المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وظيفة القراءة والكتاب في بناء مجتمع النهضة


عبدالناصر محمود
02-27-2016, 08:59 AM
وظيفة القراءة والكتاب في بناء مجتمع النهضة
ـــــــــــــــــــــــــ

(يحيى عالم)
ــــــ

18 / 5 / 1437 هــ
27 / 2 / 2016 م
ـــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/magalat/22-2-2016C.jpg





تضطلع القراءة في حياة المجتمعات المعاصرة بدورٍ مهم ومركزي في جل القضايا، بحيث أصبحت مؤشرًا دالًّا ومقياسًا يمكن من خلاله النفاذ إلى عمق المجتمع والإحاطة بطبيعة اهتماماته ومدى تحقق التنمية والتقدم فيه، في حال كانت القراءة تشكل صلب اهتمام هذا المجتمع، وتكون كذلك دلالة ومؤشر تخلف وانحطاط إذا كانت القراءة على هامش الاهتمامات وكان الكتاب آخر ما يلتفت إليه؛ وبذلك يكون أمر القراءة واعتباره مؤشرًا لقياس حركية المجتمع ليس حصرًا على المجتمعات المعاصرة، وإنما منذ القدم كانت للمعرفة سلطة على باقي المجالات السياسية والاجتماعية وغيرها، ومعظم الطفرات التي مرت منها الإنسانية إنما كانت تتم بداية في الوعي وتشكل الأفكار قاعدتها؛ وهذه المكانة التي تحظى بها القراءة ويضطلع بها الكتاب تدفعنا للبحث في الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها القراءة، وكذا وظيفة الكتاب والمعرفة في بناء مجتمع النهضة.

1- مبادرة قراءات والاحتفاء بالكتاب:

هي مبادرة بسيطة أطلقها باحث مغربي شاب (م ب) في نسختها الأولى على شكل اجتماع شهري لمدارسة كتاب من الكتب الجديدة في دور النشر، للكتاب الشباب الذين بدؤوا مشوارهم حديثًا في التأليف والإنتاج المعرفي والعلمي، واختار للنسخة الأولى من هذه المبادرة اسم "صالون يقرؤون" بمكتبة عبد الكريم الخطيب التي وضعها المفكر المغربي المقرئ الإدريسي أبو زيد رهن إشارة الطلبة والباحثين بمدينة "الجديدة" المغربية، ونظم "صالون يقرؤون" في الموسم الماضي عدة لقاءات دراسية لكتب ومؤلفات كان من ضمنها يوم دراسي حول المفكر الفذ وخبير المستقبليات د. المهدي المنجرة، بغاية التنبيه لهذا العقل الفريد المنسي في وطنه وبين ذويه؛ وكان انطلاق مبادرة قراءات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ( فيسبوك ويوتيوب) فرصة للتواصل مع أكبر قدر ممكن من خلال وسائط جديدة وبآليات ووسائل مختلفة، غير تلك التي يتيحها لقاء الصالون الفكري في فضاء مكتبة وبطريقة تقليدية، حيث تكون نسبة التفاعل فيها ضعيفة مقارنة مع ما تتيحه الشبكة العنكبوتية ووسائل الاتصال الحديثة من نقل للأفكار وتعميمها وتبادل الآراء والمعارف بالنسبة إلى المهتمين والراغبين في الإفادة والاستفادة، وقد كان مثيرًا أن أطلقت ضمن المبادرة تحديات حول ذكر الكتب العشرة الأكثر تأثيرًا في مسار القارئ، على غرار تحدي دلو الثلج؛ وهذا ما يجعل من إثارة القراءة حاجة ملحة للحديث عن الإمكانات التي فتحتها القراءة ويمكنها أن تفتحها في مختلف الأوساط والمجالات عند مختلف الأمم.

وقبل هذا الأنموذج الذي يعد احتفاء بالكتاب ومباردة تسعى لتنصيب الوعي حكمًا على ما دونه من الاعتبارات، كانت هناك مبادرات سابقة كان عمودها الشباب والطلبة والأساتذة، يضربون لأنفسهم موعدًا أسبوعيًا في الفضاءات العامة بشوارع المدن وفي المنتزهات والحدائق، من أجل ساعة من الوقت مخصصة للقراءة، ولم تكن من غاية خلف هذه المبادرة وغيرها سوى إعادة الاعتبار للكتاب ولفت الانتباه إلى أهميته وضرورته للارتقاء بالوعي المعرفي والسلوك الاجتماعي، وقد كانت مواقع التواصل الاجتماعي الحاضنة لمثل هذه الأفكار والمبادرات بنشرها وتعميمها بين مختلف الرواد والمتتبعين.

