المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابستمولوجيا الشهادة والتواتر ومذهب العلموية


عبدالناصر محمود
02-20-2016, 08:55 AM
ابستمولوجيا الشهادة والتواتر ومذهب العلموية
ـــــــــــــــــــــــ

(مهند الحسني)
ــــــــــ

11 / 5 / 1437 هــ
20 / 2 / 2016 م
ــــــــــــ




ابستمولوجيا الشهادة والتواتر
----------------

فلسفة العلوم هو فرع من الفلسفة الرسمية وهي مهتمة بأسئلة عن العلم والطريقة العلمية. وهي ليست محاولة لانتاج العلم، لكن لطرح أسئلة عن كيفية انتاج العلم وسبب انتاج العلم ولماذا طريقة انتاج العلم وكيفيته هي طريقة مناسبة.
عمليا ... ففلسفة العلوم هي مرادفة للطريقة العلمية (scientific method) فهي الفلسفة والمفهوم المثالي الذي يلتزم فيه العلماء ويؤمنون أنه يجب أن يتنسبوا إليه.

بعض الشروحات لبعض المبادى المتصلة بفلسفة العلوم.
• نظرية المعرفة (Epistemology): هو فرع من الفلسفة التي تهتم بالمعرفة وكيفية قبولنا كون بعض الأشياء صحيحة ، وكيفية استدلالنا لهذا القبول.

• التجريبية (Empiricism) : وهي مجموعة طرق فلسفية لبناء المعرفة والتي تركز على أهمية الدليل الملاحظ من العالم الطبيعي.

• الاستقراء (Induction): طريقة استدلال حيث يحتج فيها بالتعميم ليكون صحيحا اعتمادًا على أمثلة فردية والتي يبدو انها متناسبة مع ذلك التعميم. كمثال، فمن ملاحظة أن الأشجار والبكتيريا والحشرات والبشر يمتلكون خلايا، فهنا يمكن للشخص أن يستدل من خلال الاستقراء بأن جميع الكائنات الحية تمتلك خلايا.

• الاستنباط (deduction) : طريقة استدلال حيث نصل به الى الاستنتاج اعتمادًا على فرضيات. كمثال، لو عرفنا عرفنا أماكن القمر والشمس والأرض بالنسبة لبعضهم البعض، فيمككننا الاستنباط بتاريخ ومكان الكسوف الشمسي القادم.

• الاستدلال التخميني ( Abductive reasoning): هي طريقة للاستدلال المنطقي التي تنتقل من الملاحظة للفرضية التي تستطيع تفسير المعلومات (الملاحظة) وتسعى لتفسير الدليل المتعلق به. الاستدلال التخميني هو تخمين أن (أ) هو تفسير يحتمل أن يكون صحيحا لأن (ب) نتيجة طبيعية وحتمية. لذلك، فالتخمين بـ (أ) من (ب) يعتمد على تحديد أن (أ) هو سبب كافي لكن لا يلزم بالضرورة لتفسير (ب).
مسمى آخر للاستدلال التخميني هو (الاستدلال بأفضل تفسير) والذي طرحه الفيلسوف جيلبيرت هارمان ولكن بطريقة مختلفة. الاستدلال بأفضل تفسير يقول: أنه في العادة، هناك عدة فرضيات التي من الممكن ان تفسر الدليل، ولهذا السبب فيجب علينا استبعاد جميع الفرضيات البديلة حتى يمكننا من الاستدلال بالتفسير الأفضل.
واحدة من الأمثلة الكلاسيكية للاستدلال بأفضل تفسير هو في تفسير العشب الرطب. لو كان العشب رطبا، فمن المحتمل أنها أمطرت. المطر أفضل تفسير للعشب الرطب، خاصة في منطقة إنجلترا الجديدة. لكن هذا لا يلزم منه أن يكون أفضل تفسير في منطقة أريزونا في ذروة الموسم الجاف، حيث من المحتمل أن تكون أنظمة الرشاش الآلي هي أفضل تفسير للعشب الرطب – خاصة لو كان العشب رطبا ولكن أرضية الشارع جافة.
ملاحظة: عند الاستدلال بأفضل تفسير، فلا يلزم من ذلك أن تكون قادرًا على تفسير (أفضل تفسير) لأن هذا ممتنع عقلا حيث يجرك إلى سلسلة لا تنتهي من التفسيرات وبذلك تكون عاجزا عن بناء معرفة وهذا منهج هدام لنفسه. مجرد استبعاد الفرضيات البديلة يعد كافيا لتطبيق هذا الاستدلال المنطقي.

