المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمريكا والكنعانيون الحمر ...سيرة الإبادة


Eng.Jordan
03-29-2012, 08:22 PM
(1-3)

قال تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
بقلم : منير العكش

يجب أن تكون 'زنبورا' لتفهم هذا الهلع العصابي الذي أصاب أمريكا مع ظهور حالات الجمرة الخبيثة، فالزنبور الأمريكي يختلف عن كل زنابير البراري في الشكل واللسع والتاريخ الطبيعي والعلاقة مع الجراثيم. إنه اصطلاح مؤلف من الحروف الأربعة الأولي لأربع خصال عرقية وأخلاقية واستثنائية تميزت بها العترة الأرستقراطية 'المختارة'، التي أطلقت 'فكرة أمريكا' وصنعت تاريخها.
في كل الطبقات الجيولوجية لذاكرة هؤلاء الزنابير 'البيض، الأنكلو * سكسون، البروتستانت' مناجم غنية بمعادن موت استثنائي، بدونه لم تكن فكرة أمريكا * فكرة استبدال شعب بشعب، وثقافة بثقافة * ممكنة.
هناك علاقة استثنائية بين هذا التاريخ الذي يرضع منذ أكثر من أربعة قرون من نسغ الموت وبين الهلع الهستيري الذي ملأ ليل الزنابير بكوابيس 'الخطيئة الأصلية' لفكرة أمريكا، واكتشف في كل ذرة من جيولوجيا الذاكرة جمرة خبيثة. ولربما كان هناك أيضا ما يشبه الاستنساخ للعقلية القيامية التي عاشها أرسطوفان في أيام سقراط، وفندها في مسرحية 'الزنابير'، وفضح فيها علي لسان بطله 'كليون' جنون أثينا بالدينونة والمحاكمة والقتل بالسموم.
فجأة رأت ذاكرة الزنابير صورتها في المرآة: الامبراطور عاريا تطارده أشباح 112 مليون آدم وحواء ينتمون إلي أكثر من أربعمائة شعب، كانوا يملأون 'مجاهل' العالم الجديد بضحكة الحياة 'لم يبق منهم في إحصاء 1900 سوي ربع مليون'، وتلوح لعيني جلالته مشاهد 93 حربا جرثومية شاملة أتت علي حياة الملايين من هذه الشعوب. هذه الإبادة الجماعية الأعظم والأطول في تاريخ الإنسانية، والتي حاول التاريخ المنتصر محو ذكراها من وجه الأرض، أيقظتها حالات 'الجمرة الخبيثة' بكل أهوالها في مخيلة الزنابير التي بدأت تري مستقبلها في صورة ضحاياها الذين أبيدوا بجراثيم الجدري في خليج ماساشوستس، أو بمبيد الأعشاب البرتقالي وغاز الخردل واليورانيوم المستنفد في كوريا وفيتنام وما بين الرصافة والجسر.
لم تعترف الولايات المتحدة أبدا بعدد الهنود الذين أبيدوا منذ بداية الغزو الأبيض الذي دشنه خوان َونس دوليون باكتشاف فلوريدا في فصح 1513، فيما كان يبحث عن 'ماء الشباب' الأسطورية. إن كتبها المدرسية لا تعترف بتاريخ لهذه 'المجاهل' قبل كولومبس، فقد كانت شبه خاوية من البشر تنتظر من الإله الذي خلع عليه أوليفر كرومويل الجنسية الإنجليزية أن يهبط فيها آدمه ليؤنس وحشتها ويعمرها بالحياة. إن الفيلم 'الوثائقي' الذي يعرض للسياح في مستعمرة َليموث 'أول مستعمرة فيما صار يعرف بنيو إنكلاند' والدليل السياحي في تمثال الحرية بنيويورك كليهما يؤكد لك أن تاريخ الإنسان في مجاهل الشمال الأمريكي، لم يبدأ إلا في أواخر القرن السادس عشر. أما تلك القلة الضئيلة المشاغبة من الهنود الذين لم يتجاوز عددهم يومها المليون فقد حفروا قبورهم بأيديهم في حروب متكافئة شريفة شفافة، كانوا هم مسئولين عن إضرام نارها وحصد أضرارها، أو أنهم 'ماتوا' قضاء وقدرا بالأمراض التي حملها الأوروبيون معهم دون قصد. وتمضي الكتب المدرسية فتصف هذا الموت القدري بأنه 'مأساة مشئومة يؤسف لها'، 'غير مقصودة'، 'لا متعمدة'، 'لم يكن تجنبها ممكنا' و'أضرار هامشية تواكب انتشار الحضارة وطريقة حياتها'، وليس لك هنا بالتالي أن تلوم، إذا أردت أن تلوم إلا القضاء والقدر. وبانتفاء النية والقصد والمسئولية عن فناء هؤلاء 'الأشقياء' يصبح الحديث عن الهولوكست الأمريكي 'متحاملا'، 'متهورا'، 'سلبيا'، 'غير مسئول'، و'ينبع من روح الكراهية' للحضارة و'طريقة حياتها'. ألا تري كيف أكرموا الهنود فرفعوا تمثال امرأة هندية فوق قبة الكاَتول، وجعلوه رمزا للحرية؟

* * *

الأرقام الرسمية التي لا تعترف بوجود أكثر من مليون أو مليوني هندي عند وصول الإنسان الأبيض إلي العالم الجديد لا تختلف عن القول، بأن عدد اليهود في أوروبا عند وصول النازيين إلي الحكم لم يكن يتجاوز مائة ألف أو مائتي ألف يهودي، ولربما أنه سيشجع علي القول مستقبلا إن فلسطين عند إعلان دولة إسرائيل لم يكن في مجاهلها أكثر من عشرة آلاف متوحش. إننا لا نقف هنا أمام جهل بالحساب، أو غش في صفقة تجارية، بل أمام عدم تتطاير أشلاء الذاكرة الإنسانية في هاويته، ومعها تتطاير فرص الحياة لكثير ممن تلدهم أمهاتهم في 'المجاهل'. ولأنه ليس هناك من يعرف عمق هذه الهاوية ، فإن 'المأساة المشئومة' التي واكبت انتشار الحضارة في العالم الجديد تبقي مفتوحة علي كل أنواع الثقافات والأعراق الإنسانية. هذا قدر أمريكا ورسالتها الخالدة التي كتبت لها السماء أن ترافق أشعة الشمس حيث دارت الشمس.
إن الأرقام الحقيقية لم تتقلص بهذه الشراسة إلا لأن حقيقتها تعري أسطورة 'الأرض العذراء' التي افترعها الزنابير، أو 'الأرض الفارغة' التي نسجت من خيوطها كل أكاذيب التاريخ الأمريكي ووضعت حياة إنسانيتنا باستمرار علي شفا ذلك الثقب الأسود . هذا الإصرار علي أن عدد الهنود لم يتجاوز المليون أو المليونين عند وصول الأوروبيين، وأنه تقلص إلي ربع مليون في عام 1900 يحيل كل قصة الإبادة إلي فيلم تسلية، ويقدم لبهلوانيي التاريخ المنتصر اللغة الأورولية المناسبة لنشاط وزارة الحب. إن بإمكانهم ابتلاع هذه الحسكة الطرية الصغيرة، ولكن كيف سيبتلعون عظام 112 مليون إنسان؟
وليس 'عامل الأمراض' بأقل لؤما. هناك مئات الكتب التي وضعها التاريخ المنتصر لما أسماه بعامل الأمراض ، وهناك مئات الأبحاث والدراسات التي تسخر من فكرة إبادة سكان أمريكا بالأسلحة الجرثومية. فالجدري والتيفوئيد والخناق والحصبة وغيرها من أوبئة العالم القديم، هي التي قفزت خفية إلي سفن المستوطنين ووصلت سرا إلي شواطيء العالم الجديد، ثم تسللت إلي أرواح الهنود في قراهم ومدنهم قضاء وقدرا.
أما الهنود فلم يموتوا بسبب 'احتكاكهم' بالأوروبيين أو لأن هذه الأمراض كانت سلاحا من أسلحة الإبادة بل بسبب فقرهم للمناعة الكافية، خاصة أن الإنجليز الأبرياء المسالمين في ذلك الزمان كانوا لا يعرفون شيئا عن خطر هذه الأوبئة!

* * *

بهذا المنطق يؤكد التاريخ المنتصر ان حرب الإبادة الجماعية التي أفرغت العالم الجديد من سكانها، وقضت علي أكثر من أربعمائة شعب وأمة وقبيلة كانت تنتشر في الشمال الأمريكي فوق مساحة أكبر من أوروبا بنصف مليون ميل مربع، وكل ما واكب هذه الإبادة من فظائع كان مجرد 'مأساة غير مقصودة حدثت برغم الرغبة الجادة والأكيدة لدي الأوروبيين في الحفاظ علي حياة الهنود. إن السبب الأول لموت الهنود هو الأوبئة التي لم يكن لديهم مناعة ضدها * فالطبيعة، وليس الأذي المتعمد، هي السبب في هذا الدمار' وبالتأكيد فإن صاحب هذه التشويه التاريخي وأكثر المتعصبين حماسة لعامل الأمراض اليوم، هم أولئك الحصريون الذين يحبون أن يحتكروا فكرة الضحية لأنفسهم، ولا يريدون للذاكرة الإنسانية أن تسجل جريمة أكبر من الجريمة التي ارتكبها النازيون بحقهم وحدهم.
وبهذه العنصرية التي تسللت بكل ساديتها إلي مملكة الموت أقيم متحف الهولوكست في واشنطن، علي أنقاض مدينة نكونشتناكه الهندية وفوق رمم شعب الكونوي الذي أباده الغزاة في .1623 هنا علي ضفاف نهر البوتوماك تورط المستعمرون الإنجليز تلك السنة في إحدي حروبهم الشفافة عند مفاوضاتهم مع القبائل التي كان يعيش بعضها حيث يقام متحف الهولوكست اليوم. كان الزعيم الهندي تشيسكياك يتولي المفاوضات. وقد دشنها الإنجليز بدعوته هو وكل حاشيته من الهنود لشرب الأنخاب تعبيرا عن 'الصداقة الخالدة بين الأمتين'. وكانت أنخاب الصداقة * كالعادة * مسمومة طرحت الزعيم تشيسكياك صريعا تحت أقدام مفاوضيه وقتلت معه أسرته ومستشاريه ومائتين من حاشيته5 . ألم يكن جورج واشنطن يعلم بما يجري لشعب الكونوي ومدينته التجارية نكونشتناكه عندما أعلن أن الأرض التي اختارها لبناء عاصمته هي مجرد مستنقعات خاوية ألم يلحظ تخمة الغربان وامتلاء التماسيح؟
عبارة 'العامل الطبيعي' التي يتكيء عليها محتكرو الهولوكست لتبرير انتصار الموت، ليست في الواقع إلا الترجمة الحديثة لعبارة 'العناية الإلهية' التي استخدمها قبلهم أنبياء المستعمرين الإنجليز في أوائل القرن السابع عشر عندما قالوا إن هذه الأوبئة نعمة أرسلها الله لتطهير الأرض التي أعطاها لشعبه. ومنهم من اعتبرها، كما يروي تودوروف، معجزة لا تقل عن معجزة الأوبئة العشرة التي يقال إنها فتكت بالمصريين في زمن موسي. حتي قبل أن تبحر سفينة الحجاج الأولي ماي فلور من ساوث هامبتون، لم ينس الملك جيمس: أن يحمد الله علي هذا 'الوباء البديع الذي أزاح المتوحشين من بين أقدامنا'. وهذا ما أعاد صياغته بلغة مختلفة جون ونثروب الحاكم الأول لمستعمرة ماساشوستس في رسالة إلي ناتنيال ريش بتاريخ 22 مايو 1634، يطمئنه فيها إلي أن كل المستوطنين الأربعة آلاف في صحة جيدة: 'فبفضل الله ونعمته لم يمت منهم في السنة الماضية سوي اثنين أو ثلاثة بالغين وبعض الأطفال، وكنا نادرا ما نسمع عن مرض الملاريا أو غيرها من الأوبئة.. أما السكان الأصليون فإنهم ماتوا كلهم تقريبا بالجدري، وبذلك أعطانا الله صك ملكية هذه الأراضي'.
كانت أكوام الهياكل العظمية تنتشر علي طول شواطيء فرجينيا وكارولينا 'الشمالية والجنوبية اليوم' في منظر ألهم المستعمرين أن يسموا البلاد بالجلجلة الجديدة، لكنها 'جلجلة بهيجة أثلجت قلوب مكتشفيها لأنها آية إلهية تدل علي رضا السماء عن موت الهنود وعن مواكبة العناية الإلهية لاستعمار العالم الجديد'.
وكان وليم برادفورد حاكم مستعمرة بليموث يري أن نشر هذه الأوبئة بين الهنود عمل يدخل السرور والبهجة علي قلب الله، 'فمما يرضي الله ويفرحه أن تزور هؤلاء الهنود وأنت تحمل إليهم الأمراض والموت. هكذا يموت 950 من كل ألف منهم، وينتن بعضهم فوق الأرض دون أن يجد من يدفنه. إن علي المؤمنين أن يشكروا الله علي فضله هذا ونعمته. كانت هذه 'المعجزات' الإلهية صورة عن رغبات المستوطنين وطموحاتهم. فلطالما توحدت القدرة الإلهية مع الشعب المختار كما يري كوتون ماذر، أحد أبرز أنبياء الاستعمار، 'فبعد أن ظن هؤلاء الشياطين' أن بعدهم عن العالم سينقذهم من الانتقام استطاع الله أن يحدد مكانهم ويكتشفه، وأرسل قديسيه الأبطال من إنجلترا، وأرسل معهم بعض الأوبئة السماوية القاتلة التي طهرت الأرض منهم. إن الله يفسح مكانا لشعبه في هذه المجاهل إذ هو يقتل الهنود بأوبئة من أنواع مدمرة لا يعرف لها البشر مثيلا إلا ما تحدثت عنه التوراة'.
وماتزال أرستقراطية الاجتياح إلي اليوم تقيم الصلوات والمهرجانات والتماثيل ابتهاجا بهذا الموت، الذي صنعته بأعمال السخرة تارة وبالتجويع تارة وبتبادل الهدايا المسمومة تارات. إنك لو زرت سان فرانسيسكو وسقت علي الطريق 101 أو 280 ستري فوق رأسك تمثالا عملاقا يرتفع أكثر من عشرة أمتار في السماء ويمد سبابته المكتنزة نحو الأفق كفوهة المدفع القديم. تمثال له شكل الكاَوتشينو البارد شيد تخليدا لجونيبرو سرا مدير أحد أكبر معسكرات الموت في شمال كاليفورنيا. كان سرا يتلذذ بتعذيب ضحاياه وشنقهم بالجملة، وكان صاحب الدعوة الشهيرة إلي تفعيل 'العامل الطبيعي' يذبح كل العرق الهندي: ، إن معسكره مايزال قائما إلي الآن، يحيط بفناء واسع يذكرك بضحايا فناء الكوليسيوم الروماني، وتتقدمه مقبرة كبيرة تجوس فيها أشباح الجلاد المقدس. حتي داروين نفسه في رحلته الاسطورية علي متن السفينة بيجل إلي كثير من بقاع أمريكا وعدد من الجزر و'المجاهل' التي سبقته إليها سفن الغزاة، لاحظ هذا التلازم بين ظهور 'العامل الطبيعي' وبين الاجتياحات الأوروبية، وكتب في مذكرات رحلت ملاحظة لا تقل أهمية عن نظريته في الانتخاب الطبيعي فقال: 'إنه حيثما خطا الأوروبيون مشي الموت في ركابهم إلي أهل البلاد' 'التي يجتاحونها'. وكذلك لاحظ هوارد سيمبسون في مقدمة كتابه الرائع عن دور الأمراض في التاريخ الأمريكي 'جيوش خفية' أن المستعمرين الإنجليز لم يجتاحوا أمريكا 'بفضل عبقريتهم العسكرية، أو دوافعهم الدينية، أو طموحاتهم، أو وحشيتهم، بل بسبب حربهم الجرثومية التي لم يعرف لها تاريخ الإنسانية مثيلا'.


حرب الجراثيم وأخواتها

قبل فحص وثائق هذه الحرب الجرثومية، لابد من النظر في بعض العناصر المساعدة التي رافقتها، فهناك اليوم أكثر من دليل علي أن هؤلاء الذين ينشرون الأوبئة حيثما تطأ أقدامهم، كانوا يعرفون من تجاربهم السابقة أن سياسة العمل بالسخرة والتجويع الإجباري والترحيل الجماعي وتقويض معنويات الضحايا، تشحذ أنياب الأوبئة وتزيدها فتكا. إن معظم هؤلاء القديسين تمرسوا في الإجتياحات الإنجليزية لإيرلندا، أو في الحروب مع الأتراك. ومعروف أن الكابتن جون سميث مؤسس أول مستعمرة إنجليزية دائمة في العالم الجديد، بدأ نشاطه العسكري ضد الإسبان قبل أن يدرك العشرين، ونال رتبة كابتن حين تطوع في الجيش النمساوي وحارب العثمانيين الذين أسروه وباعوه عبدا لرجل تركي. وقد أمضي سنتين في العبودية قبل أن يقتل سيده ويهرب عائدا إلي إنجلترا.
وفعلا فقد كان نظام السخرة من أفتك أسلحة الأوبئة في فلوريدا وتكساس وكاليفورنيا وأريزونا ونيومكسيكو. كان الهدف المعلن هو تمدين هؤلاء المتوحشين جسديا وإنقاذ أرواحهم أخرويا. وبالطبع، كان لابد من 'أضرار هامشية' ترافق انتشار الحضارة وطريقة حياتها. فحملات التمدين والتطهير الروحي لم تكن إلا مصائد خرافية لتعليب هذا السردين الآدمي. كان هناك جنود مدربون علي هذا الصيد يطاردون الهنود كما يطارد رعاة البقر جواميس البراري، عبر أسوار منصوبة علي شكل زاوية حادة تظل تضيق عليها وتضيق إلي أن يصبح أمام هذه البهائم الغافلة 'خيار وحيد' اسمه المصيدة.
مصائد أشبه بحظائر الكلاب، لا يخرجون منها إلا للتغوط الجماعي المقنن في حفر مفتوحة، أو للعمل الإجباري في الحقول والطواحين والأعمال القذرة من الصباح إلي المساء. خلال أسابيع قليلة كان الهندي يموت من المرض والإجهاد وسوء التغذية، فقد كانت كمية الطعام التي تقدم للعبد الأسود تعادل ثمانية أضعاف الطعام الذي يقدم للهندي. ولم يكن ذلك حبا بأفريقيا أو غراما بالسود أو تمييزا عنصريا، بل كان سببه الأول والأخير أن الهنود أرخص من السمك، فهم في متناول اليد وكلفة استبدالهم أرخص من إطعامهم، أما استيراد العبد الأفريقي فدونه خرط المحيط.

* * *

في عام 1846 احتلت جيوش الولايات المتحدة كاليفورنيا. وتقول الإحصائيات إن عدد هنود كاليفورنيا في تلك السنة كان أقل من ربع ما كانوا عليه في عام .1769 ومع ذلك فخلال العشرين سنة الأولي من احتلال هذه الولاية أبيد 80 بالمائة من هذا 'الربع' بسبب نظام السخرة. إن 'ثروة الأمم' التي أعطت السلطة السياسية لأصحاب مناجم الذهب والمزارع الأسطورية سرعان ما شرعت استعباد الهنود كسلاح غير مباشر، لإبادتهم كما تم قبل ذلك في كولورادو وغيرها من ولايات الذهب. ولأنه لابد من يد عاملة رخيصة لاستثمار هذه الولاية الغنية، فقد نشطت تجارة خطف أطفال الهنود. ولطالما كتبت صحف تلك الفترة عن الشاحنات المحشوة بأطفال الهنود، وهي تهوي في الطرقات الريفية الخلفية إلي أسواق العبيد في سكرامنتو وسان فرانسيسكو. ومع نقص عدد النساء في سنوات الاحتلال الأولي فقد زاد الإقبال علي خطف الفتيات اللواتي يقدمن خدمة مضاعفة: العمل والمتعة. وهذا ما أحال آباء هؤلاء المخطوفين إلي 'عناصر شغب' تستأهل العقاب، وأدي كذلك إلي هرب معظم الأسر الهندية من منعزلاتها وأماكن سكنها التقليدية. أما شركات الخطف فقد تحولت إلي ميليشيات خيرية، إذ صار الخاطفون يقتلون الآباء ويشاركون الدولة في القضاء علي عناصر الشغب، بينما يعتبرون خطف اليتامي وبيعهم مهمة إنسانية نبيلة وعملا أخلاقيا يتباهون به.

* * *

في أوائل 1850، وفي أول جلسة تشريعية لكاليفورنيا سنت الولاية قانون 'حماية الهنود' الذي أضفي الشرعية علي خطفهم واستعبادهم، واقتضت 'حماية' الهنود بموجب الملحقات التي أضيفت إلي القانون في عام 1860 إجبار أكثر من عشرة آلاف هندي علي أعمال السخرة. ولأن معظم الذين هربوا بأرواحهم وفراخهم إلي الغابات والجبال الوعرة صاروا يعيشون، في ما أصبح يسمي بأملاك الولايات المتحدة، فقد تحولوا بموجب قوانين الذين سرقوا بلادهم إلي 'لصوص معتدين علي أملاك الغير'. ولم تمض سنة علي صدور قانون 'حماية الهنود' حتي ضاق حاكم الولاية بيتر بيرنت ذرعا بحمايتهم وعبر عن الحاجة إلي إبادة هذا 'الجنس اللعين'، ووجه رسالة إلي المجلس التشريعي قال فيها 'إن الرجل الأبيض الذي يعتبر الوقت ذهبا، والذي يعمل طول نهاره ليبني حياة سعيدة لا يستطيع أن يسهر طول الليل لمراقبة أملاكه.. ولم يعد أمامه من خيار سوي أن يعتمد علي حرب إبادة. إن حرب الإبادة قد بدأت فعلا، ويجب الاستمرار فيها حتي ينقرض الجنس الهندي تماما'.

