

4- على المستوى الاجتماعي:
------------------

يبدو أن قوافل التوابيت للقتلى الروس العائدة من أفغانستان ومن الشيشان قد انمحت صورتها من أذهان قيادة الكرملين لكن القوافل الجديدة لأولئك القتلى التي ستعود من سوريا ستنعش ذكريات تلك المشاهد البائسة، وعمّا قليل ستبدأ المدن الروسية باستقبال التوابيت الجديدة التي ستأتي أحادًا، ثم تتزايد شيئًا فشيئًا لتصبح مجموعات ثم تتكاثر لتضحى قوافل.
فهل حسبت القيادة الروسية لتدخلها في سوريا هذا الحساب؟ أم أن بوتين أعماه جنون العظمة كما أعمى هتلر وأمثاله من طواغيت التاريخ؟!
أيّة سوريا يريدون بعد التدخل الروسي العدواني؟
التسمية المرشحة لسوريا - لحد الآن - هي إحدى ثلاث:

الجمهورية العربية السورية.
سوريا المفيدة.
سوريا الجديدة.
ولكل مسمى سيناريو محتمل:

* المقصود بالمسمى الأول «الجمهورية العربية السورية» الإبقاء على هيمنة بشار ونظامه على كامل الأراضي السورية بحسب حدودها الجغرافية الحالية المتفق عليها دوليًّا، ويتضمن هذا السيناريو القضاء على جميع فصائل المعارضة المقاتلة، وإذا كانت داعش حاليًا هي مخلب النظام السوري الحاكم في دمشق ضد تلك المعارضة، فهي بحسب النظرة الروسية مجرد مخلب «مؤقت»، وقد فشل هذا المخلب في إقصاء الفصائل السورية المجاهدة عن ساحات النزال، لكنه حقق بعض المكاسب على مستوى الجغرافيا (كما في دير الزور والرقة وبعض المدن والقرى الأخرى)، لكنه لم يتمكن من القيام بدور أكثر من كونه «مشاغبًا» في مناطق أخرى، و«معيقًا» لتقدم المعارضة المقاتلة في مناطق ثانية، و«مخترقًا» لصفوف تلك المعارضة في عدة مستويات قيادية في تلك الفصائل، و«مغتالًا» لها في عدة مرافق، إن القيادة الروسية ضمن هذا السيناريو ترى أن المهمة التي أرادها النظام السوري من داعش لا محل لها من الإعراب في المراحل القادمة لأن الجيش الروسي سيقوم بنفسه بمهمة القضاء على الفصائل المقاتلة، وسيكون بقاء داعش بعد ذلك «عبئًا» لا مبرر له على النظام السوري وسيقاتل النظام لاستبقاء سيطرته على «حصته» من الكعكة السورية، ولذلك فإن وضع داعش تحت مظلة الفصائل المقاتلة نفسها التي يريد الجيش الروسي القضاء عليها سيكون محققًا لهذا السيناريو. نستنتج من ذلك أن الجيش الروسي إذا وجّه ضربات «اجتثاثية» لداعش بنفس مستوى ما يفعله للفصائل المقاتلة المجاهدة فهذا يعني أن هذا السيناريو هو المرجح حصوله، خاصة أنه سيحقق آمال إيران في استبقاء مجمل سوريا ضمن نفوذها لنشر شيعتها الفرس في ربعوها.

* المقصود بمسمى «سوريا المفيدة» الأجزاء التي ستبقى تحت سيطرة النظام الحالي والتي ستكون تحت حماية جيش النظام الحاكم والحرس الثوري الإيراني ومليشيات حزب الله اللبناني والجيش الروسي بعد إيقاف القتال، وهذا السيناريو لن يتحقق إلا من خلال تقسيم سوريا الحالية إلى دويلات، وستكون أهمها الدويلة النصيرية العلوية وهي «سوريا المفيدة».

* أما «سوريا الجديدة» فهي مجمل سوريا بعد تقسيمها إلى دويلات وكانتونات ومناطق نفوذ، وأذكر ها هنا ملخصًا لما ذكرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية في عددها الصادر في 4 أكتوبر 2015م حول الحدود الجغرافية لهذا التقسيم - إن حصل - مع تصرف في التعبير عن العناوين والمضمون:

* «سوريا المفيدة»: هي المنطقة الموالية لروسيا وإيران، وهي تمثل 20% من الأراضي السورية الحالية، وقد نزح منها حوالي 50% من سكانها، وتسعى إيران إلى طرد الباقي من السكان ليحل الشيعة الفرس بدلًا عنهم، وتمتد هذه المنطقة من ضواحي دمشق إلى الساحل المطل على البحر الأبيض المتوسط، مرورًا بمدينتي حمص وحماة، إضافة إلى الجزء الذي يسيطر عليه النظام السوري من مدينة حلب وجنوب درعا والسويداء، ويحاول النظام الآن بواسطة الدعم العسكري الروسي استعادة السيطرة على جسر الشغور ومعرة النعمان لضمها لهذه المناطق، وتؤيد إيران مشروع «سوريا المفيدة» في حالة فشل الإبقاء على الحدود الجغرافية الحالية لسوريا، ولذلك فإن الإستراتيجية الجديدة، وفق المقربين من بشار، تتوجه لإنشاء «جيوش محلية» بدعم إيراني - روسي للدفاع عن اللاذقية ومناطق الدروز في الجنوب حيث تتمركز الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد.

* «سوريا النفوذ والكانتونات»: تشمل مناطق نفوذ تركي سعودي في شمال غرب سوريا، ومن ضمنها أدلب وجزء من حلب، وتشمل أيضًا كانتونًا كرديًّا محاذيًا للحدود التركية، وهو كانتون ضعيف، بحسب ما يقرره «مارك بيرني» (سفير فرنسي سابق في كل من تركيا وسوريا) بقوله: «حتى وإن قبل الأكراد بعدم تنفيذ هجمات على مواقع غرب الفرات، فإنهم لم يصبحوا بعد قوة سياسية وعسكرية لها مكانتها في حال توقيع أي اتفاق في المستقبل».

* «سوريا داعش» وهي المناطق التي تسيطر عليها داعش تحت مسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، وتشمل حاليًا منطقة الصحراء السورية من شرق حلب مرورًا بالرقة ودير الزور حتى الحدود العراقية، وليس ثمت حدود ثابتة لجغرافية هذا التنظيم، إذ هو يتمدد ويتقلص بحسب مجابهاته القتالية مع الفصائل المجاهدة السورية والجيش الحر. وهل سيستمر هذا التنظيم أم سيتلاشى؟! هذا ما يقرره الذين أوجدوه، إذ إن بقاءه أو تلاشيه خاضع لمدى ما يتحقق لهم بذلك من مصالح.
وبناء على ما ذُكر أجابت «الفيغارو» على سؤال: «هل يمكن أن تتفادى سوريا التقسيم الكامل؟!» بما يلي: «تبدو مصالح القوى الإقليمية المتورطة في الحرب الدائرة في سوريا واضحة الآن:
روسيا: يمكن أن تصدر لسوريا النموذج الأبخازي، بهدف حماية النظام ومعاقله.
إيران: تسعى إلى الحفاظ على امتداد إقليمي بين بغداد ودمشق ومناطق العلويين ولبنان، وهو محور شيعي يهدف إلى مواجهة النفوذ الوهابي السعودي (كذا) في المنطقة.
السعودية: تسعى إلى إقامة نظام سُنّي في دمشق لإضعاف إيران في سوريا وفي العراق أيضًا، حيث لم تتقبل السعودية أبدًا ما نتج عن الحرب الأمريكية في العراق عام 2003م التي أدت إلى سيطرة الشيعة على السلطة فيها، غير أن اختراق الإرهابيين (تقصد الصحيفة المجاهدين) للجماعات المسلحة المعتدلة (أي الجيش الحر) يمكن أن يحول دون أن تبلغ الرياض هدفًا سياسيًّا تقبله الولايات المتحدة.
النتيجة: يقول دبلوماسي عربي إن الوضع في سوريا حاله كحال الحرب الأهلية في لبنان ستنتهي باتفاق طائف يقوم على التقسيم الطائفي والفئوي بين القوى الدينية، ثم تقول «الفيغارو»: وما يعزز تقسيم سوريا ويحول دون وحدتها هو بقاء بشار الأسد في السلطة، حيث انتهى الجميع إلى قبول مشاركته في عملية انتقال سياسي، ولا شيء يؤكد أن حلفاءه الروس والإيرانيين سيتخلفون عنه في نهاية هذه المرحلة الانتقالية، ثم تبقى عقبتان: الأولى: مرونة داعش التي تستفيد من هذه الفوضى وقد تمتد المواجهة معها لجيل كامل. الثانية: الطموح الكردي لتحقيق الاستقلال الذاتي، وهو ما يحول دون محافظة سوريا على وحدتها، وفي مثل هذه الظروف فإن انطلاق المفاوضات التي أعلنت عنها موسكو ضمن فريق اتصال يجمع روسيا والولايات المتحدة وتركيا وإيران والسعودية ومصر يبدو معقدًا، فلا يُرى في الأفق أن السعودية ستجلس قبالة روسيا وإيران في المدى القصير، مما يعني أن سوريا تتجه نحو الانفجار» (انتهى ما ذكرته الفيغارو، بتصرف).

صمت القبور يخيم على مواقف الدول من التدخل الروسي العسكري:
----------------------

لم تنقل وكلات الأنباء استنكارًا دوليًّا عامًا وشاملًا وشاجبًا للتدخل الروسي العسكري السافر في سوريا هادفًا إلى احتلالها تحت شعار الدفاع عن النظام الوحشي الحاكم، ولكن بالجملة يمكننا الإشارة إلى مواقف بعض الدول والمنظمات من ذلك كالتالي:
الأمم المتحدة: التحفت بعباءة صمت القبور ونسيت ميثاقها، وافتتح سكوتها بوابة الإجرام الواسعة التي ولج من خلالها التدخل الروسي العسكري إلى الربوع السورية؛ ما أعطى الضوء الأخضر لذلك التدخل ليعيث في الأرض فسادًا، فلا مجلس الأمن ولا الجمعية العامة قد تجشما أيما عناء لإصدار ولو بيان واحد لاستنكار تلك الفعلة الشنعاء، وهي وصمة عار جديدة تضاف إلى وصمات العار السابقة التي تلطخ بها جبينها.

مواقف الحكومات في مختلف الدول:
------------------------

لم يعد خافيًا على أية حكومة في العالم إجرام النظام الحاكم في سوريا بقيادة بشار بحق شعبه، ولو أرادت تلك الحكومات، أو بعضها، إزاحة بشار لاتخذت إلى ذلك سبُلًا ووسائل، ولكن خوفها من احتمال أن يكون البديل هو «نظام إسلامي» هو الذي يدفعها إلى اتخاذ مواقف السكوت، وبعضها مواقف التأييد، بسبب ما تكنه تلك الحكومات للإسلام - إلا قليلًا منها - حتى وإن كانت حكومات تحكم شعوبًا إسلامية، وبما أن التدخل الروسي العسكري هو لتثبيت نظام بشار وللحيلولة دون وصول الإسلاميين للسلطة، فإنه يحظى بتأييد تلك الدول علنًا أو ضمنًا، بما فيها معظم الدول العربية والإسلامية، بل والكيان الصهيوني أيضًا الذي يعد في مقدمة هذا الركب.
الموقف الأوربي والأمريكي: ليس صحيحًا أن هذه الدول تريد إسقاط بشار إن كان بديله إسلاميًّا، لذلك فإنها من هذه الوجهة تغض الطرف عن التدخل الروسي، لكنها من وجهة الصراع الإستراتيجي مع روسيا فإنها لا تؤيد وجودًا عسكريًّا روسيًّا فاعلًا في سوريا لأنه يهدد دول حلف الناتو من الجهة الجنوبية الشرقية، ما يستدعي تغيير كثير من خطط المواجهة مع روسيا سواء على مستوى فتح جبهات جديدة أو نقل قوات أو أعمال لوجستية أو تغيير مواقع عسكرية، فضلًا عن المتطلبات المالية للقيام بذلك كله، لذا فإن هذه الدول تمسك العصا من المنتصف، فهي تؤيد التدخل الروسي بقدر لا يخل بالمعادلة العسكرية المتوازنة القائمة حاليًا، وهذا يعني أن هذه الدول قد وضعت للروس خطوطًا حمراء متفق عليها لا يجوز تجاوزها، وفي حال تجاوز الروس تلك الخطوط فإنه قد ينشأ وضع متوتر يؤدي إلى احتكاكات ربما تصل إلى مرحلة الخطر.

الموقف الإيراني والعراقي: ليس مجرد مؤيد بل مشارك ومساهم وداعم وممهد، وليس التحالف الذي تم بين روسيا وإيران والعراق وسوريا من إقامة مركز للتنسيق مقره بغداد بحجة محاربة داعش - والحقيقة خلاف ذلك - إلا تعبير واضح عن ذلك الموقف، ولذا على هذه الدول أن تتحمل مسؤولية كل الأفعال الإجرامية التي يمارسها الجيش الروسي بحق الشعب السوري. لكن من جهة أخرى يبقى هناك احتمال عدم توافق بين إيران وروسيا في المستقبل بسبب الصراع على النفوذ فيما يتعلق بالمواقع النفطية والموانئ البحرية (اللاذقية وطرطوس).

الموقف السعودي والقطري والتركي: منذ البداية كان لهذه الدول مواقف مناوئة لإجرام بشار وحزبه وطائفته، وطالبت بإصرار أن تتاح الفرصة للشعب السوري لتقرير مصيره، ولا شك أن هذه الدول تدرك تمامًا الخطر الماحق الذي يحققه التدخل العسكري الروسي على عموم منظومة التوازن الإستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، وبالأخص حوض الخليج العربي، وتحاول روسيا بقدر إمكانها إعطاء التطمينات لهذه الدول بشأن مستقبل ذلك التدخل السافر في سوريا، وأنه لا يهدد مصالحها الإستراتيجية، غير أن الاحتكاكات التي حصلت بين روسيا وتركيا من خلال اختراق الطائرات الروسية للمجال الجوي التركي قد أضعفت تلك المحاولات وغطت عليها سحب الشك والريبة[3]، لذلك فإنه من الواجب على هذه الدول أن تدرك خطورة ذلك التدخل الروسي العسكري إدراكًا يترجم على ساحة الصراع بتقديم جميع أنواع الدعم للمعارضة المجاهدة السورية المسلحة، سواء على المستويات السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية.

إن روسيا تريد الالتفاف على أية معارضة لتدخلها من قبل هذه الدول، ولذلك فإنها لا تفتأ تستقبل ممثليها لتقديم التبريرات تلو التبريرات لتدخلها السافر في سوريا، معللة بأن ذلك هو لمجرد «محاربة الإرهاب»، وهي «جملة» بات من الصعب على أية دولة أن ترفضها في ظل الإعلام الصهيوني الصليبي المضلل، الذي ألحق أعمال الجهاد ودفاع الشعوب عن إسلامها وأوطانها بمسمى «الإرهاب». ومن اللافت أن بوتين قد طلب من زائريه الاتفاق على محاربة إقامة «خلافة إرهابية» في دمشق، كما نقلت ذلك وكالات الأنباء بتاريخ 12 أكتوبر 2015م، حيث قال وزير الخارجية الروسي لافروف بعد لقاء الجانبين السعودي والروسي: «المطلوب عدم السماح لخلافة إرهابية بالسيطرة على البلاد» (بحسب «الوسط» البحرينية بتاريخ 12 أكتوبر 2012م).
وقد عقدت تلك المحادثات في «سوتشي» بجنوب روسيا، ومحادثات أخرى عقدت أيضًا مع وفد إماراتي، وكانت النتائج في الجملة كقول القائل:

كأننا والماء من حولنا
قوم جلوس حولهم ماء!

وعاد الكلام عن «جنيف١» علمًا أنه تلاه «جنيف2» ولم ينتج شيء من تلك المؤتمرات ذو قيمة حقيقية على الأرض، فما دعا إليه المؤتمرون في «سوتشي» لم يتجاوز الدعوة إلى مصالحة وطنية والمحافظة على وحدة الأراضي السورية وإنشاء حكومة انتقالية تضم فرقاء من النظام والمعارضة (هكذا) ودون وجود بشار بحسب ما يطلب وزير الخارجية السعودي، وهو خلاف ما تراه روسيا، إذ تعتبر وجود بشار أمرًا أساسيًا في أية تسوية، لأنه «عرّابها» في سوريا، غير أن السعودية عبَّرت بجلاء عن رفضها للتدخل العسكري الروسي في سوريا[4]، بالجملة هو تغليب الحل السياسي، ولكننا نقول: إن كان الأمر ينتهي بتسوية سياسية فلماذا لم يتم ذلك منذ فترة طويلة؟ ولا شك أن الجواب يتعلق بوجود الفصائل المجاهدة، ولذلك فبحسب رأي الروس لا بد من تصفيتها والقضاء عليها أولًا لتحقيق الحل السياسي، ولمَّا فشل النظام السوري في تحقيق ذلك دخلت روسيا بجيشها العرمرم لفعل ما عجز عنه بشار وجيشه وإيران وحزب الله، وسيكون الشأن بعد قضائهم على المعارضة الجهادية المسلحة هو «حل سياسي» من جانب واحد! لكن ذلك لن يحدث إن شاء الله تعالى.

الموقف الجهادي في سوريا من التدخل الروسي العسكري:
------------------------------

لن يهاب السوريون التدخل العسكري الروسي، خاصة أنهم ما زالوا يقاتلون جيش النظام البشاري المدجج بالسلاح الروسي بأنواعه وأشكاله والذي سيؤدي إلى مزيد من تهجير السوريين بسبب القتل والدمار الذي يمارسه، ولكن من الجدير هنا التوقف عند نقاط مهمة:
من نصر الله تعالى لا يُغلب، قال تعالى: {إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: ٧]، ليكن هدف المجاهدين هو إعلاء كلمة الله تعالى في الأرض ونصر دينه وتطبيق شريعته.
الاستمرار في الجهاد ومواصلة السير على دربه مع ما يتطلبه ذلك من صبر ومشقة وإعداد وأمل.
توحيد الفصائل المقاتلة ضرورة لا بد منها، قال تعالى: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: ٤]، ويعتبر البيان الذي وقعه 41 فصيلًا مقاتلًا ضد التدخل العسكري الروسي مؤشرًا إيجابيًّا في هذا الخصوص، ولا بد للفصائل جميعًا من التوحد تحت قيادة عسكرية واحدة، وخاصة الفصائل الرئيسية كأحرار الشام وجيش الإسلام وجيش الفتح والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام والجبهة الشامية، وباقي الفصائل المنتشرة في الربوع السورية.

الائتلاف ونبذ الاختلاف، قال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، ولذلك وجب على جميع الفصائل ألا تنخرط في سلك الاختلافات، وليكن الاجتماع تحت مظلة الإسلام دون تعصب لحزب أو جماعة أو رأي أو مذهب أو قبيلة أو منطقة، فراية الإسلام تظلل الجميع.
التمسك بالأهداف الرئيسية للجهاد، وأهمها ثلاثة أهداف:
الأول: إسقاط النظام السوري الحاكم.
الثاني: تحرير سوريا من الاحتلال الإيراني والروسي وطرد المليشيات التابعة لحزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي مع مراعاة التخلص من الخطر الداعشي جغرافيًّا وعقديًّا.
الثالث: إقامة نظام إسلامي على أنقاض الحكم الحالي.

اعتبار النظام الحاكم وداعميه مجموعة واحدة، فلا بد من توجيه السلاح ضدهم جميعًا، دون تفريق بين كون الجهة المقابلة من جيش النظام أو مليشياته أو شبيحته أو من الحرس الثوري الإيراني أو من حزب الله اللبناني أو من الجيش الروسي أو من مليشيات الحشد الشعبي أو غيرهم ممن هم في النهاية يقفون ويقاتلون مع النظام، أو يشكلون غطاءً له بمسميات إسلامية.
إفشال مخطط تقسيم سوريا، وهو هدف رئيس من أهداف الجهاد، لأن هذا التقسيم فضلًا عن أنه يبدد وحدة المسلمين ويفتت التآمهم ويشتت جهودهم فإنه أيضًا يحقق هدفًا رئيسًا للكيان الصهيوني، لأنه يزيل الخطر عنه ويمهد لتمدده واتساعه، ولعل السيطرة على المفاصل الرئيسة التي تحول دون تحقيق التقسيم لها الأولوية في العمليات الجهادية.