• البارسيموني/ شفرة أوكام – هذه الفكرة تقول: أنه عندما تكون جميع الأشياء متكافئة، فيجب علينا اختيار التفسير الأبسط على التفسير الأعقد. الشفرة تقول أنه يجب اختيار النظريات الأبسط حتى تكون البساطة يمكن أن تستبدل بـقدرة تفسيرية أفضل.
استخدام عملي لهذه الفكرة هو عندما يطرح الخصم فكرة الآلهة المتعددة أو فكرة الأكوان المتعددة، فالشفرة تلزم أن يكون هناك إله واحد سبب وجود كون معد بعناية لعيش الكائنات الحية كأبسط تفسير.

• مشكلة وضع الحدود (Demarcation problem) وهي مشكلة في التفريق بين العلم والعلم المزيف بشكل جيد. معظم فلاسفة العلوم المعاصرين يتفقون بشكل واسع انه لا يوجد معيار واحد وبسيط يمكن استخدامه لوضع حدود العلم.

• قابلية التفنيد (Falsifiability ) وهي النظرة المرتبطة بالفيلسوف كارل بوبر، وهي أن الدليل يمكن استخدامه فقط لاستبعاد الأفكار وليست لدعمها. بوبر قدم أن الأفكار العملية يمكن تجربتها من خلال التفنيد، وليست من خلال بحث يدعم الدليل. كارل بوبر اقترح قابلية التفنيد كحل لـمشكلة وضع حدود العلم، ولـمشكلة التعميم الموجود في المنهج الاستقرائي.

مذهب العلموية
مذهب العلموية يدعي أن الفكرة غير صحيحة إذا لم نستطع اثباتها علميا. بشكل آخر، لو كان الشيء لا يمكن اثباته من خلال الطريقة العلمية، فهذا الشيء خاطئ.
هناك عدة مشاكل بالعلموية، كمثال:
• مذهب العلموية يهدم نفسه، فالعلموية تتدعى أن "الفكرة خاطئة اذا لم يتم اثباتها علميًا". لكن هذا الافتراض نفسه لا يمكن اثباته علميًا ! هو مثل أن نقول "ليست هناك جملة في اللغة الإنجليزية أكثر من ثلاث كلمات" أو "لا يمكنني التحدث بكلمة واحدة من اللغة الإنجليزية"
• مذهب العلموية لا يمكنه اثبات الحقائق الضرورية في الرياضيات والمنطق، مثل لو لدينا أ فلدينا ج، لدينا أ، إذا فلدينا ج، و مثل 3+ 3 = 6 ، هذه الأمثلة هي حقائق ضرورية وليست مجرد ملاحظات تجريبية.
• مذهب العلموية لا يمكن أن يثبت الحقائق الأخلاقية والجمالية مثل الحب والجمال والصواب والخطأ.
• مذهب العلموية لا يمكنه اثبات مصادر المعرفة الأخرى مثل الاعتقادات المعتبرة من خلال "الشهادة الموثوقة" (authentic testimony).