* * *

ولم يكن الذين تم ترحيلهم جماعيا بأحسن حالا من الذين خضعوا لأعمال السخرة والاستعباد.
فبعد أن سن الكونجرس في عام 1830 قانون ترحيل الهنود بالقوة من شرق المسيسبي إلي غربه، صار من حق كل مستوطن أن يطرد الهندي من بيته وأرضه وأن يقتله إذا لم يستجب لصوت العقل.
وكانت 'رحلة الدموع' أولي ثمار هذا القانون. يومها حاصرت قوات من الجيش النظامي من لم يمت بعد من هنود خمسة شعوب هم الشيروكي والشوكتو والشيكسو والكريك والسيمينول وحشرتهم في معسكرات جهزت سلفا لتجميعهم في انتظار يومهم الموعود مع 'الحضارة وطريقة حياتها'. وما أن تأكد الجيش أنه لم يبق بيت ولا كوخ ولا خيمة ولا كهف ولا غابة ولا مقبرة تؤوي شبحا أحمر حتي سيقت بقايا هذه الشعوب بنسائها وأطفالها وشيبها وعجزتها مئات الأميال عبر ولاية تنسي، فكنتكي، فإلنويز، فيمزوري ليقطفها الصقيع والجوع والمرض والإجهاد روحا فروحا. وككل حفلات الموت التي ترعاها الحكومة فإن منظمي رحلة الدموع ساقوا الهنود عن قصد عبر مناطق يعرف القاصي والداني أنها كانت موبوءة بالكوليرا وغيرها من الأمراض، وأطعموا ضحاياهم من طحين فاسد ولحم منتن.
كان 'العامل الطبيعي' في أوج نشاطه، فقد مات 15 بالمائة من مهجري شعب الشوكتو الأربعين الفا، وكذلك كانت نسبة من تساقط من شعب الشيكاسو. أما شعبا الكريك والسيمينول فمات منهم أكثر من نصف مهجريهم، سقط معظمهم في الأيام الأولي لرحلة الدموع، بينما حصدت الحمي الصفراء منهم 3500 ضحية. ومات من مهجري شعب الشيروكي 55 بالمائة بالأمراض والجوع والإجهاد المضني الذي عانوه أثناء الترحيل القسري.

* * *

ويقول جيمس موني الذي استجوب عددا من الذين شاركوا في عملية الترحيل: 'لقد تم نشر الجيش في معظم مناطق الشيروكي، وبدأ الجنود بتمشيط المدن والقري والغابات والكهوف وضفاف الأنهار لصيد الناس وجمعهم في حصون. كان هؤلاء يرون بأعينهم كيف تأكل النيران بيوتهم وحقولهم وقراهم علي يد مستوطنين يزحفون وراء الجنود للسرقة والنهب واغتصاب أملاكهم بما في ذلك نبش الفضة والذهب والأحجار الكريمة من باطن قبور أهلهم وأحبابهم'.
وكان ذلك القرن قرن الترحيل القسري المنظم لكل الشعوب الهندية التي كانت تعيش شرق المسيسيبي. فما جري للشيروكي تكرر بصورة كلاسيكية مع كل الشعوب الهندية في الشمال الأمريكي، من حدود المكسيك جنوبا حتي القطب شمالا، ومن ماريلاند وفرجينيا شرقا حتي أورجون وواشنطن علي المحيط الهادي، كلهم قضوا بنسب متفاوتة، بين شعوب اختفت تماما من الذاكرة البشرية وشعوب تتراوح نسبة الناجين منها بين 15.5 بالمائة مما كانت عليه بعد موجات الإبادة الأولي التي اشترك فيها الإسبان بشكل أساسي ومعهم بعض الشعوب الأوروبية الأخري مثل البرتغال والفرنسيين والألمان. فبعد أقل من ثلاثين سنة مضت علي 'رحلة الدموع' سيق من تبقي من شعب النافاهو أيضا في هجرة قسرية مختلفة تعرف باسم 'المسيرة الطويلة.
في البداية، تكاتفت جهود الجيش والمستوطنين لصيد 'آخر النافاهو' وتجميع طرائدهم في معسكر خاص بأريزونا استعدادا لترحيلهم مشيا علي الأقدام أو علي ظهور الدواب التي نفق معظمها قبل الإقلاع. ثم تولت قوي الجيش ترحيلهم من أريزونا إلي نيومكسيكو، أكثر من أربعمائة كيلو متر في صقيع شتاء تلك الطبيعة الوحشية حيث مات منهم نصف أحيائهم بحسب أكثر التقديرات تواضعا. كذلك خسر شعب الشايين نصف بقاياه النادرة أثناء ترحيله بالقوة إلي مثواه الأخير في معسكر للموت البطيء في أوكلاهوما. وهناك تعرضوا لسياسة التجويع والحصار التي لم ترفع عنهم جزئيا إلا بعد التوقيع علي اتفاقية تنازلوا فيها عن معظم أراضيهم.

* * *

سياسة التجويع والتدمير الشامل للبني الاقتصادية اللازمة للحياة كانت من أهم أسلحة الإبادة سواء في أثناء الترحيل القسري حيث كان الطعام قليلا وملوثا، أو في معسكرات المثوي الأخير حيث تكفلت سياسة التجويع غالبا بصياغة بنود اتفاقيات الهدنة. ويروي كينيث كارلي في 'انتفاضة شعب سو1862' كيف تعرض هنود سانتي داكوتا المسالمون للتجويع القاتل، وكيف أن أندرو ميريك مفوض الدولة الاتحادية للإعاشة أجاب علي احتجاجاتهم قائلا لزعيمهم تاويادوتاالمعروف باسم الغراب الصغير: 'إذهب أنت وشعبك فكلوا من حشيش الأرض وإذا شئتم فكلوا خراءكم'. عندها لم يتمالك تاويادوتا أعصابه فهجم علي المفوض وقتله ثم حشا فمه * وكان مهذبا * بالحشيش فقط. وهذا ما أدي إلي تعليق مشانق كل زعماء السانتي وإلي انتفاضة شعب السو الشهيرة عام .1862 دأت سياسة التدمير الشامل لكل أسباب الحياة الهندية في العالم الجديد منذ اللحظة الأولي لشروق الشمس الإنجليزية علي جزيرة روانوك التي استقبلهم أهلها عام 1580 بالترحاب فأقطعوهم ماشاءوا من الأرض وآووهم وكسوهم وأطعموهم الطعام علي حبه وعلموهم أسباب البقاء في هذه الطبيعة الغريبة عنهم. ولكن ما أن اشتد ساعدهم قليلا حتي راحوا يخترعون الأعذار للقتل العشوائي ويتحينون الفرص لإتلاف المحاصيل وإحراق القري والحقول وقطع أسباب الحياة عن الهنود عمدا.
وكان الهنود قد لاحظوا منذ الأيام الأولي أن المستعمرين كانوا ينبشون القبور لسرقة ما فيها أو لأكل جثثها الطازجة أحيانا
ثم تصاعدت خطة التجويع والتدمير الاقتصادي وازدادت تنظيما وتركيزا واستهدافا علي مدي القرنين التاليين إلي أن أصبحت في القرن التاسع عشر سياسة رسمية معلنة للولايات المتحدة الأمريكية، كما يروي إدموند مورغن.
وكانت مستعمرة جيمستاون، وهي أول مستعمرة إنجليزية دائمة في شمال أمريكا، قد رسمت الملامح الأساسية لهذه السياسة في عام 1610، أي بعد أقل من ثلاث سنوات من تأسيسها عند مصب النهر الذي سمي باسم جلالة الملك جيمس. فتحت عنوان 'حق الحرب' أعلنت هذه السياسة * كما نشر بيانها بعد ذلك في لندن عام 1622 * عن حق الإنجليزي باعتباره من 'الشعب المختار' المتفوق بالوراثة في 'أن يجتاح البلاد ويدمر أهلها'.. 'حيثما تحلو لنا مواطنهم الخصبة.. وأراضيهم التي سنستوطنها بعد تطهيرها من سكانها. إنها مجرد 'أضرار هامشية' ترافق انتشار الحضارة وطريقة حياتها. فتحقيق هذه السياسة التوسعية يحتاج بالتأكيد إلي موجات متلاحقة من الترحيل القسري والمذابح الجماعية وما صار يعرف لاحقا بعقيدة 'القدر المتجلي' التي تقول بحتمية وقدرية التوسع الأمريكي والزحف مع دوران الشمس حيثما تدور من الشرق إلي الغرب، وهي العقيدة التي استعارها هتلر بعد حوالي نصف قرن بكثير من التواضع والحذر وسماها 'سياسة المجال الحيوي'.

* * *

وكان مجلس فرجينيا قد أضاف إلي بيان 'حق الحرب' بندا أساسيا لتزييت سياسة التوسع بمعاهدات سلام واتفاقيات تخدر الفرائس إلي أن يحين وقت صيدها، وتمنح شعب الله فرصة أفضل للمباغتة والتدمير. لم يكن لاتفاقيات السلام إلا هدف واحد هو خرق هذه الإتفاقيات. فحين يطمئن الهنود إلي أن الاتفاقية قد كفتهم شر القتال وهم الحذر والحراسة عندها 'كما يقول مجلس دولة فرجينيا' 'يتوجب علينا أن نغتنم الفرصة فنفاجئهم ونتلف محاصيلهم ونحرق حقولهم'.
في غارة واحدة، كما يروي جيمس أكستل في كتابه 'مابعد كولومبس'، أتلف المستوطنون كمية من الذرة كافية لإطعام أربعة آلاف إنسان لمدة سنة كاملة'. بينما يقدم فيليب بروس في كتابه عن 'التاريخ الاقتصادي لفرجينيا' حسابا آخر لهذه الغارة فيقول إن الإتلاف طال ثلاثة آلاف فدان من الحقول. وفي أواخر الشتاء اعترف هنود امبراطورية البوهاتن بأن عدد موتاهم تلك السنة أكبرمن عدد كل الذين ماتوا خلال الخمس عشرة سنة الماضية التي 'استضافوا' فيها الإنجليز بينهم. وكانت هذه الامبراطورية من أكبر فيدراليات شواطيء الأطلسي الوسطي، تزيد مساحتها علي مساحة الجزيرة البريطانية وينضوي تحت لوائها خمسة شعوب هندية وعدد كبير من القبائل الصغيرة لا يقل عددها عن عدد سكان إنجلترا في تلك الأيام، لكنها، بعد أقل من عشرين سنة من الوجود الاستعماري الانجليزي 'لم تعد أمة' كما أوضح المستوطن روبرت بينت في رسالة شماتة كتبها إلي أخيه إدوارد في 9 يونيو/ حزيران .1623 عشرون سنة وتحولت هذه الامبراطورية العظيمة إلي ما هو 'أقل من أمة'.
واستمرت إبادة البوهاتن بانتظام ودأب وتصميم، إذا كان يقتل منهم المئات في مناوشة بعد مناوشة، ويقتل المئات بالتسميم الجماعي أو في طراد كلاب الصيد الدموية وكلاب الحراسة التي كانت تتعقبهم.
وكانت دعوات المستعمرين إلي السلام لا تتم إلا حين الحاجة إلي الاستجمام والراحة وتحضير السموم.
وقبل أن ينتصف القرن أسر خليفة َوهاتن المعروف باسم أويشنكنو وألقي به في زريبة صغيرة حيث عومل كما تعامل البهائم. ولحسن حظه فقد أطلق مستوطن عليه النار من خلفه فقتله وأنهي عذابه بعد أسبوع من أسره. وكان زعيم البوهاتن يومها عجوزا ضريرا عاجزا عن المشي.
بعد حوالي قرن من 'انتشار هذه الحضارة وطريقة حياتها' شاءت معجزات 'العناية الإلهية' أن لا تبقي من سكان إمبراطورية الَوهاتن أكثر من 600 إنسان حي، وأن تجعل بلادهم 'مغطاة بالهياكل والجثث التي لم تجد أحدا يدفنها'.
ولم تكن امبراطورية بوهاتن فريدة في مصيرها، فقد تبنت يومها كل المستعمرات الانجليزية خطة مشتركة أطلقها وليم بيركلي حاكم فرجينيا المتهم من قبل منافسه ناتنيال بيكون بسياسته الممالئة للهنود! وتقتضي الخطة التي وضعت حدا للجدال حول أولوية الإبادة أم الاستعباد بتنظيم حملات إبادة لكل البالغين الذكور علي أن يتم تمويل هذه الحملات من عائدات بيع الأطفال والنساء في أسواق العبيد0

* * *

وأعيد سيناريو العمل بالسخرة والتجويع الاجباري والترحيل الجماعي وتحطيم المعنويات مع كل مرحلة من مراحل التوسع. ففي عام 1870، كما يروي ريتشارد درينون في كتابه التحليلي لعنصرية الزنابير 'حارس معسكرات الإبادة '
اجتاح الجنرال جورج كلارك مناطق هندية تابعة لما صار يعرف اليوم بولايات أوهايو وإنديانا وإلينريز، وكتب في تقديره للأضرار 'الهامشية' الأولية: 'إن أكثر من خمسمائة هكتار من حقول الذرة تم إتلافها، إضافة إلي مزارع كل ما يمكن أكله من خضار ومزروعات حول مدينتي شيليكوت وبيكا الهنديتين التابعتين لشعب الشاوني'. وبيكا وبعد خمسة عشر عاما كتب الجنرال أنتوني واين المعروف لدي أصدقائه وأعدائه باسم أنتوني المسعور 'لعله جد الممثل الكاوبوي جون واين' بعد حملة علي شعب الشاوني وحلفائه: 'أمضينا ثلاثة أيام بلياليها علي ضفاف المومي.. ونحن ندمر البيوت والقري ونتلف حقول الذرة الممتدة إلي نهاية الأفق. وفي بعض الأحيان أحرقنا حقولا للذرة كانت تمتد أكثر من خمسين ميلا 'حوالي 80 كلم' علي ضفة النهر'.

* * *

وعلي خطي المستعمرين الأوائل الذين أبادوا شعب البيكو فشعب الناراغنست وغيرهما من شعوب المنطقة التي أطلقوا عليها إسم 'إنجلترا الجديدة' قام مستعمرو كارولينا بإبادة شعب التوسكارورا أحد أكبر شعوب المنطقة وأكثرها قوة ورخاء. وتحت الأعذار الكثيرة التي يتقدمها عذر أن الهنود اعتدوا علي المستعمرين المسالمين فلم يسمحوا لهم بالأستيطان السلمي والتوسع السلمي والنهب السلمي، تم إتلاف محاصيل التوسكارورا وحقولهم ومزارعهم وتعريضهم للجوع والاقتلاع وقضم حياة أبنائهم مناوشة بعد مناوشة. غير أن هذا التدمير المنظم بلغ ذروته ما بين 1711 و 1713 عندما أقنع المستعمرون شعوب الموسكيجي والشيروكي والكاتاوباس بأنهم أصدقاء مسالمون، وأن العدو الذي يهدد الحضارة والحياة هو شعب التوسكارورا القوي، وأن من مصلحة الإنجليز وكل الشعوب الهندية 'المتحضرة' أن يتحالفوا مع الإنجليز ويضعوا حدا لعدوانه وخطره. هكذا بدأ 'التحالف' بسلسلة من الغارات علي قري ومدن التوسكارورا وعلي عاصمته نيهوروكا فأحرقها وأباد أهلها وشرد الكثيرين منهم إلي الشمال حيث التحقوا بالأمم الخمس. غير أنه لم تمض سنوات أربع حتي دارت الدائرة علي 'الحلفاء' الذي تجردوا سريعا من لقب 'التحضر' ولم يكن مصيرهم بأحس من مصير إخوانهم 'الوحوش'.

* * *

كان الغزاة الأوائل يسمون بالحجاج أو القديسين. ومايزال التاريخ الأمريكي إلي الآن يضفي عليهم قداسة طوباوية ويعتبرهم أول نموذج للاستثناء الأمريكي الذي فضله الله علي العالمين وأورثه ما أورث بني إسرائيل من قبل، وجعل العهد الذي عقدوه مع الله علي متن سفينتهم الأسطورية Mayflowerمن اللحظات النادرة الخالدة في التاريخ الإنساني كما يقول الرئيس الأمريكي جون أدامس، فعهدهم مع الله جب عهد الإسرائيليين القدامي، وتأسيس مستعمرتهم علي صخرة َليموث ضاهي تأسيس الكنيسة علي صخرة بطرس.
قصة هؤلاء 'الحجاج' هي الأصل الأسطوري لكل التاريخ الأمريكي ومركزيته الإنجليزية العنصرية . ومايزال كل بيت أمريكي يحتفل سنويا في 'عيد الشكر' بتلك النهاية السعيدة التي ختمت قصة نجاتهم من ظلم فرعون البريطاني و'خروجهم' من أرضه، و'تيههم' في البر، و'عهدهم' الذي أبرموه علي ظهر سفينتهم مع الله، ووصولهم في النهاية إلي 'أرض الميعاد'.
ويعتبر هذا العيد الطقسي الذي يبجله الأمريكيون وطنيا ودينيا أكثر من أي عيد آخر، بما في ذلك عيد الاستقلال، من أكثر أعياد أمريكا قدسية.. في هذا العشاء الطقسي الذي يذبحون فيه سنويا بين عشرين وثلاثين مليون 'تركي' شكرا لله الذي وقف منذ اللحظات الأولي لاستعمار أمريكا إلي جانب شعبه يستعيد الأمريكيون أسطورة تاريخهم بكل ما يعنيه مرسيا إلياد بطقسية الاحتفال بالأسطورة. فهو طقس يتضمن تقديس فعل الاستعمار الاستيطاني والتأكيد علي التفوق الطبيعي والأخلاقي للمستعمرين، وهو تأكيد علي صدق الأسطورة وحياتها المتجددة، وهو احتفال برعاية الله لكل عناصر أسطورة الولادة المقدسة للتاريخ الأمريكي، وهو * من خلال هذا الطقس الاحتفالي * يؤكد علي التسامي بالأسطورة ومعايشتها كدين.