رفع الروح الإيمانية والمعنوية سواء لدى المجاهدين أو المدنيين، سواء من كان في الأرض المحررة أو التي تحت سيطرة النظام الحاكم أو المهاجرين إلى خارج سوريا، وذلك بوضع برامج تفي بهذا الغرض، ولكن الحاضنة الجماهيرية في الأراضي المحررة لها الأولوية في ذلك.
إحسان استخدام المناورات السياسية بما يخدم أغراض الجهاد ولا يتجاوز المحددات الإسلامية العقدية الرئيسية، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع الدول الداعمة، وكذا الأحزاب والجماعات الإسلامية في مختلف الأقطار العربية والإسلامية، مع التمسك بالثوابت الشرعية.
استيعاب فقه الجهاد، وما يتعلق به من أحكام شرعية، وهي كثيرة ومنوعة، وينبغي تدريس هذا الفقه للأفراد المقاتلين فضلًا عن قادة المجاهدين.

إنشاء مجلس شورى جهادي يضم كافة الفصائل المجاهدة، ويوضع له نظام أساسي لتنظيم اختصاصاته وعمله وشروط المنتسبين إليه.
إنشاء «مكتب عام للفتوى» تتفق جميع الفصائل على قبول أحكامه.
إنشاء «مكتب سياسي» يمثل المجاهدين وله صلاحيات واسعة يحددها مجلس الشورى.
بيان حقيقة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومن يقف وراءهم، وخطورة الغلو الذي ينتحلونه وأثر ذلك على المجاهدين وسير عمليات الجهاد.

توقي الحذر من المنافقين، وتحصين الأجهزة القيادية من الاختراق، وتبني أسلوب الغلظة معهم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْـمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم: ٩].
وضع خطط لتأمين الدعم المادي والبشري للمجاهدين، وذلك بتكثيف بيان أحوال المجاهدين والحواضن الجماهيرية وما يلاقونه من ضنك وحاجة، وكذا ما يتطلبه استمرار الجهاد من سلاح وذخيرة وتأمين للصفوف الخلفية الداعمة له.
استيعاب المجاهدين المهاجرين إلى سوريا من خارجها من كافة أنحاء العالم، وذلك يتطلب خططًا ووسائل متعددة.
تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في داخل الأراضي المحررة، مع مراعاة الفقه في ذلك وطول مدة بُعد الناس عن أحكام الشريعة وانحسار دورها عن حياتهم لعقود مديدة، فلا بد من استخدام اللين والأخذ بالرفق والعمل بالحكمة والسير بالموعظة الحسنة والنأي عن الغلو والتكفير بغير حق.
الحذر الشديد من الحلول المعلبة، وهي الحلول التي تفضي في النهاية إلى إجهاض الجهاد ومصادرة الوصول إلى أهدافه، كتلك التي تتمخض عنها مؤتمرات المعارضة الخارجية من مثل «جنيف1» وما بعده أو «موسكو1» وما بعده.

إنشاء «مكتب إعلامي» لصالح قضية المجاهدين في سوريا، وذلك لفتح عيون شعوب العالم وحكوماتها على حقيقة ما يجري في سوريا من بشائع النظام الحاكم وأعوانه وداعميه من الداخل والخارج، وللتعبير عن رأي المجاهدين في كل ما يدور في الساحة مما له علاقة بهم وبجهادهم، ولكشف دور داعش والمنافقين ورفع الغطاء عن المؤامرات التي يحيكها أعداء الإسلام ضد الجهاد في سوريا لكسر شوكته وتنكيس رايته، ومن مهمات هذا المكتب بيان أهمية توافد المجاهدين من أنحاء العالم لدعم إخوانهم المجاهدين في سوريا، فالمعركة الآن هي ليست ضد النظام وحسب بل هي أيضًا لمقاتلة المعتدي الروسي الكافر ودحره وإخراجه وتحرير البلاد من شره.
التواصل الإيجابي والمثمر مع مخيمات اللاجئين في خارج سوريا، لأنهم منبع الحواضن الخلفية للمجاهدين وحماة خطوطهم الداعمة، ومن وسائل تفعيل ذلك التواصل اتخاذ ما يلزم بقدر المستطاع لتلبية ودعم تحقيق الحاجات الملحة سواء لحواضن المناطق المحررة أو لقاطني المخيمات.
الالتجاء الدائم إلى الله تعالى بالدعاء والطاعة له ولرسوله كيما يتحقق النصر للمجاهدين، وليعلموا أن الله ينصر جنده بما شاء فله جنود السموات والأرض، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: ٩].


--------------------------------------
[1] قال السفير الأمريكي لدى حلف شمال الأطلس «دوغلاس لوت»: إن الحشد العسكري الروسي في سوريا يشمل وجودًا بحريًّا كبيرًا ومتناميًا يزيد عن 10 سفن وصواريخ بعيدة المدى وكتيبة قوات برية (ألف جندي) تدعمها أحدث الدبابات الروسية ومدفعية وصواريخ بعيدة المدى وقوات دفاع جوي (انظر: القبس الكويتية 9 أكتوبر 2015م).
[2] قالت «ريفا بهالا» نائبة رئيس شركة ستراتفو المتخصصة في الاستخبارات الجيوسياسية في أمريكا: إن موسكو لن تتحمل نفقات التدخل والعمليات العسكرية للقوات الروسية في سوريا لأكثر من أربعة أشهر (سي إن إن: 15 أكتوبر 2015م).
[3] لعل أحد نقاط ضعف تركيا إزاء روسيا هو استيرادها حوالي 60% من غازها من روسيا.
[4] كشف مسؤول سعودي أن السعودية سترد على التدخل الروسي في سوريا بتزويد مجموعات من المعارضة بإمدادات من الأسلحة الحديثة، بينها أسلحة موجهة مضادة للدبابات سيتم تقديمها إلى ثلاث مجموعات، هي: جيش الفتح والجيش السوري الحر والجبهة الجنوبية (القبس الكويتية 10 أكتوبر 2015م).



---------------------------------

عبدالناصر محمود
02-13-2016, 09:39 AM
القراءة الغائبة للتدخل الروسي
ــــــــــــــــ

(عادل بن محمد الحوالي)
ــــــــــــ

4 / 5 / 1437 هــ
13 / 2 / 2016 م
ــــــــ

https://scontent-cai1-1.xx.fbcdn.net/hphotos-xtp1/v/t1.0-9/12717710_1002056599874941_7594446799717652567_n.jp g?oh=640128e7631b4d21d7758217f849f12c&oe=576DAF77






من المناسب قبل الشروع في بيان تداعيات التدخل الروسي المباشر أن نقرر حقيقة حتمية لا يمكن للباحث والمراقب تجاهلها؛ فتاريخ التدخل الأجنبي في بلاد المسلمين يحمل الشرّ والوباء على البلاد والعباد، حتى الطوائف التي نعمت في كنف الإسلام وعاشت تحت ظلاله آمنة مطمئنة انحازت للغزاة وأضحت وقودًا للحروب الداخلية (الأهلية) بشكل أو بآخر، تارة باسم المظلومية وأخرى باسم التعددية، وطفقت تروج للنموذج الأجنبي بوصفه الصيغة الحديثة للدولة المدنية التقدمية، وغيرها من الشعارات المستوردة التي تخدم مصالح الغزاة ومخططاتهم.

مخططاتهم.
----

هذه الحقيقة تفسر لنا بجلاء أسباب استدامة الحروب في الفكر الغربي والشرقي بوصفها مرحلة متقدمة على مبدأ التدخل المباشر ومن ثَمَّ إملاء الشروط والحلول القسرية التي تحفظ مصالحه وتخدم أجندته في المنطقة، ونحن إذ نتحدث بشكل تحليلي ومن منظور إستراتيجي عن الملف السوري الذي يتمتع بمزايا جيوسياسية مهمة وتاريخ حافل بالحضارة والوقائع ينبغي إعمال الدور الذي تقوم به السياسية الصهيونية في تحليل الملف، وقراءة أبعاده كمؤشر تقريبي لواقع السياسة الدولية على الأرض، حيث إن اضطراب الكيان الصهيوني يشكل هاجسًا مخيفًا في الأوساط الغربية الحاكمة، علاوة على القيمة الدينية للربيبة والمستقرة في أذهان الساسة، من أرباب النبوءات الصليبية تجاه الكيان الصهيوني، وما تمثله من حلم عودة المسيح (عليه السلام) كما يزعمون!

الكيان الصهيوني الدولة الوحيدة - في عرف النظام الدولي - التي يجب أن يحافظ المجتمع الدولي والنظام الإقليمي على حمايتها جملة واحدة، بغض النظر عن طبيعة الأدوار الموكلة إلى كل طرف. وفي ظل الهيمنة الأمريكية، والتطلع الروسي إلى إعادة بناء القوة والاعتبار لمكانة روسيا الدولية في صناعة القرار العالمي وزيادة مساحة التأثير؛ يبرز مفهوم التدخل الروسي بوصفه الداعم الجديد والراعي الدولي لبناء نظام إقليمي على غرار سايكس - بيكو، بعد موجة التخفف الأمريكي من أعباء المنطقة - وليس مغادرتها كما يروج البعض - وخفض مستوى التزامها بأمن حلفائها الإقليميين. فروسيا اليوم ليست بقوة الاتحاد السوفيتي بطبيعة الحال، ولذلك تعني تل أبيب بالنسبة للروس منطقة العبور وتسلم تأشيرة الدخول إلى عمق الأراضي السورية عبر عمليات عسكرية ممنهجة، وممولة من بنك الأهداف الصهيوني بالتعاون مع دول إقليمية مخابراتية وظيفية.

لا يمكن إغفال النزاع الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا، لاسيما بعد مصادقة الرئيس الروسي على العقيدة العسكرية الجديدة في 26 يناير 2014م، المتمثلة في اعتبار «حلف الناتو» التهديد الأساسي لروسيا من خلال سياسات الحلف عبر تنصيب منظومة الدفاع الصاروخي، ونشر أسلحة نوعية في بعض دول شرق أوربا وصولًا إلى الانقلاب السياسي في أوكرانيا وانتهاءً بتراجع أسعار النفط، وكنتيجة حتمية فإن النظام الدولي مقبل على أعتاب حرب باردة جديدة، وإعادة تداعياتها إلى الواجهة العالمية من جديد، ولكن الغرب يرى أن مستوى التهديد الذي يمثله العملاق الصيني يتضاعف أمام الترنح الروسي في أوكرانيا وتحمّل أعباء التدخل العسكري في سوريا، إضافة لعامل الانهيار المالي الذي يضرب أركان الكرملين بسبب تراجع أسعار النفط. الولايات المتحدة عودتنا على تحديد أولوياتها في السياسة الخارجية، وبالتأكيد ليس بالضرورة أن تنجح فيها، ولكنها بات مقتنعة ومتأكدة أن الجيش السوري قد انهار تمامًا، وبأن المعارضة قد ولجت إلى محرقة الاستنزاف والإجهاد المتواصلين، وبسبب وجود تنظيم الدولة الإسلامية على الخريطة تكون قد ضمنت استدامة الصراع واستحالة حسمه من طرف على حساب آخر مهما بلغت قوة المعارضة ومهما بلغ ضعف النظام أو حجم تأييده الخارجي الذي تطلب وعلى نحو سريع دخول موسكو على خط الصراع مباشرة، ومحاولة تحييد حجم التأثير الإيراني وإدارته للمعارك بعد سلسلة الإخفاقات المتوالية والنكسات الموجعة في العراق وسوريا، ولأن موسكو تستشعر هرولة النظام الإيراني صوب المعسكر الغربي لاسيما مع اقتراب الإدارة الأمريكية من تسوية العقوبات المفروضة على طهران، الأمر الذي دفع الروس إلى التفكير في مستقبلهم الإستراتيجي إقليميًّا، وضمان عدم تكرار تجربة الملف الليبي! وقد ارتأت الولايات المتحدة التوجه التدريجي نحو شرق آسيا لاحتواء الصين، والسعي لتطويق خطر كوريا الشمالية وضمان تأمين التقنية النووية ومنعها من التهريب خارج الحدود، فيما يتولى الروس إدارة الملف السوري بالتعاون مع شركائهم الإقليميين وحاجتهم الحتمية للولايات المتحدة.
التناوب الأمريكي - الروسي على الملف السوري يأتي من باب إطالة الأزمة لضمان أمن الكيان الصهيوني وتنشيط مبيعات السلاح وخلق مناطق نفوذ وصراع جديدة، تعيد تقسيم المنطقة على نحو ثنائي لأول مرة منذ سقوط المعسكر الشيوعي. من هنا يجب أن نقيم التدخل من زاوية مختلفة، تبعث الأمل مجددًا، وتبدد مخاوف المسلمين التي تضخها آلة الإعلام العالمية بوصفها الشريك الإستراتيجي للآلة العسكرية في أزمنة الحروب للتأثير النفسي. وقبل الإشارة إلى هذه الجوانب الإيجابية، يمكننا تلخيص محددات التدخل الروسي في نقاط:

أولًا: حماية أمن الصهاينة كجزء إستراتيجي من سياسة النظام الدولي.

ثانيًا: رفع أسعار النفط وإشاعة تهديد الممرات وخطوط الإمداد.

ثالثًا: تأمين الجدار العلوي ومنعه من الانهيار بعد إقامته منذ اتفاقية سايكس - بيكو.

رابعًا: حماية المصالح الروسية وضمان بقاء أسطولها البحري في طرطوس.

خامسًا: إضعاف الدور التركي، وإفشال مساعيه في احتواء المعارضة الإسلامية.

سادسًا: منع وصول ارتداد موجات الجهاد إلى مناطق النفوذ الروسي خارج سوريا.

التدخل الروسي يحمل مضامين مهمة، وتداعيات دولية من شأنها خدمة الثورة السورية، متى أحسن المجاهدون وداعموهم توظيفها على نحو جيد، عبر اتحاد الفصائل، وإقامة غرف عمليات مشتركة، وذم الفرقة وطرح الاهتمامات الشخصية المحدودة، وإقامة مصلحة الدين والعقيدة قبل كل شيء. الحوادث التاريخية تثبت أن بلاد الشام كانت وستظل عصية على التطويع الخارجي، ومن رحمة الله تبارك وتعالى بالمسلمين اشتداد الأزمات وطول عمرها الكوني كي تتمايز الصفوف، وتتباين المواقف والآراء على نحو يخدم الأمة بشكل عام وأرض الشام بالخصوص، فظهور الخلاف الدولي إزاء الملف السوري إلى السطح بعد سنوات من التوافق على تدمير البنية التحتية، مؤشر إيجابي له ما بعده، وهذا الخلاف وإن بدا للوهلة الأولى محدود المساحة والتأثير، إلا أنه وبمرور الوقت مؤثر في مسار السياسة الدولية، ويمكن من خلاله قراءة التشققات الدولية وتصدعات التحالف الإقليمي بما يتيح للثورة استعادة عافيتها، والوصول إلى الكثير من أهدافها الإستراتيجية. ومن أعظم هذه التحولات تبدد أسطورة النظام العسكري الإيراني، بعد هلاك كبار قادته وعجزه عن إنقاذ حزبه الشيطاني، ودخوله مراحل استنزاف بشري ومادي لا يمكن تجاهل أثرها على قبول ملالي طهران بالاتفاق الدولي النووي، بعد أن كانت قاب قوسين من إتمامه، فلله الفضل ثم للثورة السورية التي تسببت بطريقة أو بأخرى في تراجع الإنفاق الحكومي على المنشآت، وانشغال الحكومة بإدارة ملفاتها الخارجية، هذا القدر من الاختلاف الدولي والتراجع الإقليمي كفيل بتأسيس هوية الشعوب على أساس عقدي يحمل مضامين سياسية واقتصادية وعسكرية ودعوية كبدائل حيوية عن معونات الصليبيين، فلم يعد للدخلاء غطاء يمكن التدثر به بعد موجة الفضائح التي أخرجتها الثورة السورية، كما أن الأنظمة الإقليمية التي ترى في الثورة فرصة الإطاحة بنظام الأسد كشفت عن أهدافها على نحو أكثر وضوحًا، وحصرت الخلاف في شخص الأسد ونظامه، وهي مستعدة لبناء نظام علماني يخدم سياسة النظام الدولي، لأنها ما تزال تدور في فلك النظام الدولي، ولا تملك الجرأة الكافية للخروج من قيده، هذا القدر من التخاذل ينبغي أن يكون كافيًا لصناعة وعي الأمة بمآل الثورة السورية وجهادها ضد الباطنية من الداخل والصليبية من الخارج، وحين يختلف السرّاق؛ تنحسر التوافقات! ورجال الثورة معنيون بتوظيف هذا التدافع الكوني بين القوى العظمى لمصلحتهم، والاستعانة بالسنن بعضها على بعض، ما يتطلب وعيًا شرعيًّا وفقهًا بالسنن الكونية وطرق الإفادة منها على النحو المشروع، ولا يعني طول البلاء سوى اقتراب الفرج، لكن المقاييس الربانية مختلفة كليًّا عن حسابات البشر، وفي الثورة السورية من أسباب البقاء ما يجعلها غصة في نحور أعداء الأمة، ولا أعظم من تمايز الوعي بحقيقة المشروع الباطني، وسقوط أقنعة المقاومة والممانعة بعد عقود الكذب والتضليل، كما أن النفوذ الأمريكي أصبح واهنًا بعد تعثره في العراق، وكذلك الحال بإذن الله تعالى للروس في سوريا. هذه المحطات تستنزف القوى العظمى، ولا تخرج عن دائرة التأثير الكوني، والسير بها نحو سنّة التغيير والتراجع، ومن أدلة ذلك حجم التدخل المحدود، الذي يعطي قراءة واضحة لما عليه القوى العظمي من تذبذب قراراتها، وتضعضع قوتها ومحيط تأثيرها الإقليمي، ولذلك استدعت المليشيات والأحزاب المقاتلة للقتال عنها بالوكالة لحين يتطلب الأمر الدخول المباشر، ونستطيع القول إن التدخل الروسي ليس إلا بداية للعودة بالثورة من جديد، وزوال الكثير من المعوقات وتذليل الصعاب، وأهل الثغور أعلم الناس بواقع الأمر وإن بدا أنهم في محرقة التحالف الدولي فسنشهد توافقات دولية على الحلول السياسية مع بقاء النزاع السياسي حول مصالح القوى العظمي بسوريا، في الوقت الذي تشتد فيه شوكة الجهاد، وتنحسر موجة الغلو والتكفير، وتسقط رايات لطالما نادت بالثأر وضجت بالاستغاثة.

إننا معنيون أكثر من أي وقت مضى ببث روح الفأل والأمل، والأخذ بأسباب النجاة قبل فوات الأوان، ومن أوجب الواجبات نصرة المسلمين، ومدهم بالعون قدر الإمكان، فجاهد أهل الشام جهاد عن الأمة قاطبة، كلٌ على قدر مسؤوليته المنوطة به، ولا يستهان بالكلمة في زمن الحروب واشتداد الأزمات، فمن دون الوعي تموت القضية، ويذوب الناس في محرقة الأحداث.


-----------------------------

عبدالناصر محمود
02-14-2016, 08:42 AM
التدخل الروسي في سوريا كيف ولماذا ؟
ــــــــــــــــــــ

(. مجاهد مأمون ديرانية)
ــــــــــــ

5 / 5 / 1437 هــ
14 / 2 / 2016 م
ـــــــــــ


https://scontent-cai1-1.xx.fbcdn.net/hphotos-xtp1/v/t1.0-9/12717710_1002056599874941_7594446799717652567_n.jp g?oh=640128e7631b4d21d7758217f849f12c&oe=576DAF77




الأسابيع القليلة التي سبقت وصول طلائع القوات الروسية إلى سوريا والأسابيع القليلة التي أعقبت وصولها شهدت نشاطًا دبلوماسيًّا محمومًا، شارك فيه مسؤولون كبار من أمريكا وروسيا والصين والدول الأوربية ودول الإقليم؛ نستطيع أن نستخلص من مجمل تلك اللقاءات أن التدخل العسكري الروسي في سوريا لم يكن مفاجأة لأحد - ربما باستثناء السوريين أنفسهم - كما دلت التصريحات الأمريكية والأوربية التي علقت على ذلك التدخل بترحيب ضمني به ورضا واضح عنه بعد وقوعه.
هذه المقدمة ضرورية لفهم التدخل الروسي في سياقه الصحيح، ولكي نستبعد فرضية كونه حلقة من حلقات الصراع على النفوذ بين روسيا وأمريكا، بل إن هذا التدخل لم يتم إلا بعيد اللقاء الذي جمع بين الرئيسين الروسي والأمريكي، ما يمنحنا مزيدًا من الثقة بأنه نتيجة لتفاهم صريح بين البلدين.