مشكلة رئيسية في العلموية هي أن الحقائق يمكن بنائها خارج النطاق العلمي فالشهادة الموثوقة هي مصدر معرفة مقبول والذي ناقشه علماء الإبستمولوجيا بتفصيل لتفسير أن القيل والقال من الأخرين – ضمن معايير معينة – هي أساس للحقيقة.
ابستمولوجيا الشهادة
ابستمولوجيا الشهادة هو فرع من نظرية المعرفة وهي مهتمة بكيفية اكتساب المعرفة والاعتقاد المعتبر من كلام الناس. لذلك، فأهم الأسئلة الرئيسية التي تحاول الإجابة عنها هو "كيف يمكننا امتلاك اعتقاد معتبر أو معرفة اعتمادًا على ما يقوله الناس لنا؟"
الكثير من الحقائق التي نمتلكها معتمدة على الشهادة الموثوقة، لأننا نثق بكلام الآخرين وليس لدينا سبب مقنع لرفض ما قالوه. هذا خاصة عندما يكون لدينا عدة أناس يقولون نفس الشي عن طريق سلاسل مختلفة من النقل ( المعروفة بخبر التواتر في الفكر الإسلامي).

البرفيسور (سي إي جاي كودي) يبرز أهم الحقائق التي نقبلها اعتمادًا على الشهادة، حيث يقول: " الكثير منا لم يرى طفلا يولد، أو تفحص الدورة الدموية ..... "
وقال غيره أن منكر الشهادة كمنكر أن أمه ولدته
والبرفيسور المساعد (بنجامين ماكملير) في كتابه (الشهادة والحقيقة والسلطة المعرفية) يشرح أن بعض الأشياء التي نعرفها هي بسبب الشهادة:
"هنا بعض الأشياء التي أعرفها. أعرف أن الأفعى نحاسية الرأس هي اكثر الثعابين السامة في منطقة هوستن العظمى. أعرف ان نابليون خسر معركة واترلو. أعرف - وأنا أكتب - أن السعر المتوسط للبنزين هو 4.10 دولار أمريكي للجالون، وأعرف أن والديَ رجعوا للمنزل من رحلة لكندا. كل هذه الأشياء أعرفها اعتمادًا على ما يسموه علماء الابستمولوجيا بالشهادة، أي اعتمادًا على أنه تم اخباري عنهم من خلال شخص أو مجموعة أناس"

بالرغم من أنه موضوع واسع، فإنه يوجد اجماع عام أن الشهادة الموثوقة هي مصدر معرفة، لكن، هناك اختلاف بين علماء الابستمولوجيا في كيفية التحقق من صحة نقل المعرفة من خلال الشهادة. حتى العلماء يحتاجون للشهادة كمصدر معرفة حتى يفهموا العلم نفسه. كمثال، فهناك عدة افتراضات في العلم مبنية تماما على القيل والقال من العلماء.
في أية نقاشات هناك في موضوع الشهادة، فالنقطة الرئيسية لبيانها هي أنها مصدر معرفة صحيح. لذلك، ففكرة أن العلم هي الطريقة الوحيد لبناء الحقيقة هي فكرة خاطئة.

البرفيسور (كيث ليرير) يلخص صحة الشهادة كمصدر للمعرفة حيث يقول:
"السؤال الأخير الذي ينشأ عن قبولنا للشهادة هي: ما الذي يغير قبولنا لشهادة الآخرين لمعرفة؟ الجزء الأول من الجواب هو أنه أنه يجب أن نكون واثقين في تقييمنا لثقة الآخرين، ويجب أن نقبل أن هذا هو الواقع. وأيضا، ثقتنا يجب أن تكون مرتبطة بحقيقة، أي أن الأخرين في الواقع، يجب أن يكونوا موثوقين وموثوقيتهم يجب ان تكون مرتبطة بحقيقة، وهذا يجب أن نقبله كواقع. باختصار، قبولنا للشهادة يجب أن يكون مفسرًا بطريقة غير باطلة بأخطاء نرتكبها في تقييمنا لشهادتهم. شهادة الآخرين المقبولة والغير باطلة هي معرفة."