* * *

وتقول الأسطورة إن الحجاج اختاروا بليموث لجمالها وجداول مياهها العذبة وخيرها الوفير وحقولها الخصبة، كما تعترف بأن هنود البيكو أنقذوهم من الموت جوعا وأنهم لهذا أولموا لهم ودعوهم للاحتفال معهم فيما صار يعرف بعد أكثر من قرنين 'عام 1890' بعيد الشكر. علي الضفة الأخري لهذه الأسطورة يعتقد الهنود الذين قدموا للحجاج مالم يقدمه الأنصار للمهاجرين أن الجحود هو المعني الحقيقي لعيد الشكر، لا لأن العيد كان حصادهم الذي كانت تحتفل به الشعوب الهندية الشرقية سنويا، ولا لأن طعام ذلك العيد كان من صنع أيديهم ومن حلال مالهم وحقولهم وديكة غاباتهم، وإنما لأنهم عضوا اليد التي أطعمتهم وسقتهم وانتشلتهم من الموت المحقق.
كانت سياسة الإذلال والترويع التي انتهجها الحجاج ومن قبلهم مستعمرو فرجينيا أفضل تعبير عن شكرهم للضيافة الهندية. فكثيرا ما كانوا يقتلون الهنود الذين يحملون إليهم الطعام والهدايا، بل كانوا يقدمون لهم المغريات الكثيرة لزيارتهم من أجل أن يكمنوا لهم ويقتلوهم. وكانت الوسيلة المحببة لاستدراجهم واستخراج ذهبهم خطف أولادهم لما لاحظوه من تراحم الأسرة الهندية فيما بينها وتكافلها ورعايتها لأطفالها.
لقد أعطي هنود البيكو للحجاج ما أعطاه قبلهم هنود البوهاتن لمستعمري فرجينيا وعلموهم كيف يزرعون الأرض وكيف يعتمدون علي خيراتها. فإذا كان للحجاج أن يشكروا أحدا فليشكروا هنود البيكو، أو ليشكروا سكوانتو علي الأقل، هذا الطفل الهندي الذي خطفه نخاس إنجليزي صغيرا فاستعبده في بريطانيا ثم باعه في ملقا، ثم هرب من العبودية مرتين فعاش في بريطانيا وإسبانيا قبل أن يبدأ رحلة العودة إلي وطنه ويقطع المحيط الأطلسي ذهابا وإيابا ست مرات لاقي فيها من الأهوال ما يجعل من أوديسة أوليس سباحة في بركة البيت. لقد عاد سكوانتو إلي َليموث في عام 1619 ليجد أن 'العامل الطبيعي' قد أباد كل قبيلته. ثم إنه عمل مترجما متطوعا بين الحجاج وبين الهنود. وتكشف قصة سكوانتو مع الحجاج التفوق الأخلاقي والعقلي والحضاري للهنود.
وتروي عشرات الكتب التي أرخت لهذا الفتي الأسطورة وعشرات الأفلام وقصص التبشير التي استلهمت سيرة حياته وجنت منها الملايين كيف انتشل سكوانتو أسطورة أمريكا من الموت في شتائها الأول حين أحضر للحجاج الطعام وعلمهم كيف يزرعون الذرة واليقطين وأنواع الحبوب والقرعيات، وكيف يصطادون السمك ويسمدون الأرض ببعض أنواعه، بل وكيف يغتسلون ويتخلصون من قذارتهم وروائحهم الكريهة عبثا. وتتحدث فيني زاينر في كتابها عن سكوانتو وروبرت لويب في كتابه عن 'حقيقة الحجاج' وفرانسيس جننغزفي 'اجتياح أمريكا' كيف إن سكوانتو لاحظ أثناء حياته في أسبانيا وإنجلترا أن الأوروبيين يكرهون النظافة وقلما يغتسلون أو يبدلون ثيابهم وكيف إنه تقزز من روائح الحجاج الكريهة وحاول عبثا إقناعهم بالاغتسال والنظافة.
لقد أتي 'العامل الطبيعي' علي حياة سكوانتو سريعا فألحقه الجدري بأهله الهنود وإن كان الحاكم وليم برادفورد * وهو من أبرز من أبرموا العهد مع الله علي متن سفينة الحجاج ماي فلور * قد تمني له مآلا أرفع من مآل أهله وثني كنعان الجديدة فرثاه ودعا له بأن تصعد روحه إلي الرفيق الإنجليزي الأعلي في السماء وقد كانت تلك الصلاة عمليا آخر عيد للشكر شهدته أمريكا.
بعد حوالي 15 سنة علي مصرع سكوانتو أتم الحجاج المرحلة الأولي من إبادة هنود البيكو وحلفائهم بالقتل المباشر وبتدمير كل أسباب حياتهم الاقتصادية، لكن جون مايس الذي أسس قواعد مستعمرة كونتيكت وكتب 'التاريخ الوجيز لحرب البيكو' يري أن القتل المباشر كان السلاح المفضل لدي الحجاج، وأن حرق الحقول والمزارع كان عاملا إضافيا. كان مايسون كغيره من أنبياء المستعمرات يعتقد أنه رسول العناية الإلهية إلي 'أرض كنعان الفارغة' ولطالما أكد علي أن الله هو الذي وعدهم بأرض كنعان التي لا يوجد فيها إلا القليل من البشر.
وهكذا لم تمض ستون سنة علي ولادة الأسطورة الأمريكية حتي قضي الحجاج ونسلهم المقدس علي الكنعانيين هنود البيكو والنيانتك عبر حرب تدمير منظمة شاملة للقري والمدن والحقول وكل ما يعتبر ضروريا لاستمرار الحياة.
في عام 1970 سألت وزارة التجارة في ولاية ماساشوستس بقايا هنود الوامبانوج أن يختاروا منهم خطيبا للمشاركة في الاحتفال بالذكري 350 لعيد الشكر، ولكن بشرط أن تعرض الكلمة علي 'زنابير الوزارة' قبل قراءتها. واختير فرانك جيمس لهذه المهمة، فكتب كلمته وأرسلها إليهم.
وبالطبع لم يسمحوا له بالمشاركة. وكان مما كتبه هذا الهندي: 'هذا يوم عيد لكم وحدكم. إنه ليس عيدي. إنني أنظر إلي ما حدث لشعبي بقلب منفطر، فبعد يومين أو ثلاثة أيام من وصول الحجاج إلي 'كايب كود' بدأوا بسرقة قبور أجدادي ونهب ما لديهم من ذرة وقمح وحبوب. لقد شاهد القائد الهندي العظيم ماساسيوت زعيم شعب وامبانوج ما فعله الحجاج، ومع ذلك فإنه هو وشعبه جميعا رحبوا بالمستوطنين وأبدوا لهم خالص الود.. إنه لم يكن يعرف أنهم بعد أقل من خمسين سنة سوف يبيدون شعب الوامبانوغ وغيره من الشعوب الهندية المجاورة وسوف يقتلونهم جميعا بالبنادق أو بالأمراض. نعم لقد أبادوا طريقتنا في الحياة وقضوا علي لغتنا.. فلم يبق منا إلا القليل من الأحياء. وإنني حزين. وهذا ليس عيدي'.

* * *

أدي تطبيق تقنيات العمل بالسخرة والتجويع الاجباري والترحيل الجماعي وتحطيم المعنويات إلي شحذ أنياب 'العامل الطبيعي' وإلي ما يعرف بالشتات الكبير الذي اقتلع عددا كبيرا من الشعوب الهندية من أوطانها وساقها إلي الغرب أو إلي الشمال الكندي فرارا بحياتها وحياة أبنائها من الإبادة الشاملة. وقد كان هذه التدمير سياسة متعمدة سرعان ما اتضحت معالمها مع ما يسمي بحروب الاستقلال. ففي حملة 1776 علي هنود الشيروكي 'حلفاء' البريطانيين تم إحراق المدن الهندية بمن لم يستطع الفرار منها، وأتلفت محاصيل الذرة، وسيق من بقي من الشيروكي إلي الغابات ليفنوا. ولم تمض ثلاث سنوات حتي أصدر جورج واشنطن أوامره إلي الجنرال جون سوليفان بأن يحيل مساكن هنود الأوروكوا إلي خراب، وأن لا يصغي لنداء السلام حت تمحي قراهم ومدنهم وآثارهم من وجه الأرض. وبعد أن نفذ الجنرال أوامر واشنطن كتب إليه يبشره بتحويل هذه 'المنطقة الجميلة من حديقة بديعة إلي أطلال مهجورة تثير الرعب والمقت'. وفي رسالة إلي جيمس دواين السناتور والمفوض السابق للشئون الهندية فسر جورج واشنطن المفهوم الأمريكي للأضرار الهامشية التي ترافق انتشار الحضارة فقال: 'إن طرد الهنود من أوطانهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها'. هكذا أطلق هنود السينيكا علي أبي الجمهورية الأمريكية الأعظم جورج واشنطن اسم 'هدام المدن' ، فبموجب أوامره المباشرة تم تدمير 28 مدينة من أصل 30 من مدن هنود السينيكا وحدهم، من البحيرات الكبري شمالا erie حتي نهر الموهوك ، وفي فترة قياسية لا تزيد علي خمس سنوات. وهذا ما فعله أيضا بمدن وقري الموهوك والأونونداغا والكايوغا ، حتي إن أحد زعماء الأروكوا قال لواشنطن ذات لقاء في عام 1792: 'عندما يذكر اسمك تلتفت نساؤنا وراءهن مذعورات، وتشحب وجوههن، أما أطفالنا فإنهم يتشبثون بأعناق أمهاتهم من الخوف'.
ومضي الآباء المؤسسون جميعا علي خطي واشنطن، كما بين ذلك ريشارد درينون في فصل كامل خصصه لذلك. حتي توماس جفرسون نفسه 'رسول الحرية الأمريكية' وكاتب وثيقة الاستقلال أمر وزير دفاعه بأن يواجه الهنود الذين يقاومون التوسع الأمريكي بالبلطة، وأن لا يضع هذه البلطة حتي يفنيهم أو يسوقهم وراء المسيسيبي. نعم إنهم قد يقتلون أفرادا منا، لكننا سنفنيهم ونمحو آثارهم من هذه الأرض. إننا مجبرون علي قتل هؤلاء الوحوش أو طردهم مع وحوش الغابات إلي الجرود.
وتروي إرنا غنثر في كتابها المثير عن مشاهدات الرحالة والمكتشفين وتجار الفرو في أواخر القرن الثامن عشر كيف دمر المستعمرون صروحا فنية فريدة لا تعوض فتقول 'إن إحدي قري هنود النوتكا وتسمي opitstaeh كانت تضم مائتي بيت في غاية الابداع. فهي جميعا مرسومة الجدران والسقوف ومزينة بتماثيل غريبة الأشكال. أما شبابيكها وأبوابها فلها شكل كائنات حية، ولكي تدخلها فإن عليك أن تعبر بابا له شكل الإنسان ورأس أحد الحيوانات. إنها ثمرة أجيال من العمل الفني دمرت في لمح البصر وقتل جميع أهلها في مذبحة جماعية قال القائد الذي ارتكبها أنه فعل ما فعل مأمورا وأنه نادم علي ما اقترفت يداه .

* * *

هناك اليوم أكثر من دليل علي أن حصاد ملايين الأرواح بهذا 'العامل الطبيعي' لم يكن طبيعيا، وأن الزنابير حاولوا متعمدين، عن سابق نية ومعرفة وإصرار، أن يلووا ذراع 'العناية الإلهية' بسياسة العمل بالسخرة والتجويع الاجباري والترحيل الجماعي وتقويض معنويات الضحايا وشن الحرب الجرثومية التي استمرت في زمن 'السلم' وزمن الحرب، مع المحترفين ومع الهواة، وبشكل جماعي منظم يمارسها الجيش و'الحلفاء' من الهنود، أو بشكل فردي تمارسها قطعان المستوطنين. أما الادعاء بأن إبادة 112 مليون إنسان كان مجرد 'مأساة مشئومة غير متعمدة'، و'أضرار هامشية تواكب انتشار الحضارة' وأن هؤلاء الذين نسبوا هذه الإبادة الجماعية الأكبر والأطول في تاريخ الإنسانية إلي العناية الإلهية أو العامل الطبيعي هم أتقياء أبرياء لم تكن لديهم المعرفة العلمية الكافية فهو ادعاء يفتقر إلي البراءة ويتنكر أول ما يتنكر للمعرفة العلمية.
منذ أيام الطاعون الأسود كان الأوروبيون يعرفون هذا السلاح الجرثومي، وكانوا في حروبهم يستخدمون المنجنيق في قذف جثث الموتي بالطاعون أو جيف الحيوانات الموبوءة إلي داخل المدن التي يحاصرونها.
ومنذ السنوات الأولي للحج اعترف الحاكم وليم برافدفورد في يومياته بأن الأغطية الملوثة بجراثيم الجدري هي السبب في انتشار هذا الوباء بين الهنود 'الذين نفقوا بسرعة كبيرة مثل أغنام موبوءة.. فلم يعد هناك أحد يستطيع مساعدة المرضي أو يأتيهم بشربة ماء، أو يدفن موتاهم'. وكتب باري هولستون لوبيز في كتابه عن 'الذئاب والبشر' أن مستعمرة مساشوستس حظرت علي المستوطنين استخدام المسدس في المناسبات غير الضرورية أو في أي لعبة إلا لقتل الهندي أو الذئب. كانوا يصنعون لحما مسموما للذئب وغطاء ملوثا بجراثيم الجدري للهندي، وكانوا يغيرون علي وكر الذئب ليقتلوا جراءه كما كانوا يخطفون أطفال الهنود. ولكي يبرروا لك كيف يقتلون جراء الذئاب وأطفال الهنود بطريقة واحدة يحكون لك حكايا عن فظاظة الهنود وعن ذئاب تأكل الخشف حيا'.30 وكان هنود الناراغنستس قد شكوا منذ عام 1633 بأن تكون العناية الإلهية أو 'العامل الطبيعي' وراء هذه الحرب الجرثومية التي حصدت أرواح 700 إنسان منهم بعد أن تلقوا من الحجاج هدايا ارتابوا في أنها مسمومة بجراثيم الجدري. هكذا تم استحضار المتهم الأول الكابتن جون أولدام بالقوة إلي جزيرة بلوك لمحاكمته أمام مجلس خاص من حكماء الهنود بتهمة القتل الجماعي المتعمد. وبعد أن ثبتت لديهم تهمته حكموا عليه بالإعدام.. وقتلوه.
أما الحجاج فأنكروا التهمة وقالوا إنها بلا دليل، ثم إنهم انتقموا لمصرع جون أولدام بإبادة معظم الناراغنستس في عام 1637، وحسموا بذلك الصراع علي المعرفة العلمية بحرب الجراثيم لأكثر من 130 سنة تفرد فيها 'العامل الطبيعي' وحده بتفريغ الأرض وإعدادها لانتشار الحضارة.
في أواخر ما يسمي بالحرب الهندية * الفرنسية ظهرت أول وثيقة دامغة تثبت استخدام الغزاة للسلاح الجرثومي عمدا، وتؤكد أن إبادة الهنود بالسلاح الجرثومي كان سياسة رسمية. ففي سيناريو كلاسيكي منقح لقصة تسميم الزعيم تشيسكياك ومن معه بأنخاب 'الصداقة الخالدة' علي ضفاف نهر البوتوماك، كتب القائد الانجليزي العام اللورد جفري امهرست
في عام 1736 أمرا إلي مرؤوسه الكولونيل هنري بوكيه يطلب منه أن يجري مفاوضات سلام مع الهنود ويهديهم بطانيات مسمومة بجراثيم الجدري 'لاستئصال هذا الجنس اللعين'. وقد اشتركت 'قوي الحضارة'، في حرب ضارية لإخفاء هذه الوثيقة وغيرها من الوثائق المشابهة عند اكتشافها في أواخر الثلاثينات، ومايزال المؤمنون بوحدانية الهولوكست إلي الآن يحاولون إثارة الشكوك حولها والتقليل من شأنها واتهامها بأنها من حبك 'عقلية المؤامرة' وأنها ستشجع علي الكراهية.
وكان هوارد بيكهام رئيس الرابطة التاريخية الأمريكية الذي اكتشف الوثيقة قد أخفاها وما معها من مرفقات لمدة سبع سنين بحجة 'أنها تعطي انطباعا سيئا'، ولم يعترف بوجودها إلا عندما عثر عليها المؤرخ آلن ستيرن بالمصادفة. حتي الكتاب الذي وضعه آلن ستيرن 'بالاشتراك مع شقيقه واغنر' بعنوان 'تأثير الجدري علي مصير هنود أمريكا' اختفي من الأسواق ومن معظم المكتبات الجامعية ولم تدخله مكتبة الكونجرس في فهارسها.
طلب اللورد إمهرست من الكابتن بوكيه، وبعبارات صريحة لا تحتمل التأويل أن ينشر مرض الجدري بين القبائل التي لم تصب به بعد. وأجاب بوكيه لاحقا: سأحاول جهدي أن أسممهم ببعض الاغطية الملوثة التي سأهديها إليهم، وسأتخذ الاحتياطات اللازمة حتي لا أصاب بالمرض. ولم يخف اللورد فرحه بالفكرة، لكنه نصح له في رسالة جديدة بأن يستخدم الأغطية المسممة وكل وسيلة ممكنة لاستئصال هذا الجنس اللعين. وببطانيتين وبضعة مناديل تم تلويثها في مستشفي الجدري انتشر الوباء بين أربعة شعوب هندية هي الأوتاوا والمينغو والمايامي والليني لونابيه وأتي علي أكثر من مائة ألف طفل وشيخ وامرأة وشاب منهم ولطالما وصفت وثيقة إمهرست بأنها 'حجر رشيد' الحرب الجرثومية التي كانت من أفتك أسلحة الغزاة لتفريغ القارة الأمريكية من أهلها وتحقيق فكرة أمريكا: ' فكرة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة'. لكن الوثيقة لم تكن إلا البداية في الكشف عن أن هذا 'العامل الطبيعي' لم يكن إلا مكيدة بالحياة. لقد كشفت عن المركزية العنصرية لفكرة أمريكا وأسطورة 'الاختيار' وما ترتب عليها من سياسات مشحونة بالعنف المميت والتعصب المقدس والرسوبات البدائية المتعجرفة * أسطورة أربعة قرون لم تتوقف فيها الجريمة الطقسية يوما عن التضحية بالآخر.

Eng.Jordan
03-29-2012, 08:23 PM
أمريكا والكنعانيون الحمر ...سيرة الإبادة (3-2)
قال تعالى : وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا اخرجنا من هذه القرية الظالم اهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا
بقلم : منير العكش


هناك وثيقة أخري تتحدث عن إهداء أغطية مسمومة بجراثيم الجدري لهنود المندان في فورت كلارك. وقد نقلت هذه الأغطية إلي ضحاياها في 20 يونيو 1837 من محجر عسكري لمرضي الجدري في سان لويس علي متن قارب بخاري اسمه 'القديس بطرس فحصدت كذلك في أقل من سنة واحدة أكثر من مائة ألف طفل وشيخ وامرأة وشاب'
بعد حوالي 15 سنة كانت كل الولايات المتحدة تتساءل عن أفضل وسيلة للقضاء علي هنود كاليفورنيا. فبعد الاستيلاء علي هذه الولاية الواسعة الغنية من المكسيك وجدت فكرة أمريكا نفسها أمام مهمة جديدة وصفتها إحدي صحف سان فرانسيسكو كما يلي: 'إن الهنود هنا جاهزون للذبح ، وللقتل بالبنادق، أو... بالجدري. وهذا ما يتم الآن فعلا. في تلك الفترة كان تسميم الهنود بجراثيم الجدري خطة منظمة تمارسها الدولة وبعض الشركات التجارية المختصة، ويتسلي بها المستوطنون في حفلات تسلية وصفتها مقالة افتتاحية في san Francisco Builetin بأنها 'تستخدم الجراثيم من أجل الإبادة المطلقة لهذا الجنس' الهندي اللعين.
مع استحالة استخدام هذه التقنيات 'البدائية' المباشرة في العصر الحديث، ابتكرت الولايات المتحدة أسلوبا جديدا للتغلب علي التكاثر الخطير الذي رفع عدد الهنود من ربع مليون في إحصاء سنة 1900 إلي ما يقارب المليون في أواخر الستينات. فما تزال 3 بالمائة من مساحات الولايات المتحدة بين أيدي هؤلاء الهنود، وماتزال هناك ثروات باطنية هائلة لم تحسب الدولة الامريكية حسابها عندما ساقتهم كالقطعان إلي هذه الاراضي القاحلة ليموتوا جوعا، وماتزال 'ثروة الأمم' بحاجة إلي 'نشر الحضارة'، وهي تستخدم كل الأسلحة المتاحة لاغتصاب هذه الثلاثة بالمائة الباقية من أراضي الهنود.
في منتصف السبعينات اكتشفت الطبيبة الهندية كوني أوري في سجلات المستشفي الذي تعمل فيه في ولاية أوكلاهوما نسبة مرتفعة جدا من عدد النساء اللواتي أخضعن لعمليات التعقير، ولدهشتها فقد تبين لها أن الضحايا كلهن من نساء الهنود، وأنهن أخضعن لعمليات التعقير بعد يوم أو يومين من وضعهن. ولاحظت أوري أنه خلال شهر تموز/ يوليو 1974 بلغ عدد اللواتي تم تعقيرهن في هذا المستشفي وحده 48 ضحية سبقته مئات العمليات التي لا تتم عادة إلا في حالات السرطان . ولتغطية الجريمة عمد المسئولون إلي ابتزاز الضحايا وفقرهن وحاجتهن إلي العلاج لإجبارهن بأساليب مختلفة علي توقيع موافقة' علي أن يصبحن عاقرات. من ذلك مثلا رفض إجراء عمليات الإجهاض أو الولادة إلا بعد الموافقة علي استئصال الرحم، أو تهديد الأم بأنها غير مؤهلة لتربية أولادها وأن عليها أن تتخلي عنهم للمؤسسات الرسمية المعنية أو أن توقع علي 'الموافقة'. ومن ذلك اختراع أسباب طبية مختلفة لإخضاعهن لعمليات إضافية بعد الولادة مباشرة دون إعلامهن بأنها عمليات تعقير. وتقول هيلين غرينر في 'المجلة الأمريكية للصحة العامة' إن التحقيق الذي أجرته بين شعب نافاهو أكد أن 30.7 بالمائة من نسائهم 'وكلهن دون الثلاثين' أخضعن لعمليات تعقير . أما الدولة فقد أغمضت عينيها عن هذه التقارير إلي أن أثارها رسميا السناتور جيمس أبو رزق، ولم تلوح بعصاها إلا بعد أن تبين لها أن عددا من نساء البيض يجرين هذه العملية طوعا. وعندها اكتشفت أمريكا الرسمية 'لا أخلاقية' التعقير، وسن الكونجرس قانونا يعاقب من يمارسه. فجأة رأت ذاكرة الزنابير صورتها في المرآة كما رأتها بعد ظهور حالات الجمرة الخبيثة، وامتلأ ليلها بكوابيس 'الخطيئة الأصلية' لفكرة أمريكا: فكرة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة. أكثر من أربعة قرون و'نرسيس' علي ضفة هذا النهر يحدق في الماء.. كأنه لا يعرف أنه أعمي.