2- الكتاب في زمن ثورة الاتصال:

إذا أطلنا النظر الفاحص والناقد للوظيفة التي باتت تضطلع بها مواقع التواصل الاجتماعي في صياغة المخيال الثقافي لأغلبية روادها من الشباب؛ فإننا سنجد المتداول من الكتب والأفكار ومختلف التعبيرات التي تقصد بناء وعي وعقل ناقد قادر على التحليل وعدم السقوط في القراءات السريعة للأحداث والوقائع إلى صياغة موقف ورأي يتسم بالعمق، شبه معدوم أو يندر في مواقع التواصل الاجتماعي، التي أحدثت طفرة في العلاقات الاجتماعية والثقافية وعلى الإنسان ذاته - ومن يدري كيف سيصير الغد القريب -، فتحول الإنسان الفرد إلى أسير لهذه المواقع وما تقدمه؛ بل إنها تشكل جزءًا أصيلًا من حركاته وسكناته، لكن السلبي كما سبق أنَّ الإنسان صار أسيرًا، ولم يسخر كل هذه الإمكانات التي فتحتها ثورة المعلوميات لتعميق معارفه أو لنشر الوعي السليم بدلًا من الوعي المسطح والمزيف الذي أصبح يثير رغبة الكثير ويستميل جمهور ورواد أغلب رواد مواقع التواصل الاجتماعي؛ بل إنَّ معظم اهتمامات الناس هي مجرد انطباعات وتماهٍ مع الثقافة الاستهلاكية والوعي السائد في معظم العروض التي تقدمها الشبكة العنكبوتية، وهو وعي متحكم فيه عن بعد بحسب حاجة السوق وغاياته.

إنَّ مثل مبادرة قراءات - أو أي نموذج يعيد المكانة اللائقة للكتاب - هي أنموذج يغطي الفراغ الحاصل في مواقع التواصل الاجتماعي، ويهدف إلى إعادة الوعي بأهمية الكتاب ووظيفته والقراءة ومكانتها في إحداث النقلة في عقل الإنسان الساعي للنهوض والتحرر، وكذا في واقعه الاجتماعي؛ فالمصالحة مع الكتاب وحدها الكفيلة بترشيد الوعي وتحرير الإنسان والمجتمع من القيود التي تعوق أي نهضة أو انتقال ممكن من حالة الجمود والهزيمة التي تجرها الأمة العربية والإسلامية خلفها طيلة قرون، إلى حالة من الصيرورة والديناميكية الثقافية والمعرفية التي تؤثر في عقل الإنسان وحركة المجتمع؛ فيتحرر الإنسان والمجتمع من الهزيمة النفسية والعطل المعرفي الذي كان أهم سمات تخلفنا.

3- أثر الكتاب في نهضة الغرب:

إنَّ القراءة من المنظور السابق تعتبر منطلقًا وقاعدة لبناء مجتمع نهضوي وأمة فاعلة بين باقي الأمم التي شيدت عمرانها الحضاري على أساس متين من النقد الثقافي والمعرفي لكل الترسبات التي حملتها مرحلة التخلف القروسطوي بالغرب ورعاها الاستبداد الذي تمثل في تحالف الإقطاع مع الكنيسة للإبقاء على الجمود والجهل والوقوف حائلًا أمام أي محاولات للتفكير الحر أو إعمال العقل، حتى إنَّ كتبًا تم حظرها لأنها كانت تستهدف أنموذج الوعي الزائف الذي كانت تروج له الكنيسة والفئات المتحالفة معها؛ لأنها كانت ترى في ترويج كتب تنشر معارف وأفكارًا تعتبر محظورة، بمثابة قاعدة لتشكيل انبعاث فكري وثقافي متحرر من ربقة الالتزامات الكنسية التي تفرضها على النخبة والمجتمع؛ الأمر الذي سيؤول بفعل التراكم إلى حركة فكرية واجتماعية تقوض الأنموذج القائم، أنموذج التكفير الكنسي، وتشيع قيمًا تبشر بميلاد مجتمع حر ومنفتح، يرعى الاختلاف والتعدد ويحترم الإنسان باعتباره كائنًا مفكرًا لا يخضع للتنميط، ذلك هو أنموذج التفكير العقلاني الذي وضع الملاح الأساسية للنهضة الأوروبية وكان سمة بارزة لعصر الأنوار.