إذا كان لي أن أتخيل فإنني أفترض أن روسيا دخلت إلى سوريا بقواتها العسكرية ضمن صفقة مع أمريكا، حيث سُمح لها بالاحتفاظ بمصالحها العسكرية والاقتصادية مقابل المشاركة في الجهود الدولية الداعمة للحل السياسي؛ الحل الذي توافقت عليه القوى الدولية قبل أربعين شهرًا بقيادة أمريكية وتحت مظلة أممية.
(1)
بالعودة إلى الوراء نجد أن القوى الدولية كلها - بما فيها روسيا وأمريكا - اتفقت كلها على حل واحد للمشكلة السورية منذ وقت باكر وهو: إعادة إنتاج النظام من خلال حذف العناصر التي تعيق الحل من الطرفين - بما فيها الأسد نفسه على الأغلب - وإبقاء سوريا تحت هيمنة الطائفة العلوية. لقد استطعنا استقراء هذا الاتفاق بأنفسنا من خلال دراسة مواقف تلك الدول، قبل أن تعلن هي نفسها عنه رسميًّا في بيان جنيف الشهير.
ذلك الإعلان الصادر في الثلاثين من يونيو 2012م صار هو الأساس لكل المبادرات السياسية التي شهدتها الساحة السورية منذ ذلك الحين، وهو يمثل وجهة النظر الأمريكية والروسية والصينية والأوربية والدولية و«العربية الرسمية» للحل، باعتبار أن الذين أصدروه ووقعوا عليه هم وزراء خارجية أمريكا وروسيا وبريطانيا والصين، والأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لجامعة الدول العربية، وممثلة الاتحاد الأوربي السامية للسياسة الخارجية والأمنية، بوصفهم «مجموعة العمل من أجل سوريا» في ذلك الحين.

كل ما صدر عن الدول الكبرى والدول الإقليمية منذ ذلك الوقت يؤكد أن «إعلان جنيف» هو الأساس الوحيد المقبول لحل المشكلة السورية كما أشرت قبل قليل، وهذا يقتضي أن نتعرف بشكل دقيق على تفاصيل ذلك الإعلان الذي نص على «فرض مرحلة انتقالية ضمن أربعة مبادئ أساسية»، هذا تفصيلها:
المبدأ الأول بعنوان: «منظور للمستقبل»، وينص على إقامة دولة ديمقراطية تعددية تمتثل للمعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وتتيح فرصًا متساوية لجميع السوريين، بعيدًا عن التمييز القائم على أساس عرقي أو ديني أو لغوي.
المبدأ الثاني بعنوان: «خطوات واضحة في العملية الانتقالية لا رجعة فيها»، وتشمل إنشاء هيئة حكم انتقالية تمارس كامل السلطات التنفيذية، تضم أعضاء من الحكومة والمعارضة الحاليتين ومن مجموعات أخرى، ويتم تشكيلها على أساس الموافقة المتبادلة، ويكون من مسؤولياتها الإعداد لحوار وطني تشارك فيه جميع فئات المجتمع السوري، وإعادة النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية، على أن تعرض نتائج الصياغة الدستورية على الاستفتاء العام، والإعداد لانتخابات حرة نزيهة تعددية، مع التأكيد على ضرورة تمثيل المرأة تمثيلًا كاملًا في جميع مراحل العملية الانتقالية.

المبدأ الثالث بعنوان: «السلامة والاستقرار»، ويتضمن نزع سلاح المجموعات المسلحة وتسريح أفرادها أو دمجهم في المؤسسة العسكرية، وإقرار إجراءات عملية لحماية الأقليات، والإفراج عن المحتجزين من كل الأطراف، والالتزام بالمصالحة الوطنية، واستمرار الخدمات والحفاظ على المؤسسات الحكومية، بما فيها الجيش ودوائر الأمن.

المبدأ الرابع بعنوان: «خطوات سريعة للتوصل إلى اتفاق سياسي ذي مصداقية»، وأهم ما ورد فيه أن النزاع يجب أن يحل بالحوار السلمي وعن طريق التفاوض حصرًا.
(2)
لا ريب أن لروسيا مصالح اقتصادية وعسكرية في سوريا جديرة بالدفاع عنها، لكن يغلب على الظن أن التدخل الروسي لم يكن لحماية تلك المصالح بصورة مباشرة، بل هو لحماية النظام الأسدي العلوي وتكريس بقائه باعتباره حارسًا وضامنًا لتلك المصالح على المدى الطويل. ويبدو أن توقيت هذا التدخل يتوافق مع تراجع القدرات القتالية للنظام وخسائره المتتالية خلال الأشهر الأخيرة، كما يتوافق أيضًا مع الجهود الدولية المتسارعة الهادفة إلى فرض الحل السياسي على طرفي الصراع.
لنتعرف أولًا على المصالح الروسية في سوريا: إن سوريا تمثل منطقة ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة لمصالح الطاقة الروسية من ناحيتين، من ناحية حصول الروس على الحق الحصري لاستخراج النفط والغاز من المياه الإقليمية السورية، ومن ناحية إحباط مشروع مد خطوط نقل الغاز القطري عبر الأراضي السورية إلى تركيا ومن ثم إلى أوربا (أوربا هي أهم أسواق الغاز الروسي. وروسيا هي ثاني أكبر منتج للغاز في العالم وقطر المنتج الخامس). وقد ذهب «أندرو كريتشلو» في مقالة نشرها في جريدة «التلغراف» البريطانية منذ وقت قريب إلى أن مصلحة روسيا في النفط والغاز الطبيعي هي الدافع الوحيد للتدخل الروسي الأخير.

لا شك أن كريتشلو بالغ حينما اعتبر أن مصادر الطاقة هي «الدافع الوحيد» للتدخل الروسي، لكنها ستبقى بالتأكيد من العوامل المهمة التي تحدد علاقة روسيا بسوريا الآن وفي المستقبل، فالاقتصاد الروسي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على النفط والغاز، اللذين لا يغطيان جزءًا كبيرًا من الناتج القومي الروسي الإجمالي لكنهما جزء مهم جدًا من الصادرات الخارجية، حيث يمثلان مع المعادن المختلفة أربعة أخماس الصادرات الروسية؛ أي أن النفط والغاز مهمان لموازنة أرصدة روسيا من العملة الصعبة، وهذا يفسر تأثرها الكبير باضطراب أسعار النفط في السنتين الأخيرتين، حيث تسبب انخفاض أسعار النفط في تراجع روسيا من المركز الثالث إلى المركز التاسع في قائمة الدول الأغنى بالاحتياطات النقدية الأجنبية (بعد الصين واليابان والسعودية وسويسرا وتايوان وكوريا الجنوبية والبرازيل والهند)، وتسبب في هبوط قيمة الروبل الروسي بنسبة 43% مقابل الدولار الأمريكي خلال السنة الأخيرة، التي وصل فيها التضخم إلى أعلى مستوياته في ثلاثة عشر عامًا.
يمكننا أيضًا أن نضيف المصالح العسكرية المتمثلة في الدفاع عن القاعدة البحرية التي أنشأتها روسيا في طرطوس عام 1971م، ولكن هذا العامل سوف يتداخل - بشكل أو بآخر - مع العامل الأول، فتلك القاعدة لم تخضع لأي عمليات تجديد ذات شأن طوال أربعة عقود، حتى كان عام 2009م حينما خضعت لتحديث محدود. وفي نهاية عام 2013م بدأت عملية توسعة و***** رئيسية، وذلك على إثر توقيع صفقة التنقيب عن النفط في مياه الساحل السوري، التي منحت روسيا بموجبها حق التنقيب في مساحة تزيد عن ألفي كيلومتر مربع، على أمل استخراج ملياري برميل من النفط وثمانية تريليونات قدم مكعب من الغاز سنويًا، بحسب التفصيل الذي نشرته في حينه مجلة «ذا أويل أند جاز».
في نهاية المطاف تعتقد روسيا أن مصالحها في سوريا لا يمكن ضمانها إلا من خلال استمرار سيطرة الطائفة العلوية على المؤسستين العسكرية والأمنية، وقد صدرت بهذا المعنى تصريحات علنية عن الرئيس الروسي ووزير خارجيته خلال السنة الأخيرة، فأزالت أي شك في تمسك الروس بالطائفة على رأس الحكم في سوريا، بغض النظر عن الأسد نفسه هل يبقى على رأس النظام أو يستبدل به غيره من الطائفة العلوية نفسها.
(3)
إن الأهداف التي ضربتها الغارات الجوية الروسية في سوريا منذ بداية التدخل العسكري الروسي السافر ملفتة للانتباه، فقد شن الروس أولى غاراتهم في الثلاثين من سبتمبر على «كتائب العزة» في حماة، وهي من فصائل الجيش الحر ومن مكونات تحالف «جيش النصر» الذي ينتشر في ريف حماة الشمالي، ويتكون كله من فصائل الجيش الحر. بعد ذلك ثابرت الغارات على استهداف فصائل الجيش الحر في حماة وإدلب وحلب، وقد شملت حتى تاريخ كتابة هذه المقالة الفصائل التالية: صقور الغاب في حماة، الفرقة 101 في حماة، فرسان الحق في حماة، الفرقة 46 في حماة، الفرقة الساحلية الأولى في اللاذقية، الفرقة الساحلية الثانية في اللاذقية، صقور الجبل في حلب، الفرقة الوسطى في إدلب، الفرقة 13 في إدلب، فيلق الشام في إدلب، صقور الشرقية في ريف دمشق.
الملفت للانتباه أن الفصائل السابقة كلها من فصائل الجيش الحر التي تدعمها غرفة التسليح الأمريكية، واستهدفت بعض الغارات أيضًا كتائب تابعةً لحركة أحرار الشام في إدلب وجبهة النصرة في إدلب وحلب، أما داعش فلم توجه إليها أي ضربة ذات شأن. أما المناطق التي استهدفتها الغارات بشكل رئيسي فهي مناطق التماس في ريف حماة الشمالي، بالإضافة إلى ضربات أخرى أقل قوة في جبل الأكراد وريف حلب الجنوبي.

لعل المراقب لتوزيع هذه الضربات والفصائل المستهدفة فيها يلاحظ أنها تعمل على تشكيل «جدار ناري» يحيط بمناطق سيطرة النظام ويمنع تقدم الثوار باتجاهها، بمعنى «تثبيت خطوط التماس بين الفريقين». كما يلاحظ أنها تهدف إلى تحطيم القدرات القتالية لفصائل الجيش الحر التي لا تستطيع طائرات التحالف ضربها، باعتبار أنها تمثل - نظريًّا - «الطرف الصديق»، فلا هي تنتمي لتحالف النظام الذي «تزعم» أمريكا استهدافه، ولا تنتمي كذلك للتنظيمات التي تصنفها أمريكا «إرهابية» وتستبيح ضربها بذريعة محاربة الإرهاب.
هل هو دور تكاملي إذنْ بين أمريكا وروسيا: تضرب إحداهما فصائل الجيش الحر وتضرب الثانية الفصائل الإسلامية؟ ربما، فإن من شأن تحالف من هذا النوع أن يصيب القوى الثورية بأضرار كبيرة، ولعلهم يرجون أن تصل على إثره إلى درجة من الضعف ترغمها على الاستسلام لشروط الحل السياسي المطلوب.
بل ربما كان هذا هو الهدف النهائي من دفع روسيا إلى التدخل المباشر في سوريا. حتى الآن لا نجد أي دليل ينقض هذا الاستنتاج، بل نجد ما يدل على ترحيب غربي ودولي بالتدخل الروسي، ونجد ما يدل على وجود تنسيق في العمليات الجوية بين الطرفين. ومن المعروف بداهةً أن الحركة الجوية في أي سماء لا بد من خضوعها لغرفة عمليات موحدة تفاديًا للحوادث الجوية، فإذا ما طارت في الأجواء طيارات تابعة لأطراف متعددة لا تنسيق بينها فإن مظنة اصطدام تلك الطيارات معًا مرتفعة، بل تكاد تكون متحققة.
(4)
السؤال الأخير الذي ينشأ عن التدخل الروسي المباشر هو عن علاقته بإيران، فهل تم بالتفاهم المسبق بين الطرفين أم أنه جاء رغمًا عن الإيرانيين؟ وهل يمكن أن يكون الأسد هو من طلب تدخل الروس لموازنة النفوذ الإيراني والحد منه كما يشاع؟

التعليل الأخير كتبه «كريستوفر رويتر» في مقالة نشرها في مجلة «دير شبيغل» الألمانية في السادس من أكتوبر الماضي وقال فيها إن التدخل الروسي هو محاولة من الأسد للهروب من الهيمنة الإيرانية التي وصلت لدرجة عزل قائد الحرس الجمهوري، ما جعل الأسد رهينةً للحماية الإيرانية المباشرة. ونقل كاتب المقالة عن دبلوماسي روسي يعمل في السفارة الروسية في دمشق أن الأسد وأركان حكمه خائفون من الإيرانيين ومستاؤون من غطرستهم، ولم يعودوا واثقين من الإيرانيين الذين صاروا يتدخلون في أدق تفاصيل العمليات العسكرية ويتحكمون في القرار السوري.
لا أحد يستطيع الجزم بصحة الخبر الذي نشرته المجلة الألمانية، لكن يمكننا تأكيد وجود درجة عالية من التذمر في أوساط العلويين الذين بدؤوا يضجون من تسلط الشيعة الإيرانيين عليهم والتعامل معهم بفوقية وعجرفة، بالاشتراك مع حلفائهم من «حزب الله» اللبناني الذي يمارس التسلط والتكبر نفسه على عناصر قوات الأسد. كما يمكننا أن نؤكد وجود بعض التعارض بين مصالح الطرفين وصولًا إلى محاولة النظام «التمرد» على الوصاية الإيرانية، وقد ظهر هذا الصراع الخفي جليًّا أثناء مفاوضات الزبداني التي عقدت في تركيا بين الإيرانيين وحركة أحرار الشام، حيث حرص النظام على خرق الهدنة باستمرار، وأحرج الإيرانيين عندما رفض التجاوب مع طلباتهم التي شملت وقف القصف على بعض المناطق وإطلاق أعداد من المعتقلين.
برغم كل ما سبق فإن الواقع الميداني ينفي أي احتمال لإمكانية دخول الروس إلى سوريا دون موافقة ودعم إيرانيين. في نهاية الأمر فإن الإمدادات العسكرية التي يتلقاها النظام من روسيا تمر غالبًا عبر المجال الجوي الإيراني، ثم إن العمليات العسكرية على الأرض تتم بمشاركة الطرفين، وبتكامل واضح بين الأعمال العسكرية الأرضية التي يحمل الإيرانيون مع حليفهم اللبناني العبء الأكبر فيها، والأعمال العسكرية الجوية التي تتحمل روسيا النصيب الأوفر منها منذ نهاية سبتمبر الماضي.
من الصعب تصور التدخل الروسي في سوريا دون التنسيق مع إيران التي صارت - منذ وقت طويل - صاحبة الرأي والأمر والنهي في سوريا، لكن يسعنا أن نتصور شيئًا من التنافس والصراع المحدود على النفوذ بين القوتين، ولعل حادثة مقتل العميد حسين همداني، القيادي في الحرس الثوري الإيراني، تأتي في هذا السياق. ربما تنازعت القوتان الروسية والإيرانية على القيادة، فإيران ستعتبر أنها صاحبة الحق من «منظور كمي»، أي بالنظر إلى حجم مساهمتها في العمليات العسكرية وحجم القوى البشرية التي تخضع لسيطرتها على الأرض، فيما ستعتبر روسيا نفسها صاحبة الحق من «منظور نوعي»، باعتبار أن التدخل الروسي هو المرجح بسبب نوعية الأسلحة والخبرات.

إن التنافس بين الدولتين على القيادة والنفوذ مفهوم في هذا السياق، ولكن يصعب تصور وصوله إلى مستوى التنازع والقطيعة، ومن هنا أميل إلى نفي الخبر الذي نقلته وكالة «آكي» الإيطالية للأنباء بعد بداية التدخل الروسي بوقت قصير عن مصادر دبلوماسية أوربية رفيعة المستوى، حيث قالت تلك المصادر إن روسيا «أخرجت إيران من غرفة عمليات النظام السوري بشكل كامل». ولو كان لهذا الخبر أصل فإنه سيكون غالبًا بهذه الصورة: «رفضت روسيا أن تكون قواتها تحت تصرف غرفة العمليات التي تقودها إيران، وأصرت أن تكون هي الطرف المسؤول عن إدارة تلك الغرفة فيما تبقى الأطراف الثلاثة الأخرى تحت تلك القيادة: النظام وإيران وحزب الله اللبناني».
(5)
أين تتفق إيران مع روسيا وأين تختلف؟ مهما تكن طبيعة العلاقة الآنية بين الطرفين فإن من المحقق أن كلًا منهما سيبقى حريصًا على مصالحه الإستراتيجية في سوريا، وقد رأينا في جزء سابق من هذه المقالة أن المصالح الروسية تبقى محدودة مهما اتسعت، وأن روسيا تحقق مصالحها من خلال استمرار الهيمنة العلوية على الجيش والأمن ومفاصل الدولة السورية، فماذا عن إيران؟
إيران لها وضع مختلف، فإن مصالحها أكبر من ذلك بكثير، ولعل هذا هو السبب في التفاوت الهائل بين الدعم الذي قدمته روسيا للنظام الأسدي خلال السنوات الخمس الأخيرة والدعم الذي قدمته له إيران في الفترة نفسها. إن إيران ما تزال حتى الآن هي صاحبة الثقل الأكبر في سوريا، سواء من حيث الدعم المالي الضخم الذي جعل سوريا مصرفًا رئيسيًّا من مصارف الميزانية العامة لإيران واستهلك مليارات الدولارات خلال سنوات الثورة الخمس، أو من حيث الدعم البشري الهائل الذي عوض النقص الكبير في قدرات الجيش السوري القتالية، بعد خسائر وإصابات وانشقاقات كبيرة أصيب بها جيش الأسد بسبب القتال الطويل.
لقد كانت إيران سخيةً للغاية في دعمها للنظام العلوي الأسدي في سوريا، وسوف تستمر كذلك مهما بلغ العبء لأن مصالحها في سوريا غير محدودة، فهي لا تريد مزايا اقتصادية ولا قواعد عسكرية، إنها تريد أن تصبح سوريا جزءًا من الإمبراطورية الفارسية الجديدة.
عندما بدأت الثورة كان على إيران أن تتحرك على الفور لحماية مشروعها الكبير من الانهيار، وقد فعلت، فخصصت جزءًا من دخلها القومي للصرف على معركتها المفصلية في الشام، وقدمت للنظام كل أنواع الدعم بلا حساب: الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري والمليشياتي والخبراتي، وهكذا صارت إيران هي «العمود الفقري» الذي اعتمد عليه نظام الأسد، وصارت هي العمق الإستراتيجي لهذا النظام المتهالك الذي ما كان له أن يستمر بالحياة لولا هذا الدعم الهائل.
بقي أن نذكر أن إيران لم تبدأ بلعب دورها الخبيث في سوريا مع بداية الثورة، بل سبقتها بسنوات، حيث بدأت بالزحف الصامت على محورين رئيسيين: الأول هو نشر التشيع في أوساط العلويين والسنة على السواء، والثاني هو شراء العقارات والأراضي في دمشق وفي بعض المناطق السورية الأخرى، ويبدو أن الهدف النهائي لإيران كان وما يزال هو السيطرة على سوريا بالكامل وضمها إلى الإمبراطورية الفارسية الآخذة بالتوسع، حيث نجحت في ابتلاع العراق، وسيطرت على لبنان، وتوغلت في اليمن، وأوشكت أن تأكل البحرين، وهي تجهز حاليًا طبخة الكويت على نار هادئة، ولن يبقى بعدها إلا المملكة العربية السعودية، الهدف النهائي الكبير. حماها الله من الغدر والمكر الإيراني، وحمى سوريا وسائر بلدان المسلمين.


