المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاقتصاد الكلي بين الفكر البشري وشريعة الخالق


Eng.Jordan
02-21-2016, 02:50 PM
الاقتصاد الكلي
بين الفكر البشري وشريعة الخالق






ماهــر الكببجي
maherkababji1@hotmail.com
مقدمــــــــــة




مع تطور الشعوب وتعدد وجهات نظر القائمين على الشأن العام تباينت الأنظمة الاقتصادية التى اعتمدتها الدول ، فمنها من طبق نهجاً إشتركياً يقوم على تملك الدولة أو العمال لوسائل الإنتاج والتوزيع ، ومنها من اعتمد النظام الرأسمالي الذى يقوم على احترام الملكية الفردية بما ينطوى عليه من تغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة ، ومنها من اتبع نهجاً مختلطاً تمتلك فيه الدولة الصناعات الأكثر حيوية وأهمية ، بينما يترك للقطاع الخاص مزاولة الأنشطة الاقتصادية الأخرى ، ومؤخراً تبنت دول نهجاً ادعت أنه إسلامي يبتدع حيلاً لتقليد النظام الرأسمالي .

على الرغم من تميز كل نظام بمعالم خاصة به ، إلا أنها جميعاً تشترك فى اعتمادها نظاماً نقدياً فرضه الفكر الرأسمالي على جميع دول العالم دون استثناء ، فكانت النتيجة تميز إقتصاديات الدول بعدم الاستقرار وتركز الثروات بيد فئة قليلة ، وتزايد عدد الأزمات المالية خصوصاً خلال العقود الأربعة الأخيرة ، فانتشرت الثورات والمظاهرات فى العالم على اختلاف شعاراتها للتعبير عن السخط على الظلم الاجتماعي الناتج عن السياسات الاقتصادية الوضعية ولتؤكد فشل الأنظمة الاقتصادية الوضعية القائمة فى تحقيق الرخاء المادي . مع تفاقم معاناة الشعوب ،
لقد أصبح من الضروري تكثيف الجهود لتقديم نظام إقتصادي بديل يرتكز إلى أحكام خالق البشر التى شُرعت لسعادة البشرية .

تناولت الشرائع السماوية جميعها مسائل إقتصادية ، على أن الإسلام تميز بشمولية عرض قواعد ثابتة تمهد الطريق لتأسيس نظام إقتصادي عادل متكامل يصلح لجميع البشر في كل زمان وفي كل مكان وعلى اختلاف معتقداتهم ؛
·يستهل القرآن الكريم بسورة الفاتحة حيث يطلب المسلم الهداية من الخالق " إهدنا الصراط المستقيم" ، ليتلقى الجواب في مستهل سورة البقرة التالية بأن القرآن الكريم هو كتاب الهداية " ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" .
·أنزل القرآن متوافقاً مع المسيحية "وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين (46) وليحكم أهل الإنجيل يما أنزل الله فيه (47)" (المائدة 5) .
·أنزل القرآن متوافقاً مع اليهودية "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون (44)" (المائدة 5).
·أنزل القرآن هداية لكل البشر بصرف النظر عن معتقداتهم "إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها(41)" (الزمر 39) .

خلافاً للأنظمة الحياتية المعاصرة التى ترتكز على مبادىء وأسس وضعها البشر فى شكل دساتير تحدد معالم النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى تعتمدها كل دولة ، فإن الأنظمة الحياتية فى الإسلام تستند على أسس من العقيدة الإسلامية التي تعد منطلقاً أساسياً لفهم أحكام القرآن الكريم .

تقضى العقيدة الإسلامية بوجوب الإيمان بالله خالق كل شيء "ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء" (الأنعام 6 : 102) ، وهو مالك كل شيء " للله ملك السماوات والأرض وما فيهن" (المائدة 5 : 120) ، وما الملكية الخاصة سوى ملكية مؤقته فالناس يموتون والله حي لا يموت " وإنا لنحن نحى ونميت ونحن الوارثون " (الحجر 15: 23) .

