المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كبرى الانحرافات الفكرية


عبدالناصر محمود
03-05-2016, 07:57 AM
كبرى الانحرافات الفكرية*
ـــــــــــــ

25 / 5 / 1437 هــ
5 / 3 / 2016 م
ــــــــــــ


http://taseel.com/files/6d2d0926f57b1e8efebb555c4902c902.jpg




إن كبرى الانحرافات الفكرية التي خصصنا لها هذا المقال تختلف عن أية انحرافات أخرى، إنها ذات تركيبة فريدة، حدثت في ظرف استثنائي، خارج نطاق المكان والزمان، ولم يكن بطلها من بني البشر كما اعتدنا في تاريخ الانحرافات الفكرية.

الانحرافات الفكرية التي ابتلينا بها في هذا العالم أكثر من أن تُعد، أو يحويها مقال أو كتاب، بل أكثر من أن يقف لها عالم واحد، أو مجموعة من العلماء. فالانحرافات الفكرية تكبر يوماً بعد يوم؛ تبدأ صغيرة ككرة الثلج، ثم ما إن تتدحرج وتتحرك حتى تزداد وتكبر ساعة بعد أخرى، إلى أن تتحول إلى جبل من الجليد، يسد الأفق، ويعيق السائرين، ويحجب نور الشمس ولمعانها عن الخلق.

فالانحراف الفكري داء عضال، ومرض ما بعده مرض، إذ هو مرض يفتك بالعقول والقلوب، وأي نفع بعد ذلك في بدن فقد عقله أو مات قلبه؟! فبالانحرافات الفكرية تضيع الهويات، وينسلخ الإنسان عن عقيدته وقيمه ومبادئه وأعرافه المحترمة، ويتحول إلى مسخ مشحون بالأفكار البدعية الفاسدة، والأعمال الشيطانية المخترعة، التي لا أصل لها في شرع أو عقل أو عرف.

وتعد الانحرافات العقدية أخطر أنواع الانحرافات الفكرية؛ لأن المعتقد هو المحرك الأول لسلوكيات الإنسان جميعها، وهو المؤثر الأول وربما الأخير في كبرى القرارات والإجراءات الحياتية التي يقوم بها الإنسان، وعليه يكون المعول في تحديد مصير الإنسان، ومآله الذي ينتظره في أخراه.
إن كبرى الانحرافات الفكرية التي خصصنا لها هذا المقال تختلف عن أية انحرافات أخرى، إنها ذات تركيبة فريدة، حدثت في ظرف استثنائي، خارج نطاق المكان والزمان، ولم يكن بطلها من بني البشر كما اعتدنا في تاريخ الانحرافات الفكرية، بل كان بطلها من الجن، كان جنياً يعبد الله مع الملائكة، لكن سرعان ما تبدل حاله، وظهر انحرافه، فعصى ربه واستكبر، ولم يجب أمره.

إن بطل هذا الانحراف وصانعه هو إبليس الرجيم، صاحب أكبر لعنة في تاريخ الخلق، وصاحب أول خطيئة، وأول انحراف جمع بين الجهل والكبر والعناد، يقول الله تبارك وتعالى: ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)) [البقرة: 34].

تبدأ قصة هذا الانحراف منذ اللحظات الأولى التي رأى فيها الشيطانُ آدم -عليه السلام، وهو لا يزال في طور التخليق، وهو عجينة من صلصال، فكما جاء في أخبار بني إسرائيل -التي لا تصدق ولا تكذب- كان الشيطان يطيف به، ويقول: "لئن سلطت عليَّ لأعصينك، ولئن سلطت عليك لأهلكنك"(1).
وفي صحيح مسلم عن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لما صور الله آدم في الجنة، تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خُلق خلقاً لا يتمالك)(2).

وصح في الزهد لعبدالله بن أحمد، عن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لما صور الله -تبارك وتعالى- آدم -عليه السلام- تركه، فجعل إبليس يطوف به وينظر إليه، فلما رآه أجوف قال: ظفرت به، خلق لا يتمالك)(3).
فبذرة الانحراف الشيطاني بدأت أول ما بدأت قبل نفخ الروح بآدم -عليه السلام. وقد كان منشأها الإعجاب بالنفس والإحساس بالتفوق على الآخرين. ولعل ما ذكره ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره يشير إلى هذا الأمر؛ وإن كان من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، ولكن -على أية حال- يمكننا الاستئناس بها؛ حيث يذكر الحافظ في تفسيره أنه لما أفسد الجن في الأرض قبل خلق البشر أرسل إليهم إبليس في جند من الملائكة، فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه، فقال: قد صنعت شيئاً لم يصنعه أحد(4).

فمأساة إبليس الأولى وسبب نكبته الكبرى وانحرافه الشنيع الكبرُ والإعجابُ بالنفس. ولعل هذا السبب هو السبب الأول والأكثر تأثيراً في أية انحرافات حدثت بعد ذلك العهد من قبل البشر. ولذلك يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)) [البقرة: 34].