---------------------------------

عبدالناصر محمود
02-14-2016, 08:50 AM
الدور التركي في سوريا ومنعطف الإجرام الروسي
ــــــــــــــــــــــــــ

(ياسر غسان النجار)
ــــــــــ

5 / 5 / 1437 هــ
14 / 2 / 2016 م
ـــــــــــ

https://scontent-cai1-1.xx.fbcdn.net/hphotos-xtp1/v/t1.0-9/12717710_1002056599874941_7594446799717652567_n.jp g?oh=640128e7631b4d21d7758217f849f12c&oe=576DAF77

قبل نحو خمسة أعوام ومع بدايات تفجر الثورة السورية حرصت تركيا منذ البداية على التواصل مع النظام لإقناعه بضرورة التعامل مع الثورة بطريقة إيجابية، وكان ذلك عبر زيارة وزير خارجيتها آنذاك رئيس الحكومة الحالي السيد داود أوغلو، حيث التقى بشار الأسد في أغسطس 2011م.
قدم أوغلو النصائح لبشار لامتصاص النقمة الشعبية وتلبية مطالب المتظاهرين والتحول عبر آليات ديمقراطية وبشكل تدريجي، ولكن النظام أدرك حينها أن أي إصلاح يقتضي بالضرورة انهيار منظومة الحكم والبدء بالعد العكسي لانهيار دكتاتورية استمرت أربعين عامًا وقامت على سياسة الإفساد وضمنت الحفاظ على استمرار الحكم الدكتاتوري من خلال ضمان مصالح بعض الأقليات بجوار الأسرة الفاسدة التي تدير البلاد.
وعلى إثر تمادي النظام في المجازر جنوبًا في درعا، ثم التوسع على المساحة الجغرافية في سوريا؛ كان على الحكومة التركية الاعتراف باستحالة عودة الأمور إلى ما كانت عليه، وعدم قدرة النظام على إصلاح بنيته؛ الأمر الذي جعل أنقرة تتخذ قرارها بالوقوف بشكل مباشر لدعم الثورة واحتواء كوادرها على كافة المستويات، بدايةً من المعارضة السياسية والعسكرية التي اتخذت من تركيا مكانًا آمنًا تتواجد فيه بعيدًا عن غدر النظام ويده الطولى آنذاك.
تركيا ودعم المعارضة
أخذ الدعم التركي في نهاية الأمر شكلًا انعكس بشكل إيجابي على الثورة من خلال فتح المجال للقاءات المعارضة بكافة أطيافها وتوجهاتها، وصولًا إلى فتح مخيمات اللاجئين وتقديم المساعدات اللازمة لهم بدون أي مناصرة من المنظمات الدولية، وكان المجلس الوطني ابتداءً ممثلًا للمعارضة السورية ثم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة كلاهما كان مقره في إسطنبول، وبعد أن تشكلت الحكومة السورية المؤقتة وهي الذراع التنفيذية للائتلاف سهلت له الحكومة التركية فتح مكاتب لوزارته في جنوب تركيا بالقرب من الحدود السورية في مدينة «غازي عنتاب».
بدأت المعارضة السورية تنظم أمرها منذ بداية الثورة وبشكل متصاعد على مستوى كسب التأييد الدولي للثورة السورية، وتجلى ذلك عندما استطاعت أن تحاصر النظام السوري سياسيًّا على أكثر من صعيد، فعلى صعيد الجامعة العربية تم تعليق مشاركة النظام كممثل لسوريا في الجامعة العربية وسحبت شرعيته وعلى المستوى العالمي، تجلى ذلك بتشكيل ما يعرف بدول أصدقاء الشعب السوري واعترافهم بالائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، حيث بلغ عدد الدول المعترفة به 114 دولة حاصرت النظام السوري سياسيًا وسحبت أي اعتراف به.
وعلى الصعيد الإنساني، كانت المسؤوليات كبيرة وأشدها وقعًا كان على دول الجوار، التي فتحت أبوابها لاستقبال اللاجئين السوريين، ووصل الأمر إلى أعداد كبيرة مسجلة من خلال منظمة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد تجاوز العدد أربعة ملايين لاجئ، وكانت الحصة الأكبر من نصيب تركيا.
احتواء المعارضة المسلحة
أما من الناحية العسكرية فقد تقلصت المساحة التي يسيطر عليها النظام لتصل إلى أقل من الخمس مقابل أربعة أخماس خارجة عن سيطرته، ولم يعد للنظام أية سيطرة على المنافذ الحدودية فيما عدا لبنان، نحن إذن نتكلم عن نظام محاصر ومقطوع عن العالم الخارجي فيما عدا الاتصال عبر الجو أو من خلال البحر.
وهنا تجلى الدعم التركي حيث كان لتركيا دور مهم بسبب البعد الجغرافي، حيث تم تشكيل غرفة الدعم العسكري ما يعرف بـ«الموم»، والتي تشكلت من خلال دول «الكور» (تركيا - السعودية - قطر - أميركا - فرنسا) التي قررت مواجهة مجازر بشار بتقديم ذخيرة الأسلحة الفردية والسلاح الخفيف، فقد كانت إستراتيجية تلك الدول تمكين الثوار بحيث يستطيعون حماية أنفسهم ولم يكن القرار إيجاد دعم عسكري نوعي يسهم في قلب معادلة القوة على الأرض، ولكن ومع ذلك كان الثوار ومن خلال إمكانياتهم البسيطة يتقدمون على الأرض وبسبب الانشقاقات في صفوف الجيش؛ الأمر الذي ساهم في بناء تشكيلات مسلحة حرصت تركيا أن تتعامل معها من خلال تشكيلات تجمعهم في البداية، فكانت قيادة المنطقة الشمالية وصولًا إلى تشكيلات ما يسمى بغرف عمليات لمعارك بعينها، وقد استطاعت تركيا معرفة وفهم تلك التنظيمات في المناطق الشمالية بشكل كبير، ما سمح لها في الفترة الأخيرة التأثير بشكل إيجابي في تخفيف الخلافات البينية ونصحهم بتشكيل قيادات مشتركة.
تركيا والأزمات الداخلية
كانت تركيا تحرص على مراقبة الأجواء المجاورة لحدودها الجنوبية، وخصوصًا عندما بدأت الفصائل الكردية من قوات YPG – PYD تنشط في المناطق الشمالية السورية على الحدود التركية وتعرف تركيا مدى ارتباط هذه التنظيمات بفصيل PKK الذي كان يقوم بعمليات تمرد سابقًا قبل اتفاقية السلام بين التنظيم والحكومة التركية، حيث تم تحقيق مطالبه المتعلقة بالخصوصية الثقافية للأكراد وخصوصية اللغة، ولكن الحكومة التركية كانت دائمًا تخشى ضرب هذه الاتفاقية من خلال عبث أطراف خارجية تستطيع أن تجر التنظيم من جديد لحالة الصدام مع الحكومة التركية.
الموقف التركي من التدخل العسكري الروسي
شعر الروس بالخطر من سقوط الأسد بعد هزائمه المتتالية على مختلف الجبهات وفي مقدمها دمشق وحلب وإدلب، وقد فشلت إيران وحزب الله أيضًا في التصدي للمقاومة، فقرر الروس إنقاذ الحليف القديم والنزول إلى الميدان بقوات جوية مكثفة بالترافق مع وحدات برية خاصة.
وقد أزعجت تلك التحركات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأخرجته عن صمته، فكان أول رد فعل له أن أدلى بتصريحات أكد فيها أن موسكو ترتكب خطأ جسيمًا بتدخلها في سوريا لدعم نظام الأسد متهمًا الأخير بقتل 350 ألف سوري وممارسة إرهاب الدولة، مستنكرًا استهدف سلاح الجو الروسي فصائل المعارضة السورية المناهضة للأسد ولتنظيم داعش.
كما تساءل أردوغان في مقابلة مع «الجزيرة» عن سر اهتمام روسيا بسوريا، في الوقت الذي تتحمل فيه تركيا ودول أخرى العبء الأكبر من تداعيات الأزمة السورية، لاسيما في ما يتعلق باللاجئين، بينما تقوم موسكو بتأجيج نار الحرب بعد أن كادت تضع أوزارها بهزيمة النظام وداعميه القريبين.
وترى أنقرة أن التدخل الروسي في مؤداه إدخال لاعبين جدد، ما سيسهم في إطالة أمد الصراع في المنطقة عمومًا واستنزاف الموارد والثروات، وهي تتوقع أن ينعكس ذلك على الدولة السورية من خلال أسوأ السيناريوهات وعلى رأسها تقسيم الأراضي السورية واستبعاد الحل السياسي.
كما أن التصعيد الروسي وتغير المواقف الدولية سيزيد من تعقيد القضية السورية ويحولها إلى ساحة صراع دولي تقوده القوى العظمى والقوى الإقليمية دفاعًا عن مصالحها حتى ولو كان ذلك على حساب معاناة السوريين الذين بدأت تمتلئ بهم دول الاتحاد الأوربي.
البعد الديني في التدخل الروسي
وظفت موسكو الكنيسة الأرثوذكسية لمنح غطاء ديني لقتل السوريين، حيث نقلت وكالة «إنترفاكس» عن «فسيفولود تشابلن» رئيس قسم الشؤون العامة في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أن «القتال ضد الإرهاب هو معركة مقدسة اليوم، وربما تكون بلادنا هي القوة الأنشط في العالم التي تقاتله».
كل ذلك له مدلول تاريخي، فباستحضار السياق التاريخي بين الدولة العثمانية والقيصرية الروسية نجد أن الصراع الحالي له خلفية دينية، وتوصيفه على أنه حرب مقدسة لا شك له اعتبارات لدى الدولة التركية.
ونجمل فيما يلي الآثار المتوقعة لذلك التدخل:
- تفاقم أزمة اللجوء.
- التمهيد لتقسيم سوريا.
- بداية تبلور طرفي صراع دولي حول القضية السورية.
- تغييب الحل السياسي باعتماد الحل العسكري.
- إعادة إنتاج أدوات الصراع الديني في الخطاب السياسي.
- الاصطفاف الدولي لدعم إرهاب الأسد سيؤدي إلى توحيد مواقف المعارضة.
- تحويل سوريا إلى ساحة جاذبة لعناصر الصراع الديني من جميع دول العالم.
تركيا ومعركة المشروع الكردي (كوباني)
كانت معركة عين العرب (كوباني) هي مؤشر الخطر الذي وجدته الحكومة التركية للتنبه من عودة التنظيم عن اتفاقاته وبداية التفكير من جديد بحلم الانفصال والذي غيب لفترة نتيجة لاتفاق السلام مع الحكومة التركية.
شاركت قوات التحالف بقيادة أمريكا بدعم القوات الكردية على الأرض بعد أن تم رفع اسم التنظيم PKK من قوائم الإرهاب.
بدأ التنظيم يتحضر لضرب اتفاقية السلام برغم ما حققته له من مطالب كان آخرها مشاركته عبر حزب سياسي HDP في الانتخابات وحصوله على عدد أصوات يسمح له بالمشاركة في البرلمان للمرة الأولى، لكن هذا الحزب وبسبب ارتباطاته بدول تستطيع أن تضغط من خلاله على الواقع الداخلي في تركيا وتتسبب بضغط على الحكومة فقد كان ذلك.
لقد أريد لتركيا أن تنشغل عن التطورات التي تحصل في المنطقة وخصوصًا بعد الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي، وذلك من خلال مشاكل وقلاقل داخلية تتسبب في استحالة تشكيل الحكومة بشكل مستقر كما كان سابقًا، وفتح الباب من جديد على الصراع الكردي مع الدولة التركية من جديد من خلال جر تنظيم PKK إلى صراع عسكري يصادر فيه التنظيم القرار السياسي للشارع الكردي، ويقوم بفرض الأمر الواقع من خلال إشعال إقليم جنوب شرق تركيا تلبية لإملاءات ومصالح بعض الدول أهمها إيران؛ لإشغال تركيا بمشاكل داخلية تحجبها عن محيطها خارج الحدود وخصوصًا سوريا التي أريد إضعاف معارضتها السياسية والضغط عليها من أجل القبول بأي حل يقدم لها، وذلك عبر الانفراد بالمعارضة بعد إشغال الدول التي تناصر الثورة بمشاكل داخلية تشغلهم عن الملف السوري حيث كانت إيران تعبث في اللحظة نفسها في اليمن على الحدود الجنوبية للملكة العربية السعودية، ويكون بذلك قد تم إشغال أكبر دولتين تدعمان الثورة السورية وهما السعودية وتركيا.
محاولات تفجير أزمات داخلية في تركيا والسعودية
بعد كل ما سبق من أدوار إيجابية للدولة التركية إزاء شعب سوريا لم ينصت «المجتمع الدولي» إلى أنقرة في إيجاد «المناطق الآمنة»، والتي رأت فيها حلًا لقضية اللاجئين وتمكين المعارضة السورية من الدخول إلى الأراضي المحررة.
لقد سعت تركيا إلى إقناع الغرب وأمريكا بنجاعة هذا الحل في إقامة منطقة تسهم في إيواء اللاجئين وتوفر حاضنة مجتمعية للمعارضة من خلال إنجاح مؤسساتها وإفساح المجال للمجتمع المدني والهيئات الإغاثية بمباشرة دورها في منطقة تأمن فيها استمرار عملها وبشكل دائم ومستقر.
لكن هذا الأمر لم يرق لحلفاء الأسد وبحجة أن الأمر يحتاج إلى قرار من الأمم المتحدة! في حين أن روسيا اقتحمت المنطقة بقوات جوية وبرية، والولايات المتحدة شكلت من قبل حلفًا لمحاربة ما يسمونه الإرهاب، كل ذلك لم يخرج بقرارات أممية.
ونجحت الأصابع الخفية في محاولة إلهاء تركيا والسعودية عن دورهما المساند للشعب السوري، فتم إشغال تركيا بقلاقل داخلية من خلال تحريك حزب العمال الكردستاني PKK وأثر ذلك على الاقتصاد التركي والانتخابات وقضية تشكيل حكومة جديدة، وانشغلت الدولة التركية عما يحدث من مؤامرات في إطار الحل السياسي للقضية السورية، وكذلك السعودية من خلال تحريك عملاء إيران من الحوثيين وخلق قلاقل للمملكة على حدودها الجنوبية، ليتم تنفيذ مؤامرة الأسد في تهجير المواطن السوري وتحويله إلى لاجئ.
أما إيران فلن تكتفي في إشغال المنطقة بنزاعات من خلال أماكن محدودة وإنما هي حريصة كذلك على تحقيق مشروعها الذي لم يعد خافيًا على أحد، وإن تُرك المجال لها بالعبث في سوريا بالتآمر مع الشرق والغرب فسيفتح لها المجال للانتقال إلى مكان آخر من جديد إذا كتب لها النجاح لا قدر الله في سوريا.

-----------------------------

عبدالناصر محمود
02-15-2016, 08:36 AM
وصايا بطرس الأكبر ودورها في بقاء روسيا
ـــــــــــــــــــــــ

(محمد الأمين مقراوي الوغليسي)
ــــــــــــــــ

6 / 5 / 1437 هـ
15 / 2 / 2016 م
ـــــــــــ

https://scontent-cai1-1.xx.fbcdn.net/hphotos-xtp1/v/t1.0-9/12717710_1002056599874941_7594446799717652567_n.jp g?oh=640128e7631b4d21d7758217f849f12c&oe=576DAF77




هي وصايا شهيرة ومهمة، يقف القارئ من خلالها على الإستراتيجية الروسية القائمة على استدامة الحرب، من أجل إضعاف الدول المحيطة بها. وضعها بطرس العظيم، وهو خامس قياصرة روسيا، وأعظم من حكموها عبر كل تاريخها، ولد سنة 1672م، وتسلم الحكم سنة 1696م، وحكم روسيا حوالي 30 سنة. عرف عنه الذكاء الشديد، والقسوة وروح الانتقام، ويحسب له أنه أول من حول روسيا من القيصرية إلى الإمبراطورية، وقد شن حروبًا كثيرة، كما قاد زيارات إلى أوربا لتحريضها ضد الخلافة العثمانية، التي شن حروبًا متواصلة ضدها لإسقاطها، كما أجرى إصلاحات كثيرة ومصيرية في نظام الحكم جعلت روسيا تستمر إلى اليوم ولم تتفكك برغم ضمها عرقيات كثيرة ومتناقضة.
وقد تم تحقيق أغلب الوصايا التي أوصى بها حتى إن السياسة الروسية لم تحد عن هذه الوصايا إلى اليوم، وما الأحداث الأخيرة التي وقعت خلال العقود الثلاثة إلا دليل ظاهر على ذلك، فعلى سبيل المثال: هاجم الأرمن أذربيجان بتحريض من الروس، واحتلوا «ناغورني قره باخ»، وفي جورجيا احتلوا أوسيتيا الجنوبية، ولم توقع روسيا حتى الآن على إنهاء الحرب العالمية الثانية مع اليابان بسبب احتلالها لجزر الكوريل، كما احتلت شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا العام الماضي، وكذلك تهديدها لدول البلطيق واختراق أجوائها وحدودها، واختراق مياه السويد، وتهديد فنلندا، وإثارة النزاعات في أوربا، والهجوم على سوريا، واعتماد إستراتيجية الدبلوماسية العسكرية، وتصريح الكنيسة الروسية أن روسيا يجب أن تكون روما الثالثة ومحج المسيحيين بالعالم.
كل ذلك أمثلة تجد مستندها في وصايا بطرس الأكبر أو بيتر العظيم، الذي يفتخر الروس به ويقدسون وصاياه.
فما هي وصاياه التي حض حكام روسيا على انتهاجها لاستمرار روسيا كقوة عظيمة؟ وهل يمكن قراءة الروس من خلالها؟

المادة الأولى:
-------

من الضروري أن تعتاد العساكر على الحرب والقتال دائمًا، وينبغي على الأمة الروسية أن تكون على أهبة الاستعداد في حالة الحرب لكي تكون يقظة، وترك وقت لراحة العساكر من أجل إصلاح الشؤون المالية، مع تنظيم العساكر باستمرار لتحين الوقت المناسب للهجوم، وعلى هذه الصورة ينبغي على روسيا أن تستفيد من وقت الصلح والأمان في زيادة مؤنها وتوسيع مجال منافعها فتتخذ من الصلح وسيلة للحرب.

المادة الثانية:
---------

ينبغي اتخاذ جميع الوسائل الممكنة في وقت الحرب كالاستعانة بضباط الجنود من بين الملل والأقوام الذين هم أكثر تقدمًا في أوربا، كما ينبغي تنفيذ ذلك على سائر الممالك لتحسين الأوضاع بها.

المادة الثالثة:
-----------

ينبغي التدخل في مجريات الأمور والأوضاع في أوربا كلما لاحت الفرصة، كما ينبغي التدخل في الخلافات والمنازعات الجارية بها، وخاصة ما يجري في ألمانيا القريبة منا للاستفادة من ذلك مباشرة.

المادة الرابعة:
------------

ينبغي استعمال الرشوة لإلقاء الفتنة والفساد وإثارة الاضطرابات الداخلية في بولونيا، واستمالة أعيانها عن طريق تقديم الأموال لهم، والعمل على السيطرة على مجلس الحكومة، حتى يمكن التدخل في انتخاب الملك وبعد حصول من هو من أنصار روسيا على الملك ينبغي دخول عساكر روسيا إلى بولونيا بحجة حمايتها، مع الاهتمام بإقامة العساكر هناك فترة طويلة. وإذا حدث تنافس من دولة مجاورة، فالواجب يقتضي تقسيم النفوذ حرصًا على إخماد نار الفتن والقلاقل مؤقتًا، وتحين الفرصة لاسترجاع النفوذ لروسيا كاملًا.

المادة الخامسة:
------------

ينبغي الاستيلاء على بعض مناطق السويد بقدر الإمكان، ثم نسعى بعد ذلك لاغتنام الفرصة للاستيلاء على الباقي. ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق استفزاز السويد لمهاجمة روسيا. وعلينا أن نزرع بذور الفتنة والفساد والخلاف بين السويد والدنمارك على الدوام لتحقيق الفرقة بينهما.

المادة السادسة:
-------------

يجب على أسرة الإمبراطورية الروسية أن يتزوج أفرادها من بنات العائلة الملكية الألمانية لتقوية الروابط مع ألمانيا، تمهيدًا لزيادة النفوذ فيها واستغلال ذلك لمصلحة روسيا.

المادة السابعة:
-----------

تعتبر إنجلترا أكثر الدول احتياجًا إلينا في الأمور البحرية، ولهذه الدولة أيضًا نفع كبير في زيادة قوتنا البحرية، ومن الضروري الاتفاق معها في أمور التجارة وتفضيلها في ذلك على سائر الدول، وبيع إنتاج بلادنا من الأخشاب وسائر الأشياء إلى إنجلترا، وشراء الذهب منها، وينبغي تقوية الروابط التجارية بين البلدين لترويج التجارة والملاحة البحرية في بلادنا.

المادة الثامنة:
-----------

على الروس أن ينتشروا شمالًا على سواحل بحر البلطيق وجنوبًا على سواحل البحر الأسود يومًا فيومًا.

المادة التاسعة:
-----------

ينبغي الاقتراب بقدر الإمكان من إستانبول والهند، ولأن من يحكم إستانبول يستطيع أن يحكم العالم بأسره، فلذلك ينبغي إعلان الحرب باستمرار على الدولة العثمانية تارة وعلى بلاد فارس تارة أخرى، ومن الضروري السيطرة على البحر الأسود شيئًا فشيئًا، لإنشاء دار للصناعات البحرية عليه، والاستيلاء على البلطيق أيضًا لأنه من ألزم الضروريات للوصول إلى المقصود. وينبغي العمل بسرعة على إضعاف إيران بل إزالتها من الوجود لكي يسهل علينا الوصول إلى خليج البصرة، ومن الممكن إعادة تجارة الممالك الشرقية القديمة إلى بلاد الشام للوصول إلى بلاد الهند التي تعد بمثابة مخزن للعالم وبهذا نستغني عن ذهب إنجلترا.