وقد استخلف الله عز وجل الناس فى الأرض " وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" (الحديد 7 :57) ضمن اطار وحدود الغاية من خلق الناس وهى عبادته جل وعلا "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (الذاريات 51 :56) ، والعبادة طاعة لا تقتصر على تأدية فروض العبادة لشكر الخالق ، وإنما تمتد لتشمل وجوب الالتزام بأحكام المعبود فى حياة عباده فى الدنيا ، فالعبد لا يشرع لنفسه ما يجب عليه فعله وإنما القرآن الكريم هو دستور حياة الناس " ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" ( البقرة 2 :1) ، وبمشيئة الله الواهب للقدرة على التصرف " وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين " (التكوير 81:29) يكون للعبد سلوك الطريق لتنفيذ أحكام وأوامر خالقه فينال الثواب أو أن يعصاها ويتحمل العقاب " ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذاباً أليما" (الفتح 48 : 17) .

تقتضى طاعة الخالق فى أمور الحياة العمل بأوامره " فاتقوا الله واطيعونِ" (الشورى 26: 108) ، واجتناب المحرمات " ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون " (البقرة 2: 229) ، واجتناب الشبهات : " إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام " (حديث الرسول صلى الله عليه وسلم - صحيح مسلم) .

وفى الاقتصاد ، بينت آيات القرآن الكريم معالم الاقتصاد الإسلامي وفصلت أحكامه فحرمت ما لم تجزه الشريعة الإسلامية وأوضحت ضوابط ما شرعه الخالق ، فيكون للناس ، بوصفهم مستخلفين ، وعليهم ، بوصفهم عباد الله ، إعداد الآليات ووضع الأنظمة وإصدار القوانين واتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ دستور الحياة المبينة أحكامه فى القرآن الكريم .

حيث يعنى علم الاقتصاد بدراسة مختلف الأنشطة المتعلقة بالثروة بهدف تحقيق الرخاء باعتباره الجانب المادي لسعادة البشر ، فإن الجزء الأول من البحث يعمد إلى تقديم النشاط الاقتصادي ، وحيث يترتب على مزاولة النشاط الاقتصادي مشاكل ، فإن الجزء الثانى يستعرض المشاكل الاقتصادية ، وحيث توضع الأنظمة الاقتصادية للتغلب عليها ، فقد خصص الجزء الثالث لبيان الأسس التى تقوم عليها هذه الأنظمة . وفى كل فصل من فصول هذه الأجزاء ، يتم بيان أحكام الإسلام ذات العلاقة بهدف التوصل إلى أنظمة بديلة تحقق الرخاء على المستويين القومي والفردي .

"وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله" (الشورى 42 : 10)





الجزء الأول
النشاط الاقتصادي

يقصد بالنشاط الاقتصادي مجموعة الأنشطة التى تهدف إلى زيادة الدخل المكتسب . الدخل نوعان ؛
1.الدخل المكتسب Earned Income ، ويقصد به الدخل الناتج عن مزاولة نشاط إقتصادي ، ويترتب عليه زيادة فى الدخل القومي .
2.الدخل غير المكتسبUnearned Income ، ويقصد به الدخل الناتج عن تحويل المال إلى الغير ، ويترتب عليه إعادة توزيع للثروة . يشمل الدخل غير المكتسب الدخل من الميراث والوصية ، ومن التبرعات والزكاة والمساعدات الحكومية والصدقات والهبات والهدايا وما فى حكمها ، بالإضافة إلى إلإقراض غير الربوي فهو مجرد تحويل مؤقت للمال .
خلافاً للدخل المكتسب ، فإن الدخل غير المكتسب ليس نتاج مزاولة نشاط اقتصادي ، وإنما هو مجرد انتقال للثروة فيما بين الأفراد لا يترتب عليه زيادة أو نقص فى الناتج القومي ولا زيادة أو نقص فى الدخل القومي .