من المتوحش؟

يعتقد كلاوس كنور أن الانجليز أكثر القوي الاستعمارية الأوروبية ممارسة وتعمدا للإبادة، وأن هدفهم النهائي في العالم الجديد كما في استراليا ونيوزيلاندة وكثير من المناطق التي يجتاحونها هو افراغ الأرض من أهلها وتملكها ووضع اليد علي ثرواتها. خلال هذه المسيرة التي بدأت بايرلندا ولم تنته بعد، تحكمت عقدة الاختيار والتفوق بسلوكهم وبنادقهم، واستحوذت علي أخلاقهم وعقولهم ثم استعمرتهم بنظام متكامل من الذهان الهذائي انتهي بهم إلي تأليه الذات . وهذا ما أوهمهم بأنهم يملكون حق تقرير الحياة والموت لكل من عداهم، وأنهم أيضا في حل من أي التزام إنساني أو قانوني تجاه الشعوب التي يستعمرونها، لا باعتبار أنها أعراق منحطة وحسب بل لأنها في الغالب مخلوقات متوحشة لا تنتمي للنوع الانساني أيضا.
ولم ينج من هذا التصنيف البيولوجي أقرب الناس إليهم، وجيرانهم في الجزيرة، وشركاؤهم في البياض والنضارة. فلطالما لازمت الايرلنديين صفة التوحش وقالوا عنهم إنهم 'يعبدون الشيطان' وأنهم 'أجلاف، عراة، أحلاس الغابات والمستنقعات، يعيشون علي نوع من الأعشاب، ويأكلون في المناسبات الخاصة من لحم البشر أو من لحم أمهاتهم اللواتي كانت لهن أذناب طويلة وكن متوحشات يأكلن أطفالهن'.
والواقع أن التجربة الانجليزية مع 'المتوحشين' الإيرلنديين تكررت مع كل الشعوب التي اجتاحوها، بدءا من الهنود والعرب وانتهاء باليابانيين والفيتناميين. إن قراءة الاجتياح الانجليزي لايرلندا تساعد علي وضع معجم سيمفوني لطبقات 'الوحشية' التي واجهها الانجليز في حملاتهم المختلفة لنشر الحضارة، وتفسر الفروقات الايقاعية المرهفة التي تفرضها طبيعة 'المجاهل' علي استخدام هذا السلم الموسيقي العرقي. صحيح أن الانجليز قضوا علي نسبة كبيرة من سكان ايرلندا، ونهبوا كل ثروتها 'النفطية' بتعرية غاباتها شجرة شجرة، وتركوا فيها سجلا حافلا من المذابح والفظاعات، لكن ذلك لا يخفي براعة الانجليز في دوزنة هذه الفظاعات وفقا لتصنيفاتهم العرقية. وبدون التقليل من هول ما تعرض له الشعب الايرلندي فإن 'ما ارتكبه الاوروبيون بحق الأوروبيين في حروبهم واجتياحاتهم * مقارنة بما ارتكبوه في العالم الجديد * لم يكن أكثر من 'شجار عائلي' كما يقول فرانز فانون.
ففي ايرلندا نفسها حاول الانجليز خلال حملتهم الاستعمارية عليها أن يميزوا بين 'وحشيتين' مختلفتين عرقيا: إحداهما متأصلة في الايرلنديين الغيليين الأقحاح، والثانية مكتسبة أصابت ما يسمي 'الانجليز القدامي' بحكم معايشتهم الطويلة للايرلنديين المتوحشين. وقد أحكموا ارتكاب فظاعاتهم وفقا لهذا التصنيف ببراعة لا يجاريهم فيها متحضر.

* * *

أما سكان العالم الجديد الذين لم يشاركوا الإنجليز في اللون واللسان والأرض والدين فقد كان من المستحيل علي نظام الهذيان 'بعد أن باركته السماء' أن يساوم علي تفوقه العرقي أو يلتزم بحد أدني من الأخلاق أو المشاعر الانسانية تجاه ضحاياه. لقد كان من الشروط الأولية اللازمة للابادة الجماعية التي ارتكبها الاسبان والأنجلو * أمريكان ضد الهنود هو التأكيد علي لا انسانيتهم وعلي انهم بالوراثة كائنات منحطة. وكان الإسبان أكثر تواضعا حين قالوا إن الهنود 'عبيد طبيعيون'.
ذلك لأنهم لم يكونوا يطمحون إلي أكثر من استعباد الهنود وسرقتهم. أما البريطانيون فكانوا يتطلعون إلي ما هو أسمي من الاستعباد ويطمحون إلي الاستيلاء علي الأرض واستبدال أهلها وثقافتها أو ما يسمونه بنشر الحضارة. لهذا ترجموا كتابات العنصريين الاسبان مثل 'غونزالو فرنانديس أوفيدو يي فالديس' و'فرانسيسكو لوبيز دوغامارا' وعفوا أو تلكأوا في ترجمة المنصفين مثل بارتولومه دو لاسكازاس. وتقول عالمة الإنسانيات مرجريت هدجن إن أول كتاب إنجليزي عن الهنود نشر في عام 1511 'وصفهم بالوحوش التي لا تعقل ولا تفكر وتأكل بعضها، بل إنهم كانوا يأكلون أبناءهم وزوجاتهم'. وكان عامة الانجليز يؤمنون بوجود كائنات نصفها بشر ونصفها وحش. وكالعادة فقد سكنت هذه الكائنات معظم الأعمال الفلسفية الانجليزية والاوروبية في تلك الفترة وشاعت في الأعمال الأدبية. وكان اليسوعي جوزيف فرانسوا لافيتو في كتابه عن عادات الهنود الامريكيين قد تحدث عن وجود 'كائن هندي بدون رأس، لكن له وجها في صدره'.
وقد أطلق عليه اسما أسطوريا Acephal. لهذا لم يكن مستغربا إيمان عامة الانجليز في تلك الفترة بأن لكثير من هنود أمريكا أظلافا وأشكالا شيطانية. وهي أشكال نعثر عليها في كتابات معظم أنبياء الاستعمار الأوائل الذين اختلط عليهم شكل الكنعاني التاريخي الملعون بشكل الوحش الهندي المنحط في صورة أوفيدية ليس لها وجود إلا في مخيلاتهم. وكان أوليفر هولمز وهو من أشهر أطباء عصره قد لاحظ في عام 1855 أن إبادة الهنود هو الحل الضروري للحيلولة دون تلوث العرق الأبيض، وأن اصطيادهم اصطياد الوحوش في الغابات مهمة أخلاقية لازمة لكي يبقي الانسان فعلا علي صورة الله.
هكذا بدأت دعوات الإبادة الشاملة تعلو عندما لم يكن في كل الشمال الأمريكي سوي ألفي إنجليزي.

* * *

ثم ازدادت هذه الدعوة حدة وجنونا حين تأكد الإنجليز أن الهنود قد يرحبون بهم ضيوفا ويكرمونهم بما يكفيهم من الأرض والرزق. ويعيشون معهم بسلام لكنهم لن يتنازلوا طوعا عن أراضيهم، ولن يتقبلوا فكرة السخرة والاستعباد. وكانت كل بادرة لمقاومة هذا الجشع والتعصب المقدس برهانا إضافيا علي صدق أسطورة أمريكا وعلي صدق الدعوي بأن الهنود متوحشون عدوانيون لا تنفع معهم إلا الإبادة. إن التسامح مع الشر ليس إلا تشجيعا للشرير، وليس هناك خطيئة أعظم من هذا.
ومع تقدم الزمن صارت شيطانية الهندي الأحمر بديهية لا تحتاج إلي دليل مثلما أن انجليزية الله وتفوق شعبه من البديهيات التي لا تحتاج إلي دليل. لقد سكنت شيطانية الهنود أحلام الملائكة حتي إن المرأة ميرسي شورت التي زعمت أن الشيطان تلبسها وصفته علي شكل هندي له أظلاف شيطانية. إن هذا الشيطان الهندي هو الكابوس الذي يقض مضجع الزنابير.
قبل مذبحة 'ووندد ني' الشهيرة بأيام كتب فرانك باوم في صحيفة The Aberdeem Saturdy pionee ولم تكن عبقريته القصصية قد تفتحت بعد، يدعو إلي الإبادة الشاملة لمن تبقي من الهنود. 'إن أصحاب البشرة الحمراء قد أبيدوا، ولم يبق منهم إلا مجموعة صغيرة من الكلاب الهجينة التي تعض اليد التي تطعمها ولا تتوقف عن النباح. أما البيض فإنهم بحكم الغلبة وبقضاء الحضارة أسياد القارة الأمريكية، وإن أفضل أمن لمستوطنات الثغور يجب أن يتحقق بالإبادة الكاملة لهذه البقية الباقية من الهنود.. إن موت هؤلاء الأشقياء خير لهم من الحياة'.

* * *

وكانت هذه البارانويا العنصرية هي التعبير الصادق عن مزاج الزنابير في نهاية القرن التاسع عشر.
فبعد أيام قليلة ارتكبوا مذبحة 'ووندد ني' التي قتل فيها المئات من رجال لاكوتا ونسائهم وأطفالهم بالقصف العنيف. أما الناجون فقد تعقبوهم وقتلوهم واحدا فواحدا لا لشيء سوي أن بشرتهم حمراء ودمهم هندي وأرضهم كنعانية طيبة. وكتب شاهد عيان، وهو طبيب أديب نصف هندي يدعي شارل ايستمن : 'علي بعد ثلاثة أميال من مكان المذبحة وجدنا جثة امرأة مدفونة تحت الثلج.

* * *

وانطلاقا من تلك النقطة تناثرت الجثث علي طول الطريق وكأنها طوردت واصطيدت وذبحت بعزم وتصميم فيما كانت تحاول أن تنجو بأرواحها. بعض من معنا اكتشف بعض أهله أو أصدقائه بين القتلي، وكان هناك ندب ونواح يملأ الأرض. وحين وصلنا إلي حيث كان المخيم الهندي وجدنا بين بقايا الخيام والأمتعة المحترقة جثثا متجمدة تتلاصق هنا في صفوف أو تتراكم هناك فوق بعضها في أكوام.. ولم أستطع أن أحتفظ برباطة جأشي بسهولة أمام هذا المشهد الذي أتلف كل أعصابي وأمام ذلك الحزن العميق الذي طغي علي كل من معي من الرفاق بين من يجهش في بكائه أو يتلو نشيد موته' .
ويضيف جيمس موني: 'تحت ركام الثلج، كان هناك نساء علي قيد الحياة، لكنهم تركوهن للموت البطيء، وكذلك حال الأطفال الرضع المقمطين والمرميين إلي جانب أمهاتهم.. كانت جثث النساء متناثرة فوق محيط القرية. وتحت علم الهدنة كانت هناك امرأة صريعة ومعها طفلها. لم يكن الطفل يعرف أن أمه ميتة، ولهذا فقد كان يرضع من ثديها. وبعد أن قتل معظم من في القرية أعلن الجنود أنهم يضمنون سلامة الجرحي أو كل من بقي علي قيد الحياة إذا ظهروا. وخرج بعض الأطفال من مخابئهم، لكن الجنود أحاطوا بهم وذبحوهم. لقد كان واضحا أن تعمد قتل الأطفال والنساء هو لجعل مستقبل الهنود مستحيلا'.
في اليوم الرابع للمذبحة كتب باوم مزهوا بنشوة الانتصار: 'لقد فعلنا حسنا. ويجب علينا أن نتابع المسيرة لحماية حضارتنا.. إن علينا أن نقطع دابر هذه المخلوقات الوحشية ونمحو ذكرها من علي وجه الأرض'.

* * *

إن مقتل مائة هندي أو حرق قرية هندية كاملة بمن فيها قد تحيله هوليوود إلي مناسبة للضحك والتسلية فيما هي تنسج من تلويح الهندي بيده في وجه الرجل الأبيض دراما مخيفة تجعلها عنوانا للعنف والوحشية التي تؤهله للموت. 'وصورة الضحية علي الغالب فتاة جميلة شقراء مذعورة لا تختلف عن تلك التي يخطفها كنج كونج، وإن كانت هوليوود تضفي علي كنج كونج بعض المشاعر الإنسانية التي تضن بها علي الهندي'. إنهم قبل أن يسلبوا الهنود جهودهم في الحضارة الإنسانية ويعروهم من إنسانيتهم أسقطوا عليهم أشنع فظاعاتهم كالعنف وسلخ فروة الرأس والتمثيل بالجثث وغير ذلك مما يعتبر لازما لاعتبار إبادة 112 مليون إنسان من 'الأضرار الهامشية' التي تواكب انتشار الحضارة.

* * *

كل شهادات المستعمرين الأوائل كانت تسخر من مفهوم الحرب عند الهنود لافتقارها إلي عنصرين أساسيين في الثقافة الحربية الكلاسيكية: القتل، والتوسع في الأرض، ولأنها أشبه بمهرجانات لاستعراض الشجاعة والبطولة والمهارات وليس لاستعراض الجثث. أول ما لاحظه المستعمرون أن حروب الهنود 'كانت للتسلية والرياضة البدنية وليست لاخضاع الخصم. فقد يتحاربون سبع سنين دون أن يسقط بينهم سبعة قتلي. إنهم يقاتلون في السهول بالقفز والرقص، وعندما يجرح واحد منهم يتوقف الطرفان عن القتال وينكب المقاتلون جميعا علي إسعاف الجريح'. ولاشك في أن هذه الثقافة الحربية المختلفة التي لا تؤمن بالعنف المنظم كانت مقتلا من مقاتل الطالبيين الهنود وحجر زاوية في حرب الإبادة التي تنتمي إلي ثقافة وأخلاق مختلفتين تماما. عندما أعلن كورتيس للهنود أنه جاء إليهم في مهمة سلمية صدقوه ورحبوا بهذا الغازي الدموي وفتحوا له دورهم وقصورهم ومناجم ذهبهم. فمن قواعد الحرب بين الهنود أن إعلان السلام لا يعني شيئا غير السلام. ومن هذا المنطق اطمأن الهنود إلي أن كورتيس جاء فعلا في مهمة سلام. إنهم لم يستطيعوا أن يفهموا لماذا يعلن الأوروبي شيئا ولا يتقيد به، ولماذا يقول قولا ولا يفعله، ولماذا يوقع اتفاقية ثم يخرقها في أقرب فرصة ممكنة. ولعل هذا ما تعبر عنه هذه الكلمة البريئة التي ألقاها أحد هنود لونابه أمام أحد المستعمرين الانجليز : 'إننا نريد أن نعيش معكم بسلام كما عشنا مع غيركم من الشعوب. لو أننا فكرنا في أن نحاربكم يوما فإننا سنعلمكم بذلك سلفا، وسنبين لكم الأسباب التي نريد أن نحاربكم من أجلها. فإذا أبديتم ما يقنعنا أو يعوضنا عن الأضرار التي سنحاربكم من أجلها فإننا لن نحاربكم.
وإذا أردتم أن تحاربونا يوما فنرجو أن تعلمونا بذلك وتبينوا لنا الأسباب، فإذا لم نقنعكم أو نعوضكم عن الأضرار التي ستحاربون من أجلها فلكم الحق في محاربتنا.. وإلا فليس لكم أن تحاربونا' .

* * *

لم يستطع الهندي أن يفهم دوافع الحرب التي يشنها الاوروبي والعنف المميت الذي يمارسه والفظاعات التي تواكب حروبه. لم يستطع أن يفك ألغاز تقديسه للملكية وهوسه باغتصابها من الآخرين. إن نظام قيمه لا يعني بالتراكم المادي ولا تستهويه 'ثروة الأمم' التي ألهبت خيال الإنجليزي وبندقيته، وجعلت الملكية في عيني مارتن لوثر معيارا للتفريق بين الإنسان والحيوان! هلا رأي نبي وول ستريت بأي ماء تسيج الضباع أطيانها؟ الحرب الهندية علي ندرتها لا تعلن إلا بسبب إهانة شخصية أو حوادث فردية. ولطالما أمكن تفاديها بالتعويض أو الاعتذار أو الدية. أبدا لم يزعم الهنود احتكار الحقيقة المطلقة، هذا الوباء المقدس الذي ألهب طقس العنف في أتباع كل الديانات التوحيدية.
أبدا لم يعرف تاريخ الهنود سماء مركنتلية تتاجر بالعبيد وتعد هذا بأرض ذاك. أبدا لم يكن الغزو أو الاجتياح أو الاحتلال من أخلاقهم. 'كل هذا غريب عن ثقافتهم'
في دراسة ميدانية لهنود السهول الذين صورتهم هوليوود مثلا أعلي للعنف والعدوان يقول الانثروبولوجي جورج غرينل: 'بين هنود السهول الذين أعرفهم جيدا يعتبر لمس العدو من أشنع أنواع التعبير عن العدوانية، أن تقوم بضرب العدو دون أن تؤذيه عمل من أعمال الفروسية. إن من مظاهر الشجاعة وتقاليدها أن يمضي الرجل إلي الحرب وليس في يده سلاح يؤذي عدوه من بعيد، فحمل الرمح أكثر شجاعة وفروسية من حمل السهام، وحمل البلطة القصيرة أولي من حمل الرمح.
أما أعظم مظاهر الشجاعة فأن تسعي إلي الهيجا بدون سلاح'. ويروي ستانلي دايموند في دراسته المقارنة عن 'البدائية والحضارة' أن قتل الانسان عند الهنود كان حدثا تاريخيا، وأن حروبهم كانت تشبه الأعمال المسرحية. ومهما كانت طبيعة هذا الحدث التاريخي الذي يستوجب قتل الإنسان فإنه كان يخضع لطقس مشخصن شديد التعقيد. لقد كانوا يقدسون حياة النساء والأطفال ويعتبرون الاعتداء عليها وصمة عار في جبين المحارب. وهذا ما جعل حرب الإبادة الانجليزية نزهة في رياض الطبيعة الهندية المسالمة'.
خلال عودة القديسين من حملة إبادة هنود الناراجنستس في عام 1637 بقيادة الكابتن جون انديكوت كانوا في أوج النشوة فأرادوا التحرش بهنود البيكو والتسلي بقتلهم. ويروي شاهد عيان أن البيكو 'عندما رأونا علي شواطئهم، أسرعوا للترحيب بنا، وهم يهتفون: أهلا بالانجليز، أهلا بالانجليز، ولم يكن يخطر ببالهم ما نعده لهم. وعمٌ الترحيب والتهليل ومظاهر الفرح بوجودنا في كل مكان حتي وصلنا إلي نهر بكويت وهناك مع سقوط أول قتلاهم. أدرك الهنود باستغراب شديد سبب وجودنا فهجروا قراهم وفروٌا إلي الغابات القريبة. ونزل الاحباط بالجنود فراحوا يحرقون القري والحقول ويتلفون المحاصيل' . وما أن عاد الجنود إلي مستعمرتهم حتي ظهر الهنود من مخابئهم ونظموا أنفسهم وهاجموا حصن سايبروك فاقتحموه، ولكن دون أن يقتلوا أو يجرحوا أحدا. وظنوا أن هذه 'البطولة الاستعراضية' كافية لاسترداد كرامتهم، ولإقناع المستعمرين بالتعايش السلمي. وبكل ما أعطاهم الله من براءة سأل هنود البيكو قائد الحصن ليون غاردينر عن إمكانية هذا التعايش السلمي، فأجابهم: 'قد دمرتم بعدوانكم هذا كل إمكانية للسلام بيننا'.
وسأله الهنود أيضا ما إذا كان الانجليز سيقتلون الأطفال والنساء، فأجابهم 'ستعرفون ذلك في حينه'.
بعد أيام قليلة قاد الكابتن جون مايسون قبيل الفجر جيشا من الميليشيا قسمه إلي فرقتين تولي قيادة احداها بينما تولي جون أندرهيل الفرقة الثانية. وتحت جنح الظلام هاجموا الهنود النائمين من جبهتين. وكان ذلك بتعبير جون مايسون 'آخر نوم لهم..' ويصف مايسون تلك الليلة بقوله: 'لقد أنزل الرب في قلوب الهنود رعبا شديدا، فحاولوا أن يطيرونا بين أسلحتنا ويقفزوا في اللهب الذي التهم كثيرا منهم. كان الرب يضحك من أعدائه وأعداء شعبه المختار.. يضحك حتي الاستهزاء والاحتقار، ويجعل منهم وقودا لهذا الفرن الذي تحولت إليه قريتهم. هكذا ينتقم الله منهم ويملأ الأرض بجثثهم.. ليعطينا أرضهم'. كان الجنود يقتلون الجرحي من الرجال والنساء والأطفال ويشعلون النار في البيوت ويحرقون الهنود في أكواخهم أحياء أو موتي،. وكأنهم في حفلة شواء 'باربكيو' بتعبير كوتون ماذر أحد أقدس أنبياء الاستعمار الانجليزي للعالم الجديد.
استمرت حفلات الباربكيو طويلا قبل أن يتعلم الهنود أن البراءة مع شعب الله الانجليزي انتحار، وأن الدفاع عن أنفسهم يحتاج إلي معرفة طبيعة الحرب لدي أعدائهم وإلي عدم قياس نظام قيم وأخلاق الانجليز إلي نظام قيمهم وأخلاقهم. فالانجليزي لا يحب التمثيل المسرحي في ساحة القتال، وإذا أراد أن يرقص فإنه ينتظر حتي ينقشع غبار المعركة ليرقص علي أشلاء خصمه. لقد مضي وقت طويل قبل أن يتعلم الهنود كما يقول جننجز في 'اجتياح امريكا' 'أن وعد الانجليزي مهما كان صادقا مضمونا سوف يخلفه بمجرد أن يتعارض مع مصلحته التي لا تعرف حدودا، وأن أسلوب الحرب الانجليزية لا تعرف معني للرحمة أو للشرف أو للمواثيق أو للتردد.. ولقد حفظ الهنود ذلك الدرس غيبا، ولكن حين لا تنفع الدروس والعبر'.

