المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرشديون الجدد : درء تعارض البحث التجريبي الصحيح مع المنقول القطعي الصريح ...


عبدالناصر محمود
03-05-2016, 08:25 AM
الرشديون الجدد : درء تعارض البحث التجريبي الصحيح مع المنقول القطعي الصريح ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(عبد الله الخليفي)
ــــــــ

25 / 5 / 1437 هــ
5 / 3 / 2016 م
ـــــــــــ








الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
أما بعد :
-----------


فهذا مقال يعالج مسألة ادعاء التعارض بين النظريات العلمية والنصوص الشرعية أو الفهم السلفي للنص

وهذا أمر كثر هذه الأيام وكثر فيه الجدل وصار باب زندقة أو ابتداع

وهو يشبه إلى حد كبير ما حصل لهذه الأمة من ترجمة كتب اليونان واعتقاد كثير من الناس أنه كما يؤخذ منهم العلوم التجريبية يؤخذ منهم الاعتقاد في الله فصاروا يعارضون النصوص بكلام اليونان ويسمون كلام اليونان ( العقل ) ويسمون النصوص الشرعية القطعية ب( الظواهر )

فكلمهم العقلاء من هذه الأمة أن الله عز وجل بعث نبيه ليفصل بين نزاعات الأمم لا لتتبع أمته بعض الأمم وأن كلام اليونان ظنيات وكل ما توردونه على النصوص من ادعاء ظنيتها يرد على كلام اليونان من باب أولى من كثرة اختلافهم فقبول النص الشرعي الذي اتفق عليه العلماء كابراً عن كابر هو الأحوط بل هو الخيار العقلاني

وأن عامة المتكلمين يقرون بأن الفلاسفة اليونان أنفسهم تكلموا بما يخالف العقل عندهم كمنعهم من بعث الأجساد بل تكلموا بالمتناقضات هذا مع كثرة اختلافهم فكيف يترك الهدى والنور ليتعبوا

هذه كانت ملخص معركة ابن تيمية مع المتكلمين والفلاسفة ثم أنه أطنب في شرح تناقضاتهم وأنهم لا يستدلون بحجة عقلية أو نقلية إلا وتدل على عكس مقصودهم وأن الصحيح من كلام اليونان موجود في الكتاب والسنة بشكل أوضح

على أنهم أنفسهم مختلفون في فهم كلام الفلاسفة فابن رشد اتهم الفارابي وابن سينا أنهما لم يفهما كلام أرسطو وهو الغالط ولا يبلغ عقل ابن سينا وذكائه على كفره

وحين قال أرسطو أن علم الله بالجزئيات يصيبه بالتعب لذا هو منفي عنه حذف ابن رشد من كلام أرسطو هذه الفقرة كالعبد الذي يستر عورة سيده

وسأضرب هنا مثلاً في قضية قديمة وننزلها على ما نراه اليوم

قد قال أرسطو أن المرأة لا دخل لها في جنس الجنين فوافقه على ذلك ابن رشد حتى قال :" و أما أنا فمذ سمعت كلام أرسطو لم أزل أتعمد جس ذلك ، فوجدتُ التجربة صحيحة ، و الفيتُ أكثر الحمل الذي بهذه الصفة إنما يكون بالذكورة ،و سألت النساء عن ذلك ، فأخبرتني أيضا بذلك . أعني أنهن كثيرا ما يحملن دون أن تكون منهن لذة )) . وبهذه الملاحظة استدل ابن رشد على صحة رأي أرسطو من أن مني الرجل هو المُكوّن الوحيد للجنين"

نقل هذا الكلام عن ابن رشد محمد عابد الجابري

وهذا مخالفته لمعطيات العلم الحديث مخالف للأحاديث النبوية الصحيحة

قال مسلم في صحيحه 642- [34-315] حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ، يَعْنِي ابْنَ سَلاَّمٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، يَعْنِي أَخَاهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلاَّمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ ، أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُ قَالَ : كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ حِبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ : السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا فَقَالَ : لِمَ تَدْفَعُنِي ؟ فَقُلْتُ : أَلاَ تَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : جِئْتُ أَسْأَلُكَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ ؟ قَالَ : أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ ، فَنَكَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُودٍ مَعَهُ ، فَقَالَ : سَلْ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ قَالَ : فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً ؟ قَالَ : فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ قَالَ الْيَهُودِيُّ : فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ؟ قَالَ : زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ ، قَالَ : فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا ؟ قَالَ : يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا قَالَ : فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لاَ يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ إِلاَّ نَبِيٌّ ، أَوْ رَجُلٌ ، أَوْ رَجُلاَنِ . قَالَ : يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ ؟ قَالَ : أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ . قَالَ : جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ ؟ قَالَ : مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا ، فَعَلاَ مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ ، أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللهِ ، وَإِذَا عَلاَ مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ ، آنَثَا بِإِذْنِ اللهِ . قَالَ الْيَهُودِيُّ : لَقَدْ صَدَقْتَ ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ ، وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، حَتَّى أَتَانِيَ اللَّهُ بِهِ.