كان النشاط الاقتصادي يكاد ينحصر فى النشاط الإنتاجي ، ولكن بعد استحداث الأنظمة الضريبية والبنوك والأسواق المالية وانتشار الفساد المالي ، تميزت الاقتصاديات المعاصرة بتنامى امكانات تحقيق كسب مادي من خلال ممارسة أنشطة مالية غير إنتاجية ، وبذلك أصبح النشاط الاقتصادي الحالي يشمل :
النشاط الإنتاجي و النشاط المــالي


الفصل الأول
النشاط الإنتاجي


يهدف النشاط الإنتاجي إلى كسب المال عن طريق مزاولة نشاط يترتب عليه زيادة مباشرة فى الناتج القومي . يقوم النشاط الإنتاجى على استغلال الموارد وتصنيعها وتطويرها وتحويلها إلى منتجات قابلة للتسويق . العاملون فى المناجم يستخرجون المواد الخام والمصنع ينتج ويطور سلعاً والمزارع ينتج خضروات وفواكه والمقاول يبني أصولاً ثابتة والتاجر يسوق المنتجات والطبيب يقدم خدمة .
ورد تشريع النشاط الإنتاجي فى الآية الكريمة "يا أيها الذين آمنوالا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة " (النساء 4 : 29) . وبالتعمق فى فهم الآية الكريمة يتضح أن :
·مفهوم كلمة "المال" فى القرآن الكريم يتسع ليشمل جميع الإمكانات المادية . والأموال قد تكون موجودات ملموسة من سلع وأصول ثابتة ومنقولة أو خدمات أو نقود ، وقد تكون موجودات غير ملموسة مثل حقوق الاختراع ، والموجودات قد تكون مملوكة بعينها أو مملوك حق الانتفاع بها ، وقد تكون الملكية دائمة أو مؤقتة .
·مفهوم كلمة "التجارة " فى القرآن الكريم يمتد ليشمل جميع أوجه النشاط الإنتاجي مثل الزراعة والصناعة والمقاولات وكذلك تقديم الخدمات التعليمية والصحية وغيرها .
·قوله تعالى " لا تأكلوا أموالكم " يؤكد أن الأصل فى الشريعة الإسلامية هو احترام الملكية الخاصة ، فلا يجوز التعدى على مال الغير .
·قوله سبحانه " بالباطل " يشرع التعدى على مال الغير بحدود استرداد المال الذى مصدره غير مشروع .
·قول الخالق " إلا أن تكون تجارة " يؤكد على أن التجارة هي المصدر الوحيد المشروع لكسب المال ، فلا يجوز كسب مال عن غير طريق التجارة .


العملية الإنتاجية
الموارد هي مدخلات النشاط الإنتاجي والمنتجات هي مخرجات النشاط الإنتاجي.
1.الموارد
تشمل الموارد موارد بشرية وموارد طبيعية . يقصد بالموارد البشرية أفراد المجتمع . أما الموارد الطبيعية فتشمل المواد الخام التى تستخرج من الأرض مثل الحديد والذهب أو من الفضاء الخارجي مثل الطاقة الشمسية .
يشرع القرآن الكريم مزاولة الإنسان للنشاط الإنتاجي باستغلاله للموارد البشرية والطبيعية ، وهى هبة من الله بدون مقابل ، ففى خلق الناس توفير للموارد البشرية "والله خلقكم وما تعملون" (الصافات 37: 96) ، وفى تسخير الموارد الطبيعية إجازة لإستغلالها "الم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة" (لقمان 31: 20) .


2.المنتجات
تشمل المنتجات من أصول ثابتة ومنقولة وسلع وخدمات ، منتجات استهلاكية ينتفع بها فوراً مثل الغذاء والكساء ، وكذلك منتجات تنموية (رأسمالية) تعد لإستعمالها لاحقاً خلال فترة زمنية مثل الآليات والمركبات والمبانى والطرق والجسور ، بالإضافة إلى المهارات المعرفية التى يكتسبها الإنسان بالعلم والخبرة مثل معرفة طرق الإنتاج .
يشرع الخالق استغلال الموارد البشرية والطبيعية بقصد إنتاج منتجات استهلاكية ، "يا أيها الناس كلوا مما فى الأرض حلالاً طيباً" (البقرة 2 :168) ، وكذلك منتجات تنموية (الرأسمالية) "واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم فى الارض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً" (الأعراف 7 : 74) .