إنَّ ما سلف من احتكاك وتماس بين أنموذج التكفير الكنسي من جهة ومنطق التفكير العقلاني، انتهى برجحان الكفة التي انبعثت من بطون الكتب والمؤلفات التي تشيع قيم التفكير والعقلانية وتؤمن بالحوار والاختلاف والتعدد في مقابل الانغلاق والتزمت ورعاية التخلف والنكوص؛ لقد كان النقد في بدايته يتجه صوب الفكر الديني ويبشر بالإصلاح لهذا المجال على يد رموز من داخل الكنيسة ذاتها، ثم تطور الأمر إلى حركة في الفكر والثقافة تعكس في جوهرها خصيصة إنسانية وتطلُّع المجتمع حينئذ؛ فانتصر الكتاب على السيف، والعقل الحر الناقد على التفكير الدوغمائي الجامد، وعلا صوت التفكير والإبداع على منطق التكفير الذي رعته الكنيسة وأدى بمفكرين كثر إلى المشنقة وسراديب التعذيب؛ كل ذلك قبل أن يأتي عصر الثورة، فكان ترويج الكتاب وإشاعة النقد المعرفي والثقافي بمختلف الوسائط، يحمل ثورة في عقل الإنسان ووجدانه قبل أن تتحول إلى ثورة اجتماعية عارمة، وتلك إحدى السمات البارزة للنهضة الأوربية؛ حيث كانت الثورة في بدايتها ثورة ثقافية ومعرفية تستهدف إعادة تشكيل عقل الإنسان ووجدانه، أو بالأحرى تحريره مما يكبله، قبل أن تتحول إلى مطالب اجتماعية وسياسية تهدف إلى تغيير الواقع بما يطابق تطلعاته وأفكاره التي يؤمن بها، وهي التي عكستها المقولة الشهيرة: "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس".

4- وظيفة الكتاب والمعرفة النقدية في سياق الربيع العربي:

إنَّ سردنا لأثر التفكير والتثقيف في المجتمع الغربي وصياغته لملامح وقسمات مجتمع النهضة، هو بغاية الإفادة للسياق والمخاض السياسي الذي يمر به المجتمع العربي منذ أربع سنوات، وهو مخاض عسير يهدف إلى تشييد نظم سياسية ديمقراطية تعكس تطلعات الإنسان العربي وأحلامه، غير أنَّ هذا المخاض بحاجة إلى عمق معرفي وثقافي يسند التغيير السياسي ويعكسه في الخطاب الذي يتم ترويجه في الفضاء العام ومختلف وسائط الاتصال، ويساعد على إدراك أبعاد اللحظة السياسية والكامن خلفها واستشراف المستقبل السياسي والحضاري، بحيث يتم الارتقاء بروح الربيع، من ربيع سياسي، قد يزهر حينًا ويذبل حينًا آخر، إلى استبصار نهضوي وتغيير حضاري، تنضاف فيه لمسات التفكير النقدي والتأسيس المعرفي والثقافي إلى جانب المطالب السياسية والاجتماعية لمختلف الشعوب العربية، وبذلك نستطيع فهم أي ردة أو نكوص في لحظة من اللحظات على منجزات الربيع بكونها منعرجًا سياسيًا فقط، لن تؤثر في مسار حركة التاريخ التي تدفع المجتمعات العربية لبناء نهضة وتشييد حضارة قائمة الذات؛ فقراءتنا للحظة بمنظور سياسي ضيق لا يستحضر عمق الحدث باعتباره حدثًا يستهدف الوجدان والعقل المستشرف لنهضة، ستجعلنا نحكم بالسلب على الواقع العربي، في حين نجد الإنسان والمجتمع العربي تحرر من عقاله وانطلق ولم يعد في حالة جمود، ويبقى الدور فقط على إسناده بالمعرفة والثقافة حتى يدرك الخطى التي يخطوها والمسار الذي يشقه.