واليوم الإعجازيون يتكلمون بكثرة حول الإعجاز في هذا الخبر خصوصاً بعد كلام كيث مور وقد رأيت بعض الملاحدة الغربيين يزعمون أن النبي أخذ هذا من الملاحظة ومن كلام أرسطو وهذا مضحك فأرسطو وأضرابه كان أعظم عناية بالملاحظة ولم يعرفوا هذا وهذا لم يكتشف إلا قريباً ثم إن أرسطو كلامه مخالف لكلام النبي صلى الله عليه وسلم حتى أن ابن حجر استشكل الأحاديث بأن الأطباء يخالفونها

فعسى أن يكون فيما حصل لابن رشد عبرة حين عظم كلام أرسطو أكثر من كلام النبي فصار غلطه محل اتفاق بين كل الأمم

وهنا وقفة العلم التجريبي بعد ذاته دال بشكل قطعي على وجود خالق فهو عبارة عن دراسة لهذا الكون وهو كتاب الله المنظور

ولو كلفتك بدراسة خربشات لطفل لاستخراج رسالة دكتوراة لما استطعت ولكن لو أتيتك بكتاب صنفه جماعة من الأدباء لصارت دراسته مقبولة ومعقولة

فكتاب الله المنظور هو هذا الكون وكوننا قادرين على دراسته وضبطه في قوانين والتنبؤ ببعض الأمور عن طريق فهم غيرها هذا كله يدل على صنعة الخالق

خصوصاً إذا فهمنا أن من بديهيات العقل أن القانون وصف وليس صانعاً فقوانين الميكانيكا مثلاً لا تصنع سيارة ولكن لا بد من تدخل صانع وكذا قوانين الرياضيات لا تجمع المال ولكن تصف حالها التي جمعا عاقل ابتداءً

ثم إن البحث التجريبي يجيب على سؤال ( كيف ) ولكن لم ولماذا حصل هذا فهذا لا بد فيه من كتاب الله المسطور

فنحن نرى الليل والنهار ونرى القمر تتغير أحواله ولكن لم هما يحصلان جاءت النصوص لتشرح أن ذلك لعلم السنين والحساب والأشهر ثم ربط ذلك بحقيقة شرعية وهي الصلاة والصيام والحج

وكذا نرى حيوانات متوحشة وحيوانات مستأنسة وبعض المستأنس أقوى بنية من المتوحش فتلك نعمة أمرنا الله عز وجل أن نشكرها بالذبائح التعبدية والأنساك كالأضحية والهدي وغيرها

وهكذا تنوع البشر واللغات وكون المرأة خلقت على هذه الهيئة وغيرها من الأمور

لهذا تخصيص البحث التجريبي باسم العلم غلط لأنه إن كان يجيب على سؤال فالشرع يجيب على سؤال أوسع والله سمى وحيه علماً ( من بعد ما جاءك من العلم )

وهنا وقفة : العلم التجريبي منذ وجد منه ما هو صواب ومنه ما هو غلط هو من هذا الوجه يشبه اجتهادات الفقهاء

ومن أحسن ما ندلل به على هذا أن نذكر عدداً من اختلافاتهم وعدد من أخطاء كبارهم

فأينشتاين عارض ميكانيكا الكم وقال باستحالة النفق الكمومي ووقف معه المجتمع العلمي حتى ثبت غلطه وهذا النفق تعتمد عليه الكثير من الاتصالات الحديثة فلو أطعنا مبتكر القنبلة الذرية لما وصلنا إلى هذا القدر من التقدم العلمي

وهذا نظير معارضة أديسون للتيار الكهربائي الحالي الذي اكتشفه نيكولا تيسلا وقد حاربه حرباً عظيمة حتى انتصر تيسلا في النهاية ولكن تيسلا بقي منبوذاً بعدها واضطر لبيع شهادات الاختراع خاصته ومع ذلك يهمل ذكره في كثير من المدارس ويدرس أن أديسون مكتشف الكهرباء

وحتى موجات الجاذبية التي ادعوا اكتشافها حديثاً اضطرب قول أينشتاين فيها وقد نفى وجودها في أحد قوليه ويقال أنه المتأخر

كما كان يعارض فكرة نسيج الزمكان فى البداية عندما اقترحها مينكوفسكى و التى أصبحت أساس النسبية العامة فيما بعد , و كذلك أضاف الثابت الكوني بعد نقاشه مع جودل ثم حذفه بعدما تبين أن الكون يتمدد ثم تبين الآن أن وجود الثابت الكوني في المعادلة هو الصواب

وكثير من الناس يعني أن كلمة ( نظرية ) تعني شيئاً قطعياً والواقع أنها أفضل تفسير موجود مع استبعاد القدرة الخارقة وإجماع المجتمع التجريبي ليس حجة شرعية وهم معترفون أنه ظني

ولهذا تجد من يتجرأ على نقد نظريات شهيرة ويكتب في ذلك المقالات ويكون قوله قوياً مع أن قوله ليس قول الجمهور

خذ مثالاً نظرية الانفجار الكبير ذات القبول بين أصحاب جميع الديانات تقريباً وكذا الملاحدة

هذا هالتون آرب الفلكي الشهير اكتشف ما دعاه بـ «ظواهر ملغزة ومحيرة» لا تتماشى مع ما تذهب إليه نظرية الانفجار الكبير. فقد لاحظ ان هناك اجراماً سماوية متساوية البعد عنا، لكنها تعطي انزياحاً نحو الأحمر مختلفاً جداً، وبعد ان التقط صوراً فوتوغرافية بواسطة اكبر التلسكوبات، اكتشف ان العديد من الأزواج من نوع معين من الأجرام السماوية، التي تدعى كويزرات Quasars، ذات الانزياح الشديد نحو الأحمر (وبالتالي يُفترض انها تتباعد عنا بسرعة كبيرة، بمقتضى نظرية الانفجار الكبير، ما يعني انها تقع على مسافات بعيدة جداً منا) مرتبط بمجرات لها انزياح واطئ نحو الأحمر، وبذلك يُعتقد بأنها قريبة نسبياً. وكانت الصور الفوتوغرافية التي قدمها هالتون آرب مذهلة في تعارضها مع نظرية الانفجار الكبير.