ضوابط العملية الإنتاجية فى الإسلام
وحيث شرع الخالق مزاولة النشاط الإنتاجي ، فإن آيات القرآن الكريم بينت ضوابط العملية الإنتاجية ؛
·الاعتدال
يأمر القرآن الكريم بالاعتدال فى استغلال الموارد وما ينتج وما يستهلك من المنتجات وما ينفق لأجل المعيشة ؛
ينهى عن البخل فى الانتاج وفى الاستهلاك "الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذاباً مهينا" (النساء 4 : 37) ،
يحرم الإفراط والتبذير والإسراف "ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" (الأنعام 6 : 141) .

·المحافظة على البيئة
أوجبت الشريعة الإسلامية الالتزام بعدم تلويث البيئة أو إفساد الأنظمة الطبيعية الذى قد يحدث بسبب ممارسة العملية الانتاجية " ظهر الفساد فى البر والبحر " (الروم 30 :41) .
·تحريم بعض المنتجات
يحرم القرآن الكريم إنتاج واستهلاك بعض السلع مثل الخمور "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه" (المائدة 5 : 90) ، وبعض اللحوم "حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب" (المائدة 5 : 3) .

عوامل الإنتاج وعوائدها
يقصد بعوامل الإنتاج العوامل التى تشارك فى العملية الإنتاجية . تمثل الموارد الطبيعية والبشرية العوامل الأولية للإنتاج ، ولكنه لا يمكن أن تستغل الموارد البشرية والطبيعية جميعها مباشرة فى الإنتاج ، فمن الموارد الطبيعية يمكن أن يستفاد من المواد التي تستخرج ويتم إعدادها للمشاركة فى العملية الإنتاجية ، ومن الموارد البشرية يمكن توظيف الأفراد المؤهلين للعمل فى المجال الإنتاجي . فالعملية الإنتاجية تتطلب توفر المواد والعمل معاً ، ولا يمكن المباشرة فى الانتاج ما لم يقترن توفرهما يتحمل المستثمر مخاطر الاستثمار فيقدم عليه .

ومن الضروري أن يكون لكل عامل من عوامل الإنتاج عائد مقابل مشاركته فى العملية الإنتاجية ، وعليه فإنه يمكن حصر عوامل الإنتاج وبيان عوائدها كما يلى ؛
1-المواد
تشمللمواد جميع المنتجات التي يتم إعدادها للمشاركة فى العملية الإنتاجية سواء بمجرد استخراجها مثل المعادن ، أو جمعها مثل البذور أو الأشتال ، أو بعد تصنيعها أو تطويرها أو تشكيلها مثل الوقود والآليات والمعدات والطرق والمبانى . تُحمل كلفة المواد للمستهلك بكامل قيمتها كما فى حالة البذور والأشتال ، أو بقيمة الإيجار كما فى حال استئجار المبانى ، أو بقيمة الاستهلاك كما فى حالة الآليات والمبانى .
لأن المواد الخام هبة من الله بدون مقابل والاستهلاك هو بمثابة إيجار منفعة ، فإنه يمكن القول بأن الإيجار عائد المواد .
يستمد الإيجار بوصفه عائد المواد شرعيته من مشروعية البيع "وأحل الله البيع " (البقرة 2: 275) . فالإيجار هو بيع منفعة عينية وفق تصنيف البيوع فى كتب السلف الصالح .


2-العمل:
يعبر العمل عن جميع الجهود العضلية التي يتم توجيهها للمشاركة فى العملية الإنتاجية ،، كما ويشمل العمل أيضاً الجهود الذهنية والعقلية التي توجه للإنتاج . وباعتبار العمل بيع منفعة تتمثل فى الجهد المبذول ، فإنه يترتب على المستثمر تأدية الأجور بوصفها عائداً مقابل العمل نقداً أو عيناً .
يشرع القرآن الكريم العمل العضلي "ويصنعُ الفلك " (هود 11 : 38) ، وكذلك العمل الذهني "قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم" (يوسف 12 : 55) .
كما يشرع الله الأجور بوصفها عائد العمل إذ يقول الرحمن " قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا" (القصص 28 : 25) .