* * *

تعرضت الثقافة الهندية المسالمة لحملة تشويه لازمت حرب الإبادة وكانت سلاحا من أسلحتها. لم يكتف التاريخ المنتصر بأن علي غزواته واجتياحاته وحملاته العسكرية اسم 'حروب الهنود' بل إنه أسقط كل عنفه وفظاعاته الدموية علي الهنود بدءا من سلخ فروة الرأس وانتهاء بالتمثيل بالجثث.
'ارتكب الانجليز جريمة سلخ فروة الرأس في معظم حروبهم' . وعلي نقيض ما تروج له هوليوود والرسميون والاعلاميون واكاديميو التاريخ المنتصر 'فإن الرجل الأبيض هو الذي خلق عادة السلخ' 'في العالم الجديد'. وإن أكثر جرائمها من صنع يديه' .
وكانت عادة سلخ فروة الرأس متبعة أيام الحروب الانجليزية الايرلندية، ففي أواخر القرن السادس عشر لجأ القائد الانجليزي همفري ***رت إلي قطع الرؤوس وسلخ فروتها لإثارة الذعر في نفوس الايرلنديين وقمع انتفاضتهم '1567 * 1570' في فظاعات أقلها زرع جانبي الطريق إلي مقر زعيم الانتفاضة بالرؤوس المقطوعة. وقبل أن يتوجه إلي العالم الجديد. يحاول ملكا، خلع عليه البلاط لقب 'فارس' اعترافا ببلائه في نشر الحضارة. ومع أنه عاد خائبا ولم يفلح في تأسيس مستعمرته فإن مسيرته ظلت تتابع نشاطها وتمضي علي خطاه إلي يومنا هذا، حتي إن الجنرال الفرد سولي أعاد هذا المشهد بكل تفاصيله بعد حوالي ثلاثة قرون عندما أمر بنصب الرؤوس المقطوعة لهنود اللاكوتا علي عصي، كل رأس علي عصا، وزرعها علي جانبي الطريق المؤدية إلي مقره العام للاستئناس وفرض الهيبة.
ولقطف الرؤوس وظائف أخري غير الزينة أو فرض الهيبة كما كان الحال في ايرلندا والمستعمرات الامريكية الاولي. لقد استخدمت في البداية * بدلا من آلات الحساب الخرزية * للتأكد من عدد القتلي، ثم سرعان ما اكتشفت أخلاق السوق فيها وسيلة للرزق فاعتمدتها وطورتها وجعلت منها صناعة مستقلة. ويقول جننجز في 'اجتياح أمريكا' إن السلطات الاستعمارية رصدت مكافأة لمن يقتل هنديا ويأتي برأسه، ثم اكتفت بسلخ فروة الرأس إلا في بعض المناسبات التي تريد فيها التأكد من هوية الضحية. ولعل أقدم مكافأة انجليزية علي 'فروة الرأس'، بدلا من كامل الجمجمة تعود إلي عام .1694 في 12 أيلول/سبتمبر من ذلك العام رصدت المحكمة العامة في مستعمرة ماساشوستس مكافآت مختلفة لكل من يأتي بفروة رأس هندي مهما كان عمره أو جنسه. وتختلف هذه المكافآت بحسب مقام الصياد: خمسون جنيها للمستوطن العادي، وعشرون جنيها لرجل الميليشيا، وعشرة جنيهات للجندي. ولم تمض عشرون سنة حتي رصدت كل المستعمرات الانجليزية جوائز مماثلة. ثم تغيرت 'التعرفة' في عام 1704 فأصبحت مائة جنيه لكل فروة رأس. ومن المفارقات أن المكافأة المتواضعة التي رصدت لفروة رأس الفرنسي في عام 1696، وهي ستة جنيهات فقط، لم تتغير في التعرفة الجديدة، بل ظلت في أسفل القائمة، وظل الفرنسي الأبيض * برغم عداوته الدموية للانجليزي * آخر المطلوبين.

* * *

كانت مكافأة المائة جنيه تعادل أربعة أضعاف متوسط الدخل السنوي للمزارع في مستعمرات نيوانجلند. وكان بامكان أي مستوطن عجوز أن يصطاد طفلين وثلاث نساء هنديات سنويا ويتنعم بما لم يتنعم به جلالة الملك جيمس. هذا ما جعل صيد الرؤوس الهندية وسلخها أسرع طريقة لبناء الثروة، وسرعان ما وجدت 'ثروة الأمم' المعادلة الاقتصادية المناسبة لاستثمار بونانزا الارواح تجاريا. لقد اكتشف شعب الله نفطه في عروق الهنود.
في فالموت، أو ما يعرف اليوم ببورتلاند أسس توماس سميث إحدي هذه الشركات التي تستأجر فرقة من المغامرين لقتل الهنود والعودة برؤوسهم أو فرواتها. كان سميث يزود الفرقة بالمعدات والذخائر ويتقاضي ثلث المكافأة. وتقول صفحة من يومياته إن حصته من مكافآت ذلك اليوم الكاسد '18 حزيران/ يونيو 1757' بلغت 165 جنيها. كان الصيادون يتعهدون قري معينة، يمشطونها قرية قرية ولا يبقون فيها فروة واحدة. حتي ان القري المكسيكية وراء الحدود صارت هدفا للصيادين.
ولأن فروة رأس الهندي 'الحليف' لا تختلف عن فروة الهندي العدو، ولأن صيدها أسهل ، ولأن أخلاق السوق لا تعنيها هذه التفاصيل التافهة فقد ركزت هذه التجارة جهودها علي صيد رؤوس الحلفاء، ولاسيما منهم اولئك الذين تطهرت أرواحهم واستعاروا لأنفسهم أسماء القديسين. ويروي أكستل في بحثه عن 'السلخ' أن فرقة من أربعة رجال من مستوطني نيوجرسي زعموا انهم يصطادون هنود فيلادلفيا، لكنه في ليلة 12 نيسان/ أبريل 1756 تبين أن كل ضحاياهم كانوا من هنود المنطقة الذين أنقذ المستعمرون أرواحهم واستخدموهم في أعمال السخرة. في منتصف تلك الليلة اقتحم المستوطنون بيت عائلة هندية آمنت فأمنت ونامت قريرة العين. أما الرجل 'جورج' فتمكن من الهرب، لكن الزوجة 'كاثرين' تلقت بضع طلقات في صدرها ثم قطعت رأسها بالفأس. الطفلة ذات الأحد عشر ربيعا تهشم رأسها بالبلطة وتلقت عدة طعنات في كتفها، وأما رأس الطفل الذي لم يبلغ السنة فما كان علي الله الانجليزي بعسير . ويروي بيتر شمالز في كتابه عن هنود أوجيبوا كيف أن الإخوة في الإيمان لم تكن أفضل من التحالف، وكيف إن الذين طلبوا خلاص أرواحهم في الآخرة وطمعوا في خلاص أجسادهم في الدنيا صاروا فريسة سهلة. ففي إحدي قري دولاوير حاصرت كتيبة مسلحة بقيادة دافيد وليامس أفرادا من الهنود المورافيين. وتمضي الشهادة فتقول إن الجنود طمأنوهم إلي أنهم جاءوا لمرافقتهم إلي حيث يصلون ويجدون طعامهم بأمان. وقالوا لهم إن هذه المهمة النبيلة لا تحتاج إلي حمل السلاح. ووافق الهنود مطمئنين إلي اخوة الإيمان. ثم إنهم أسرعوا إلي إحضار من تبقي من أهلهم وذويهم في البيوت حتي لا تفوتهم بركات الصلاة. ولم يكن لدي الهنود وقت ليكتشفوا الخدعة فقد عاجلهم الجنود بالقتل وحصدوا في تلك المذبحة رؤوس 29 رجلا و 27 امرأة و 34 طفلا..

* * *

ثم ازدهرت هذه التجارة مع الحرب الانجليزية الفرنسية في العالم الجديد، ومع تهافت الطرفين علي شراء 'الحلفاء' وتنافسهما علي دفع مكافآت مرتفعة لقاء فروات رؤوس أعدائهم. وفيما كانت الشركات التجارية الانجليزية والفرنسية توجه نشاطها الاكبر لصيد رؤوس الهنود 'الحلفاء' قبل الأعداء كانت الوعود السياسية والاقتصادية التي أمطرها البيض علي الهنود قد أوقعت بعضهم في الفخ. لم يتصور الهنود الذين أغرتهم الأطماع والوعود وقصر النظر أنهم سيموتون بنفس الطريقة عندما يدرك البيض غايتهم منهم. لقد أغروهم بارتكاب هذه الفظاعات التي كانوا فيها أكبر الخاسرين.
فخلال حرب السنوات الست '1754 * 1760' كان الانجليز والفرنسيون هم الذين يديرون هذا المسلخ الذي لم يذبح فيه إلا الخراف.
واضطر الانجليز إلي رفع مكافأة السلخ في السنة الثالثة للحرب بعد أن الحق الفرنسيون هزيمة ساحقة بالجنرال الانجليزي إدوارد برادوك وبحلفائه من الهنود. هكذا استغني كثير من المستوطنين عن البحث عن الذهب ليلتحقوا بركب 'العامل الطبيعي'، وصاروا يتنافسون فيما بينهم ويتباهون بسرعة الصيد وكثرة الغنائم. ويروي المغامر لويس وتز أن غنيمته من فروات رؤوس الهنود كانت لا تقل عن أربعين فروة في الطلعة الواحدة. ويعتبر 'وتزل' هو ابن مستوطنين مغامرين، من أبطال التاريخ الأمريكي وما يعرف بعمالقة الثغور. جرح صغيرا عندما كان أبواه يحاولان الاستيلاء علي أراض هندية بالقوة. في الرابعة عشرة دشن أول ضحاياه ونذر نفسه لقتل الهنود. لهذا لم يتزوج ولم يضع لحظة من حياته في عمل آخر. من بطولاته قتل زعيمين هنديين فيما كانا يجريان مفاوضات السلام مع المستعمرين، الأول زعيم الدولاوير عام 1871، والثاني زعيم السينيكا عام 1879، وبدءا من 'وتزل' صار قطع رأس الهندي وسلخ فروة رأسه من الرياضات الانجليزية المحببة، بل كان الكثير منهم يتباهي بأن ملابس صيده وأحذيته مصنوعة من جلود الهنود. ثم تغير الحال بعد عقد من الزمان عندما بدأ الانجليز الملكيون والانجليز الثوار يسلخون رؤوس بعضهم فيما يدعي كل منهم وصلا بالعناية الإلهية وينسب إليها جرائمه وفظائعه. وبالطبع فقد تنازع الطرفان علي صفة الاختيار والتفضيل وتمثيل 'شعب الله'. لكنهم جميعا ظلوا مخلصين لتقليد السلخ والتمثيل بالجثث طوال فترة ما يسمي بحرب الاستقلال. كانوا ينظمون لذلك حفلات خاصة ويدعون إليها علية القوم للتفرج والاستمتاع الشهواني بهذه المشاهد المثيرة حتي إن الكولونيل جورج روجرز كلارك في حفلة اقامها لسلخ 16 من الاسري الأحياء أثناء حصاره الاحتفالي لفانسين طلب من الجزارين أن يتمهلوا في الأداء، وأن يعطوا كل تفصيل حقه لتستمتع الحامية كلها بالمشاهد. وقد وصف الكولونيل هنري هاملتون في يومياته بهجة الحضور بأنهم خرجوا يختالون بنشوة انتصارهم ورائحة دم الضحايا تعبق منهم . ومايزال كلارك إلي الآن رمزا وطنيا أمريكيا وبطلا تاريخيا، و'مايزال من ملهمي القوات الخاصة في الجيش الأمريكي'.

* * *

وفي كولورادو تولت الشركات الخاصة، بتعاقد ضمني مع الدولة، مهمة الذبح والسلخ والقضاء علي الوجود الهندي. أما في كاليفورنيا فقد تأخرت حفلات السلخ قليلا لكنها سرعان ما اتبعت خطوات الولايات الاخري، ففي حادثة واحدة 'أيار/ مايو 1852' اشترك فيها 'شريف' ويفرفيل هوجم 148 هنديا من الرعاة فأصبحوا أثرا بعد عين. والغريب أن قطع الرؤوس صار خبرا عاديا في الصحافة البيضاء التي لم تعد تجد حرجا في الحديث عن أن هدف هذه المجازر هو 'الإبادة' وأن القتلة الذين ارتكبوا هذه البطولات تلقوا مكافآت من الحكومة بعد أن أبرزوا فروات رؤوس ضحاياهم .
مع تأسيس الجيش الامريكي أصبح السلخ والتمثيل بالجثث تقليدا مؤسساتيا رسميا. فعند استعراض الجنود أمام وليم هاريسون 'الرئيس الامريكي لاحقا' بعد انتصار 1811 علي الهنود تم التمثيل ببعض الضحايا، ثم جاء دور الزعيم تيكومسه . وهنا تهافت صيادو التذكارات علي انتهاب ما يستطيعون من جلد الزعيم التاريخي أو فروة رأسه. ويروي جون سعدن في كتابه عن تيكومسه كيف شرط الجنود المنتشون جلد الزعيم من ظهره إلي فخذه، وكيف إن أحدهم قص قطعة من الجلد شرائط رفيعة لربط موسي الحلاقة، وكيف اقتتل الآخرون علي اقتسام فروة رأسه حتي إن بعضهم لم يحصل علي قطعة أكبر من السنت 'قطعة نقد معدنية لا يتجاوز قطرها السنتيمتر' مزينة بخصلة من شعر تيكومسه. وعندما أجريت مقابلة مع أحد هؤلاء المحظوظين في عام 1886 'أي بعد 75 سنة' تحدث عن تلك المناسبة التاريخية بافتخار وهو يحمل بين أصبعيه تذكاره البطولي . وكان الرئيس أندرو جاكسون الذي تزين صورته ورقة العشرين دولارا من عشاق التمثيل بالجثث، وكان يأمر بحساب عدد قتلاه باحصاء أنوفهم المجدوعة وآذانهم المقطوعة، وقد رعي بنفسه حفلة تمثيل بجثث 800 هندي يتقدمهم زعيمهم مسكوجي 'رد ستيكس'.
ففي 27 آذار/ مارس 1814، كما يروي دافيد ستانارد، احتفل الرئيس جاكسون بانتصاره علي هنود الكريك وتولي جنوده التمثيل بجثث الضحايا من الأطفال والنساء والرجال، فقطعوا أنوفهم لإحصاء عددهم وسلخوا جلودهم لدبغها واستخدامها في صناعة أعنة مجدولة للخيول.

* * *

بعد مذبحة ساند كريك التي ذهب ضحيتها أكثر من 800 هندي أعزل اضطر الكونجرس إلي إجراء تحقيق في الفظاعات التي ارتكبها الجنود وقائدهم جون شفنجتون . ويعتبر شفنجتون اليوم من أعظم أبطال التاريخ الأمريكي، وهناك الآن أكثر من مدينة وموقع تاريخي تخليدا لذكره ولشعاره الشهير: 'اقتلوا 'الهنود' واسلخوا جلودهم. لا تتركوا صغيرا ولا كبيرا ، فالقمل لا يفقس إلا من بيوض القمل'. ولعل هذه هي العبارة التي ألهمت هملر تشبيه ما جري في معسكرات الإبادة النازية بأنه 'تنظيف قمل'. وكانت الحكومة قد أعلمت الكولونيل شفنجتون بأن القرية مسالمة، وأن معظم رجالها خرجوا لصيد الجواميس، لكن الكولونيل قال: 'حسنا، إنني متشوق للخوض في الدم' . وقد تحقق له ما يصبو إليه. فمع أول خيوط الفجر زحف رجاله إلي القرية.
وكان فيها رجلان من البيض حاولا إعلام الجنود بأن القرية مسالمة، لكنهما جوبها بإطلاق النار. ثم إن الزعيم بلاك كتل رفع العلم الأبيض فوق سارية أحد البيوت كما رفع علما أمريكيا كان قد تلقاه من مفوض الشئون الهندية. وراح يطمئن أهل القرية ويهديء روعهم قائلا: لا تخافوا.. لا تخافوا، نحن في سلام مع البيض! وسرعان ما بدأ الجنود بإطلاق النار علي أهل القرية المتراكضين في كل الاتجاهات بينما أعطي شفنجتون أوامره بالقصف المدفعي، ومطاردة الهاربين. ويقول روبرت بنت أحد مساعدي شفنجتون في شهادته أمام الكونجرس 'بعد القصف حاول رجال القرية أن يجمعوا الاطفال والنساء ويحيطوا بهم لحمايتهم. ولقد شاهدت خمس نساء مختبئات تحت مقعد طويل. وعندما وصل الجنود إليهن بدأن يتوسلن ويطلبن الرحمة لكن الجنود قتلوهن جميعا. وكان هناك أيضا ثلاثون أو أربعون امرأة متكومات فوق بعضهن في حفرة، وقد أرسلن إلينا طفلة في السادسة تحمل راية بيضاء مربوطة علي عصا، لكنها لم تتقدم بعض خطوات حتي أطلقنا عليها النار وقتلناها، ثم قتلنا النساء اللواتي لم يبدين أية مقاومة. ثم أنني رأيتهن بعد ذلك مسلوخات الرأس، بينما كانت إحداهن مبقورة البطن وجنينها في بطنها واضح للعين. وأخبرني الكابتن شاول انه رأي ما رأيت، ورأي مثلي عددا كبيرا من الأطفال بين أيدي أمهاتهم المذبوحات'.

* * *

ويقول شاهد آخر هو الجندي آشبري بيرد أن 'عدد الضحايا يتراوح بين 400 و 500، وأنهم جميعا تعرضوا لسلخ فروات رؤوسهم. لقد رأيت امرأة تعرٌض فرجها للتمثيل به، كما شاهدت جثثا مقطعة تقطيعا فظيعا وعددا من الجماجم المحطمة. وإنني لعلي ثقة بأنها تحطمت بعد موت أصحابها بإطلاق النار عليهم كما هو واضح، 'وهذا ما يشهد عليه أيضا لاسيرجنت لوسيان بالمر انني لم أر قتيلا واحدا لم يسلخ رأسه أو رأسها. لقد رأيت كذلك أصابع مقطوعة للسطو علي الخواتم. كما رأيت عددا من الجثث وقد قطعت أعضاؤها التناسلية' . وتقول شهادة عاموس ميلكش : 'رأيت طفلا مايزال حيا بين الجثث المرمية في الخندق. ورأيت جنديا من الفرقة الثالثة يستل مسدسه ويطلق النار علي رأس الطفل. رأيت ضحايا مقطعة الأصابع للسطو علي خواتمها، ومقطعة الآذان للسطو علي زينتها، ورأيت عددا من الجنود ينبشون جثثا تم دفنها ليلا. وذلك ليسلخوها وليأخذوا زينتها. ورأيت امرأة هندية مهشمة الرأس. وفي الصباح التالي، بعد أن تيبست الجثث، بدأ الجنود بسحب جثث النساء و'فتحهن' بطريقة مشينة . وشهد دافيد لودرباك أحد الفرسان أن 'جثث النساء والأطفال تم التمثيل بها بطريقة مخيفة. لقد رأيت ثمانية منها فقط، ولم أجد في نفسي الشجاعة لرؤية المزيد فقد كانت شديدة التقطيع، وكانت مسلوخة الرؤوس.
أما الزعيم وايت أنتولوب 'الظبي الأبيض' فإنه كان مقطوع الأنف والأذنين والأعضاء التناسلية'. ويقول المترجم جون سميث : 'لقد مارسوا كل أنواع السلب والنهب. لقد سلخوهم، واقتلعوا أدمغتهم،. واستخدم الجنود سكاكينهم لتمزيق أجساد النساء وشقهن، ولتعذيب الأطفال ودق رؤوسهم بأعقاب البنادق واقتلاع أدمغتهم والتمثيل بأجسادهم. وأسوأ تمثيل رأيته في حياتي هو تقطيع النساء إلي قطع صغيرة وتمزيق جثث الأطفال ذوي الشهرين أو ثلاثة أشهر. وعندما ذهبت إلي مكان المذبحة في اليوم التالي لم أر جسدا واحدا إلا وقد سلخ وقطعت أعضاؤه التناسلية.
ويقول الليوتننت جيمس كانون : 'سمعت جنديا يقول إنه اقتطع فرج امرأة وعلقه علي عود لعرضه. وسمعت آخر يقول إنه قطع أصابع هندية ليأخذ خواتمها. كما سمعت جنودا قالوا إنهم اقتطعوا فروج الهنديات وشدوها علي مقدمات سروج خيولهم أو عرضوها علي قبعاتهم أثناء الاستعراض العسكري. وسمعت جنديا يقول إنه شق قلب امرأة هندية ورفعه علي عود

* * *

بعد انتهاء 'المهمة' عقد الكولونيل شفنجتون مؤتمرا صحفيا أعلن فيه أنه خاض مع رجاله 'إحدي أكثر المعارك دموية مع الهنود، حيث تم تدمير أعتي قري هنود الشايين'! فيما عمت النشوة بين الزنابير في طول البلاد وعرضها حتي إن افتتاحية إحدي الصحف شبهت فروات الرؤوس المقطوعة بالضفادع التي اجتاحت مصر قبل خروج بني اسرائيل منها، وأضافت 'ليس هناك أحد لم يتمتع بقطعة من فراء رؤوس الشايين، وهناك من بلغت به النشوة ان ارسلها 'إلي أصدقائه' في الشرق'.
أما الرئيس تيودور روزفلت فإنه تسامي بهذه البطولات فوصفها بقوله 'إن مذبحة ساند كريك كانت عملا أخلاقيا ومفيدا 'ذلك لأن' إبادة الأعراق المنحطة حتمية ضرورية لا مفر منها.
وفي عام المذبحة اكتشف أحد الصيادين امكانية استخدام الأعضاء الذكرية أكياسا للتبغ. ثم تطورت الفكرة المثيرة من هواية فردية للصيادين إلي صناعة رائجة بعد أن صار 'كيس التبغ' هذا، مثل الشاريين، من أبرز علامات الرجولة والفروسية والارستقراطية الاستعمارية، وصار الناس يتهادونه في أعيادهم وأفراحهم .
لكن هذه الصناعة لم تعمر طويلا في داخل أمريكا بعد أن انخفض عدد الهنود في عام 1900 إلي ربع مليون، وضاق وجه الأرض الامريكية بالسلخ وقطع الرؤوس ولم يعد أمام الحضارة إلا أن تبحث وراء المحيط عن مجاهل جديدة ووحوش طازجة في باناما والفيليبين واليابان وهايتي وكوريا وفيتنام وما بين الحجون إلي الصفا.