لكن المؤسسة العلمية الرسمية رفضتها، وفصلت آرب من عمله، لأن الاعتراف في صحة مكتشفاته يزعزع نظرية الانفجار الكبير، وينسف الصرح الهائل الذي تأسس على هذه النظرية، بما في ذلك مصالح ومراكز اعداد كبيرة من العلماء المتمسكين بهذه النظرية.

وقال بعضهم: اذا كان آرب على صواب (حول ان الانزياح نحو اللون الأحمر ليس بالضرورة مؤشراً على المسافة، أي التمدد)، وإذا تعززت اكتشافاته، فسيكون قد زعزع – بمفرده – علم الفلك الحديث برمته من اساسه، اذا كان مصيباً فإن احد اعمدة علمي الفلك والكونيات الحديثين سينهار انهياراً لا مثيل له منذ ان اثبت كوبرنيكوس ان الشمس، وليست الأرض، كانت مركز النظام الشمسي.

وقال آخرون: اذا كان آرب مصيباً (وهناك ادلة قوية تشير الى انه مصيب)، فإن الكون لا يعمل على نحو يتفق مع نظرية الانفجار الكبير.

وقال غيرهم: من الصعب اهمال الدكتور آرب، فقد عمل مع ادوين هَبُل نفسه (ابرز عالم فلك في النصف الأول من القرن العشرين)، وكان من ابرز العاملين في مرصد مونت يالومار في اميركا.

وقد أصدر آرب كتاباً بعنوان (Seeing Red)، ضمنه كل آرائه واكتشافاته. وقال عن كتابه هذا ان غرضه من نشر هذا الكتاب هو طرح معلومات لا يمكن الوصول إليها بوسيلة اخرى. وقبل نحو عشر سنوات ظهر كتابه الأول حول هذا الموضوع. كتب هذا الكتاب الأول بين 1984 – 1985، لكنه لم ينشر إلا بعد عامين، بعد ان رفضه عدد لا يحصى من الناشرين. وبعد ان نشر، اصبح من بين العناوين والمواضيع التي ينبغي تجنبها بأي ثمن. ذلك ان معظم الفلكيين المحترفين لا يرغبون في قراءة أي شيء يخالف او يناقض ما يعتبرونه صحيحاً. ويقول آرب: «قبل ان يخيب ظني، حدث شيء رائع. صرت اتسلم رسائل من علماء في كليات صغيرة، في مختلف فروع المعرفة، ومن هواة، وطلاب وناس اعتياديين، لقد اذهلني وأسعدني الهواة بصفة خاصة، لأنهم كانوا ينظرون بجد الى الصور، وكانوا ملمين بخلفيات القصة».

وبعد عشر سنوات، وعلى رغم موقف الجالية العنيد ضده، اصبح على يقين من ان الأدلة المستقاة في الرصد اصبحت كاسحة، وأن نظرية الانفجار الكبير انقلبت في واقع الحال رأساً على عقب. ويقول هالتون آرب: «ان احدى فوائد هذا الكتاب – الأخير – هي انه يستند الى فرضية بسيطة، حول طبيعة الانزياح نحو الأحمر في المجرات. ولا شك ان كلاً من الطرفين في النزاع لديه وجهات نظر معقدة ومدروسة، يعتقد بأنها مدعومة اميركياً ومنطقياً. مع ذلك لا بد من ان يكون احد الطرفين مخطئاً بصورة تامة وفاجعة. وتلك هي المسألة. وهذا هو سبب التشبث بموقفهم».

وفحوى كتابه يستند الى الحقيقة الآتية: لأن الأجسام المتحركة في المختبر، او النجوم المزدوجة التي تدور احداها حول الأخرى، او المجرات الدوّارة، كلها تعطي انزياحاً نحو الأحمر يتفق مع ظاهرة دويلر، في اثناء تراجعها، فقد افتُرض في علم الفلك ان الانزياح نحو الأحمر لا يعني سوى تراجع الأجرام السماوية.

لكن البرهان المباشر على هذه النظرية غير موجود .

انتهى النقل .

فالنظرية هي التفسير الأنسب مهما كان عليه من اعتراضات وتبقى ظنية ما لم توجد براهين قطعية تؤيدها ولكنها تدرس وتسمى علماً !

إذا فهمت هذا فليس موقفاً عقلانياً البتة مخالفة الإجماع القطعي الشرعي لعلماء الشرع من أجل نظرية ظنية قابلة للتعديل بل وللإلغاء عند وجود بدليل يغطي مساحة أوسع من التنبؤات

ونحن لا نسلم لهم منهجهم فنحن نقول أن وضع علامة استفهام أو اللجوء للنصوص الشرعية أولى من السير وراء ظن

وبإمكاننا ترتيب النظريات المثيرة للريبة على ثلاث درجات

الدرجة الثالثة : نظرية الأكوان المتعددة وهي فرضية لا ترتقي لكونها نظرية وقد قال دوكنز الملحد أنه أمام الضبط الدقيق للكون إما اعتراف بوجود صانع أو القول بالأكوان المتعددة وهو اعتقاد وجود مليارات من الأكوان جاء هذا الكون من بينها مضبوطاً على جهة المصادفة !