إنَّ أهم ما يؤخذ على الربيع العربي كون الفاعلين فيه يفتقدون لخطاب يعكس حقيقته وأبعاده كاملة، فاجتر الكثير من الفاعلين خطابًا كان منسوجًا سلفًا في عقود تتسم بسمات لا يمكنها استيعاب التغيير الحاصل؛ بل إنَّ مجرد استصحاب النموذج القديم في التفكير السياسي وفي قراءة المتغيرات واستشراف الآفاق، هو إخفاق في البداية قبل الانطلاق؛ فانطلق الربيع وتدفق شلاله الهادر بينما بقي الكثير من الفاعلين السياسيين والنخب الفكرية والثقافية تحاول اللحاق به بغاية استيعاب معطياته وحقائقه، إنها حقائق ومعطيات تحمل في جيناتها بصمات التغيير وقسمات المستقبل، لكن صياغة هذا المستقبل بحاجة لخطاب يستهدف إحداث تغييرات في وعي الإنسان ووجدانه، إلى جانب نقد البنيات التقليدية في السياسة والاجتماع والفكر، والتي تشكل أحصنة منيعة للخطاب الذي يعادي الربيع ويسعى لتأبيد الاستبداد والسلطوية أو الانغلاق والتطرف.

فالخطاب المعرفي النقدي الذي يخدم الربيع باعتباره نافذة نحو النهضة، ينبغي أن يعمل بالتوازي بين منطق البناء والتشكيل لأنموذج يرعى الديمقراطية والحريات والكرامة الإنسانية ويحقق العدل بين الناس، ومن جانب آخر يشتغل على نقد الترسبات التي استنبتت في مشتل التخلف وعلى جنبات الاستبداد والتسلط، وهو نقد يتجه بداية لجزء من الخطاب الديني الذي نشأ في حضن السلطوية ويذود عنها ويرعى التقليد والجمود، وقد رأينا كيف تحولت مؤسسات دينية إلى أدوات طيعة في يد الاستبداد بمجموعة من البلدان العربيّة، بل إنَّ رموزًا دينية اتجهت لتأسيس مؤسسة جديدة للاطلاع بالدور نفسه والقيام بالوظيفة نفسها، وهذه الحمى على الخطاب الديني لأنَّه يعتبر أساسيًا في تشكيل وعي الإنسان العربي؛ لذلك سيكون نقد الفكر الديني الذي يرعى الجمود والتقليد أو التطرف والمغالاة وإشاعة فكر ديني مستوعب لحقائق الربيع النيرة، أحد الإنجازات التي تصيب جزءًا من شرعية الاستبداد والتخلف؛ وإلى جانب نقد الفكر الديني ينبغي القيام بنقد السلوك الثقافي والخطاب المعرفي الذي يبرر الوضع القائم ويشرعن للنكوص؛ فالثورة السياسية بحاجة لثورة ثقافية توازيها وتحميها.

خاتمة:

إنَّ القراءة هي الكفيلة بترشيد الإنسان العربي - وكل إنسان - في مختلف المجالات، ودمجه بشكل سريع في مسار النهضة والتغيير التي تطال مجمل حياة الإنسان وعلائقه السياسية والاجتماعية والثقافية، وقد وقفنا مع نماذج تغييرية من الغرب والشرق وكان هدفنا محاولة رصد أثر الوعي والمعرفة في كل تلك التغييرات ذات الطابع الحضاري وليس السياسي وحسب؛ فللمعرفة سلطة لا تقهر، والقراءة أول مداخل بناء المعرفة وأهم وسائطها، ونحن أمة ذات سبق في إشاعة حب الكتاب والتعلق بالمعرفة في ماضينا الحضاري؛ بل إنَّ "اقرأ" بصيغة الأمر هي أول ما نزل من القرآن الكريم وليس "اعبد" أو "صل"، أو "جاهد" كما يفكر الدواعش الذين ظهروا في سياق الانحراف عن التفكير العقلاني؛ ويكفي المرء أن ينقب قليلًا في تاريخ الحواضر الإسلامية بالمشرق والمغرب ليدرك أثر الكتاب والقراءة في بناء الحضارة العربية والإسلامية في حينه، وذلك ما ننشده للمستقبل.

------------------

يحيى عالم : (كاتب وباحث مغربي).

ـــــــــــــــــــــ