* * *

في أربعينات القرن العشرين دخلت اليابان أطلس المجاهل وانضم اليابانيون إلي قائمة الشعوب المتوحشة. وسرعان ما صنفت دائرة الانثروبولوجيا في مؤسسة سميثسونيان الثقافية اليابانيين مع الاعراق المنحطة. ففي رسالة وزعتها علي المسئولين الامريكيين أكدت فيها 'أن جمجمة الياباني متخلفة عن جمجمتنا 'الانجلوسكسونية' أكثر من ألفي سنة'، بينما قال العسكريون 'إن اليابانيين ليس فيهم طيارون مؤهلون قادرون علي التصويب في اتجاه الهدف لان عيونهم مشوهة منحرفة'.
وكانت حملة 'التوحيش' كالعادة، رخصة للتحلل من أي التزام أخلاقي أو انساني أو قانوني تجاه الضحايا. ويروي مراسل حربي أمريكي في مقالة له في Atlantic Monthly : 'لقد قتلنا الاسري بدم بارد، ومحونا المستشفيات من الوجود، وأغرقنا مراكب الانقاذ، وقتلنا المدنيين وعذبناهم، وأجهزنا علي الجرحي، وجرفناهم إلي حفر جماعية. وهناك في المحيط الهادي سلقنا لحم جماجم أعدائنا لتصنع منها عاديات تذكارية توضع علي الطاولات وتهدي إلي الأحباب، أو صنعنا من عظامهم سكاكين لفتح الرسائل'.
وكانت أعظم غنائم المحاربين هي هذه التذكارات التي يجمعها الجنود من جثث الضحايا أو المحتضرين كما يروي جون دوور في كتابه عن ظاهرة العنصرية في حروب المحيط الهادي 'حرب بلا رحمة'. من ذلك الاسنان الذهبية، الآذان، العظام، فروات الرؤوس، والجماجم وغير ذلك من تذكارات فيتيشية طالما اعتبرها علماء الاجتماع العرقيون دليلا علي العقلية البدائية التي تعبد الجماد وتتعلق به مرضيا وجنسيا. وقد لاقت هذه 'التذكارات' ترحيبا كبيرا لدي الشعب الامريكي حتي إن مجلة لايف نشرت في عام 1944 موضوعا عن الحرب مزينا بصفحة كاملة لصورة صبية شقراء يفتر ثغرها عن بسمة السعادة والفخار وهي تقف إلي جانب جمجمة يابانية أرسلها إليها خطيبها من الجبهة. ويبدو أن عبادة التذكارات طقس قديم يعود علي الأقل إلي عام 1814 عندما أشرف الرئيس جاكسون بنفسه علي سلخ 800 من هنود الكريك، واقترح أن ترسل قطع من تلك الجثث هدايا إلي السيدات الأرستقراطيات في تنسي .
بعد أقل من عقدين مضيا علي نشر صورة 'الحسناء والجمجمة' في مجلة لايف وصف الجنرال وستمورلند الشعب الفيتنامي بالنمل الأبيض . والنملة البيضاء أخطر حشرة يخشي الأمريكي أذاها علي بيته، ولذا فهي مرتبطة في ذهنه بحتمية وشرعية وأخلاقية مكافحتها بمبيدات الحشرات. في هذا السياق التاريخي الطويل من إبادة الحشرات علي مدي أكثر من أربعة قرون، يستخدم الجنرال هنا سلاح الإبادة دون أي رغبة في أن يعرف شكل ضحاياه أو عددهم.
ولقد سهل القصف الجوي وإطلاق الصواريخ عن بعد والقتل الالكتروني هذه المهمة حتي جعلها أشبه بلعب التسلية. إن الفلاح الفيتنامي تحول إلي نملة بيضاء، مثلما تحول الهندي إلي دودة، والفيلبيني إلي حشرة، والعربي العراقي إلي صرصار. هكذا لم يجد الجنود حرجا في الاحتفاظ ببعض أعضاء هذه الحشرات الفيتنامية تذكارا كما فعل آباؤهم في الحرب العالمية الثانية. وليس غريبا إذن ألا يجدوا فرقا بين مجاهل العالم الجديد ومجاهل فيتنام وأن يطلقوا علي هذه الجبهة الجديدة اسم 'البلاد الهندية'. وكان Hugh Manke رئيس قسم المتطوعين الدوليين، في شهادة له أمام الكونجرس، عام 1971، قد أكد علي عزم القوات الأمريكية علي إبادة فيتنامي الجبال واحدا بعد الآخر ، وقال 'إننا سنحل مشكلتهم كما فعلنا مع الهنود'، بل إن الجنرال مكسويل تايلور وصف الفييتكونج في شهادته أمام الكونجرس بأنهم 'هنود' وأنهم لذلك ليسوا بأفضل من قمل يغزو جلد الكلاب. أما السفارة الامريكية في سياجون فوصفتهم علي لسان ضابط علاقتها العامة جون مكلين بأن عقولهم تعمل كما تعمل السيقان الرخوة للطفل المشلول، وأن محاكماتهم العقلية لا تضاهي طفلا أمريكيا في السادسة من عمره. وكانت قناة History التليفزيونية قد عرضت '13 تموز 1996' شكلا حديثا متطورا من مشاهد السلخ في فيلم وثائقي بعنوان قيام العنقاء نري فيه الجنود الامريكيين في فيتنام وهم 'يقطفون' رؤوس ما يشتبه بأنهم من كوارد الفييتكونج، ويعرضونها في مهمة أشرفت عليها وكالة الاستخبارات المركزية في أواخر 1967 وأطلقت عليها عملية العنقاء

* * *
يتبع .........

Eng.Jordan
03-29-2012, 08:44 PM
أمريكا والكنعانيون الحمر ... سيرة الإبادة (3-3)
قال تعالى : ان الذين كذبوا باياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم ابواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين
بقلم :منير العكش

وتتضارب الأرقام النهائية لعدد ضحايا العنقاء بين شهادة وأخري. فبينما يعترف وليم كولبي، وكان يومها يدير عمليات السي آي إيه في الفيتنام، بأن حصيلة القتلي بين المدنيين في نهاية 1971 بلغت 20587 و 28978 معتقلا 'تبين لاحقا أنهم أبيدوا' و 17717 تولت أمرهم حكومة سايجون، يقول تقرير لجنة تشيرش لعام 1976 أن عدد القتلي من المدنيين بين 1968 و 1970 زاد علي العشرين ألفا.
أما وزارة الدفاع فتعترف بأن عدد القتلي المدنيين في فيتنام الجنوبية وحدها كان 26369 بينما بلغ عدد المعتقلين .33358 ويتحدث روي بروسترمن أستاذ القانون في جامعة واشنطن عن نشاطات جانبية لعملية العنقاء خاصة بإصلاح الأراضي في فيتنام والفيلبين والسلفادور فيقول إن عدد ضحايا فيتنام وحدها من هذه العملية ما بين 1968 ومنتصف 1971 زاد علي الأربعين ألفا. ومهما كانت حقيقة الأرقام فإن برنامج العملية يقتضي تصفية كل من يشتبه بأنه من الفييتكونغ أو يتعاطف معهم بمعدل 1800 فييتنامي شهريا علي اقل تقدير .83 وكان المدنيون المشتبه بتعاطفهم مع الفييتكونغ أكبر الضحايا فقد كانوا يعتقلون بالآلاف ويقتلون تحت التعذيب. ويروي بارتون أو سبورن أحد ضباط العملية في شهادة له أمام لجنة الكونغرس للشئون العسكرية لعام 1973 صورة مما كان يجري اثناء التحقيق فيقول: 'كنت أنظر في قضية مشتبه يقول أحد عملائي إنه متعاطف مع الفييتكونغ. وكان التحقيق يجري في مجتمع التجسس المضاد لفرق المارينز. وحين دخلت لمتابعة ما يجري كان الرجل قد فارق الحياة بعد أن دكوا في فتحة أذنه سيخا حديديا طوله ست بوصات اخترق دماغه وقتله.. لقد كانت حرب إبادة منظمة'. وتصف مجلة counterspy في عدد ربيع/ صيف 1975 عملية العنقاء بأنها: 'أكبر برنامج للقتل الجماعي المنظم شهده العالم منذ معسكرات الموت النازية'.
في الساعات الأخيرة من وجودهم في فييتنام، وبعد أن القوا عليها 14 مليون طن من القنابل، انصب كل جهد الدولة الأمريكية علي إنقاذ 'البيض'. لم يتخلوا عن حلفائهم الفييتناميين وحسب بل تخلوا حتي عن جنودهم الملونين وعن كل ما ليس بأبيض من المئات من موظفيهم المتجمعين في Hotel Duc والآلاف عن عملائهم المحتشدين أمام السفارة. وكان الأمر الصادر من الدولة الأمريكية حاسما وواضحا: 'انقذوا السادة أصحاب البشرة البيضاء . وقبل أن تقلع الهيلوكبتر بالقنصل هنري بودرو أطل من علاه وتفحص الحشود في مبرك السيارات وقال بكثير من الارتياح: 'لم أر أي وجه أبيض هناك' .
إن أمريكا الحديثة منذ ترومن حتي بوش حاولت التوسع في غرب 'الغرب الأمريكي' وحيثما شاء 'القدر المتجلي'. لقد حاولوا التصدي للشيوعية والتوسع الصيني وبسط سيطرتهم علي منابع النفط العربية، وهم في كل خطوة من هذا التوسع 'لم يتخلوا قيد أنملة عن السياق التاريخي العنصري والدموي' كما يوضح دانيال إلسبرغ
قبل أن يصدر رمزي كلارك وزير العدل السابق كتابه عن جرائم أمريكا في حربها علي العراق، كانت الفرقة الجوية القتالية السابعة والسبعون قد أنتجت ووزعت كتاب أناشيد تصف فيه ما ستفعله الفرقة في 'الخليج' وتنذر هذا 'المتوحش القميء'.. 'خدن الأفاعي' بأن يستعد للإبادة فيما ينتهي أحد هذه الأناشيد بخاتمة تقول: 'الله يخلق أما نحن فنحرق الجثث . والكتاب كما يصفه كريستوفر هيتشنس في خليط من السادية والفحش. ومعظمه تشنيع وتشهير وشتائم بذيئة للعرب والمسلمين باعتبار أنهم أعراق منحطة و'حشرات' و 'جرذان' و 'أفاع' . وقد اعترف نورمن شوارزكوف في عدة مقابلات تلفزيونية بأنه كان يريدها معركة فناء، وأشار إلي أنه كان يخطط لأن تكون علي شكل معركة كاناي القرطاجية التي يطلق الطليان علي موقعها اليوم اسم 'حقل الدم'. ومن يدري ما ستكشف عنه وثائق هذه الحرب وما تلاها من حصار حين ترفع السرٌية الكاملة عنهما يوما يتطاير فيه الريش مع رؤوس من تبقي من هذا الجنس اللعين!

كمائن الاتفاقيات

قبل أن يبني جورج واشنطن عاصمته فوق ما أسماه بالسباخ أو المستنقعات الخاوي والتي تبين لاحقا أنها كانت جزءا من مدينة هندية عامرة علي ضفاف نهر البوتوماك أمضي حياته في الاستيلاء علي أراضي الهنود والمضاربة بها وبناء ثروة هائلة وضعته علي قمة هرم أغنياء العالم الجديد.. ومن خلال هذه القرصنة العقارية بني واشنطن معظم ملامح سياسته الهندية التي هيأت بعد ذلك لقانون الترحيل القسري. لقد طور أعظم آباء أمريكا هذه التجربة الشخصية الناجحة في مشروع قرار يسمح للدولة الفيدرالية الفتية بأن تستولي علي أراضي الهنود بسهولة أكبر وكلفة أقل. وفي عام 1782 وافق الكونغرس علي مشروع واشنطن الذي يتلخص بخردقة الأراضي الهندية بالمستوطنين واستدراجهم باستمرار إلي كمين الموت. فالمعروف أن المستوطن في مستعمرات نيوإنكلندا كان بحاجة إلي خمسين هكتارا من الأرض لنفسه وخمسين هكتارا آخر كمجال حيوي. وبما أن هذا المجال الحيوي يتحول بسرعة إلي ملك فإن هناك حاجة لاتنتهي إلي مجال حيوي جديد للمجال الحيوي القديم. هكذا امتد المجال الحيوي الاستيطاني من شواطيء الأطلسي في القرن السابع عشر إلي شواطيء الهادي في منتصف القرن التاسع عشر، وكان كل مجال حيوي جديد يحتاج إلي نشاط 'العامل الطبيعي' ومعجزات العناية الإلهية وأضرارها الهامشية.
في خطاب معبر يصف الزعيم 'الحية الرقطاء' لشعبه هنود الكريك هذا الزحف اللانهائي للمستوطنات والمستوطنين فيقول: 'أيها الأخوة، لقد سمعنا حديث أبينا الكبير. إنه حديث مفعم باللطف. إنه يقول إنه يحب أبناءه الحمر. عندما وصل الإنسان الأبيض من أعالي البحار كان إنسانا ضئيلا جدا. كان ساقاه متشنجتين لطول مكثهما

في جزمته الكبيرة. وكان يستعطفنا أن نعطيه قطعة أرض صغيرة. وما أن وصل حتي أعطاه الهنود الأرض التي يحتاجها وأشعلوا له النار ليدفئوه ويريحوه. ولكن ما أن أحس الإنسان الأبيض بالدفء وانتعش جسده بنار الهنود، وما أن ملأ بطنه من طعام الهنود حتي صار كبيرا جدا يناطح قمم الجبال وتملأ قدماه بطون الوديان. أما يداه فاستحوذتا علي بحار الشرق والغرب. ثم إنه أصبح أبانا الأعظم وأحب أبناءه الحمر، لكنه قال: 'يجب أن تنزحوا قليلا حتي لا أسحقكم سهوا'. بقدم واحدة لبط الرجال الحمر عبر الأوكوني (مقاطعة في كارولينا الجنوبية اليوم)، وبالقدم الثانية مسح مدننا وقبور آبائنا. وفي مناسبة ثانية قال: 'أزيحوا أكثر، وانزحوا إلي ما بعد الأوكوني فهناك مكان بهيج لكم، ولسوف يكون لكم هذا المكان البهيج إلي الأبد'. وها هو يقول لنا الآن: 'إن الارض التي تعيشون فوقها ليست لكم. إنزحوا وراء الميسيسيبي فهناك متسع. وهناك تستطيعون البقاء ما نبت العشب وجرت الأنهار'. ألن يجيء أبونا الأعظم إلي هناك أيضا؟ غالخطبة ألقيت في 1829 قبل اجتياز الميسيسيبيف. إنه يحب أبناءه الحمر ولسانه ليس مشطورا. يا أخوتي، لقد سمعت من الأب الأعظم أحاديث بديعة، لكنها كلها كانت تبدأ وتنتهي: 'انزح قليلا فأنت قريب مني'.

* * *

كانت حرب ما يسمي بالاستقلال قد وضعت أوزارها وصار متقاعدوها عبئا اقتصاديا واجتماعيا. وكانت خطة واشنطن ترمي إلي اقطاع أراضي الثغور لهؤلاء المحاربين المتقاعدين، واستثمار طاقتهم القتالية اقتصاديا وسياسيا بحيث يستمر التوسع داخل أراضي الهنود دون الحاجة إلي الجيوش والحرب الشاملة. ومضي الرئيس الذي يشع وجهه من الأيقونة المقدسة لورقة الدولار يذكر أعضاء الكونغرس بأن هؤلاء المستوطنين ليسوا رجالا عاديين بل إنهم أبناء الحروب والمعارك وأصحاب تجربة عسكرية وحنكة قتالية تمكنهم من ترويع الهنود وإنزال الرعب في قلوبهم ودفعهم إلي الفرار. إنهم يستطيعون إخماد مقاومة الهنود إذا اختار الهنود طريق المقاومة، ويشكلون ميليشيا ممتازة للدفاع عن 'استحقاقات' الولايات المتحدة في بلاد أوهايو.
في هذا التقليد الانكليزي العريق الذي يقول ما لا يفعل ويعد بما لايفي اقترح واشنطن عقد سلسلة من الاتفاقيات مع الهنود بهدف الاستيلاء علي الأراضي الغنية والمناطق الاستراتيجية اللازمة لأمن المستوطنين في مقابل... 'وعود'... بعدم المساس بما تبقي لهم من الأرض. ومن هذه الوعود التي يقدمها المتفاوضون للهنود أن الولايات المتحدة ستفعل ما في وسعها للحيلولة دون قيام مواطنيها بالصيد أو الاستيطان في أراضيهم. هذا يعني أن الأب الأعظم للولايات المتحدة في خطته الرامية إلي تعزيز الاستيطان يقر رسميا بأنه يريد أن يكذب علي الهنود قبل أن يفاوضهم، ويؤكد أن الهدف الاول هو خداع الهنود وكسب ما يمكن كسبه علي طاولة المفاوضات في مقابل 'وعود' يقرر سلفا وعلنا عدم الوفاء بها. ولضمان ذلك يوصي واشنطن بأن تكون وعود المفاوضين شخصية وغير ملزمة للحكومة الأمريكية. لقد أحلته عقدة الاختيار والتفوق من أي التزام إنساني أو قانوني وأوهمته بأنه يملك حق تقرير الحياة والموت لهذه الكائنات التي لم يستطع أن يراها إلا كما يري الذئاب. إنه في رسالته إلي جيمس دواين يؤكد علي أن 'التوسع التدريجي للمستوطنات' يقتضي 'أن يفر الهنود المتوحشون علي أعقابهم كما يفعل الذئاب، فالذئاب والهنود كلهم وحوش مفترسة وإن اختلفوا في المنظر'. وقد تم إقرار خطة واشنطن باجماع أعضاء الكونغرس الذين قال بعضهم إن هذا الأسلوب من الاتفاقيات لن يبقي للهنود في النهاية سوي منعزلاتهم. أما الذين سيحاولون الوقوف في وجهها فإن مصيرهم التهجير القسري أو الإبادة إن الهندي، كما يقول إدموند مورغن في كتابه المذكور عن 'العبودية والحرية في أمريكا' لايستطيع أن يدافع عن نفسه، لأنه لايملك حقا يدافع عنه. يكفي أن يفكر في أن يكون له حق حتي يصبح معتديا وحتي تنطلق عفاريت التدمير والقتل من قمقمها.
وكانت هذه الخطة التي تم تنفيذها قبل إقرارها رسميا أول تشريع لنظام الترحيل القسري الذي توجه الرئيس جاكسون بعد ذلك برحلة الدموع. فبمجرد دخول أندرو جاكسون إلي البيت الأبيض ضمت ولاية جورجيا أجزاء كبيرة من بلاد الشيروكي، وذلك في حيل قانونية طالما استخدمها جاكسون لتبرير اغتصاب أراضي الهنود. وظن الشيروكي أن نزاهة القضاء كافية لإنصافهم فلجأوا إلي المحكمة العليا. وبينما كانت القضية تواجه جدلا بيزنطيا في المحكمة العليا كان اكتشاف الذهب قد جذب أكثر من أربعين ألف مستوطن إلي أراضي الشيروكي بتشجيع من الحكومة. كان العدل يأخذ مجراه فيما كان المستوطنون يصادرون المزارع، ويتملكون، الأراضي، ويطاردون ويطردون الشيروكي إلي الغابات، ويتملكون بونانزا أقفرت من أهلها. وأصر الشيروكي علي المقاومة السلمية فربحوا قضيتهم في المحكمة العليا بعد أن حكم القاضي جون مارشال لهم باستعادة أملاكهم. أما جاكسون فاعتبر القرار انتصارا للديمقراطية وفصل السلطات ودولة القانون، وقال وهو يحيل قرار المحكمة للتمسيح:
'لقد أصدر القاضي مارشال حكمه. وعليه الآن أن يجد من ينفذه'! هكذا نال الشيروكي بالمقاومة السلمية قرارا تاريخيا من المحكمة العليا انتهي تنفيذه بطردهم من معظم أراضيهم إلي غرب المسيسيبي حيث لم تكن أيدي القدر المتجلي قد طالته أو أعلنت عن أطماعها فيه.
أما الهنود الذين عاكسوا انتشار الحضارة ورفضوا الاحتكام إلي القانون فسرعان ما تولاهم 'العامل الطبيعي' بالطرد والقتل، أو كما يعبر عن ذلك توماس جفرسون بدون مواربة: 'لقد أبيدوا'. وكان شعب الهودينوسوني أول من اكتوي بنار الاتفاقيات، فبرغم حقهم في أكثر من نصف ما صار يعرف اليوم بولاية نيويورك بموجب معاهدة فورت ستانويكس لعام 1784، فإن حاكم الولاية جيمس كلينتون سرعان ما استلبهم بالشمال ما أعطتهم الاتفاقية باليمين، واضطرهم هم وما تبقي من 'الأمم الست' إلي الانكفاء بالقوة داخل منعزل بور صغير. أما شعب الأونيدا الذي اطمأن إلي الاتفاقيات والوعود وأبلي إلي جانب جورج واشنطن في حرب الاستقلال بلاء 'الحلفاء' المخلصين منتظرا عيد الشكر فإن كلينتون تنكر لكل اتفاقياته ووعوده فطرد المسالمين منهم إلي وسكنسون وأما المشاغبون فإنهم انتهوا في معصرة غضب الرب. إن كل ما تبقي من هذا الشعب اليوم أسماء رمزية لمدن لايسكنونها ومقاطعات وأنهار استعصت علي أشباحهم.
هكذا أدركت الاتفاقيات من الهنود ما أدركته الأوبئة والحروب المتواصلة، فلم تمض فترة طويلة علي خطة واشنطن حتي كان الشمال الشرقي للولايات المتحدة قد تطهر من الشعوب الهندية، وبدأت عيون 'القدر المتجلي' تتطلع بعيدا، إلي الغرب من نهر الميسيسيبي حيث انهارت فكرة تخصيص هذا الغرب وطنا للهنود. في أقل من 75 سنة ابتلعت هاوية الاتفاقيات ما يعرف اليوم بولاية ميزوري، وأركنسوا، وإيوا، وأتت الاجتياحات علي الباقي، فمن لم يمت بالسيف مات بالاتفاقيات. وكان الغزاة في أثناء ذلك قد اجتاحوا تكساس، وضموا أورغمون، وأيداهو، وواشنطن التي تخلي عنها البريطانيون بعد حرب الاستقلال لأعدائهم الثوار ورفضوا أن يعطوها لحلفائهم الهنود الذين حاربوا إلي جانبهم وبذلوا دمهم في سبيل تاجهم. وفي عام 1848 عندما اجتاحت الولايات المتحدة المكسيك واستولت علي كاليفورنيا وأريزونا ونيفادا وأوتاوا ونيومكسيكو وجنوب كولورادو صار غرب الميسيسيبي أقتل من شرقه وأطبق الحصار علي هؤلاء الأشقياء من كل جانب.
في البداية، ظن المستعمرون أن 'غرب الميسيسيبي' هو المزبلة المناسبة للهنود، وأن هذه الصحراء الأمريكية التي تتضمن ما يعرف بالسهول الكبري هي المنفي المثالي لتهجير من لم يقطفه سيف المنون. وقد اعترفت الولايات المتحدة في كل الإتفاقيات التي عقدتها مع الهنود في فورت لارامي عام 1851 بأن كل ما يعرف بالسهول الكبري هو منطقة هندية ذات سيادة تخص هذا الشعب الهندي وذاك، وتعهدت بأن لاتنشيء فيها مستوطنة أو تجمعا سكنيا دائما. لكن اكتشاف الذهب بعد سنوات قليلة في التخوم القريبة من هنود الشايبين وتدفق المغامرين بأعداد كبيرة اضطر الحكومة الفيدرالية في 1861 إلي 'فبركة' وثيقة مزورة يتخلي فيها الهنود دفعة واحدة عن 90 بالمئة من أراضي السهول الوسطي. وعندما رفض زعماء الشايين الاعتراف بهذه الوثيقة المزورة وأبرزوا المعاهدة الأصلية التي مايزال كل الذين فاوضوا عليها ووقعوها علي قيد الحياة اتهمتهم الحكومة الفيدرالية بخرق المعاهدة واعتبرت تصرفهم إعلانا للحرب. وسرعان ما تعالت نداءات الإبادة، لكن القائد العسكري سكوت أنتوني فضل سياسة الإبادة بالحصار والتجويع والتدمير الشامل للبني الاقتصادية اللازمة للحياة لأنها أسهل من الحرب المسلحة وأجدي وأقل كلفة، ولأنها لن تترك أمام الشايين من خيار سوي الهجرة أو الموت جوعا.