المادة العاشرة:
------------

ينبغي العمل على عقد اتفاقيات صداقة واتحاد مع النمسا، وتشجيعها على التدخل في ألمانيا وعلى زيادة نفوذها فيها في الظاهر، أما في الباطن فيقتضي الأمر منا أن نزرع بذور الشك والعداوة بين النمسا وألمانيا، لدفع كل منهما لطلب العون والمدد من روسيا حتى يمكن التغلب عليهما في المستقبل.

المادة الحادية عشرة:
--------------

ينبغي تحريض العائلة المالكة في النمسا على طرد الأتراك من الروملي [الأراضي العثمانية في أوربا]، وعندما نستولي على إستانبول علينا أن نسلط دول أوربا القديمة على دولة النمسا لمحاربتها، أو نعمل على تسكين حقدها وحسدها لنا بإعطائها جزءًا صغيرًا مما نكون قد استولينا عليه، ثم نسعى بعد ذلك لنزع ما أعطيناه لها.

المادة الثانية عشرة:
-------------

ينبغي أن نستميل جميع المسيحيين الذين هم من مذهب الروم (الكاثوليك) المنكرين رياسة البابا الروحية والمنتشرين في بلاد المجر والممالك العثمانية وفي جنوب بولونيا، ونجعلهم يتخذون من روسيا مرجعًا لهم وملاذًا، ونقيم لهم في بلادنا رياسة مذهبية تجمعهم حتى نتمكن من توطيد نفوذنا وسيطرتنا على أعدائنا.

المادة الثالثة عشرة:
--------------

حينما يصبح السويديون مشتتين والإيرانيون مغلوبين والبولونيون محكومين والممالك العثمانية مستولى عليها أيضًا، نجمع عساكرنا ومعسكراتنا في مكان واحد مع المحافظة على البحر الأسود وبحر البلطيق عن طريق قواتنا البحرية، ثم نتباحث مع فرنسا في كيفية اقتسام دول العالم فيما بيننا وكذلك نتباحث مع النمسا في الموضوع نفسه على حدة سرًّا. والدولة التي تقبل شروطنا منهما نساعدها على التنكيل بالأخرى. وحينئذ تستولي روسيا على جميع الممالك الشرقية وتكون أعظم دول أوربا تحت سيطرتها، وبهذا يسهل عليها أن تقهر الدولة التي تبقى في الميدان منهما [أي فرنسا والنمسا].

المادة الرابعة عشرة:
------------

على فرص أن كلا الدولتين المشار إليهما لم تقبلا بما عرضته عليهما روسيا، فينبغي على روسيا أن تراقب الموقف حتى يحدث نزاع بين الدولتين، وفي هذه الحالة تنتهز روسيا الفرصة، وتهاجم النمسا بجنود كثيرة، ثم تهجم السفن الروسية على سواحل فرنسا، في الوقت الذي تكون فيه النمسا مشغولة بأحوالها، وبهذا يمكن التغلب على القوتين الموجودتين في أوربا [فرنسا والنمسا]، أما ما يتبقى من الدول الأوربية فإنه يدخل طواعية تحت نفوذ روسيا وبهذا تتم السيطرة على أوربا.


---------------------------------

عبدالناصر محمود
02-15-2016, 08:45 AM
روسيا والمسلمون: حملات الإبادة وملف المجازر
ــــــــــــــــــــــــ

(شعبان عبد الرحمن)
ـــــــــــ

6 / 5 / 14437 هــ
15 / 2 / 2016 م
ـــــــــــ

https://scontent-cai1-1.xx.fbcdn.net/hphotos-xtp1/v/t1.0-9/12717710_1002056599874941_7594446799717652567_n.jp g?oh=640128e7631b4d21d7758217f849f12c&oe=576DAF77




لن ينسى العالم صورة بطريرك الأرثوذكس الروسي وهو يبارك أول فوج من القوات الروسية المتوجهة إلي سوريا ليعلن للعالم أنها حرب روسية صليبية بامتياز.
ما تقوم به روسيا اليوم في سوريا ليس غريبًا علي من يتابع جرائمها منذ القرن الثامن عشر مع الإسلام والمسلمين، فهو تاريخ مليء بالحروب وحملات الإبادة.
في مطلع القرن الرابع عشر الميلادي برزت على الساحة الدولية الإمبراطورية القيصرية الروسية في الوقت نفسه الذي برزت فيه الإمبراطورية العثمانية، ولم ينتصف القرن الرابع عشر الميلادي حتى بات العثمانيون والقياصرة يخوضان صراعًا مريرًا لصياغة تاريخ المنطقة.
في القرن الثامن عشر الميلادي خاض المسلمون جهادًا مريرًا ضد الإمبراطورية القيصرية لكنها تغلبت عليهم وشنت حملات إبادة غير مسبوقة، ثم فرضت عليهم التنصير القسري واللغة السلافية بدلًا من اللغات العربية والتركية والفارسية.
الهزيمة التي منيت بها الإمبراطورية القيصرية على يد اليابانيين مثلت ضربة قاصمة مهدت الطريق لسقوط الإمبراطورية القيصرية، وشارك المسلمون بثورة جديدة لإسقاطها، لكن الثورة الشيوعية عام 1917م قطفت كل الثمار وواصلت حملات الإبادة ضد المسلمين.
برغم مساعدة المسلمين لها احتلت الثورة البلشفية عبر الاتحاد السوفيتي ست جمهوريات إسلامية وشنت حروبًا لا هوادة فيها ضد المسلمين ودينهم.
الشيخ عبدالله نوري - رحمه الله - أحد قادة الصحوة الإسلامية في أوزبكستان: لم نيأس وواصلنا تعليم الأجيال الإسلام في المدارس السرية.
د. «دونا آرتز» أستاذة القانون بجامعة «إيمورى أتلانتا»: لقد تعرض المسلمون في روسيا دومًا لمحاولات ترويسهم ونزع هويتهم.
تعرض الشعب الشيشاني لأكثر من حملة إبادة مات خلالها نصفه، أما المقاتلون منه فقد جُمعوا في إسطبلات الخيول وسكب عليهم النفط وأُحرقوا أحياء.
الكاتب الروسي «ألكسندر سولجينتسين»: كانت هناك أمة لم تستسلم أبدًا، لم تتطبع مع الحياة العقلية للاستسلام، ولم تكن جماعة من المتمردين، بل كانت أمة بأكملها، وأنا أشير هنا إلى الشيشانيين.
قيام دولة إسلامية مستقلة في تلك المنطقة ذات الموقع الإستراتيجي والمليئة بالثروات يهدد مشاريع الغرب فيها، وإذا سُمح بقيام دولة مستقلة في الشيشان فإن مسلسل قيام الدول المستقلة في القوقاز يهدد روسيا، ويقطع الطريق على التمدد الغربي هناك، ويشكل قوة داعمة ومساندة للمسلمين في المنطقة كلها.
تدعم الصين من بعيد هذا التحالف ضد الإسلام والصحوة الإسلامية خوفًا من تلاحم الصحوة الإسلامية في دول الاتحاد السوفيتي القديم مع صحوة المسلمين في سينكيانج (تركستان الشرقية).
في عام 1991م بدأ الأمريكيون يتحدثون لأول مرة بصراحة عن أن القوقاز منطقة مصالح لهم.
فجأة وجدنا الجيش الروسي يقود حرب الإبادة ضد الشعب السوري المسلم (95% سنة) جنبًا إلي جنب مع قوات بشار الأسد والقوات الإيرانية ومليشيات حزب الله، وقد اختفت من سماء سوريا طائرات البراميل التابعة للنظام المجرم لتحل محلها الطائرات الروسية المقاتلة لتكمل دمار ما بقي من سوريا وتواصل تشريد وقتل من تبقى من شعبها بصورة يتفجر منها الحقد الأعمى. ولن ينس العالم صورة بطريرك الأرثوذكس الروسي وهو يبارك أول فوج من القوات الروسية المتوجهة إلي سوريا ليعلن للعالم أنها حرب روسية صليبية بامتياز علي شعب مسلم كل جريمته أنه قام ليطالب بحقه في الحياة.
ولم يكن الأمر غريبًا علي من تابع تاريخ روسيا منذ قرون مع الإسلام والمسلمين، فهو تاريخ غارق في دماء المسلمين، وملف متخم بالمجازر وحملات الإبادة والاستيلاء علي أراضيهم منذ القياصرة مرورًا بالشيوعية، وحتي اليوم ما زالت روسيا تشن حروبها ضد المسلمين في داخلها وعلي الأراضي التي تستولي عليها. هكذا فعلت مع مسلمي القرم ودول القوقاز وأبرزها الشيشان. ولم تتوقف في حربها علي الإسلام والمسلمين داخل حدودها بل علي حدودها القريبة في الجمهوريات الإسلامية الست بآسيا الوسطي: «أذربيجان، أوزبكستان، طاجيكستان، تركمانستان، كازاخستان، قرغيزستان» التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي، بل وعلى حدودها البعيدة في منطقتنا العربية بهدف القضاء على الصحوة الإسلامية ووقف تمددها، وهذا ما حدث في مصر عبدالناصر وسوريا حافظ الأسد عندما كانت تلك الدول ضمن المعسكر الشيوعي أيام الاتحاد السوفييتي، واليوم تواصل جريمتها ضد الشعب المسلم في سوريا.
ولم تمانع روسيا من التعاون وعقد التحالفات مع القوي الاستعمارية حديثًا وقديمًا ضد الإسلام والمسلمين، حتي ولو كان بينها وبين تلك القوي صراعات، ومثال ذلك التحالف الروسي مع الصين ضد المسلمين والصحوة الإسلامية في آسيا الوسطي.. إنه ملف أسود وغارق في دماء المسلمين.
قصة وصول الإسلام إلى روسيا
تتباين الآراء التي تحدد تاريخ وصول الإسلام لروسيا وتؤكد إحدى الروايات أن المسلمين وصلوا إلى هذه البلاد في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 22هـ/ 642م، ففتحوا أذربيجان على يد القائد سراقة بن عمرو، ووصلوا إلى مدينة «دربند» على ساحل بحر قزوين في عمق المنطقة القوقازية، ودخل في الإسلام جميع سكان بلاد «شروان» وجزء من داغستان، وتعتبر قبائل «القوموق» أول من دخل الإسلام وبذلوا الكثير لنشره.
في القرن الثالث عشر الميلادي (القرن السابع الهجري) أصبح المسلمون أصحاب مملكة كبيرة في أواسط آسيا والقوقاز والفولجا أطلق عليها تاريخيًّا مملكة المغول أو التتار، وفي مطلع القرن الرابع عشر الميلادي برزت على الساحة الدولية، الإمبراطورية القيصرية الروسية التي انطلقت من دوقية موسكو في الوقت نفسه الذي برزت فيه الإمبراطورية العثمانية، ولم ينتصف القرن الرابع عشر الميلادي حتى بات العثمانيون والقياصرة يخوضان صراعًا مريرًا لصياغة تاريخ المنطقة.
وفي الوقت الذي بدأت فيه مملكة المغول الإسلامية في الانهيار أخذت الإمبراطورية القيصرية الناشئة تملأ الفراغ الناشئ عن ذلك، لكن الإمبراطورية العثمانية التي كانت فتية في ذلك الوقت نشطت في نشر الدعوة الإسلامية في ممكلة المغول كنوع من التحصين الديني وتحفيز المسلمين فيها على الجهاد ضد الغزاة القياصرة، وبالفعل انتفض المسلمون في أكثر من ثورة ضدهم:
ففي عامي (1705-1706م) ثارت «أستراخان» ضد القيصر «بطرس الأول» الذي قمع ثورتها بشدة وارتكب مذبحة بشعة بحق المسلمين التتار.
وفي الأعوام (1705-1711م) ثار المسلمون في «بشكيريا» إلا أنه - وإن نجحت ثورتهم في بداياتها وطردت الجيش الروسي مؤقتًا - عاد الجيش القيصري (الروسي) وقمعها بشدة.
وفي الفترة (17٥٥-17٣٨م) في عهد الإمبراطورة «تسارينا آنا» دمر الروس (القياصرة) في قازان وحدها 481 مسجدًا ومركزًا دينيًّا من أصل 536 مسجدًا، وشن القياصرة حملات اضطهاد ضد المسلمين التتار في القوقاز وسيبيريا. ويشبه المؤرخون تلك الفترة بفترة التطهير العرقي والديني التي شنها «جوزيف ستالين» في العهد الشيوعي ضد المسلمين.
وقد تنوعت أساليب القهر القيصري ضد المسلمين من إبادة وقمع وتهجير، ثم فرضوا عليهم التنصير القسري. وحظر القانون القيصري اعتناق أي دين غير المسيحية الأرثوذكسية، وتم إحلال اللغة السلافية مكان اللغات العربية والتركية والفارسية التي كانت سائدة هناك في ذلك الوقت، فضلًا عن الإهمال المتعمد للمدن والحواضر الإسلامية حتي تتحول إلي خرائب.
في عهد الإمبراطورة «كاترين الثانية» شنت موسكو (الجيش الروسي القيصري) هجومًا على مناطق القوقاز والقرم بغية احتلالها واشتبكت مع العثمانيين في حروب طاحنة خلال أعوام (1768-1774م) وكان من نتائجها إرغام السلطنة العثمانية على الاعتراف باستقلال مملكة القرم المسلمة عنها.
في العام (1782م) سقطت آخر معاقل المقاومة في القوقاز، واستشهد «الخان شاهين جيراي» لينتهي آخر الخانات (المعاقل أو الإمارات) التتارية.
ثم أكمل القيصر «نيقولا الأول» الحملات العسكرية فهاجم أذربيجان وأخضع داغستان وأجزاء كبيرة من أرمينيا للحكم القيصري المباشر.
في العام ١٨٣٤م اندلعت ثورة الشيخ شامل النقشبندية - وهو من أعظم علماء المسلمين المجاهدين - بدعم سياسي وديني من العثمانيين والتفت حوله قبائل الشراكسة والشيشان، وكل علماء القوقاز والتركستان، وقاد حرب استنزاف في شعاب المنطقة ووديانها وجبالها استمرت ثلاثين عامًا ولم تنته إلا عام ١٨٥٩م حينما انفضت القبائل عن الشيخ المجاهد فوقع في الأسر ومات في السجن.
وبينما توقفت الثورة شن القياصرة حملة وحشية للقضاء على جذور المقاومة وتم التركيز علي الشيشان (موطن الشيخ شامل) حيث يتميز شعبها بقوة العزيمة والشكيمة والإصرار علي المقاومة وكثفوا حملات التنصير بل وفرضوه بالقوة على الناس في الوقت الذي جرت فيه عمليات تخريب كاملة للاقتصاد بتدمير الغابات والزراعات، وفتح القياصرة الباب لهجرة الشيشانيين من بلادهم، تخلصًا منهم فتوجهوا إلى عدد من الدول العربية.
واتجه القياصرة للتركيز في حملاتهم علي منطقة القوقاز بأكملها واستغلت خلال ذلك الصراع صلاتها العرقية (السلافية) والمذهبية (الأرثوذكسية) مع شعوب المنطقة من نفس العرق والمذهب لكسب تأييدهم خلال حروبها ضد المسلمين، وحدث تجاوب معها مما زاد من قوة شوكتها وساعدها على ترسيخ إمبراطوريتها، ومنذ ذلك العهد (القرن التاسع عشر) وهناك تحالف قوي بين القوى الكبرى للحيلولة دون عودة السيادة للمسلمين على أرضهم، وما زال هذا الإصرار ساريًا بين القوى الكبرى جميعًا حتى اليوم.
الثورة البلشفية
لكن الهزيمة التي منيت بها الإمبراطورية القيصرية على يد اليابانيين مثلت ضربة قاصمة لها مهدت الطريق لسقوط القيصرية، وبدأ الضعف يدب في أركان هذه الإمبراطورية ووجد المسلمون فرصتهم لإسقاطها تمامًا فانطلقت انتفاضات شعبية غاضبة وتفجرت ثورة عام 1905م وقد حرك ذلك كله ممارسات القيصرية الشريرة، فقد ضمت إليها قسرًا مجتمعات متنافرة قوميًّا ودينيًّا، تضم خليطًا متنافرًا من العادات والتقاليد، ولم تنجح سياسة الإلحاق القسرية في صناعة رباط بين تلك المجتمعات، وهو ما أحدث ثغرة ولّدت ثورات العصيان والتمرد، وقام المسلمون بدور كبير في تحريك تلك الانتفاضات التي استنزفت قوي الإمبراطورية القيصرية على امتداد ثلاثين عامًا، لكن المسلمين بدلًا من أن يقطفوا ثمار جهادهم بإعادة مجد دولتهم الإسلامية إذا بالثورة البلشفية (الشيوعية) تختطف كل شيء في أكتوبر عام 1917م، بل إن تلك الثورة التي ساعد المسلمون في إنجاحها مثلت فصلًا جديدًا داميًا في حق المسلمين فقد قاسوا تحت قبضتها حملات مريرة من التعذيب والتشريد والإبادة.
فقد واصلت الثورة البلشفية احتلال الأراضي الإسلامية التي كانت تحت سيطرة القياصرة واحتل الاتحاد السوفيتي الذي تشكل بعد هذه الثورة مساحة 4,538,600 كيلومتر وهي إجمالي مساحة دول آسيا الوسطي، وهي ست دول إسلامية هي: أذربيجان، أوزبكستان، طاجيكستان، تركمانستان، كازاخستان، قرغيزستان. وبات الاتحاد السوفيتي الذي كان يضم تسع دول يضم خمس عشرة دولة بعد ضم دول آسيا الوسطي ذلك إضافة إلى منطقة القوقاز التي يمثل غالبيتها شعوب إسلامية وأبرزها الشيشان.
وقد سن الاتحاد السوفيتي قوانين وأصدر قرارات تصب كلها في حظر الأديان وتحريمها وخاصة الإسلام ونشر الإلحاد بين المسلمين وشدد العقوبات على من يقتني نسخًا من القرآن الكريم فضلًا عن تعلمه وتعلم مبادئ الإسلام، وفرض علي المناهج التعليمية والثقافية وبرامج الإعلام مواد كلها تصب في ملء أدمغة الأجيال بالشيوعية ومعاداة الأديان. وامتلأت السجون والمعتقلات بل واكتظت المقابر بضحايا تلك السياسات من المسلمين.
لكن المسلمين لم ييأسوا برغم القبضة الحديدية عليهم هكذا قال لي الشيخ عبدالله نوري - يرحمه الله - أحد قادة الصحوة الإسلامية في أوزبكستان ومؤسس الحزب الإسلامي فيها، فأخذوا يعلمون أطفالهم تعاليم الإسلام ويحفظونهم القرآن والسنة في مدارس سرية كانت تنعقد في بيوت سرية ويظل الطلاب فيها مع مدرسيهم عدة أشهر دون خروج حتي لا تقبض عليهم الشرطة بتهمة تعلم الإسلام. ويضيف الشيخ نوري الذي مات مسمومًا قبل سنوات قليلة علي يد الحكومة الأوزبكية الشيوعية: خرّجت تلك المدارس، التي كنت أحد طلابها يومًا ثم أحد مدرسيها، أجيالًا من حفظة القرآن العارفين بمبادئ الإسلام وقد كان هؤلاء هم أساس الصحوة الإسلامية التي تشهدها جمهوريات آسيا الوسطي اليوم.
وفرض الاتحاد السوفيتي تلك السياسات الإلحادية على الدول الحليفة له في الشرق الإسلامي فطبقها عبدالناصر في مصر وهواري بومدين في الجزائر وحافظ الأسد في سوريا واليمن الجنوبي قبل الوحدة، إلخ.
وتم تفتيت الشعوب المسلمة وتشريدها بعيدًا عن ديارها بغية إضعافها وإحلال مواطنين روس محلهم مثلما يتم اليوم في سوريا ولكن بوجه آخر، إذ يتم تفريغ البلاد من شعبها السني ليحل محلهم شيعة. وقد نال الشيشان نصيبًا كبيرًا من عمليات الاضطهاد والتفتيت والتشريد نظرًا لتاريخ هذا الشعب المشهود في الثورات ضد المحتلين القياصرة ونظرًا لدورهم البطولي في إسقاط تلك الإمبراطورية فخشي الاتحاد السوفيتي بأسهم وشن عليهم حملات نفي وتشريد سعيًا لإبادة هذا الشعب عن بكرة أبيه ومحو الشيشان من الخريطة تمامًا. تقول الدكتورة «دونا آرتز» أستاذة القانون بجامعة «إيمورى أتلانتا»: لقد تعرض المسلمون في روسيا دومًا إلى محاولات ترويسهم ونزع هويتهم، وإنه برغم ادعاءات روسيا أنها دولة علمانية إلا أن الدستور الروسي ينص على الاعتراف بالإسهام المتحيز للأرثوذكسية في بناء وتطور الثقافة والحياة الروحية لروسيا عبر تاريخها، وذلك يؤكد أن هناك من يدفع النخب الحاكمة من داخل الكنيسة لإلغاء الدور المؤثر للتيارات الدينية الأخرى في الحياة الاجتماعية لروسيا، وهو ما يعزز القول بأن عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية قد حلت محل الأيديولوجية الشيوعية السوفيتية كقوة احتكارية داخل الدولة والمجتمع الروسي.
ستالين والشيشان
أسس ستالين جمهورية الشيشان ذات الحكم الذاتي عام 1944م لكنه نفى شعبها كله (ما يقرب من مليون نسمة) عام 1954م إلى سيبيريا تلك البلاد الجليدية المتجمدة، وإلى دول أخرى منها تركيا، وذلك بعد أن اتهمهم بالتعاون مع النازية في الحرب العالمية الثانية، وظل الشعب منفيًّا هناك حتى سُمح له بالعودة عام 1957م وإعلان جمهورية تحت الهيمنة الروسية، لكنه وضعهم في أتون مخطط لتذويب هويتهم فقد جرَّم استخدام اللغة العربية وفرض اللغة الروسية وجرَّم التعليم الإسلامي، بل واقتناء المصاحف فضلًا عن ممارسة الشعائر، لكن ذلك كله لم يغيب العقيدة ولم يذب الهوية، وظل الإسلام راسخًا أقوى من تلك الجبال الراسيات هناك بين البحر الأسود وبحر قزوين.
مات 50% من الشعب الشيشاني أثناء هذا التهجير القسري من الأطفال والنساء بسبب سياسة التجويع حتى الموت. لقد كانت وسائل التهجير في غاية القسوة فقد جُمع الشعب الشيشاني بأكمله في محطات القطارات دون السماح لهم بحمل أي شيء من المتاع مجردين من كل شيء حتى المال، وتحت طلقات الرصاص وتهديد الحراب حُشر الناس في عربات القطارات المخصصة لنقل البضائع دون طعام ولا ماء ولا كساء وكل من يرفض تنفيذ الأوامر يقتل مباشرة أمام الناس بوحشية ترهب من يرى ويسمع، أما أهالي الجبال أصحاب العزائم الشديدة فقد جُمعوا في إسطبلات الخيول وسكب عليهم النفط وأُحرقوا أحياء، ومن بين المواقع التي أحرق فيها أعداد لا حصر لها قرية «خيباخي» التي تم حرق كل سكانها البالغ تعدادهم ألف نفس بشرية شيوخًا ونساء وأطفالًا.
وبعد تولي «خرتشوف» السلطة بدأت رحلة عودة الشيشان إلي ديارهم في عام 1956م ليجدوا أرضهم وبيوتهم قد احتلها الجنس الروسي الأصفر الذي لا يعرف للحياة مذاقًا إلا بشرب الخمر والعربدة.
حروب إبادة جديدة
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه عام 1991م أعلن الجنرال «جوهر دوداييف» استقلال الشيشان عام 1994م فرد الرئيس الروسي بوريس يلتسين باجتياح الجيش الروسي للبلاد لتبدأ ملحمة جديدة من ملاحم كفاح الشيشاني علي مر التاريخ. وحقق الشعب شبه انتصار علي القوات الروسية في تلك الحرب وما لبثت أن وضعت أوزارها حتي واصلت روسيا حصارها للشعب الشيشاني في محاولة لخنقه وذلك برغم اتفاقية السلام التي تم توقيعها والتي تعطي الشعب الشيشاني حقوقه كاملة في حكم ذاتي، ثم شن الروس حربًا جديدة علي هذا الشعب عام 1996م ولم تتوقف إلا عام 1999م عندما دمر الروس هذا البلد عن بكرة أبيه، وقاد تلك الحرب فلاديمير بوتين بعد توليه الرئاسة وإدارته للملف، فدمر البلاد وشرد الشعب ونصب أحد عملائه رئيسًا علي البلاد وما زال الوضع علي هذا النحو حتي اليوم، وإن كانوا يحاولون أن يصدروا للعالم صورة حرية العبادة وحرية المسلمين وقيام الحكومة بإنشاء المدارس الإسلامية.
لم يصف أحد ما جرى في هذا المنفى الجماعي لشعب بأكمله بقدر ما وصفه الكاتب الروسي «ألكسندر سولجينتسين» في كتابه «أرخبيل الجولاج» الذي رسم فيه بدقة صورة الحياة الجماعية لهذا الشعب وممارسته لها حتى في معسكرات الاعتقال، وكان مما قاله: في الجولاج: كانت هناك أمة لم تستسلم أبدًا، لم تتطبع مع الحياة العقلية للاستسلام، ولم تكن جماعة من المتمردين، بل كانت أمة بأكملها، وأنا أشير هنا إلى الشيشانيين، هؤلاء لم يحاولوا مطلقًا إرضاء الزعماء أو استرضاءهم، كانت أفعال هذه الأمة متشامخة، وكانت في الحقيقة معادية، وهنا شيء غير عادي تجب الإشارة إليه، وهو أنه لم يتمكن أحد من منعهم من الحياة على الطريقة التي كانوا يعيشون بها، والنظام السوفيتي الذي حكم تلك الأرض طوال ثلاثة عقود لم يتمكن من إجبارهم على احترام قوانينه (إقرأ كتاب: محنة الشيشان من إيفان الرهيب إلي يلتسين وبوتين - لكاتب هذه السطور - الطبعة الثانية).
بوابة الإسلام للشرق الإسلامي
ويجمع الخبراء القريبين من هذا الملف والذين التقيتهم علي فترات متقاربة أن إصرار الشعب الشيشاني علي إقامة دولة مستقلة يمثل نموذجًا فريدًا بين مجموعة القوقاز. وإذا تُرك فإن بقية دول المجموعة ستتبعه لا محالة، وهو عين الخطر الذي يخشاه الغرب عمومًا قبل روسيا؛ فقيام دولة إسلامية مستقلة في تلك المنطقة ذات الموقع الإستراتيجي والمليئة بالثروات لا شك يهدد مشاريع الغرب فيها، وإذا سُمح بقيام دولة مستقلة في الشيشان فإن ذلك معناه - لا محالة - توالي مسلسل قيام الدول المستقلة في القوقاز (داغستان والأنجوش، إلخ) وهو ما يمثل عودة حقيقية لدولة القوقاز الموحدة في المستقبل البعيد، ولا شك أن قيام دولة كهذه وسط صحوة إسلامية كبرى تعم شعوب القوقاز يهدد دولة الاتحاد الروسي ويقطع الطريق على التمدد الغربي هناك، ويشكل قوة داعمة ومساندة للمسلمين في المنطقة كلها.
خاصة أن منطقة شمال القوقاز تمثل البوابة الرئيسة إلى دول الشرق الإسلامي وإذا التحمت صحوة القوقاز مع صحوة الشرق الإسلامي فإنها ستجتاح روسيا وتقضي على المشروع الغربي والمصالح الغربية في المنطقة، ومن هنا كانت عملية وأد صحوة الشيشان كبداية مهمة للقضاء على صحوة القوقاز وإقامة سد منيع يحول دون التواصل والتفاعل مع الشرق الإسلامي، هذا أولًا.
ثانيًا: إن النمو السكاني في روسيا، في تناقص كبير بينما نسبة النمو بين سكان القوقاز متزايدة، وذلك يعني على المدى البعيد تفوق منطقة القوقاز سكانيًّا على روسيا وهو ما يثير تخوفات لدى روسيا من تمدد هذا التزايد السكاني إلى الأراضي الروسية ذاتها ليملأ فراغ التناقص السكاني فيها، وإذا حدث ذلك في ظل وجود دول مستقلة ومستقرة في القوقاز فإنه يعني انحسار الدولة الروسية أمام الدول القوقازية، ولذلك فإن قطع الطريق على قيام أي دولة مستقلة في القوقاز يمثل هدفًا إستراتيجيًّا روسيًّا بل وغربيًّا، والأكثر من ذلك فإن روسيا تطبق سياسة صارمة لتحديد النسل بين سكان القوقاز تحسبًا لكل هذه الاحتمالات.
ثالثًا: إن هذه الحرب ليست مرتبطة فقط بأطماع فرض الهيمنة على القوقاز وإنما مرتبطة بتدابير القضاء على الصحوة الإسلامية في المناطق الإسلامية كلها، في آسيا الوسطى والقوقاز والمناطق الإسلامية الأخرى داخل روسيا (تتارستان وبشكيريا وغيرهما) وتشارك في ذلك أطراف عديدة، فهناك تحالف تقوده روسيا مع حكومات قيرغستان وأوزبكستان وطاجيكستان - إلى حد ما - لكبح الصحوة الإسلامية المتنامية في هذه الدول ذات الشعوب الإسلامية العائدة بقوة إلى الإسلام والتي مازالت تتحكم فيها حكومات شيوعية مغرقة في مخاصمة الإسلام.
وتدعم الصين من بعيد هذا التحالف ضد الإسلام والصحوة الإسلامية خوفًا من تلاحم الصحوة الإسلامية في دول الاتحاد السوفيتي القديم مع صحوة المسلمين في سينكيانج (تركستان الشرقية) وهم أكثر من عشرين مليون مسلم يعيشون في ظروف أشد وأقسى من أحوال المسلمين تحت الحكم الروسي.
وبمناسبة الغرب وأهدافه وأطماعه في المنطقة فإن هذه المسألة واضحة؛ فلم يعد خافيًا أن الولايات المتحدة لها أطماع كبيرة في القوقاز لوجود النفط والثروات المعدنية من جانب، ولموقعها الإستراتيجي من جانب آخر، ولن تمانع الولايات المتحدة استقلال الشيشان أو أي دولة قوقازية عن روسيا إلا في حالة واحدة وهي وجود نظام تابع لها. وطالما لم يتحقق ذلك فإن الإستراتيجية الأمريكية والغربية عمومًا تظل هي مساعدة روسيا بكل ما يمكن للقضاء على أي حركة استقلالية، ففي الغزو الروسي السابق للشيشان بلغت المساعدات الغربية لروسيا خمسة مليارات ونصف المليار دولار.
وبرغم أن روسيا تقوم بالنيابة عن الغرب بتحقيق ما يسعى إليه في المنطقة إلا أن الولايات المتحدة تسعى في الوقت نفسه إلى التواجد بقوة في المنطقة فهي صاحبة أطماع سياسية واقتصادية في روسيا ذاتها - كما في القوقاز - فروسيا بلد مليء بالثروات والترسانة الحربية والنووية. ومن الناحية الجغرافية فهي تتمدد على مساحة تقارب قارة بأكملها، ولذلك فإن الوجود الأمريكي القوي هناك يمثل حتمية للمصالح الأمريكية خاصة أن المسافة شاسعة بين القارة الأمريكية وآسيا حيث توجد روسيا، فإذا حدث انهيار روسي يكون كل شيء في قبضة أمريكا.
وفي عام 1991م بدأ الأمريكيون يتحدثون - لأول مرة - بصراحة عن أن القوقاز منطقة مصالح لهم، ولا شك أن أي إضافة لرصيد النفوذ الأمريكي في المنطقة تعد خصمًا من النفوذ والهيمنة الروسية، ولذلك فأيًّا كانت التحليلات في هذا المجال فإن منطقة القوقاز وبقية المناطق الإسلامية النفطية تظل دائمًا موقع احتكاك بين الهيمنة الروسية الواقعة على الأرض والطموح الأمريكي المتطلع إلى نفوذ يلتهم أكبر قدر من الثروة وينسج خيوط هيمنته على أوسع مساحة من الجغرافيا.
الصحوة الإسلامية ليست في القوقاز وحدها وإنما في المنطقة الممتدة من أواسط آسيا والصين إلى البلقان، ولذلك فإن هناك اتفاقًا وتعاونًا بين جميع القوي (روسيا وأمريكا والصين وأوربا) على ضرورة إطفاء هذه الصحوة والسيطرة عليها وإبقائها تحت سطوة النفوذ وعدم تميكنها من إقامة دولة مستقلة ولو على شبر واحد من الأرض.
وقد تم تحقيق ذلك في البلقان بفرض الهيمنة الأمريكية تمامًا على البوسنة وكوسوفا، أما في الصين فإن مسلمي تركستان الشرقية ما زالوا تحت هيمنة الدولة الشيوعية، وبقيت أواسط آسيا والقوقاز حيث موضوع حديثنا، إذ تتضافر كل القوى خلف روسيا لمساعدتها على حسم المعركة للقضاء على الشيشان وإحكام السيطرة على المنطقة.
------------------
مصادر تم الاعتماد عليها