ونوقش هذا الاستدلال بقولهم أن الإيمان بمليارات الأكوان التي لا نراها من أجل الهروب من الإيمان بخالق واحد هو منتهى السفسطة والعناد والحجود

ثم إن هذه الأكوان لا يمكن رصدها بحال وهذه الأكوان نفسها إن وجدت مضبوطة فنحن أمام المعضلة نفسها للملاحدة

العجيب أن هذه النظرية آمن بها بعض الناس كعدنان إبراهيم ونزلوا النصوص في السماوات السبع والأرضين السبع عليها

والنظرية تقول أنها مليارات الأكوان وليست سبعة فحسب فهذا تلفيق عجيب وسخيف

فضعف براهين هذه النظرية بل عدم وجودها وظهور مناقضتها للشرع يجعلها في المرتبة الثالثة وبرهان على عناد الملحدين وانهزامية المرقعين

الدرجة الثانية : نظرية التطور التي تشرح كيفية وجود كل هذه الأنواع بعيداً عن الخلق المباشر عن طريق افتراض أن هناك خلية بسيطة في الماء تطورت منها كل هذه الكائنات عبر ملايين السنين

وهذه النظرية ليس عليها إجماع ولو وجد فليس بحجة فالمجتمع العلمي يقبل التفسير الأقرب عنده وهذا القبول قابل للتعديل أو النقض

فقد كتب عدد من الباحثين ينقضها ويعترض عليها مع قول جمهور القوم بها من هؤلاء مايكل بيهي وجونثان ويلز وغيرهم كثير وقد وجهوا ضربات قوية جداً لهذه النظرية وقد تكلمت عليها في مقالات أخرى

ولكن لمن يستدل بها على الإلحاد تمويه ينبغي كشفه ألا وهو أن النظرية لا تفسر ظهور الخلية الأولى وإنما تفسر تطور الكائنات عنها بقرائن فحسب هذه القرائن تدل على وحدة الخالق وليس التطور فلا زال هناك مساحة فارغة لا يمكن سدها نهائياً حتى اضطر دوكنز إلى افتراض وجود كائنات فضائية هي من غرست الحياة في الأرض ( كل هذا لكي لا يقول الله عز وجل )!

ومن هذا الباب اشتد حماس عدنان إبراهيم ومحمد باسل الطائي وعمرو الشريف إلى القول بالتطور الموجه وهو قبول نظرية التطور ولكن ادعاء أنها تمت بإرادة الله عز وجل وهذا نقض لإجماع الفريقين فالقائلون بالتطور يقولون بالعشوائية والمؤمنون بالخلق يرفضون التطور والذي لا يوجد مثال عليه إلا التطور المصغر ( التكيف )

وهذه النظرية أصلاً تم التعديل عليها فحين ثبت أن الصفات المكتسبة لا تورث كما اعتقد دارون اخترع الداروينيون آلية الطفرات العشوائية ليبقوا على النظرية

والتطورون المنتسبون للملة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فهم يخرقون إجماع المسلمين القطعي على مدى قرون على أولية آدم من أجل نظرية هي محل جدل كبير وبعضهم يعترف بحصول تزويرات وتزييفات للانتصار لها كما اعترف بذلك عمرو الشريف في كتابه خرافة الإلحاد

وكما شرح بتوسع صبري الدمرداش ذلك مع كونه من مدرسة الملفقين على أنه ليس من غلاتهم

وأعظمهم غلواً عدنان إبراهيم مع عدم تخصصه في أي علم من العلوم كغيره ولهذا محمد باسل الطائي تعقب كلام عدنان وغيره في الانتصار لفكرة الأكوان المتعددة والطائي فيزيائي متخصص ولكنه أقل انهزامية وتقديساً للبحث التجريبي من عدنان

الدرجة الأولى : نظرية دوران الأرض حول الشمس وهذه جماهير المنتسبين للملة يؤمنون بها ويجادلون عنها جدال المسلمات بل هي عقيدة راسخة عندهم لا تقبل التشكيك

مع العلم أننا نرى بأعيننا الأرض ثابتة والشمس والقمر يتحركان

وأنا في بحثي ثبت لي إجماع الناس من أهل السنة على ثبات الأرض قبل هذا الزمان

وهذه نظرية غير مبنية على أي رصد كما اعترف أهلها بذلك بل كل ما تراه في البرامج العلمية جرافيك وليس حقيقة مبني على أقيسة وحسابات رياضية

والمعترضون القلة على هذه النظرية من أهل الملة لهم طريقان

الطريق الأولى : من يسلم أن رياضياً الأولى أن تكون الأرض تدور حول الشمس ولكن هذا محض قياس وطرد للقوانين غير مبني على مشاهدة أو شيء قطعي فالأولى التسليم بالفهم السلفي للنص وقد اختراع تحريفات كاستدلالهم بقوله تعالى ( وكل في فلك يسبحون ) والآية تتكلم على الشمس والقمر وكاستدلالهم ( وترى الجبال تحسبها هامدة وهي تمر مر السحاب ) والآية تتكلم عن يوم القيامة

ونحن نرى أن الأرض قد خصت بعدة خصائص من أهمها ظهور الحياة عليها الأمر الذي لا تفسير له قطعي سوى بعض التخرصات والهنبثات والأمر آية حقاً

الطريق الثانية : الاعتراض على نظرية دوران الأرض فيزيائياً وبيان عدد من المتناقضات والأغلاط فيها وقد كتب في ذلك عادل العشري ونادر الجنيد وكتابة العشري أقوى بكثير

وقد تكلم عن تاريخ النظرية وأنها أول من ظهرت على يد كوبرنيكس كان تفسيرها فلسفياً فقال أن النار في المعبد مكانها في وسطه والشمس نار !