فالعناد الشيطاني والكبر الذي تملك روح إبليس جعله يرد أمر الخالق تبارك وتعالى، رغم يقينه التام بعاقبته أمره "وهنا تتبدى خليقة الشر مجسمة: عصيان الجليل سبحانه! والاستكبار عن معرفة الفضل لأهله، والعزة بالإثم، والاستغلاق عن الفهم"(5). فتلك كلها ملامح عامة يتسم بها كل منحرف وحائد عن جادة الصواب. وتلك خصال إبليسية، اتصف بها المنحرف الأول في هذا الكون.
إن انحراف إبليس الفكري شديد الوضوح لكل من حضر ذلك المشهد المهيب الذي عصى فيه إبليس ربه. فإبليس يتلقى الأمر المباشر من رب العزة بالسجود لآدم، دون واسطة من ملك مقرب أو نبي مرسل، وهو يعرف أنه ربه وخالقه، ومالك أمره وأمر الوجود كله، وهو يعرف عاقبة استكباره وعصيانه، ورغم ذلك يستكبر ويرفض الأمر الإلهي بالسجود لآدم. يقول الله تعالى: ((قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)) [الأعراف: 12- 13].

بل يزيد الشيطان في طغيانه وعناده وكفره، ويتوعد ذلك المخلوق المكرم (آدم -عليه السلام)، بل يزداد عناده، ويطلب من رب العزة أن ينظره إلى يوم القيامة، لكي يتسنى له غواية آدم وذريته. قال الله تعالى: ((قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)) [الأعراف: 14- 17].
يطلب إبليس من رب العزة أن يمده بالعمر والسلطان، ليأمر الناس بالكفر، ويصدهم عن عبادته، "لقد طلب النظرة إلى يوم البعث، لا ليندم على خطيئته في حضرة الخالق العظيم، ولا ليتوب إلى اللّه ويرجع ويكفر عن إثمه الجسيم، ولكن لينتقم من آدم وذريته جزاء ما لعنه اللّه وطرده، يربط لعنة اللّه له بآدم، ولا يربطها بعصيانه للّه في تبجح نكير"(6).
لهذا فلا عجب إن رأينا من بين من يدَّعي الصلاح والإيمان من يدعو الناس إلى الشرك ويأمرهم بالفساد والإفساد، فذلك وعد الشيطان. ولهذا فسيبوء الشيطان بإثم كل من عصى ربه منذ خلق آدم -عليه السلام- إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

"لقد جعل إبليس له رأياً مع النص، وجعل لنفسه حقاً في أن يحكم نفسه وفق ما يرى هو من سبب وعلة مع وجود الأمر، وحين يوجد النص القاطع والأمر الجازم ينقطع النظر، ويبطل التفكر، وتتعين الطاعة، ويتحتم التنفيذ، وهذا إبليس -لعنه اللّه- لم يكن ينقصه أن يعلم أن اللّه هو الخالق المالك الرازق المدبر الذي لا يقع في هذا الوجود شيء إلا بإذنه وقدره، ولكنه لم يطع الأمر كما صدر إليه ولم ينفذه، بمنطق من عند نفسه...
إن علمه باللّه لم ينفعه، واعتقاده بوجوده وصفاته لم ينفعه، وكذلك كل من يتلقى أمر اللّه ثم يجعل لنفسه نظراً في هذا الأمر يترتب عليه قبوله أو رفضه وحاكمية في قضية قضى اللّه فيها من قبل يرد بها قضاء اللّه في هذه القضية، إنه الكفر إذن مع العلم ومع الاعتقاد، فإبليس لم يكن ينقصه العلم، ولم يكن ينقصه الاعتقاد! لقد طرد من الجنة، وطرد من رحمة اللّه، وحقت عليه اللعنة، وكتب عليه الصغار"(7).
ولهذا يمكننا القول بيقين تام: إن الشيطان أصل كل انحراف فكري "عقدي" في هذا الوجود، وإنه ما من فساد ديني حصل في بلد ما أو عصر ما إلا وللشيطان يد في هذا الفساد، فهو المنحرف الأول، وهو قائد جماعة المنحرفين في كل عصر ومصر. فعلى يده حرفت اليهودية والنصرانية، وعلى يده أيضاً تحزبت الأحزاب، وانقسم المسلمون إلى شيع وفرق، وهذا كله راجع إلى الاستكبار وتحريف النص إما بتعطيله ورده كما فعل إبليس مع أمر الله تعالى، وإما بتأويله تأويلاً فاسداً، وإما بالزيادة فيه أو النقصان منه.
- - - - - - - -
(1) ينظر الأثر في تفسير ابن كثير: (1/76).
(2) رواه مسلم: (2611).
(3) الزهد لابن حنبل: (48)، قال الألباني في الصحيحة (2158): صحيح على شرط مسلم.
(4) ينظر الأثر في تفسير ابن كثير: (1/76).
(5) في ظلال القرآن لسيد قطب: (1/58).
(6) في ظلال القرآن لسيد قطب: (4/2141).
(7) المرجع السابق: (3/1266).


----------------------------
*{التأصيل للدراسات والبحوث}
ــــــــــــــــ