١- مجلة «المجلة» العدد 2401، فهمي هويدي 3٠/١٠/٢٠٠٠م.
٢- قفقاسيا - التاريخ الإسلامي، محمود شاكر، ص1-9.
٣- مستقبل الإسلام في القوقاز وبلاد ما وراء النهر - مصطفى محمد الطحان (طبعة ١٩٩٥م).
٤- الصراع الدولي عند بحر قزوين - دراسة مفصلة عن صراع المصالح والنفوذ في المنطقة (تحت الطبع للكاتب).
«القوقاز»: منطقة جغرافية سياسية تقع عند حدود أوربا وآسيا تتكون من الدول القومية السوفياتية سابقًا (جورجيا، أرمينيا وأذربيجان)، أما القوقاز الروسي فيتألف من كراسنودار كراي، ستافروبول كراي، أديغيا، قراتشاي - تشيركيسيا، قبردينو - بلقاريا، الشيشان، إنغوشيا، أوسيتيا الشمالية وداغستان. كما يضم القوقاز ثلاث دول أعلنت استقلالها غير معترف بها دوليًّا وهي: أبخازيا، أوسيتيا الجنوبية وقرة باغ.
«الخان»: كلمة أعجمية تدل على الفندق في عصرنا الحديث، وهي موضع راحة المسافرين. والخانات نوعان: الأول أقيم على طرق السفر خارج المدن المتباعدة، والثاني داخل المدن والتجمعات السكنية. كما يجري استعمال كلمة «خان» أيضاً لقبًا لإحدى العائلات المنتشر بكثرة في وسط وغرب آسيا، وبالتحديد في باكستان وأفغانستان ودول وسط آسيا مثل كازاخستان وأوزبكستان والهند وبنغلاديش.

-----------------------------------

عبدالناصر محمود
02-15-2016, 08:50 AM
تبريرات الإعلام الروسي للتدخل العسكري في سوريا
ــــــــــــــــــــــــــ

(د. إيهاب عويص)
ــــــــــ

6 / 5 / 1437 هـــ
15 / 2 / 2016 م
ـــــــــــ

https://scontent-cai1-1.xx.fbcdn.net/hphotos-xtp1/v/t1.0-9/12717710_1002056599874941_7594446799717652567_n.jp g?oh=640128e7631b4d21d7758217f849f12c&oe=576DAF77