ومعلوم أن الكون في تصور أينشتاين الشمس ليست إلا جزءاً صغيراً منه

ولما اعترضت الكنيسة على جاليليو ( ولم تحرقه كما يدعي كثيرون ولكن نفته ) كان اعتراضهم قوياً فلو كانت الأرض تدور فلماذا لا نطير في الهواء وهذا الاعتراض جاء نيوتن وأنقذهم منهم لاحقاً ولكن قبل اكتشاف نيوتن كان الاعتراض قوياً جداً

وإذا كان قوانين نيوتن تفسر دوران الأرض حول الشمس فكيف تفسر دوران الأرض حول نفسها

ثم إنهم بعد القول بدورانها أصابتهم عدة إشكاليات اضطرتهم إلى تحويل مسار النظرية من القول بالدوران إلى القول بالمسار الاهليليجي

ثم لما وجدوا أن البقع التي في الشمس لا تتغير مما سيجعلهم يضطرون إلى القول بثبات الأرض قالوا بأن للشمس حركة وشرحوها وفسروها بحيث لا تتعارض مع نموذج دوران الأرض

ولما حصلت تجربة مولكس ومورلي التي جعلتهم أمام أحد خيارين إما نفي الأثير أو القول بثبات الأرض قالوا بنفي الأثير

والبعد الذي يفترضونه للشمس مع قوة حرارتها التي تظهر في خط الاستواء يوجب ذوبان القطبين الشمالي والجنوبي إلا أن تكون الشمس قريبة فهذا يفسر تركزها في خط الاستواء وعدم قوتها في القطبين

وهذا الكلام قد لا يفهمه كثيرون ولكنني أكتبه لأهل التخصص

وإذا سألتهم لماذا لا نحس بدوران الأرض استخفوا سؤالك وضربوا لك مثالاً بالسيارة وأنت داخلها ولكن لو كشفنا السيارة أو أخرجت رأسك من السيارة وهي مسرعة

ومن التناقض أنهم يجعلون كل ما هو داخل المجال الجوي من الظواهر الدالة على الثبات مفسرة بالجاذبية والمجال الجوي

ثم هم أنفسهم يستدلون على الدوران بأمور داخل المجال الجوي !

ثم استدل المهندس عادل بعدم اكتشاف اختلاف مطلع نجمي

واستدل أيضاً بثبات نجم الشمال

تقول إحدى الأخوات :" ثبات نجم الشمال دليل قوى على ثبات ا?رض فالتبرير الذي قدمه مناصرو الدوران غير مقنع ?ن حركة ا?رض التي يزعمونها ليست خطية مستقيمة وإنما دورانية وتغير موقع الجرم المرصود نتيجة حتمية ?ي حركة دائرية مهما قل مقدارها فض? عن أنها تكمل 360 درجة ..البعد السحيق الذي قال به كوبرنيكوس ولم يجد العلماء غيره حتى ا?ن ? يبرر ثبات موقع polaris مع دوران ا? ض ...ا?رض ثابتة ? تدور"

ويقول آخر :" هل تم رصد دوران الارض حول محورها وحول الشمس كما يدعون ؟ او علي الاقل نشعر بهذا الدوران او حتي نري اثره علي البحار والهواء والصخور الخ الخ
هل "كل" الشواهد الرصديه (كثبات نجم الشمال في موقعه ، سرعة ظل القمر اثناء الكسوف ، الحركات الارتجاعيه للكواكب) جميعها متفق مع دوران الارض الذي يقولون عنه انه حقيقه ام ان هناك الكثير من الرصودات لا تتفق مع الدوران المزعوم ؟
هل لا يوجد اي تفسير لاي ظاهره تحدث الا بدوران الارض ؟ بمعني اخر هل لا يمكن تفسير الامور عن طريق ثبات الارض ايضا ؟"

ومعلوم أن الفلكيين القدامى كانوا يرون اختلاف الليل والنهار ويرون تغير الفصول وكلهم يقول بثبات الأرض ووجدوا تفسيرات لهذا

والمهندس عادل تكلم كلاماً طويلاً وقدم أدلة كثيرة وناقش أموراً وأتى باقتباسات كثيرة والخلاصة أن الموضوع ظني كما اعترف بذلك هاوكنج نفسه

ودوران الأرض بهذه السرعة الشديدة أقرب إلى دليل العناية من ثباتها من بعض الأوجه فنحن نخوض هذه المخاطرة كل ثانية وننجو ! وحين يحصل الكسوف يحصل لمدة وجيزة ولو طال لأصابنا البلاء العظيم وهذه كلها آيات للمتفكرين على أن الأرض لا تدور في الحقيقة وقد تكلم العشري عن مسألة الكسوف وعلاقتها بالدوران