* * *

ومع اكتشاف الذهب والفضة والثروات الخام هنا وهناك تحت اقدام الهنود تكرر خرق الاتفاقيات في معظم مناطق السهول الكبري وتعرضت الشعوب الهندية لحرب تجويع شرسة أبيد فيها بين ما أبيد كل احتياطي الجواميس في هذه المناطق الممتدة طبيعيا من حدود المكسيك جنوبا حتي القطب شمالا. أما الذين قاوموا، كشعب السانتي، فأصبحوا هدفا مشروعا لحرب الإبادة. وفعلا فقد وجه حاكم داكوتا دعوة علنية إلي إبادتهم أو ترحيلهم. ولما رفضوا التهجير زحف إليهم الجنرال هنري سيبلي علي رأس بضعة آلاف من الميليشيا فأعملوا فيهم تقتيلا وتهجيرا، وصادروا كل أملاكهم لتغطية نفقات الحملة العسكرية، وساقوا الذين استسلموا منهم، وكانوا في حدود الألفين، إلي زرائب مهجورة حيث أقيمت أكبر حفلة إعدام جماعية في تاريخ أمريكا. ثم أعلنت الولاية عن مكافأة لكل من يأتي بفروة رأس لأحد 'الفارين'، فاستعر صيد الرؤوس لأكثر من سنة إلي أن تتوج بنصب كمين للزعيم لتل كراو العائد من كندا حيث قتل، وتلقي قاتلوه خمسمائة دولار إضافة إلي مكافأتهم، ثم نصبت فروة رأسه وجمجمته في مكان عام من سانت بول للذكري والاعتبار .


اقتل الهندي واستثن الجسد

لم يدر بخلد الغزاة أن هذه الشظايا التي بقيت من أوطان الهنود تكتنز ثروات باطنية هائلة. لم يحشروهم في هذه المفازات القاحلة من الأراضي ولم يتخلوا لهم عنها (مؤقتا) إلا لأنهم ظنوا أنها مجرد ثقوب سوداء يمتص فيها الموت من تبقي من أمم الهنود حيث لايراهم أحد ولايبكيهم أحد. كان الخوف من استحالة الإبادة الجسدية الكاملة من أقسي الكوابيس. إن القاتل لايطيق أن يري أحدا يشهد. وكان لابد لهذه الإبادة من سلاح آخر يبيد 'هندية' الهنود.
منذ 1870 و 'هندية' الهنود تشرب الأنخاب المسمومة. كانت صيحات التذويب الثقافي تواكب حفلات السلخ وتدعو إلي تدمير هذه الهندية وإعادة بنائها بحجارة التاريخ الأبيض والدين الأبيض واللغة البيضاء، إن نهب ما تبقي من أرض الهنود لايتم إلا بتدمير هندية الهنود: ثقافتهم وبنيتهم الاجتماعية التي لاتؤمن بالملكية الفردية. لقد صارت 'ثقافة الهنود مضرة بالمصلحة الوطنية' وليس هناك عدوان علي أمريكا أخطر من الإضرار بمصلحتها الوطنية التي قد تشمل كل ما يخطر علي بالك بدءا من السطو علي حسابك المصرفي (وحياتك عند اللزوم) وانتهاء باستثمار آبار نفطك وثروات بلادك. والتزاما بهذه المصلحة كان لابد من خلق جديد لهندي ليس له من هنديته إلا البيولوجيا. لابد من صياغة جديدة لوعيه وذاكرته وأخلاقه ومسلمات عقله. فإذا تعذر قتل الجسد لابأس من استبطان الموت، ولا بأس به كائنا ممتلئا ومزينا بالريش، أو تمثالا حجريا منصوبا فوق قبة الكابيتول، 'رمزا غسادياف للحرية'. وليعرف هذا الهندي كل شيء إلا ذاته. وفي هذا الإطار اعتبرت الشعائر الروحية للهنود خطرا وتم تحريم ممارستها. هكذا يمارس الهندي اليوم شعائر روحية منتقاة بأسلوب يتناغم مع 'المصلحة الوطنية' ومع البرامج السياحية التي ينظمها البيض.

* * *

ولكن تؤتي حملة التذويب ثمارها فتقتلع جذور الكراهية غير المبررة من نفوس الهنود وتشرح صدورهم للتخلي عن أراضيهم فقد رفعت شعار مفوض الشئون الهندية فرانسيس لوب : إقتل الهندي واستثن الجسد (حرفيا: استثن الرجل). وكان أنبياء الوول ستريت قد وضعوا مئات الدراسات عن تلازم الحضارة والملكية الفردية وعن وحشية وشيطانية هؤلاء الذين لا يؤمنون بها. بل إن مارتن لوثر الذي يعتبر الملكية معيارا للتفريق بين الإنسان والحيوان اتهم القديس فرانسيس الاسيزي بأنه 'مختل العقل، طائش، أحمق، شرير' لمجرد أنه كان يطلب من أتباعه أن يتخلوا عما لديهم للفقراء! ومنذ نزولهم في جيمستاون عام 1607 لم يستطع القديسون أن يميزوا بين السماء وعجل الذهب: 'لقد وجدنا أرضا واعدة أكثر من أرض الميعاد، فبدلا من اللبن وجدنا اللؤلؤ، وبدلا من العسل وجدنا الذهب'. وكان الكونغرس قد أقر في 1887 قانونا لتقسيم الأراضي يهدف في النهاية إلي نسف تقليد الملكية الجماعية عند الهنود، واستبداله بتقليد 'حضاري متنور' يعتمد الملكية الفردية. ويقضي القانون بأن يمنح الهندي قطعة مناسبة من أرض بلاده. أما ما تبقي فيعتبر 'فائضا' تتصرف فيه الحكومة الأمريكية وفقا لمصلحتها، كأن تستثمره بواسطة الشركات 'البيضاء'، أو تعلنه محميات طبيعية ومناطق عسكرية. بهذا التزوير المناسب لثقافة الهنود تسيطر المصلحة الوطنية علي مئة مليون فدان جديد من أصل 150 مليون فدان ما تزال ملكا للهنود. كذلك اقتضت المصلحة الوطنية ترحيل أطفال الهنود عن أهلهم وأخضاعهم في أبكر سن ممكنة لغسيل دماغ منظم داخل معسكرات مدرسية أعدت خصيصا لنحت أرواحهم. وتتولي 'الهيئات الفنية' إعادة صياغة ذاكرتهم الجماعية ووعيهم لأنفسهم وللعالم: هيئات فنية ذات طبيعة بوليسية تمنع علي الاطفال أن يتحدثوا بلغتهم، أو أن يمارسوا شعائرهم الدينية، أو أن يرتدوا ملابسهم التقليدية، أو أن يزينوا شعورهم علي ما تعود عليه آباؤهم وأجدادهم. بل إنها تقتلعهم نهائيا من عالمهم فتضرب حصارا علي كل اتصال ممكن بينهم وبين أهلهم أو أحبائهم 'المتوحشين'. هكذا تحشي أدمغة هؤلاء الاطفال بكراهية أنفسهم ومجتمعاتهم والشغف بمتابعة غراميات الأميرة ديانا وأخبار اصطبلات جلالة الملكة إليزابيت والاستمتاع بقتل الهنود في أفلام الكاوبوي. أما علي الصعيد العملي فإنهم يتخرجون عمالا يدويين لا أمل لهم إلا بخدمة 'المصلحة الوطنية' فيما قد يعين المتفوقون منهم سدنة لمعابدهم الشريفة أو خبراء في مؤسسات إعلامية. وقد تم تتويج هذا التذويب الثقافي في عام 1924 عندما أجبر كل الهنود علي حمل الجنسية الأمريكية.
وعلي الرغم من نجاح خطة التذويب في زرع بعض الألغام الثقافية داخل المجتمعات الهندية إلا أنها لم تكسر بنيتها 'الأسيزية'. وظلت هذه الأراضي الغنية بالذهب والنفط والفحم واليورانيوم ملكا مشاعا عصيا علي الإختراق. لهذا عززت الولايات المتحدة خطة التذويب الثقافي الكلاسيكية بسلطة إستعمارية داخلية يشبهها الهنود بالتفاحة، حمراء الظاهر، بيضاء الباطن. وكان قانون 'إعادة تنظيم الهنود الذي أقره الكونغرس في 18 حزيران؟ يونيو 1934 قد أطلق علي هذه السلطة اسم 'مكتب الشئون الهندية' وألحقها بوزارة الداخلية التي تعني عادة بثروة الولايات المتحدة من الحيوانات البرية والغابات والأنهار والمحميات الطبيعية.
وبالطبع فإن مواد القانون أعطت للهنود شكلا ظاهريا من أشكال الحكم بينما ساعدت خطة التذويب الثقافي علي خلق الأطر المناسبة لهذا الإستعمار الداخلي وجعله الشكل الأمثل للقضاء علي هندية الهنود ولسيطرة الولايات المتحدة علي ثرواتهم واستغلالها لقاء عائدات رمزية يستثمر معظمها في زراعة التفاح.
ومنذ البداية أراد عضوا الكونغرس اللذان اقترحا قانون 'إعادة تنظيم الهنود' وسمي باسمهما Wheeler - Howard Act - أن تجترح هذه السلطة الاستعمارية الداخلية أكبر معجزات العناية الإلهية وأن تضع اللمسات الأخيرة علي خطة الإبادة الشاملة وتتولي تنفيذ سياستها. وفي إطار هذه السياسة تنشط خطة التذويب الثقافي والنجاح في شطب 108 شعوب من قائمة الشعوب الهندية المعترف بها رسميا، بكل ما يعني ذلك من تبخر حقوقهم التاريخية في أرضهم وثرواتهم. ومن ذلك أيضا المساعدة علي تعقير 42 بالمئة من النساء الهنديات القادرات علي الحمل قبل أن تفتضح هذه الجريمة في منتصف السبعينات ويتوقف العمل بها ظاهريا دون معاقبة أحد ومن دون أن يخسر وظيفته أحد. ومن ذلك تحويل الهنود إلي حقول تجارب في المختبرات الطبية والبيولوجية، بدلا من الفئران، كما حدث في منتصف الثمانينات عندما أجرت شركة نورث سلوب علي هنود الإنويت تجارب طعم التهاب الكبد الذي منعت منظمة الصحة العالمية استخدامه لتسببه في مرض الإيدز. ولما علم زعماء الإنويت بذلك ورفضوا الاستمرار في 'قتل' أطفالهم نجحت السلطة في نقل التجارب إلي الغافلين من هنود الجنوب.
لقد جرب الجلاد المقدس أسلحة صيد كثيرة، لكنه أبدا لم يتخل عن هاجس الإبادة الكاملة. إن إبادة 112 مليون إنسان ينتمون إلي أكثر من أربعمائة أمة وشعب جريمة لم يعرف التاريخ الإنساني مثيلا لها في حجمها وعنفها وفظاعتها لكنها جريمة لم تكتمل فصولا ولم تصل إلي غايتها المرسومة.


المعني الإسرائيلي لأمريكا

إننا نقرأ التاريخ لنتعلم من خبرات الذين سبقونا إلي المجاهل، ولنعتبر بتجاربهم وأخطائهم إذا كنا فعلا نحب الحياة ونعتقد بأننا نستحق هذه الحياة. إن أمريكا ليست إلا الفهم الإنكليزي التطبيقي لفكرة إسرائيل التاريخية، وإن كل تفصيل من تفاصيل تاريخ الاستعمار الانكليزي لشمال أمريكا حاول أن يجد جذوره في أدبيات تلك الإسرائيل، ويتقمص وقائعها وأبطالها وبعدها الديني والإجتماعي والسياسي، ويتبني عقائدها في 'الاختيار الإلهي' وعبادة الذات وحق تملك أرض وحياة الغير. لقد ظنوا أنفسهم، بل سموا أنفسهم 'إسرائيليين' و'عبرانيين' و 'يهود' وأطلقوا علي العالم الجديد اسم 'أرض كنعان' و 'إسرائيل الجديدة'، واستعاروا كل المبررات الأخلاقية لإبادة الهنود (الكنعانيين) واجتياح بلادهم من لاهوت إسرائيل.
ولا أنكر أن هناك شيئا من التضليل في الانسياق وراء قياس التمثيل في دراسة الحوادث التاريخية. لكن السؤال عن وجوه الشبه ووجوه الاختلاف بين حادثتين تاريخيتين يجاب عنه دائما بلا، وبنعم. فعلي مستوي معقول من التدقيق والتمحيص في التفاصيل لابد من اكتشاف بعض وجوه الاختلاف، وعلي مستوي معقول من التجريد لابد من اكتشاف بعض وجوه الشبه. وبرغم اقتناعي بأن وجوه الشبه عديدة علي المستويين التجريدي والتفصيلي، يبقي علينا أن نجيب: هل إن السؤال عن المعني الإسرائيلي لأمريكا ممكن، ويستحق العناء. وهل إن المستوي التجريدي الذي يكشف عن إسرائيلية أمريكا هو فعلا مستوي معقول ويمكن البناء عليه؟
إن فكرة أمريكا، فكرة 'استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة' عبر الاجتياح المسلح وبمبررات 'غير طبيعية' هي محور فكرة إسرائيل التاريخية. وإن عملية الإبادة التي تقتضيها مثل هذه الفكرة مقتبسة بالضرورة بشخصيات أبطالها (الاسرائيليين، الشعب المختار، العرق المتفوق) وضحاياها (الكنعانيين. الملعونين، المتوحشين البرابرة) ومسرحها (أرض كنعان، وإسرائيل) ومبرراتها (الحق السماوي أو الحضاري) وأهدافها (الاستيلاء علي أرض الغير واقتلاعه جسديا وثقافيا) من فكرة إسرائيل التاريخية.
هذا الاعتقاد بأن هناك قدرا خاصا بأمريكا وأن الأمريكيين هم الإسرائيلييون الجدد و 'الشعب المختار' الجديد يضرب جذورا عميقة في الذاكرة الأمريكية، ومايزال صداه يتردد في اللغة العلمانية الحديثة أو ما صار يعرف بالدين المدني . إنه اعتقاد يتجلي لعينيك في معظم المناسبات الوطنية والدينية وفي كل خطابات التدشين التي يلقيها الرؤساء الأمريكيون مفاده أن 'الله، القدر، حتمية التاريخ.. الخ' اختار الامة الأمريكية (الأنكلوسكسونية المتفوقة) وأعطاها دور المخلص (الذي يعني حق تقرير الحياة والموت والسعادة والشقاء لسكان المجاهل).
ولطالما كانت فكرة الإختيار الإلهي محركا لولبيا في التاريخ الأمريكي، ولشد ما أشعلت النيران في الحماسات والمشاعر والبواريد وفي القري والمدن والجثث في أكثر من أربعين دولة، وعززت القناعة بأن لأمريكا قدرا أعلي من كل أمم الأرض، وأنه مهما حل بإسرائيل فوق أرض فلسطين فإن إسرائيل الامريكية تبقي القلعة المحصنة لإعادة بنائها ولقيمها ومبادئها وأخلاقها. إن يهود الروح الذين يمثلهم الانكلو سكسون هم الذين يحملون رسالة 'إسرائيل' التي تخلي عنها اليوم يهود اللحم والدم، وهم الذين أعطاهم الله العهد والوعد، وهم الذين ورثوا كل ما أعطاه الله تاريخيا ليهود اللحم والدم. لقد أختار الله يهود اللحم والدم مؤقتا، وبشروط أخلفوها، ولكنه اختار الأمة الأمريكية (الأنغلوسكسون) مؤبدا، لأنها تستأهل الاختيار، ولأنه وهبها كل ما يلزمها من قوة وثروة لأن تكون 'شعب الله' و'فوق كل الشعوب' إلي الأبد.

* * *

منذ الفترة الاستعمارية الأولي كان أطفال القديسين يتعلمون أن مسيرة التاريخ التي ترعاها يد الله الأنكليزي ونعمته أعطتهم دورا خلاصيا. وكانت هذه الافتراضات تقترن بإيمان قيامي مزدوج الهدف: تجميع يهود العالم في فلسطين للتعجيل بمجيء المسيح، وتدمير قوي الشيطان التي كانت تتمثل يومئذ بالعثمانيين والكاثوليك والهنود الكنعانيين. وبالطبع فقد وجد بعض السياسيين الإنكليز في استعمار العالم الجديد فرصة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في وطنهم. وبذلك تأكد لهم أن خروجهم من جزيرتهم يضاهي الخروج الأسطوري للعبرانيين من أرض مصر، ولم يساورهم الشك في اخلاقية استعمارهم وحقهم في إبادة الهنود ومقارنة ذلك كله باجتياح العبرانيين لأرض كنعان وتأييد السماء لإبادة أهلها.