غالبية الشعب الروسي ضد التدخل العسكري لبلادهم في سوريا، بحسب ما أكده الخبير الروسي في شؤون الشرق الأوسط «أندريه ستيبانوف» مستندًا إلى استطلاع للرأي أجري في روسيا قبل نحو شهرين، وأظهر الاستطلاع أن ما يزيد على ٦٩% من المشاركين عارضوا التدخل العسكري في الشأن السوري، وعارضوا إرسال قوات إلى الخارج تحت أي ذريعة كان، لذا بدأت البروبوغاندا الروسية بحشد الدعم الشعبي لتأييد ذلك التدخل، وإقناع المواطن الروسي بأهميته، وتهيئته لتقبل تكلفته التي بالتأكيد لن تكون منخفضة.
وبالفعل خرج علينا المستشرق الروسي عضو أكاديمية العلوم «فيكتور ميخين» ليعلن وفق استطلاعاته أن غالبية الشعب الروسي يؤيدون قرار التدخل العسكري في سوريا تأييدًا مطلقًا، ويرون أنه ضروري كخطوة استباقية لحماية أمن روسيا من الإرهاب ومن إمكانية وصول «تنظيم الدولة» إلى جمهوريات آسيا الوسطى، ومنها إلى الجمهوريات المسلمة بالاتحاد الفيدرالي الروسي، ولمنع تكرار ما حصل في الشيشان. وبعيدًا عن هذا وذاك أظهر استطلاع أجراه مركز ليفادا الروسي المستقل في سبتمبر الماضي قبل التدخل العسكري الروسي في سوريا مباشرة أن ٥٠% ممن شملهم الاستطلاع لا يبالون بسياسة روسيا في سوريا، أو ليس لديهم رأي على الإطلاق، في حين أكد ١٤% منهم فقط تأييدهم للتدخل العسكري[1].
ويبدو أن هذه النتيجة كانت كافية لصناع القرار الروس للبدء بعملياتهم العسكرية في سوريا، ولكنها بالتأكيد لن تكون كذلك عندما تصل جثامين الجنود القتلى إلى الوطن، أو عندما تبدأ التفجيرات الانتقامية في المدن الروسية، بل تهديد أمن الجاليات الروسية في العالم بأسره، أو على الأقل عندما تتكشف نفقات التدخل العسكري الروسي هناك في ظل العقوبات والوضع الاقتصادي الراهن، لذا جيشت البروبوغاندا الروسية أبرز صحافييها الذين واكبوا الصراع في أوكرانيا لكن هذه المرة من أجل دعم التدخل العسكري في سوريا. ومن بين هؤلاء المراسلين من التقط صور «سيلفي» مع آليات الجيش السوري، وصورًا للغرف المخصصة للجنود الروس، إضافة إلى تفاصيل يومياتهم.
وردًّا على التحقيق الصحفي الذي نشره موقع «جازيتا رو» بعنوان: «اعتقدوا أنهم ذاهبون إلي دنباس.. وتبين أنهم يتوجهون إلى سوريا»، الذي كشف عن حالة التذمر التي انتابت مجموعة من الجنود والضباط بالجيش الروسي عندما علموا أنهم سيسافرون إلى سوريا لا إلى أوكرانيا[2]؛ ذكرت صحيفة «فيداميستي» في المقابل أن الجنود الروس المنتشرين في سوريا قد قُدم لهم التحفيز المادي المناسب، إذ أضيف مبلغ ٦٢ دولارًا يوميًّا على رواتب الضباط و٤٣ دولارًا يوميًّا على رواتب الجنود العاديين.
ونظرًا لأهمية الإعلام في هذه الحرب في تغيير المزاج الروسي العام الذي يميل لمعارضة تدخل بلادهم العسكري في الخارج بسبب عقدة حرب أفغانستان التي استمرت لعشر سنوات، وعقدة حرب الشيشان وما صاحبها من تفجيرات استشهادية في المدن الروسية. ونظرًا لنجاحهم الملحوظ في ذلك، فسوف نلقي هنا بعض الضوء على ثلاثة محاور رئيسية تم استخدامها في تسويق وتبرير ذلك التدخل.
إثارة المشاعر (إنقاذ الجندي بشار)
برغم المادية الطاغية على الشعب الروسي بشكل عام إلا أن النواحي الإنسانية وبعض ********ة وإثارة العاطفة الدينية لا تزال تحظى بترحيب معتبر بين كثير منهم، وهو ما نراه - مثلًا - في تصوير بعض وسائل الإعلام للتدخل العسكري في سوريا بطريقة هوليودية مؤثرة (تكاد تشبه أحداث فيلم «إنقاذ الجندي رايان») لحماية بشار الأسد من ملاقاة مصير إخوته كمعمر القذافي وغيره، خاصة بعد التركيز على حمايته المزعومة للأقليات، ومنهم بالطبع المسيحيون الأرثوذكس السوريون الذين يتبعون روحيًّا بطريركية موسكو وعموم روسيا، وتضخيم ما عانوه من تصرفات «داعش» في المناطق التي انحسر عنها نفوذ الأسد. وهو ما دفع الكنيسة الروسية لمباركة التدخل الروسي هناك ووصفه بـ«حرب مقدسة».
الأمر ذاته شجع إحدى القنوات الروسية لبث حلقة حوارية قال مقدمها بالحرف الواحد: «لولا سوريا (يقصد بلاد الشام) لما وجدت الحضارة الروسية، بالتالي فإن سوريا هي أرضنا المقدسة». ولكن حتى لا يبدو فلاديمير بوتين كجورج بوش في 2003م عندما أعلن حربًا صليبية على الإرهاب في العراق، يستتر الجهاد المسيحي المقدس هذا وراء جهاد إسلامي فئوي ضد المتشددين التكفيريين يمثله حزب الله وبقية المليشيات الشيعية المقاتلة إلى جانبه الذي يلقى تأييدًا من «الإدارة الروحية المركزية للمسلمين في روسيا» كذلك عبر رئيسها «طلعت تاج الدين»، إضافة إلى موقف الرئيس الشيشاني «رمضان قديروف» الذي اعتبر تدخل القوات الروسية «ضروريًّا لمحاربة الإرهاب»، هذا بالطبع غير أسطوانة الدفاع عن الديمقراطية والشرعية وإيقاف حركات الانفصال وتقسيم سوريا[3]. ومن ثمَّ أمطرت وسائل الإعلام الروسية تقاريرها الإخبارية بمعلومات مفترضة عن الترحيب السوري بالتدخل الروسي لمحاربة الإرهاب، ترسخ في ذهن المواطن الروسي مقولات كالعنوان الرئيسي الذي أوردته صحيفة «كومسومولسكايا برافدا» واسعة الانتشار في افتتاحيتها بعد الغارات الجوية التي نُفذت في الليلة الأولى للقصف: «السوريون يتطلعون إلى السماء بأمل».
ولكن هل يستحق ذلك كله (على فرض صحته) أن يتكبد الجيش الروسي التضحيات والخسائر نفسها التي تكبدتها فرقة «ميلر» في الفيلم؟! قد يكون ذلك كافيًا لكسب تأييد المواطن الروسي العادي أو على الأقل لتجنب معارضته، ولكن النخبة الثقافية والمعارضة السياسية قد يحتاجون لإقناعهم بأكثر من من مجرد إنقاذ الجندي بشار وكل ما يمثله.
فرض الهيبة (إعادة أمجاد ثنائية القطب)
تعتبر سوريا منطقة النفوذ الوحيدة لروسيا في العالم العربي المهيمَن عليه من الغرب، وهي تستضيف قاعدتها العسكرية اليتيمة في طرطوس، وتستورد منها جميع أسلحتها تقريبًا. ولكنها أضحت ملعبًا سياسيًّا تتنافس فيه قوى محلية وإقليمية وعالمية، وأمام هذه التطورات كان لا بد للقيادة الروسية أن توجه رسالة قوية بأنها لا تزال لاعبًا دوليًّا أساسيًّا، وقادرة على حماية مصالحها، وأنها لن تترك مصير أصدقائها ليقرره منافسوها، خاصة أنها تمتاز عنهم بكونها الوحيدة التي تمتلك شرعية التدخل (طلب رسمي مباشر من الرئيس السوري) ولديها الحزم والرؤية الواضحة (على عكس كثيرين) لفرض قواعد جديدة للعبة، بل وتشكيل حلف جديد قد يجذب بعض أعضاء الحلف المنافس. كما أن استقرار نظام الأسد في سوريا يُعتبر ضرورة إستراتيجية لحليفها الصيني، وعقائدية ملحة لحليفها الإيراني، اللذين تشترك معهما بمصالح سياسية واقتصادية لا يمكن إغفالها في هذه المرحلة بالذات. وهذا ما عبر عنه نائب رئيس مركز النانوتكنولوجي «أرمن تادوفسيان» من أن: «تدخل روسيا العسكري في سوريا تأكيد لدورها وحضورها على مسرح السياسة الدولية، وكسر هيمنة القطب الواحد، وأن لروسيا مصالح يجب أخذها في الحسبان»، وأضاف أن قرار التدخل العسكري اتخذ بعد أن تم التصويت عليه بمجلس الشيوخ (الغرفة العليا)، مشيرًا إلى أن ٨٦% من الجمهور الروسي أعربوا عن ثقتهم بسياسة بوتين وهذه أعلى نسبة ثقة تمنح لسياسي. ولكن بعيدًا عن القنوات الرسمية نجد حقيقة مغايرة في العالم الافتراضي، وقد عبر عن ذلك «كونستانتين كلاشيف» رئيس مؤسسة «مجموعة الخبراء السياسيين» واصفًا الاستياء الشعبي الروسي على مواقع التواصل الاجتماعي بقوله: «لأول مرة تتعارض خطط بوتين مع الرأي العام (...) فهذه أول مرة تختلف فيها آراء الروس العاديين عن آراء النخبة الحاكمة». وتقول «إيلينا كوستيوشينكو» مراسلة صحيفة «نوفايا غازيتا» المعارضة: «أمي اتصلت بي باكية تقول: لماذا ندخل حربًا أخرى؟».
وبالفعل، هل تستحق استعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي خوض هذه المغامرة التي تذكر الروس بتدخله في أفغانستان، الذي كان سببًا في انهياره؟ خاصةً أن تدخل روسيا هذه المرة لن يكون في محيطها بل في منطقة حرجة تبعد ألف كيلومتر عن حدودها، ولا تحظى بأية مكانة بين أولويات السياسة الروسية الخارجية[4]، بل وفي وقت تعاني فيه من أزمة اقتصادية خانقة بحسب تعبير أستاذة الاقتصاد بجامعة موسكو «إيرينا فيليبفا»، التي قالت: «أرى عدم صوابية قرار التدخل العسكري الروسي في سوريا لما تمر به البلاد من أزمة اقتصادية خانقة وعقوبات غربية مفروضة، والأزمة الأوكرانية التي استنزفت وما زالت تستنزف الخزينة الروسية، فالتدخل العسكري يتطلب زيادة إنفاق للمجهود الحربي الجديد وتقليص الإنفاق على قطاعات أخرى كالصحة والتعليم، وخطط التحديث التي اتخذتها حكومتنا الحالية، وبرامج الاستغناء عن الاستيراد، مما يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالمجتمع الروسي»، وأضافت: «نحن في غنى عن التورط في نزاعات خارجية، بل يجب العمل على النهوض باقتصاد بلادنا».
لا بد أن يكون هناك سبب أكثر وجاهةً لتبرير تلك المخاطرة، وتقبل المواطنين الروس لثمنها الذي قد يكون باهظًا.
التخويف (الجهاديون الروس)
طوال الفترة السابقة، وفي معرض تبرير إرسال الأسلحة لنظام الأسد الذي قتل 300 ألف على الأقل من أبناء شعبه لمجرد مطالبتهم بالإصلاح وبتغيير النظام، تكرر عبر الإعلام تصريح الرئيس الروسي بوتين بوجود أكثر من ألفي جهادي من الاتحاد السوفيتي السابق في سوريا «وبدلًا من انتظار عودتهم إلى الوطن علينا أن نساعد الرئيس الأسد في قتالهم هناك». ولكن الأمر الآن بات يحتاج أكثر من مجرد إرسال السلاح، خاصة أن جيش النظام بالكاد يستطيع الصمود في البقع المتناثرة التي لا تزال تحت سيطرته، وفقط بمساعدة المليشيات الشيعية التي أصبحت بدورها مثخنة بالجراح، وبالأخص حزب الله اللبناني بعد أن فقد كوادره الأساسية، وقوات النخبة، وأصبح مجبرًا على إرسال أعداد بشرية غير مدربة فقط من أجل استمرار المعارك والحفاظ على عدم انسحابه. كما أن روسيا قرأت العديد من نقاط الضعف في نظام الأسد خلال الخطاب الأخير الذي أقر فيه أن جيشه أصابه التعب، واعترف بخسارة العديد من المناطق الإستراتيجية. ولتغيير المعادلة على الأرض أصبح لزامًا تزويده بمنظومة جوية بالغة التطور (مثال طائرات سوخوي 34) لم تكن روسيا لتأتمنه عليها في الظروف العادية بسبب الصراع العربي الصهيوني، ناهيك عن هذه الظروف الحرجة التي قد يسقط النظام فيها بين عشية وضحاها، وتنتقل أسلحته إلى خصومه؛ وبالتالي لم يعد هناك مناص من تدخل مباشر في المستنقع السوري، وإلا، فإن البديل في حال انتصار الفصائل الجهادية هو خوض الحرب نفسها في عمق الأراضي الروسية وبتكلفة مضاعفة وأكثر خطورة.
أي مواطن روسي بغض النظر عن توجهاته قد يقنعه سبب أو أكثر من هذه الثلاثة لتأييد التدخل العسكري لبلاده في روسيا، ولكن السبب الحقيقي بالنسبة لصانع القرار الروسي قد يكون شيئًا آخر.

-------------------------------------
[1] أجري الاستطلاع خلال الفترة من 18 إلى 21 سبتمبر، وشارك فيه 2400 شخص بالغ يمثلون مختلف المناطق الريفية والحضرية في 134 من المدن والبلدات في 46 إقليمًا في روسيا. ولا يتجاوز هامش الخطأ في هذا الاستطلاع ٣٫٤ - ٤٫١%.
[2] علموا من خلال تزويدهم بأسلحة أكثر تطورًا وحداثة من تلك التي يستخدمونها، كما أنهم تلقوا تعليمات بكيفية التعامل في حالة سقوطهم في الأسر، وبمجرد أن تأكد العسكريون أنهم ذاهبون إلى سوريا ناقشوا احتمالين: رفض تنفيذ المهمة لأن القيادة لم تحدد تفاصيل الخطة والهدف والفترة الزمنية، أو الاستقالة. وتوجهوا إلى النيابة العسكرية التي حذرتهم من رفض تنفيذ الأوامر العسكرية وهو ما يترتب عليه مسؤولية جنائية، وتم رفض تسلم الشكوى المقدمة منهم.
[3] من المفارقة العجيبة أن نفس الإعلاميين الذين يحاولون إقناع المواطن الروسي بذلك هم من تبنوا في الأمس القريب منطقًا معاكسًا تمامًا في أوكرانيا.
[4] هذا ما يتضح من خلال وثيقة «مفهوم السياسة الخارجية الروسية» التي أقرها الرئيس فلاديمير بوتين في فبراير 2013م (يمكن الاطلاع عليها على موقع وزارة الخارجية الروسية)، إذ إن روسيا تضع تحت باب الأولويات الإقليمية بالوثيقة سياستها الخارجية في محيطها الجغرافي (دول الاتحاد السوفيتي السابق، وأوربا والصين على وجه الخصوص)، كما أن الوثيقة تشير للعديد من الدول بالاسم، وتؤكد على أهمية سعي روسيا لتعميق علاقاتها معها، بينما تأتي منطقة الشرق الأوسط في ذيل القائمة تقريبًا دون إشارة لدولة بعينها وببنود عامة تتعلق بقضايا المنطقة كتأييد روسيا لحل سلمي للقضية الفلسطينية أو البرنامج النووي الإيراني (ذُكرت منطقة الشرق الأوسط في بندين فقط من أصل 52 بندًا تحت باب الأولويات الإقليمية).

-------------------------------

عبدالناصر محمود
02-15-2016, 08:55 AM
مراحل تطور الثورة السورية
ـــــــــــــــ

(إياد جبر)
ــــ

6 / 5 / 1437 هــ
15 / 2 / 2016 م
ــــــــــــ

https://scontent-cai1-1.xx.fbcdn.net/hphotos-xtp1/v/t1.0-9/12717710_1002056599874941_7594446799717652567_n.jp g?oh=640128e7631b4d21d7758217f849f12c&oe=576DAF77




شهدت الثورة السورية منعرجات ومراحل فارقة كان لكل منها طبيعة خاصة تميزها عن غيرها، فقد بدأت ثورة شعبية سلمية تعرض خلالها الشعب السوري لكل أساليب القمع والتنكيل، ولم ينجح الثوار حينها في توحيد صفوفهم برغم الحاضنة الشعبية التي كانت داعمًا لهم منذ بدء ثورتهم.
فرضت المواجهة المسلحة نفسها على الثورة في العام الثاني، حينما تمكن الثوار من الحصول على الأسلحة الخفيفة بفعل الانقسامات داخل الجيش السوري، ولجوء الكثير من قياداته إلى صفوف المعارضة، والتي استطاعت أن تشكل كيانًا ثوريًّا عُرف باسم «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة» الذي جاء بديلًا عن المجلس الوطني بعد فشله خلال العام الأول في جمع قوى المعارضة.
برغم الانتصارات التي حققتها المعارضة على حساب النظام وتحريرها للكثير من المدن، إلا أن النظام غير من إستراتيجيته وخططه هربًا من الاستنزاف، مركزًا سيطرته على المدن الإستراتيجية ذات الأهمية، لكن دخول حزب الله اللبناني والمليشيات الشيعية مع بداية عام 2013م وما صاحبه من ولادة تنظيم الدولة (داعش) شكل عبئًا مضاعفًا على قوى المعارضة، التي تراجعت بفعل المواجهة في عدة جبهات؛ ما خلط الأوراق وجعل المشهد يبدو ضبابيًّا.
باتت الفرصة مهيأة للتدخل الدولي الذي استفاد من ضبابية المشهد السياسي، فاختلفت أهداف تلك القوى الخارجية وفقًا لمصالحها، فتحول نظام بشار الذي قتل مئات الآلاف وهجّر الملايين من شعبه بعد أشهر قليلة من نظام إرهابي إلى نظام شرعي يستوجب حمايته، وهو ما شجع روسيا على التدخل العسكري مستغلة الاعتراف الدولي بالوجود الإيراني في سوريا والمنطقة عمومًا، وعدم قدرة قوى المعارضة السنية على إسقاط النظام العلوي الذي استفاد من الدعم الإيراني وتعدد القوى المسلحة على الساحة السورية.

المرحلة الأولى:
----------------

ثورة شعبية ومقاطعة دولية وعربية

جاءت جمعة الكرامة في 18 مارس 2011م بمثابة الشرارة الأولى والأهم للثورة السورية التي شهدت مظاهرات عارمة قوبلت برد فعل عنيف من جيش النظام السوري الذي ارتكب خلال العام الأول للثورة عشرات المجازر راح ضحيتها نحو 8500 من أبناء الشعب السوري.
كانت محافظة درعا أول من انتفض في وجه النظام الذي واجه الثورة الشعبية بالقمع، لكن بطشه لم يثبط معنويات الشعب السوري الذي انتفض على النظام في محافظات أخرى أهمها بانياس واللاذقية وحمص وحماة وحلب ودمشق وريفها، واتخذت الاحتجاجات والمظاهرات طريقها تباعًا نحو المدن الساحلية في اللاذقية وجبلة، برغم إعلان الأسد إلغاء قانون الطوارئ ومحكمة أمن الدولة وسن قانون التظاهر السلمي وإطلاق سراح بعض المعتقلين وتشكيل حكومة جديدة ومنح الجنسية لعشرات الآلاف من الأكراد، بالإضافة إلى إقالة محافظ حمص.

هذه الإجراءات السياسية التي اتبعها النظام لم تصل إلى الحد الأدنى لمطالب الثوار، خاصة أن الوضع في الشارع كان مختلفًا عما يقال في وسائل الإعلام، لأن مواجهة المتظاهرين من قبل الجيش أوقعت الآلاف من القتلى كما أشرنا سلفًا، لأن الجيش أجرى حملات مختلفة على بعض المحافظات والمدن أشهرها حي بابا عمرو في حمص، كما أن حديث النظام عن الإصلاحات السياسية الهزلية، لاسيما الاستفتاء على الدستور لإيقاف هيمنة حزب البعث كما كان يقال في الإعلام السوري، جاء بالتوازي مع الحملات العسكرية الدامية في حماة وأخرى في حمص وإدلب.

الواضح إذن أن النظام السوري كان يستخدم مصطلح الإصلاحات السياسية للتغطية على قمع الثورة خلال عامها الأول، فإعلانه عن إجراء انتخابات برلمانية في مايو 2011م جاء بالتزامن مع حملة عسكرية على مدينة إدلب من أجل قمع الثورة.

في هذه الأثناء ظهرت أولى التصدعات على الجيش السوري، حينما أقدمت مجموعة من الضباط على الانشقاق، بقيادة المقدم حسين هرموش، الذي أسس حركة الضباط الأحرار، وقد أعقب هذه الخطوة النوعية تشكيل الجيش السوري الحر في يوليو من العام نفسه، برئاسة العقيد رياض الأسعد، ومنذ ذلك الحين اتخذت الثورة منحى أكثر خطورة لأن المواجهات مع النظام اتخذت طابعًا عسكريًّا بحتًا، وبدأ الجيش الحر يشن هجماته على الكثير من المباني الحكومة، أهمها مقر المخابرات في ريف دمشق. ومع اتساع تلك المواجهات تزايد عدد الضباط المنشقين عن صفوف الجيش، وبدأت صفوف الجيش الحر في تزايد، ووصلت مع نهاية العام الأول للثورة إلى حوالي عشرين ألفًا.

المعارضة العسكرية للنظام العلوي خلال العام الأول للثورة صاحبها تشكيل معارضة سياسية عُرفت بـ«المجلس الوطني الانتقالي» في أغسطس 2011م برئاسة برهان غليون، ثم جاء الإعلان عن تشكيل المجلس الوطني السوري في أكتوبر برئاسة برهان غليون أيضًا، لكن الخلافات بين أعضائه وعدم انسجام أفكارهم ومطالبهم مع مطالب الشارع الثوري جعلته تجمعًا ثوريًّا هشًّا فجاء الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة بديلًا عنه.
على الجانب الآخر، شهد العام الأول للثورة تحركات دبلوماسية دولية، أهمها عقوبات أمريكية جديدة على النظام السوري، كما اتخذ الاتحاد الأوربي قرارات عقابية في مايو 2011م ضد النظام، لكن الجانبين الأمريكي والأوربي عجزا عن تمرير قرارات عبر مجلس الأمن بسبب الفيتو الروسي الصيني، الذي وقف بالمرصاد للمحاولات الأمريكية الأوربية في أكتوبر 2011م وفبراير 2012م.
بدورها تحركت جامعة الدول العربية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر إرسال مراقبين في ديسمبر 2011م، دون أن يحققوا أي نتائج تُذكر، وقد تم تعليق عضوية سوريا في الجامعة، لكن الأخيرة أرسلت بالتوافق مع الأمم المتحدة مبعوثًا مشتركًا هو الأمين العام السابق للأمم المتحدة «كوفي عنان» مبعوثًا للنظام السوري، وقد سلم النظام مقترحات تمثل مخرجًا للأزمة لكن استمرار الأزمة وتصاعدها حال دون أي نجاح للمساعي الدولية والعربية، الأمر الذي دفع معظم الدول العربية وفي مقدمتها بعض دول مجلس التعاون الخليجي لإنهاء أي علاقة دبلوماسية تربطها بالنظام السوري.

المرحلة الثانية:
-------

تحولات مهمة على مسار الثورة

مع دخول الثورة عامها الثاني بدت احتمالات التوصل إلى أي حلول غير ممكنة لأن مجازر النظام السوري فاقت التوقعات، فبحسب الأرقام التقديرية التي رصدتها جهات محلية سورية فإن النظام أنهى العام الثاني للثورة بقتل نحو 80 ألف مواطن سوري، وأكثر من 5 ملايين نازح ومهجر ومشرد، وخراب شامل ودمار ممنهج؛ الأمر الذي استدعى دخول أطراف جديدة على مسار الأزمة تمكنت من تحرير بعض المدن السورية من النظام الذي بدأ يذهب باتجاه توظيف النزاعات الطائفية، ومن ثم دخول أطراف إقليمية لاسيما التدخل الإيراني عبر المليشيات الشيعية المختلفة.

1- إنجازات مهمة للمعارضة المسلحة وفشل المعارضة السياسية:

إلى جانب الجيش الحر وما تفرع عنه من ألوية، كلواء شهداء سوريا الذي قدرت أعداد مقاتليه بـ7 آلاف مقاتل، ولواء صقور الشام 35 ألف مقاتل، ظهرت في العام الثاني للثورة جبهة تحرير سوريا الإسلامية التي تضم نحو عشرين مجموعة منها «لواء التوحيد 10 آلاف مقاتل، ولواء الفتح، ولواء الفاروق 14 ألف مقاتل، ولواء الإسلام ٩ آلاف مقاتل، وغيرها»، لكن هذه الجبهة الإسلامية المعتدلة ظلت تعترف بالإطار القيادي للجيش الحر، هذا فضلًا عن الفصائل الإسلامية والجهادية التي ظهرت خلال هذه المرحلة المهمة من الثورة.