في الابستمولوجيا الشهادة (testimony) تعتبر من مصادر المعرفة، واذا طبقت بشكل جيد، فإنها تؤسس اعتقادات معتبرة. الشهادة هي مصدر معرفة مقبول فقط عندما يكون من مصدر موثوق و خاصة إذا كان هناك مصادر متعددة متفقة عليها. طبعا هناك شروط في كيفية استعمال الشهادة، لكن في أغلب الحالات، فنحن نعتبر الشهادة كمصدر معرفة مقبول. خذ كمثال عن يقيننا بوجود الصين.
الكثير منا لم يذهب الصين، والكثير منا لم يأكل الطعام الصيني في الصين، ولم يتكلم مع شخص في الصين. كل ما نتملك كدليل هو خريطة وأناس يخبروننا أنهم سافروا للصين، لكن هل الخريطة دليل؟ الأ يمكن لشخص أن ينتج خريطة ويرسم دولة جديدة ويسميها فوفولا؟ هل التحدث مع شخص صيني دليل؟ ألا يمكن لشخص أن يأتي ويدعي أنه فوفولي ؟ ماذا عن الناس الذين سافروا للصين، هل هم مصدر معرفة، الأ يمكن لأناس أن يأتوك ويخببروك أنهم من فوفولا، كل هذه الأسئلة تقلل من يقيننا من وجود الصين!
بالمقابل، لو تأملنا في سبب يقيننا عن وجود الصين لاستنتجنا أنه بسبب الشهادة المتكررة. الشهادة المتكررة هي عبارة عن عدد كبير من الناس تروي دعوى عن معرفة ( مثل وجود الصين) والذي من المستحيل عليهم أن يتفقوا على كذبة أو يكذبوا جميعهم في نفس الوقت.


أجمع العقلاء على أن أى نسق فكرى يقوم على منهج يبدأ من مقدمات
1-إما ضرورية كالبديهيات والمشاهدات والمتواترات والحدسيات ويمكن أن تضم إليها دلالة المعجزة عل صدق من أتى بها فى موضع التحدى وخبر من دلت المعجزة على صدقه إذا كنت ممن يؤمن بذلك دون استدلال وتعتبره من المقدمات الأولية وإلا اعتبرناه مركب من الحس والتواتر
2-وإما مسلمة كالمشهورات والمقبولات والظنيات عموما التى ترجح فيها جانب على آخر وأوجب التصديق بها قرائن الأحوال كالعلم بنزول المطر عند طلوع السحاب .
وما نزل عن ذلك من مخيلات ووهميات ومكذوبات فلا يؤخذ به فى العلوم .
ثم يتوصل من تلك المقدمات إلى قضايا أخرى نظرية تسمى بالمطلوبات أو النتائج عن طريق ما يسمى بطرق الاستدلال أو البراهين وهو تختلف من منهج لآخر كما تختلف باختلاف موضوع البحث .

وما يميز الإسلام عن غيره هى مجموعة شروط جعلت من مفهوم النقل تواترا
وشروط التواتر التي تفيد العلم اليقيني الضروري، والتي اتفق عليها العقلاء هي

1- عدد كثير أحالت العادة تواطؤَهم، أو توافُقَهم، على الكذب.
2- رووا ذلك عن مثلهم من الابتداءِ إلى الانتهاءِ.
3- وكان مُسْتَنَدُ انْتِهائِهم الحِسَّ.
ومتى تحققت الشروط الثلاثة تحقق التواتر، ولزم منه علم ضروري لا مجال لإنكاره أو لتكذيبه

وشروط التواتر الثلاثة السابقة توجد حصريًا في دين الإسلام، بينما تُفقد في بقية الأديان، فلا يزعم دين من الأديان على وجه الأرض تواتر نصوصه، بل يعترفون بوجود الإنقطاع في درجة من الدرجات أثناء النقل، وهو ما يُسقط شرط التواتر

ــ منقول من عدة مصادر بتصرف ــ


---------------------------