والعجيب أن هناك عشرات المؤتمرات الإعجازية يتكلم فيها الإعجازيون بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة وكثير منهم متخصص ويتكلمون بحق وبباطل فليس كل كلامهم حق وليس كله باطل فالتفسير الذي لا يناقض التفاسير الأولى وتحتمله اللغة والسياق مقبول ولكن المشكلة في ثنائية ( العلم والدين ) والتي أوهمت الناس أن الدين لا يسمى علماً ثم قبول كل ما في البحث التجريبي وليس على درجة واحدة

ولما استدل محمد باسل الطائي ببعض معطيات ميكانيكا الكم في تأييد بعض مذاهب المتكلمين _ إذ أنه جهمي _ اعترف أن أحد الفيزيائيين الأجانب قال له لماذا تستدل بالعلم على الدين وهو متغير

ولكن التناقض من الجانب الإلحادي أنهم لا يقبلون معطيات العلم إذا كان مؤيدة للدين كما يصنع الإعجازيون وكثير منهم متخصصون وشاركهم في هذا التناقض عدنان إبراهيم

ثم نجدهم يقبلون على نظريات أو حتى فرضيات محل شك واضطراب ولا تدل على نفي وجود خالق من وجه قطعي ويجعلونها مؤيدة لهم فحتى لو ثبت خطأ المسلمين فليس ذلك دالاً على بطلان وجود خالق وهذه قضية اتفق عليها عامة عقلاء بني آدم

وكل معطيات العلم التي تضعهم في حرج كالنسبة الذهبية وتعقيد الدي أن أي الذي كان سبباً في ترك أنتوني فلو للإلحاد واكتشاف وظائف الأعضاء الضامرة وسبحان الله بعض الأحافير التي لا تملأ صندوقاً صغيراً يريدون أن يؤيدوا بها نظرية طويلة عريضة تتكلم عن ملايين السنين وهذا الخلق العظيم والضبط الدقيق الذي يعترفون به وكل تلك الآيات ليست دليلاً عندهم على الخالق فسبحان قاسم العقول

وسبحان الله علم الحديث مثلاً مع دقته وضبطه فمثلاً أنت تقرأ أحاديث في صحيح البخاري بإسناد البخاري وترى ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم عليها نور ولكنك تتشكك مثلاً

ثم تنظر في صحيح مسلم فتجد أن مسلماً قد روى الكثير من الأحاديث التي رواها البخاري واتفق معه في مدار إسنادها ومتنها فيذهب بعض شكك

ثم تنظر في سنن أبي داود فتجد الأمر نفسه ثم النسائي ثم ابن ماجه ثم مسند أحمد ثم الموطأ ثم كتب الشافعي ثم المصنفات

ثم تنظر في كتب التفسير فتجد الأحاديث المشتركة متطابقة

وهكذا حتى تمر على عشرات المصادر التي صنفها أناس على أزمنة متعددة وبلدان متباعدة في دين كان مطبقاً على الأرض فيبلغ بك اليقين المبلغ على صدق البخاري وعلى قطعية عامة تلك الأخبار بقرائن كثيرة فيأتي من يكذب بها مع سهولة اختباره

ويؤمن بنظرية الأكوان المتعددة ! أو التطور وأما دوران الأرض وترنحها في مسارها الاهليليجي فهذا يؤمنون به أكثر من كوبرنكس وجاليليو أنفسهم

وهذا كله تكرار لتجربة ابن رشد المخزية على أن ابن رشد خير منهم فكان يسلم في الفقهيات للشريعة تماماً واعترف أن خير طريق للتدليل على إثبات الخالق طريق القرآن