3-المخاطرة
تمثل مخاطر الاستثمار أصلاً حسياً يتسبب فى الشعور بالقلق ويترتب عليه معاناة المستثمر ، فالمستثمر يخاطر بماله . وفى مقابل تحمله مخاطر الاستثمار، يستحق المستثمر عائداً . الربح جزاء المشاركة فى العملية الإنتاجية وحافز للإستثمار ، ولو لم يكن هناك حافز للمستثمر ، فإنه لن يقدم أحد على الاستثمار .
ورد تشريع الربح فى القرآن الكريم من خلال تشريع النشاط الإنتاجي ذاته كاستثناء من أكل المال بالباطل"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراض منكم" (النساء 4 : 29) . فحيث تنطوى التجارة ، عادة ، على ربح أو خسارة . فإنه يترتب عليها زيادة ثروة فريق على حساب نقصان ثروة الفريق الآخر .
إنتقال ملكية منزل بقيمة 100,000 دولار من شخص لآخر مقابل مبلغ 100,000 دولار يغير فى مكونات ثروة كل منهما وليس فى قيمتها ، بينما انتقال ملكية نفس المنزل مقابل مبلغ 120,000 دولار يزيد فى ثروة البائع بمقدار الربح البالغ 20,000 دولار ، لأنه تنازل عن موجودات كلفتها 100,000 دولار مقابل حصوله على 120,000 دولار ، وينقص ثروة المشتري بنفس المقدار لأنه اكتسب موجودات كلفتها 100,000 دولار مقابل تنازله عن مبلغ 120,000 دولار .


يختلف التصنيف السابق لعوامل الإنتاج وعوائدها عن التصنيف فى الاقتصاديات الوضعية ، فقد أجمع الاقتصاديون على اعتبار النقود ضمن عوامل الإنتاج ، وبالمقابل أضافوا الفائدة ضمن رأس المال لتكون أحد عوائد عوامل الإنتاج . وفى ذلك ترسيخ لمفهوم النقود كرأسمال للعملية الانتاجية وإجازة لحصول المستثمر على الفائدة بالإضافة للربح رغم أن النقود بذاتها لا يمكن لها أن تشارك فى العملية الإنتاجية ما لم تتحول إلى مواد أو عمل ، كما أن الفائدة هى فى الواقع العملي عائد إقراض النقود وليس عائد مواد أو عمل أو مخاطرة باستثمار .
يحرم الإسلام الفائدة "وحرم الربا" (البقرة 2 : 279) .


الســــوق
يقصد بالسوق مجموعة العناصر التي تتشكل لإتمام التعاقدات الخاصة بتبادل المنتجات وشروط التبادل وتحديد الأسعار . يختلف تأثير عناصر السوق على تحديد سعر المنتج باختلاف الزمان والمكان وطبيعة المنتج المعروض وحجم الطلب والعرض الآني والمتوقع .

أشار آدم سميث فى كتابه " ثروة الأمة" الصادر عام 1776 إلى نظام التسعير الطبيعي باعتباره " اليد الخفية" ، وأضاف ؛ "إذا حدث نقص فى سلعة ما ، فإن سعرها سيرتفع محفزاً على إنتاجها ومسبباً انخفاض استهلاكها ، فيكون ذلك علاجاً لنقص المعروض منها . إن تزايد حدة المنافسة بين الصانعين وزيادة العرض أيضاً يتسبب فى إنخفاض سعر المنتج إلى تكلفة إنتاجه مضافاً إليها ربح بسيط ليشكلا سعراً طبيعيا" . ويعتقد سميث أنه "إذا خلا الدافع البشري من الأنانية ، فإن حرية السوق تكون فى مصلحة المجتمع بكامله" .




السوق أحد الأنظمة التى خلقها الله سبحانه لتنظيم حياة مخلوقاته . يمثل السوق الطبيعي اطاراً مفروضاً لإتمام المبادلات وتسعير المنتجات من خلال تفاعل حر بين عاملي الطلب والعرض "ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها" (الأعراف 7 : 56) .