تعداد المقاتلين الكبير في صفوف المعارضة السورية بكافة أطيافها، وخصوصًا بعد انشقاق نحو 150 ألف عنصر من الجيش وانضمامهم لصفوف المعارضة، وكميات السلاح الكبيرة التي تمكنوا من الحصول عليها عن طريق الدعم الخارجي، أو من خلال السيطرة على العديد من مخازن الأسلحة التابعة للنظام؛ كل ذلك مكنهم من تحقيق إنجازات مهمة في المحافظات السورية الرئيسية، فأصبح لها حضور كبير ومواقع عسكرية وسيطرت على أجزاء كبيرة من محافظات ومدن ريف دمشق وحلب وإدلب والرقة ودير الزور والحسكة وحماة واللاذقية وحمص والرستن وغيرها.

وبالتزامن مع تطور المعارضة المسلحة وما حققته من إنجازات ميدانية قبيل نهاية عام 2012م تم الإعلان عن الجسم السياسي الجديد للثورة السورية وهو «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة»، وحصل حينها على اعتراف بعض الدول العربية ممثلًا للشعب السوري لكنه لم ينجح في تحقيق الانسجام مع الجسم الثوري والعسكري في الداخل، مما استدعى عقد عدة مؤتمرات أهمها في القاهرة في يوليو من العام نفسه تحت رعاية الجامعة العربية، وقد صدرت عن هذا المؤتمر وثيقتا «المرحلة الانتقالية» و«العهد الوطني» أو ما صار يُعرف لاحقًا باسم «وثائق القاهرة» على سبيل الاختصار.
أقرت الوثيقة الأولى «إسقاط الأسد ورموز السلطة» كهدف أسمى للثورة، لكن ذلك كان محل اعتراض ورفض شعبي، لأن هذه الصياغة الملتبسة قد يُفهم منها السعي إلى إسقاط مجموعة من رموز النظام فقط وليس إسقاطه كاملًا بكل رموزه وأركانه ومؤسساته، كما لم تسلم الوثيقة الثانية «العهد الوطني» من انتقادات واسعة بسبب محاولتها طرح رؤية استباقية أحادية لمستقبل سوريا بعد التحرير، وهي رؤية تتسم بقصور كبير في تحقيق هوية سوريا الإسلامية.

من جانبها، كانت الجامعة العربية قد طرحت مبادرة في يناير عام 2012م اقترحت تنازل بشار الأسد عن كامل صلاحياته لنائبه وتشكيل حكومة وطنية توافقية بين المعارضة والنظام، لكنها قوبلت برفض النظام العلوي الذي استغل حالة الانقسام الدولي حول مستقبل سوريا، فكان مصير الرؤية الدولية المشتركة التي طُرحت دوليًا والتي عُرفت بـ«بجنيف1» أشبه بمصير المبادرة العربية المشار إليها أعلاه، لذلك ظلت المحاولات الإقليمية والدولية دون أي نتائج تذكر.

2- توظيف النزاعات الطائفية:

خلال العام الثاني للثورة بدأ النظام السوري يتجه نحو إذكاء وتوظيف البعد الطائفي لتحويل مسار الثورة، وبرغم أن ثلاثة أرباع الشعب السوري البالغ 22 مليون نسمة هم من السنة إلا أن النظام حاول استغلال ذلك التنوع الطائفي عبر ممارسات متنوعة، خاصةً أن معظم المعارضين للنظام هم من أهل السنة الذين دفعوا ضريبة المعارضة إما بالموت تحت نيران طائرات النظام أو بالهجرة خارج البلاد أو بالنزوح إلى مناطق أخرى أكثر أمنًا أو الزج بالآلاف منهم داخل سجون النظام.
الملاحظة الجديرة بالاهتمام في هذا المقام أن آلاف المصابين والجرحى كانوا يخشون الذهاب إلى المستشفيات الحكومية خشية تعرضهم للقتل والتعذيب أو الزج بهم في سجون النظام، وبحسب الكثير من التقارير الصحفية والحقوقية فإن النظام قد بدأ يتعامل مع المواطنين وفقًا لانتماءاتهم الطائفية، مما عرض آلاف الجرحى للموت بسبب خوفهم من تلقي العلاج في مستشفيات الدولة.
لم يقتصر توظيف الطائفية على السني والعلوي فحسب، لأن النظام استغل الظروف الاجتماعية الصعبة للكثير من الأسر المسيحية واستدرج 1500 شخص مسيحي وضمهم للجيش بعد دخول الثورة عامها الثاني، وحوّل مدينة «محردة» ذات الأغلبية المسيحية في شمال ريف حماة إلى ثكنة عسكرية مستغلًا بعض الكنائس والأديرة كدير «محردة» كمواقع عسكرية، ووضع أكثر من 15 حاجزًا عسكريًّا على مداخل المدينة، التي أصبحت رأس حربة للنظام يستخدمها لقصف المدن المجاورة، مما أثار حفيظة تجمعات الجيش الحر وجبهة النصرة فبدآ بالرد على قصف مواقع النظام في هذه المدينة مما جعل الطائفة المسيحية في مواجهة مباشرة مع قوى المعارضة، ولا شك أن حرف بوصلة الثورة السورية نحو الحرب الطائفية قد مهد الطريق لدخول إيران وحزب الله اللبناني إلى الأراضي السورية لدعم نظام بشار.

المرحلة الثالثة:
------------

التدخل الإيراني وظهور تنظيم داعش على حساب المعارضة
التحولات الجذرية التي طرأت على الأزمة السورية خلال عام 2012م بسبب دخول أطراف جديدة رفعت حجم الخسائر في الأرواح والممتلكات، ففي منتصف عام 2013م قُدر عدد الضحايا بحوالي بحوالي 90 ألفًا أغلبهم من المدنيين والمعارضة ونحو 10 آلاف من قوات النظام، لكن مع اتساع نطاق المواجهات كان عدد الضحايا قد تجاوز 120 ألفًا مع نهاية عام 2013م، الأمر الذي كان كفيلًا بتحول المشهد السوري من مرحلة الأزمة إلى مرحلة الصراع.

استغل نظام بشار هذا الوضع الجديد وبدأ في استخدام أكثر الأسلحة فتكًا تجاه المدن التي تم تحريرها على يد المعارضة، فوصل الأمر في أغسطس 2013م إلى استخدامه للسلاح الكيماوي في غوطة دمشق الشرقية والغربية وزملكا وغيرها، ما أدى إلى سقوط نحو 755 من الضحايا أغلبهم من المدنيين.
ومع نهاية عام 2013م كان عدد اللاجئين والنازحين قد ارتفع بشكل غير مسبوق، فكان العدد بداية هذا العام نحو مليون لاجئ ونازح لكنه بلغ حوالي 7 ملايين، ومع نهاية عام 2014م بلغت أعداد النازحين واللاجئين داخل سوريا وخارجها أكثر من ١٢ مليونًا، أي أن نصف سكانها تحولوا إلى مشردين.

1-حزب الله والمليشيات الشيعية:

بدأت المشاركة العلنية لحزب الله في القتال إلى جانب النظام بداية عام 2013م بحجة إفشال مؤامرة دولية ضد سوريا، فكان واضحًا أن الصراع الدائر في سوريا صراعًا وجوديًا بالنسبة إلى حزب الله، فسقوط النظام السوري هو بداية نهاية هذا الحزب والهيمنة الإيرانية في المنطقة، فكانت معركة القصير في مايو 2013م أهم المعارك التي خاضها الحزب ضد المعارضة السورية، حيث قُدر عدد مقاتليه بنحو 14 ألف، ووفقًا لشهادة الناطق باسم القيادة المشتركة للجيش الحر فإن عدد القتلى في صفوف قوات حزب الله اللبناني قد بلغ نحو 1100 قتيل سقطوا في عدة مواجهات.
لكن العدد الإجمالي للمقاتلين الشيعة الذين دخلوا الأراضي السورية خلال عام 2013م كان قد تجاوز 60 ألف مقاتل من جنسيات عراقية وإيرانية ولبنانية وأخرى يمنية، وذلك بحسب تقديرات هيثم المالح مسؤول المكتب القانوني في ائتلاف قوى الثورة.

تلك الأعداد الكبيرة التي دخلت سوريا عبر البوابة العراقية أو اللبنانية جعلت وزير الخارجية العراقي «هوشيار زيباري» حينها يقر بوجود مقاتلين شيعة في سوريا يقاتلون إلى جانب قوات النظام، لكنه شدد على أن ذلك لا يتم من خلال سياسة حكومية عراقية، كما أشارت مصادر يمنية إلى توجه مئات المقاتلين الحوثيين للقتال إلى جانب النظام، وأشارت إلى أنهم باتوا ينظرون إلى القتال في سوريا على أنه جهاد مقدس، وأن هؤلاء المقاتلين تطوعوا للقتال لأسباب عقائدية ومالية وبتشجيع من إيران، وأوضحت أنهم يذهبون إلى معسكرات تتبع حزب الله في لبنان قبل أن يتم نقلهم إلى الجبهة السورية.

2- ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش):

ردًّا على الهجوم الكبير لمليشيات حزب الله والمليشيات الشيعية المختلفة في القصير وسقوطها إلى جانب بعض القرى المجاورة، ومعارك الاستنزاف التي خاضها النظام على المدن السورية المحررة، وفي إطار تحول الصراع من حالته الثورية إلى حالته الطائفية، بدأ الكثير من المجاهدين العرب ينجذبون إلى سوريا لتلبية الواجب الديني والدفاع عن إخوانهم من السنة، فخلال عام 2013م قُدرت أعداد المقاتلين السنة من العرب وغيرهم الذين دخلوا سوريا بنحو 10 آلاف مقاتل، الأمر الذي مهد الفرصة لدخول تنظيم القاعدة والكثير من الجماعات الجهادية.

لكن التطور الأسوأ في عام 2013م والكارثة الأكبر في تاريخ الثورة السورية جاء حينما تم الإعلان عن ولادة تنظيم «داعش» في أبريل من العام نفسه، ثم تمدده خلال الشهور الأربعة الأخيرة منه في المناطق المحررة على حساب الكتائب المحلية والفصائل الإسلامية، حيث استطاع السيطرة على مساحات واسعة في محافظات حلب وإدلب والرقة والحسكة ودير الزور بعد تحريرها بشكل كامل في عام 2012م.
كان عام 2014م على موعد مع تمدد غير متوقع لتنظيم «داعش» فتمكن من طرد عناصر الجيش الحر في يناير 2014م من محافظة الرقة التي أعلنها عاصمة للخلافة المزعومة، كما سيطر بشكل شبه كامل على محافظة دير الزور النفطية، واستولى على عدة حقول نفطية وغازية في محافظة الحسكة شمال شرق البلاد وعلى مقربة من الحدود مع تركيا والعراق، فضلًا عن سيطرته على مدينة البغدادي قرب قاعدة الأسد الجوية.
وحتى منتصف عام 2014م أصبح تنظيم داعش يسيطر على نحو 35% من الأراضي السورية بمساحة متصلة جغرافيًّا، ممتدة من بادية حمص إلى الهول على الحدود السورية العراقية جنوب شرق محافظة الحسكة، وصولًا إلى بلدة الراعي على الحدود السورية - التركية، وعلى قرية شامر بالقرب من المدخل الشمالي الشرقي لمدينة حلب، وذلك وفقًا لتقرير المرصد السوري، لكن أغلب المدن والقرى التي وقعت تحت سيطرة تنظيم داعش كانت فصائل المعارضة قد تمكنت من تحريرها من النظام السوري خلال ثلاث سنوات مضت من عمر الثورة.

3-تراجع قوى المعارضة:

خلال عامي 2013م و2014م فقدت الثورة الجزء الأكبر من مكتسباتها الميدانية التي حققتها خلال مرحلة الصعود والانتصارات، بحيث صارت سوريا موزعةً بين خمس قوى رئيسية، هي:
• النظام الذي نجح في إعادة احتلال مواقع إستراتيجية مهمة كان الثوار قد حرروها في وقت سابق، وبات يسيطر على 23% مساحة سوريا، وهي المساحة الأهم التي يضم العاصمة وبعض المدن الكبرى (حمص وحماة وإدلب) وتشمل غرب سوريا بأكمله تقريبًا.
• حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (المتحالف مع النظام) سيطر بالتعاون مع قوات النظام السوري على النصف الشمالي من محافظة الحسكة، وينفرد بالسيطرة التامة على منطقة عفرين في أقصى الشمال الغربي.
• أما تنظيم داعش الذي احتل ثلاثة أرباع المناطق التي حررها الثوار في حربهم مع النظام، بات يسيطر على نصف سوريا الشرقي كله، باستثناء الجزء الخاضع لسيطرة الأكراد في محافظة الحسكة.
• بينما القوى الثورية المستقلة أو ما يسمى اصطلاحًا الفصائل الإسلامية وكتائب الجيش الحر فقد انحسرت المساحات التي تسيطر عليها بحيث صارت تقتصر على نحو 15% من مساحة سوريا، وتضم: الجزء الجنوبي من محافظة حوران، ومحافظة القنيطرة، وأجزاء من محافظتي دمشق وريفها (المناطق المحاصرة في الغوطتين الشرقية والغربية وجنوب دمشق والقلمون) ومن ريف حمص الشمالي وريف حماة الشمالي، وجبل الأكراد، وريف إدلب، وقسمًا من مدينة حلب، بالإضافة إلى ريف حلب الغربي، وتشترك جبهة النصرة مع قوى الثورة في السيطرة على تلك المناطق المذكورة.

في هذا السياق استمرت حالة الشلل المؤسسي على المعارضة السياسية (الائتلاف الوطني) بسبب طبيعته القائمة على الكتل والمحاصصات، وبلغ التدخل الخارجي والصراع على النفوذ ذروته مع «فرض» الكتلة الليبرالية الجديدة على الائتلاف في مايو 2013م، وتسبب صراع النفوذ في عرقلة وتعطيل أهم المؤسسات الثورية السياسية التي يُنتظر من الائتلاف إنجازها، وهي «الحكومة الوطنية الانتقالية»، حيث أُعلن عن تشكيل الحكومة الأولى في مارس وتم إلغاؤها في يوليو، ثم شُكلت الحكومة الثانية في نوفمبر من عام 2013م. ولم تستطع أي من الحكومتين القيام بدورها السياسي والخدمي الحقيقي بسبب الصراعات والتناقضات الداخلية، التي أنهكت الائتلاف وتسببت في تعطيله وعزله عن الثورة.

المرحلة الرابعة:
------------

التدخل الدولي واحتمالات تقسيم سوريا
لم يشفع للقوى الثورية المستقلة نجاحها في نوفمبر 2014م في الاجتماع تحت مظلة واحدة هي «مجلس قيادة الثورة» الذي أُعلن عن تشكيله في وقت متأخر جدًّا، لأن تمدد تنظيم الدولة على نصف مساحة سوريا أعطى مبررًا لتدخل الغرب عسكريًّا في سوريا بعد فشلة في توجيه ضربة عسكرية لنظام بشار الذي استفاد أيضًا من قوة الموقف الروسي وتراجع الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، حينها أعطى تنظيم الدولة مبررًا كافيًا للتدخل العسكري الغربي ومن ثم الروسي.
من ناحية أخرى، تؤكد إحصائيات حديثة أن عدد ضحايا الصراع السوري قد اقترب من ربع مليون، كما أن عدد اللاجئين السوريين في دول الجوار وصل إلى ٤٫٢ مليون بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، هذا بالإضافة إلى نحو ربع مليون لاجئ سوري في أوربا بحسب إحصائيات شهر يوليو 2015م، علاوة على 7.6 مليون نازح داخل سوريا، وبرغم ذلك لم تفلح التدخلات الدولية في إنقاذ الشعب السوري.

1- فشل التحالف الدولي:

بدأ التحالف الدولي المكون من 60 دولة أولى غاراته على الإرهاب مطلع أغسطس 2014م، واستمرت ضربات قوى التحالف على مدار عام كامل، تم خلالها توجيه أكثر من خمسة آلاف ضربة جوية وتدمير آلاف الأهداف، إلا أن ذلك لم يوقف تمدد «داعش» على خريطة الاشتباك في سوريا مما يلقي بظلال من الشك على الهدف الحقيقي من الغارات.
وبرغم هذا العدد الكبير من الضربات العسكرية إلا أن تنظيم داعش قد حافظ على مناطق نفوذه في سوريا، بل ونجح في التمدد إلى مناطق وسط البلاد حين سيطر على مدينة تدمر بعد تراجع قوات النظام السوري، كما أن خسارة التنظيم لبعض المدن لاسيما «كوباني» الكردية في شمال سوريا لم تكن ثمرة الحملة الجوية حصرًا، بل بسبب اقتران الضربات الجوية بالمعارك البرية التي خاضتها قوات كردية.
لذلك كان لفشل التحالف الدولي عدة عوامل كانت كفيلة بإعاقة حملته العسكرية، أهمها:

أ- استحالة التعاون مع القوات الحكومية التي تفتقد للشرعية بالنسبة لمعظم الدول، خاصة أن النظام السوري متهم بالتواطؤ مع تنظيم «داعش» أو في أحسن الأحوال عدم جديته في محاربته.

ب- ضعف وتشرذم المعارضة المسلحة واختلاف أهدافها وتعدد ولاءاتها.

ج- تخوف بعض القوى الإقليمية لاسيما تركيا من التواطؤ والدعم الغربي الصهيوني للأكراد في شمال سوريا بهدف عزل تركيا عن محيطها الإسلامي، الأمر الذي جعلها أقل دعمًا للتحالف الدولي حتى وإن كانت قد شاركت في بعض العمليات العسكرية ضد الإرهاب في سوريا، لذلك كانت متهمة بشيء من التساهل على حدودها الطويلة مع سوريا. د- فشل العمليات العسكرية الجوية كان يحتاج لعمليات برية إلا أن واشنطن كانت قد أبدت وعدة دول غربية عدم نيتها خوض أي معركة برية.

2- التدخل الروسي:

إذا كان التحالف الدولي قد رفض إعطاء أي شرعية لنظام بشار أثناء حربه على الإرهاب في سوريا فإن التدخل العسكري الروسي في سوريا مطلع أكتوبر 2015م جاء أصلًا لدعم وإنقاذ النظام السوري، لكن أغلب التوقعات تشير إلى أن التدخل العسكري الروسي لم يأت إلى سوريا للقضاء على تنظيم «داعش» كما هو معلن، بل من أجل التخلص من فصائل المعارضة السورية التي تشكل خطرًا حقيقيًّا على نظام بشار.
وبعد مرور أكثر من أسبوعين على الضربات الجوية الروسية لأهداف مختلفة في سوريا أظهرت بعض النتائج الأولية أن تركيز تلك الضربات يستهدف مدن وقرى تلبيسة والرستن في ريف اللطمانة في ريف حماة، وهي مناطق لا تخضع لسيطرة «داعش»، كما تبين أن أول ضحايا القصف كانوا من المدنيين، فضلًا عن أن الإعلان الروسي المتكرر لقصف محافظة «إدلب» وحماة يؤكد بما لا يقبل التأويل أن فصائل المعارضة السورية هي المستهدف الأول، بينما يتم استخدام تنظيم «داعش» لتبرير الوجود العسكري الروسي فقط.

في الوقت نفسه، استغل النظام السوري قصف الطيران الروسي لمواقع الثوار وبدا أكثر تحفزًا نحو استعادة بعض المناطق في ريف حماة وسهل الغاب، لكن صمود الثوار حال دون نجاح قوات النظام في إحراز أي تقدم مهم، لكن حتى الآن لم يحقق النظام العلوي أي نجاح يذكر في هذا الشأن، لكن نجاحه الوحيد كان بفضل تنظيم داعش الذي تنازل طوعًا في يونيو 2015م عن بعض القرى في ريف حلب لقوات النظام السوري، ليؤكد تحالف كل الأطراف المحلية والدولية على الثورة السورية.

3- احتمالات تقسيم سوريا:

يبقى احتمال تقسيم سوريا وارد بقوة لأن النظام السوري قد أنجز الجزء الأكبر من المهمة، كما أن التدخلات الدولية ساعدت على ذلك بشكل كبير، خاصة أن مسألة الإعلان عن دولة كردية في الشمال السوري أصبحت قاب قوسين أو أدنى بفعل الدعم الغربي، كما أن سيطرة تنظيم الدولة على نحو نصف الخريطة السورية لم يعد يزعج المجتمع الدولي الذي يقف متفرجًا على التدخل الروسي الساعي إلى تفريق قوى المعارضة السورية فقط دون أي اكتراث لتمدد تنظيم الدولة، والواضح أن الهدف الأهم للتدخل الروسي يكمن في مساعيها القديمة في وضع موطئ قدم في منطقة الشرق الأوسط.


https://fbcdn-photos-b-a.akamaihd.net/hphotos-ak-xtp1/v/t1.0-0/s526x395/12733610_1003314713082463_5459561285016434949_n.jp g?oh=862ad7b2e6df84e2667aa255f9000e0a&oe=576B6D6F&__gda__=1465793354_89ac937b72f2b2f285b693c09e412ea 4
--------------------------------