قال ابن تيمية في الدرء :" ثم قال ابن رشد فإن قيل فإذ قد تبين أن هذه الطرق كلها ليست واحدة منها هي الطريقة الشرعية التي دعا الشرع منها جميع الناس على اختلاف فطرهم إلى الإقرار بوجود الباري فما هي الطريق الشرعية التي نبه الكتاب عليها وكان يعتمدها الصحابة
قلنا الطرق الشرعية التي نبه الكتاب عليها ودعا الكل من بابها إذا استقرىء الكتاب وجدت تنحصر في جنسين أحدهما طرق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجله وتسمى هذه دليل العناية والطريق الثانية ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات مثل اختراع الحياة في الجماد والإدراكات الخمسة والعقل ولنسم هذا دليل الاختراع
اما الطريقة الأولى فتنبني على أصلين أحدهما أن جميع الموجودات التي ها هنا موافقة لوجود الإنسان
والأصل الثاني أن هذه الموافقة هي ضرورة من قبل فاعل قاصد لذلك مريد إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق فأما كونها موافقة لوجود الإنسان فيحصل اليقين بذلك بدليل موافقة الليل والنهار والشمس والقمر لوجود الإنسان وكذلك موافقة الأزمنة الأربعة له والمكان الذي هو فيه أيضا وهو الأرض
وكذلك أيضا يظهر موافقة كثير من الحيوان له والنباتات والجمادات وجزئيات كثيرة مثل الأمطار والأنهار والبحار وما تحمله الأرض والماء والهواء والنار
وكذلك أيضا تظهر العناية في أعضاء الإنسان وأعضاء الحيوان أعني كونها موافقة لحياته ووجوده
وبالجملة فمعرفة منافع الموجودات داخلة في هذا الجنس ولذلك وجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن صانع جميع الموجودات
قال وأما دلالة الاختراع فيدخل فيها وجود الحيوان كله ووجود النبات ووجود السماوات وهذه الطريقة تنبني على أصلين موجودين بالقوة في فطر جميع الناس أحدهما أن هذه الموجودات مخترعة وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات
كما قال تعالى { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } الآية سورة الحج 73 فإنا نرى أجساما جمادية ثم تحدث فيها الحياة فنعلم قطعا أن ها هنا موجدا للحياة ومنعما بها وهو الله تبارك وتعالى وأما السماوات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفترق أنها مأمورة بالعناية بما هو ها هنا ومسخرة لنا والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة
قلت هذا يبين بأن حركات الأفلاك ليست من قبل أنفسها بل من محرك منفصل عنها حتى يكون ذلك المحرك لها هو الآمر المسخر
وهذا يتبين بوجوه مبسوطة في غير هذا الموضع مثل أن يبين المحرك من جهة الفاعل والسبب ومن جهة المقصود والغاية أي أنها لا بد أن تقصد بحركاتها شيئا منفصلا عنها مثل ما يقول المسلمون وغيرهم من أهل الملل إنها عابدة لله تعالى ويقول المتفلسفة كأرسطو وأتباعه إنها تقصد التشبه بالإله على قدر الطاقة
وعلى القولين فتكون حركتها من جنس حركة المحب إلى محبوبه والطالب إلى مطلوبه وما كان له مراد منفصل عنه مستغن عنه فهو محتاج إلى ما هو مستغن عنه ومن احتاج إلى ما هو مستغن عنه لم يكن غنيا بنفسه بل يكون مفتقرا إلى ما هو منفصل عنه وهذا لا يكون واجب الوجود بنفسه بل يكون ممكنا عبدا فقيرا محتاجا فتكون السماوات مفتقرة ممكنة ليست بواجبة
والوجه الثاني أن كل فلك فإنه يحركه غيره من الأفلاك المنفصلة عنه فتكون حركته من غيره والفلك المحيط بها المحرك لها لا يحرك ولا يؤثر في غيره إلا بمعاونة غيره من الأمور المنفصلة عنه فليس هو وحده المحرك
لسائر أنواع حركاتها بل يجب أن يكون المحرك غيره والمتحركات المنفصلة ليست منه وحده بل منه ومن غيره فليس فيها ما هو مستقل بالتحريك وما كان مفتقرا إلى غيره لم يكن واجبا بنفسه فلا بد من محرك منفصل عنها
ومثل أن يقال ليس شي منها مستقلا بمصالح السفليات والآثار الحادثة فيها بل إنما يحصل ذلك بأسباب منها اشتراكها ومنها أمور موجودة في السفليات ليست من واحدة منها فكل واحد منها لا بد له من شريك معاون له مانع يعوقه عن مقتضاه فلا يتم أمره إلا بمشارك غنى عنه وانتفاء مانع معارض له فيمتنع أن يكون مبدعا لشريكه الغني عنه ولمانعه المضاد له وأن يكون ما يحصل من المصالح التي في العالم السفلي بمجرد قصده وفعله فوجب أن يكون هناك ما يوجب فعله وحركته من غيره وذلك هو الأمر والتسخير
لأن الحركة إن كانت قسرية فلها قاسر وإن كانت طبيعية فالطبعية لا تكون إلا إذا خرجت بالعين عن محلها فهي مقسورة على الخروج
وإن كانت إرادية فالمريد لآثار لا يستقل بها ولا يحصل إلا بمشاركة غيره ويمتنع بمعارضة غيره له فيها هو مفتقر في مقصوده إلى غيره
ويمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه لأن الواجب بنفسه لا يكون مفتقرا إلى غيره المستغنى عنه بوجه من الوجوه إذ لو افتقر إلى غيره بوجه من الوجوه لم يكن من ذلك الوجه غنيا عن الغير بل مفتقرا إليه
ولا يتم ذلك الوجه إلا بذلك الغير المستغنى عنه
والمريد لأمر إذا لم يكن قادرا على تحصيل مراده كان عاجزا وكان فقيرا إلى ما به يحصل مراده والمفتقر إلى ما يعجز عنه لا يكون واجبا بنفسه ولا يكون كماله حاصلا به بل بما هو مستغن عنه فهذه الأمور وغيرها مما يستدل به على هذا المطلوب
قال وأما الأصل الثاني فهو أن كل مخترع فله مخترع فيصح من هذين الأصلين أن للوجود فاعلا مخترعا له وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات ولذلك كان واجبا على من أراد معرفة الله حق معرفته أن يعرف جواهر الأشياء ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع
وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى { أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء } سورة الأعراف 185
وكذلك أيضا من تتبع معنى الحكمة في موجود أعني معرفة السبب الذي من أجله خلق والغاية المقصودة به كان وقوفه على دليل العناية أتم فهذان الدليلان هما دليلا الشرع
وأما أن الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع سبحانه في الكتاب العزيز هي منحصرة في هذين الجنسين من الأدلة فذلك بين لمن تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى
وذلك أن الآيات التي في الكتاب العزيز في هذا المعنى إذا تصفحت وجدت على ثلاثة أنواع
إما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية وإما آيات تتضمن التنبيه على دلالة الاختراع وإما آيات تجمع الأمرين من الدلالة جميعا
فأما الآيات التي تتضمن دلالة العناية فقط فمثل قوله تعالى { ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا } سورة النبأ 6 7 إلى قوله { وجنات ألفافا } سورة النبأ 16
ومثل قوله تعالى { تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا } سورة الفرقان 61 إلى قوله { أو أراد شكورا } سورة الفرقان 62
ومثل قوله { فلينظر الإنسان إلى طعامه } الآيات سورة عبس 24 ومثل هذا كثير في القرآن
واما الآيات التي تضمنت دلالة الاختراع فقط فمثل قوله تعالى { فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق } سورة الطارق 6
ومثل قوله { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } سورة الغاشية 17 الآية
ومثل قوله تعالى { يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا } سورة الحج 73
ومن هذا قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم عليه السلام { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا } سورة الأنعام 79 إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى
وأما الآيات التي تجمع الدلالتين فهي كثيرة أيضا بل هي الأكثر مثل قوله تعالى { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم }
سورة البقرة 21 إلى قوله تعالى { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } سورة البقرة 22
وذلك أن قوله { الذي خلقكم والذين من قبلكم } سورة البقرة 21 تنبيه على دلالة الاختراع وقوله { الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء } سورة البقرة 22 تنبيه على دلالة العناية
ومثل قوله { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون } سورة يس 33
وقوله { ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } سورة آل عمران 191
وأكثر الآيات الواردة في هذا المعنى يوجد فيها النوعان من الأدلة
قال فهذه الطريق هي الصراط المستقيم التي دعا الله الناس منه إلى معرفة وجوده ونبههم على ذلك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى


وإلى هذه الفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر الإشارة بقوله تعالى { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم } إلى قوله { قالوا بلى شهدنا } سورة الأعراف 172
ولهذا يجب على كل من كان وكده طاعة الله تعالى في الإيمان به وامتثال ما جاءت به رسله أن يسلك هذه الطريقة حتى يكون من العلماء الذين يشهدون لله بربوبيته مع شهادته لنفسه وشهادة ملائكته له
كما قال تعالى { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } سورة آل عمران 18
قال ودلالة الموجودات من هاتين الجهتين عليه هو التسبيح المشار إليه بقوله تعالى { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } سورة الإسراء 44
قلت في هذه الآية وآية أخذ الميثاق من الكلام ما ليس هذا موضعه وكذلك دعواه انحصار الطريق في هذين النوعين

وقوله إن في الآيات ما يدل على العناية دون الاختراع وغير ذلك كلام ليس هذا موضعه بل كل ما دل على العناية دل على الاختراع ولكن المقصود هنا حكاية ما ذكره
قال فقد بان من هذه الأدلة أن الدلالة على وجود الصانع منحصرة في هذين الجنسين دلالة العناية ودلالة الاختراع
قال وبين أن هاتين الطريقتين هما بأعيانهما طريقة الخواص ويعني بالخواص العلماء وطريقة الجمهور وإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفضيل أعني أن الجمهور يقتصرون من معرفة العناية والاختراع على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس وأما العلماء فيزيدون إلى ما يدركون من هذه الأشياء بالحس ما يدرك بالبرهان أعني من العناية والاختراع حتى لقد قال بعض العلماء إن الذي أدرك العلماء من معرفة منافع أعضاء الإنسان والحيوان هو قريب من عشرة آلاف منفعة

قال وإذا كان هذا هكذا فهذه الطريقة هي الطريقة الشرعية والفلسفية الحكمية وهي التي جاءت بها الرسل ونزلت بها الكتب والعلماء ليسوا يفضلون الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط بل من قبل التعمق في معرفة الشيء الواجب بنفسه فإن مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات مثالهم في النظر إلى المصنوعات التي ليس عندهم علم بصنعها فإنهم إنما يعرفون من أمرها أنها مصنوعات فقط وأن لها صانعا موجودا
ومثال العلماء في ذلك مثال من نظر إلى المصنوعات التي عنده علم ببعض صنعها وبوجه الحكمة فيها ولا شك أن من حاله من العلم بالمصنوعات هذه الحال فهو أعلم بالصانع من جهة ما هو صانع من الذي لا يعرف من تلك المصنوعات إلا أنها مصنوعة فقط
وأما مثال الدهرية في هذا الذين جحدوا الصانع سبحانه وتعالى فمثال من أحس مصنوعات فلم يعرف أنها مصنوعات بل ينسب ما رأى فيها من الصنعة إلى الاتفاق والأمر الذي يحدث من ذاته
قلت : _ القائل ابن تيمية _ فهذا الرجل مع أنه من أعيان الفلاسفة المعظمين لطريقتهم المعتنين بطريقة الفلاسفة المشائين كأرسطو وأتباعه يبين أن الأدلة العقلية الدالة على إثبات الصانع مستغنية عما أحدثه المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم من طريقة الأعراض ونحوها وأن الطرق الشرعية التي جاء بها القرآن هي طرق برهانية تفيد العلم للعامة وللخاصة والخاصة عنده يدخل فيهم الفلاسفة والطرق التي لأولئك هي مع طولها وصعوبتها لا تفيد العلم لا للعامة ولا للخاصة
هذا مع أنه لم يقدر القرآن قدره ولم يستوعب أنواع الطرق التي في القرآن فإن القرآن قد اشتمل على بيان المطالب الإلهية بأنواع من الطرق وأكمل الطرق كما قد بسط في موضعه"
هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

------------------------