* * *

كل أدب المستعمرين الأوائل يؤكد علي هذه القدرية التاريخية التي نالت ذروة إبداعها في موعظة جون ونثروب الذي أصبح أول حاكم لمستعمرة ماساشوستس والذي سماه كاتب سيرته الذاتية بنحميا الأمريكي وكتب عنه كتيبا بهذا العنوان تأسيا بنحميا الذي خرج بالعبرانيين من سبيهم في أرض بابل وعاد بهم إلي أورشليم فبني معبدها من جديد. وكان ونثروب قد ألقي هذه الموعظة في الحجاج علي متن السفينة الاسطورية أربيلا وأكد فيها علي العهد الجديد بين الإسرائيليين الجدد وبين يهوه، وعلي الرسالة التي يحملونها إلي مجاهل أرض كنعان الجديدة: 'إننا سنجد رب إسرائيل بيننا عندما سيتمكن العشرة منا من منازلة ألف من أعدائنا، وعندما سيعطينا مجده وأبهته، وعندما يتوجب علينا أن نجعل من غنيوإكلندف مدينة علي جبل غرمز أورشليم الذي يستخدم إلي الآن للدلالة علي المعني الإسرائيلي لامريكا. وقد سمعت بأذني آخر أربعة رؤساء أمريكيين يستخدمون هذا الرمز في مناسبات مختلفة: ريغان، بوش الأب، كلينتون، بوش الابنف.
في منتصف القرن السابع عشر، ساد الاعتقاد بأن الله عاتب علي شعبه الجديد وأن هناك بوادر خصومة عبر عنها ميخائيل ويغل وورث أحد أكبر شعراء عصره في قصيدة ملحمية بعنوان 'خصومة الله مع نيو إنكلندا' ندب فيها فشل المستعمرين في أداء واجبهم الرسالي. وتبدأ الملحمة بمقدمة طويلة تصف شيطانية الهنود وظلاميتهم ووحشيتهم وكيف أن هؤلاء العماليق والكنعانيين الملعونين تنطحوا لمحاربة رب إسرائيل ثم انهزموا مذعورين أمام جنوده. وهناك عشرات المحاولات لتقليد هذه القصيدة الملحمية من قبل شعراء ثانويين، كلهم ردوا غضب الله إلي خيانة العهد معه ودعوا إلي تجديده كما فعل العبرانيون القدامي.
ومع انطلاقة ما يسمي بالصحوة الكبري في منتصف القرن الثامن عشر تجدد الأمل في أن الله لن يتخلي عن شعبه ولن يهجره، وأن الشمس ستطلع من أمريكا لتضيء العالم. وكان جوناثان إدواردس أعظم فلاسفة الاستعمار الانكلوسكسوني في القرن الثامن عشر قد وضع الأسس الفكرية لهذه اليقظة التي ستكون بداية 'التجديد الإلهي' لكل الإنسانية. وأكد إدواردس علي المعني الإسرائيلي لامريكا وضرورة أن تصبح أورشليم الأرض (مدينة علي جبل) حتي لاتفقد روحها ومعناها. وقدم تفسيرا طوبولوجيا للتاريخ البشري حاول أن يفسر فيه لماذا ستقوم 'مملكة الله' في أمريكا ولماذا سينتشر نورها قريبا في أنحاء العالم.
وعلي الرغم من أن 'الصحوة الكبري' جددت فكرة المعني الإسرائيلي لأمريكا، وأكدت علي أن أمريكا هي أرض الميعاد فإن ولادة الجمهورية علي غير المتوقع اعطت تصديقا جديدا لهذا الاعتقاد. 'إن آلام ولادة الثورة التي أدت إلي الاستقلال أيقظت أبناء المستعمرات علي رسالة جديدة في المجاهل' كان انتصار الثورة آية علي مباركة الله للطموحات الانكلوسكسونية. لقد تحولت إسرائيل الله إلي جمهورية، وصار القدر الاستعماري قدرا وطنيا (وكلمة 'وطني' أو 'قومي' في الولايات المتحدة تعني إجماع الجماعات العرقية والطبقات الاجتماعية المختلفة علي ما يريده الزنابير 'البيض، الأنكلوسكسون، البروتستانت'، وما تقتضيه مصلحة 'ثروة الأمم'. ليس هناك إجماع وطني أو قومي علي قضية لاتخدم الزنابير أو تفيد ديناصورات وول ستريت).
في كتابه: 'الولايات الامريكية التي تضطلع بدور بني إسرائيل في المجاهل'
يقدم نيكولاس ستريت صورة عن لهفة أنكلوسكسون العصر إلي التوسع الاستعماري بعد النكسات التي أعاقتهم عن نشاطهم الأول. إنه يعيد إلي الأذهان ما كتبه ميخائيل ويغل وورث في معلقته 'خصومة الله مع نيو إنكلند' حيث أكد بلهجة الوعاظ علي أن ما لحق بالنشاط الإستعماري من فتور هو نتيجة حتمية للخطايا والآثام ولإخلاف الوعد مع يهوه. ونبه ستريت إلي أن ظلم فرعون لندن يجب ألا يحجب العيون عن شرور إسرائيل الله الأمريكية، فما لم يتواضع شعب الله لربه، ويتوب إليه، ويحافظ علي عهده فإنه لن يتحرر من القيد البريطاني ويعبر البحر الأحمر إلي الأرض الموعودة ويحقق استقلالها.
وكان وضع الدستور قد شجع علي تأصيل المعني الإسرائيلي لأمريكا كما كتب رئيس جامعة هارفرد صموئيل لانغدون في رائعته 'جمهورية الاسرائيليين: نبراس للولايات الأمريكي' ، وهي في الأصل خطبة ألقاها في المحكمة العليا. إن قارئها لن يتردد لحظة في الشك في أنه يقرأ مقاطع من سفر الخروج أو التثنية، بل إنه فعلا يفتتح كلامه عن ولادة الدستور بهذا المقطع من سفر التثنية: 'لقد علمتكم فرائض وأحكاما كما أمرني الرب إلهي لكي تعملوا بها في الأرض التي أنتم داخلون إليها لتتملكوها. فاحفظوا واعملوا، فتلك هي حكمتكم وفطنتكم في عيون الشعوب الذين سيسمعون عن هذه الفرائض ويقولون: ما أعظم هذا الشعب وما أحكمه وأفطنه!...'. والواقع أن كل الرائعة هي شرح واستطراد وتعليق وقياسات تمثيلية بين شريعة موسي والدستور الأمريكي وبين الاسرائيليين والأمة الأمريكية. فالدستور مناسبة للتأكيد علي وجه الشبه بين ما نزل علي موسي من 'ألواح' وبين ما نزل علي قلب واضعي الدستور. وهي مناسبة للتذكير بأن إسرائيل القديمة والجديدة أمة مختارة، باركها الله قديما بشريعة ليس لها مثيل وجعلها 'فوق كل الشعوب' نبراسا للعالم عبر كل العصور، ثم أكرمها حديثا بدستور ليس له مثيل وجعلها 'فوق كل الشعوب' مثالا يحتذي عبر كل العصور. فإذا تعلم الناس منهم (طريقتهم في الحضارة) رفعوا من شأنهم، وإذا استكبروا وأبوا جروا علي أنفسهم الدمار والخراب (والأضرار الهامشية). هذا نرسيس الأعمي مرة ثانية يحدق في مياه النهر فتلتبس عليه اسرائيل التاريخية بإسرائيل الأمريكية، وما جري في كنعان الفلسطينية بما يجري في كنعان الأمريكية. وها هو يدير أسطوانة الخروج والعبودية لفرعون مصر وفرعون لندن، ويتذكر بأن الأمتين المختارتين لم يكن لديهما جيش لحظة الخروج لكنهما بعد اجتياز البحر الاحمر والمحيط الأطلسي أعانهما رب الجنود علي دخول كنعان وتملكها وتدمير أهلها. 'هذا شعب... لاينام حتي يأكل فريسة، ويشرب دم قتلي' (سفر العدد)23: 24. إن تأسيس مجلس الشيوخ أيضا ليس إلا استمرارا لما فعله موسي عندما اشتكي إلي يهوه أنه لايطيق الحكم فأمره باختيار سبعين رجلا من الحكماء والرتباء. ولم يجد لانغدون حرجا من القول بأن حكومة موسي كانت 'جمهورية' وقائمة علي المباديء الجمهورية وأن قبائل إسرائيل كانت تحكمها حكومات محلية لاتختلف عن الولايات الأمريكية.

* * *

ولم يكن الأباء المؤسسون للدولة الأمريكية مثل جفرسون، وآدامس، وفرانكلين، وباين أصحاب الاتجاه العقلاني والمذهب الطبيعي بأقل حماسة للمعني الإسرائيلي للأمة الأمريكية من الحجاج والقديسين وصاموئيل لانغدون. ومعروف أن فرنكلين وجفرسون كليهما أصر علي صورة 'الخروج الإسرائيلي' من مصر إلي كنعان كمثل أعلي 'للنضال الأمريكي' من أجل الحرية. وفي الرابع من تموز/ يوليو 1776 (عيد الاستقلال) عهد الكونغرس لفرانكلين وجفرسون أن يضعا تصميما لخاتم الولايات المتحدة. أما فرانكلين فاختار رسما لموسي رافعا يده، والبحر الأحمر منفلق، وفرعون في عربته تبتلعه المياه مع شعار رائج في تلك الفترة: 'التمرد علي الطغاة طاعة لله'. وأما جفرسون فاقترح رسما لبني إسرائيل في التيه يرشدهم السحاب في النهار وعمود النار في الليل. وكان الرئيس جفرسون من أبلغ من تحدث عن المعني الإسرائيلي لأمريكا.. بل إنه ختم خطابه التدشيني لفترة الرئاسة الثانية بتعبير يشبه الصورة التي اقترحها لخاتم الجمهورية: 'إنني بحاجة إلي فضل ذلك الذي هدي آباءنا في البحر كما هدي بني إسرائيل وأخذ بيدهم من أرضهم الأم ليزرعهم في بلد يفيض بكل لوازم الحياة ورفاه العيش'.

* * *

في القرن التاسع عشر صار المعني الإسرائيلي للأمة الأمريكية يتمحور حول التوسع باتجاه الغرب وبسط السيطرة علي جيران كنعان 'وراء النهر' الميسيسيبي: المؤابيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين والييبوسيين والصيدونيين والمديانيين وبني إسماعيل الذين أسرعت اليهم العناية الإلهية فأنبتت في رؤوسهم الريش وسمتهم جميعا بالهنود وأعطت أرضهم وأرواحهم لشعب الله. كل هذه الشعوب الهندية وراء النهر كانت تضم بين جنباتها مهاجرين أو لاجئين من هنود كنعان الجديدة، وكان معظمها متحالفا مع البريطانيين ومطمئنا إلي وعودهم وصداقتهم، ولم يكن يدور بخلد فرد منهم أن سيوف شعب الله قاب قوسين أو أدني من رقابهم.
لم يبدأ التوسع باتجاه الغرب إلا بعد أن اشتري الرئيس جفرسون أراضي لويزيانا من نابليون عام .1803 فهذا التملك ضاعف مساحة الأراضي التي يستعمرها الإنكليز، ووفر الشروط الآمنة للملاحة في الميسيسيبي. وفتح الشهية لاجتياح الغرب الأقصي. وكانت سعة 'المجاهل' الجديدة وغناها بالثروات قد عززت القناعة بمواكبة العناية الإلهية لتوسع شعب الله، وأن هذه البلاد ما خلقت إلا لكي يتملكها بنو إسرائيل الجدد. ومع تقدم المستوطنين بالبندقية والبلطة والمذابح، واقتضامهم الغرب ميلا بعد ميل، تضاعف الاعتقاد بالمعني الإسرائيلي لأمريكا وبالإختيار لإلهي للزنابير. وقد عبر ريتشارد نيبر عن ذلك في كتابه 'مملكة الله في أمريكا بقوله: إن الفكرة القديمة عن شعب الله الامريكي قد أعطت دورها لفكرة الأمة الأمريكية المختارة والمفضلة عند الله. ولطالما تناول أدب القرن التاسع عشر توسع أرض كنعان إلي ما وراء الميسيسيبي باعتباره خطوة لابد منها لتصحيح مسار رحلة كولومبس إلي الهند الحقيقية المنتظرة منذ زمن طويل، وباعتباره أول قطف ثمار لبستان العالم . لقد صار علي غرب الميسيسيبي أن يستعد لاستقبال 'الأضرار الهامشية' للحضارة وعاداتها، عادات الأنكلوسكسون وثقافتهم أو ما صار يصطلح عليه بعد ذلك باسم 'طريقة الحياة الأمريكية'.
وكانت عقيدة القدر المتجلي التي سادت منذ أربعينات القرن التاسع عشر قد أدت إلي بعض الجراحة التجميلية للمعني الإسرائيلي لأمريكا. فالاصطلاح كما يعرفه ألبرت وينبرغ في كتاب بعنوان 'القدر المتجلي' يعبر عن الثقة المطلقة بالنفس وبالطموحات التي أقرها القدر نفسه بآيات واضحة جلية، بدءا بآية السفينة التي حملت الحجاج إلي بليموث وانتهاء بالتوسع غرب الميسيسيبي الذي رعته العناية الإلهية. ومن أبرز مبررات هذه العقيدة ما يسمي بنظرية 'القضاء والقدر الجغرافي'، أو الزعم بأن يد القضاء هي الذي ترسم الحدود الجغرافية للأمم (لاتعترف الولايات المتحدة، كإسرائيل، إلي الآن بحدود جغرافية لها، وليس في دستورها إشارة إلي ذلك). ومنذ أن أطلق جون أوسوليفان هذا الاصطلاح في مقالة له بعنوان 'التملك الحق' تحول 'القدر المتجلي' إلي عقيدة سياسية مفادها أن هذا العالم كله 'مجاهل' وأن قدر أمريكا (الأنكلوسكسونية) الذي لاينازعها فيه أحد أن تتملك منه ما تشاء من أرض لأن ذلك حقها الطبيعي، ولأن إله الطبيعة والأمم هو الذي أورثها هذه الأرض.

* * *

وفي هذه العيادة القدرية أجريت الجراحة التجميلية للمعني الإسرائيلي لأمريكا وفكرة الإختيار والتفضيل الإلهي التي بدأت تزايد علي عقدة الإختيار الإسرائيلي. فالسبب الأسمي لاختيار الله لإسرائيل هو سر غامض من أسرار يهوه (النص المقدس يقول إن الإختيار تم وفقا لمكيدة اسرائيل بأبيه الأعمي وليس سرا من الأسرار كما يعتقد سوليفن)، أما الآن مع عقيدة القدر المتجلي فإن الله اختار شعبه الجديد لأسباب جلية واضحة، بسبب تفوقه العرقي وغناه وموقعه الجغرافي ومؤسساته الدستورية والخيرية... الخ. 'لقد تم فك سر الإرادة الإلهية' كما لاحظ ألبرت وينبرغ، وشهدت العلوم الإنسانية ولادة 'انثروبولوجيا قدرية' تولي الله فيها توظيف قضائه وقدره في شركة جورج واشنطن للقرصنة العقارية وسلخ الرؤوس.
اجتياح غرب الميسيسيبي وتصحيح مسار رحلة كولومبس إلي الهند الحقيقية هو محور قصيدة والت ويتمان 'القومية': معبر إلي الهند التي أعطت عقيدة 'القدر المتجلي' أعذب معانيها الشعرية. ومن المفارقات أن ويتمان لم 'يعبر' الميسيسيبي في حياته ولم يشهد هذا الغرب الذي غناه في قصائد كثيرة من أبرزها 'أيها الرواد' التي تغزل فيها بأبطال اجتياح الغرب الذين خلقوا مصيرا جديدا للعالم. في قصيدة 'معبر إلي الهند' التي نشرها عام 1871 ومجد فيها ثلاثة انجازات إنسانية ربطت 'أوصال العالم' هي شق قناة السويس، وإنشاء 'سكة حديد الهادي'، ومد 'خط الاتصال الأطلسي' تحت الماء باح ويتمان بإيمانه بقدر أمريكا المتجلي وراء البحار، وقال إن التاريخ البشري كشف عن هدفه الغامض بعد أن وصلت رحلة كولومبس إلي نهاية مطافها. ويري الأمريكيون أن هذه القصيدة تعبر عن ذروة الطموح إلي مد جسر إلي الشرق الساحر، وتفسر الإيمان الشائع بأن أمريكا بدأت تمسك بخيوط التاريخ الإنساني.
بعد وضع اليد علي الفيلبين وسعار التوسع وراء البحار كتب جوسيا سترونغ أشهر كتبه الرائجة 'بلادنا' وأشار فيه إلي الارتباط العضوي بين القدر المتجلي وبين الأنكلوسكسون. وبين سترونغ أن تصميم الله لمستقبل الإنسانية يعتمد كليا علي الأنكلوسكسون باعتبار أنهم هم الذين قدموا الفكرتين المتلازمتين: الحرية المدنية والمسيحية الروحية الصافية. ولأن الفرع الأمريكي للعرق الأنكلوسكسوني هو الذي أعطي هاتين الفكرتين صورتهما الكاملة فقد صارت أمريكا هي المؤهلة لأن تمسك بمصير الإنسانية. ولكي يحقق الله لأمريكا هذه السيطرة علي مصير الإنسانية فقد أوكل إليه سترونغ مهمة العمل علي جبهتين: في الجبهة الأولي يغدق الله علي شعبه الجديد، العرق الأنكلوسكسوني، كل ما يحتاجه للإمساك بهذا المصير، ويهييء الميسم الذي سيدمغ به غظهورف شعوب الأرض، وفي الجبهة الثانية يسخر الله من يعد غظهورف شعوب الأرض لتدمغ بهذا الميسم . (طبعا إن فكرة العرق الأنكلوسكسوني كذبة لايعترف بها علم الأعراق. وكل الذين أسسوا لها عرقيا كانوا يشيرون إلي ذلك الخليط المهجن للجماعات البشرية التي تسكن الجزيرة البريطانية من الجرمان والسلت والفايكنغز.. ثم عمموه زنبوريا علي تلك الإخوة الضبابية للناطقين بالإنكليزية من البيض.. فقط)
وكان دخول أمريكا الحربين العالميتين هو أوسع معبر إلي قدر أمريكا المتجلي وراء البحار لدمغ ظهور البشرية بدمغة الأنكلوسكسون الحضارية، أو ما صار يسمي في الاصطلاح الأمريكي بنظام العالم الجديد. وكالعادة في كل حرب فإن الرئيس الأمريكي (وكان يومها وودرو ولسون) خرج علي مواطنيه ليعلن عن ظهور مجاهل جديدة ووحوش جدد هم 'الهون الذين خلقوا الشيطان' وليقول إنه لم يورط أبناء الولايات المتحدة في الحرب إلا للدفاع عن الحضارة ضد الهمجية وللدفاع عن 'طريقة الحياة الأمريكية'. وفي الحرب العالمية الثانية أيضا أعلن الرئيس روزفلت لمواطنيه أن أمريكا تدخل الحرب من أجل إنقاذ العالم، ودفاعا عن الحضارة وعن طريقة حياتها.
خلال الحربين كان السياسيون ونجوم السينما والإذاعات والصحف و'عروض الفرجة' كلهم يمجدون الدور الأمريكي 'الخلاصي' ويركزون علي الإختيار الإلهي ووحدة المصير الأنكلوسكسوني وارتهان مصير الإنسانية كلها لمصير العرق الأنكلوسكسوني المختار، كما عبر عن ذلك رينهولد نيبور في مقالته 'المصير والمسئولية الانكلوسكسونية' قبل قصف هيروشيما وناغازاكي بالقنابل النووية وتدشين عصر الإبادة من السماء.
بعد أربعة قرون من مواكبة 'العناية الإلهية' لحركة التوسع الاستيطاني نحو الغرب أعلن فردريك تيرنر أحد أبرز فلاسفة 'الثغور' أن 'الجبهة القارية' الداخلية انتهت ووضعت أوزارها، وبانتهائها ختمت أمريكا حقبتها التأسيسية اللازمة للتوسع وراء المحيط ولبناء إمبراطوريتها الكونية. وعندما نشر كتابه 'مشكلة الغرب أكد علي أن التوسع والحرب كانا أساس النماء الاقتصادي الأمريكي، ولابد لاستمرار هذا النماء من استمرار التوسع وعدم إطفاء نار الحرب. ودعا تيرنر إلي شق قناة لهذا التوسع عبر المحيط والاستفتاح بضم الجزر والبلدان القريبة. إنها حتمية الولادة الأبدية للثغور التي تتقدم باستمرار، وحتمية الولادة الأبدية للحياة الأمريكية علي هذه الثغور والجبهات التي ستصل الغرب بالشرق لتكمل شمس الحضارة الانكلوسكسونية دورتها حول الأرض.

* * *

لقد نجا شعب الله الجديد من ظلم فرعون وخرج إلي كنعان الجديدة فقهر قديسوه مجاهلها. وظل الغرب يفر أمام زحوفهم ويتراجع حتي لم يبق أمامهم من غرب، وإلي أن صار عليهم أن يخترعوا لزحفهم غربا ولو في أول الشرق. تلك هي 'جبهة القتال'، أبرز ثوابت التاريخ والنماء الأمريكي كما رآها أحد أبرز مؤرخي الولايات المتحدة في القرن العشرين: إنها الآية التي ورث بها شعب الله أرض كنعان، وإنها التجربة الحية والمستمرة لفكرة أمريكا، 'فكرة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة'. منها بني المستعمرون لحم أكتافهم واقتصادهم القائم علي 'حق النهب' والفردية المتوحشة، وبها رفعوا صرح مدنهم علي أنقاض المدن الهندية وسوروا حدائقهم بعظام الهنود. لقد كانت هذه 'الجبهة' المتقدمة دائما الوجه *****ي لأسطورة أمريكا حيث كتب القضاء والقدر للحضارة أن تنتصر علي الهمجية، وللإنسانية علي 'الوحوش'، وللنور علي الظلام، وللخير علي الشر، ولله علي الشيطان، وللتسامح علي التعصب، وللحب علي الكراهية، ولإسرائيل علي كنعان.
صحيح أن كل الشعوب تفرغ أعداءها من إنسانيتهم لأسباب مختلفة وبأشكال مختلفة. لكن قديسي شعب الله الإنكليزي جردوا ضحاياهم من إنسانيتهم قبل أن يروهم، وكرهوهم وحكموا عليهم بالموت قبل أن يشرعوا سفنهم إليهم. إنهم لم يستطيعوا أن يروهم في مكانهم أو في زمانهم أو علي حقيقتهم. لقد اخترعوهم من أساطيرهم وشحم غرائزهم ونحتوهم من مركب زواحفهم وتعصبهم المقدس، وراحوا يعبدون الله ويقتلون ضجرهم بتكسير هذه الدمي.
وكان المكان (كنعان) في ذلك الغرب لايختلف عن هذه الصورة. إنه اختراع. وهو مثال في الذهن مستمد من شبكة معقدة من الجنون الديني ووظائف الأعضاء. فأرة تلتقمها الأفعي بلقمة واحدة. هنا في هذا الفضاء *****ي لكل مكان جديد وثغر جديد خضعت أخلاق كراهية الكنعانيين لحالة استيلاد جديدة من الذاكرة ومن نظام الهذاء البارانويي ومن وحشية 'ثروة الأمم'، ومن الغرور المدفون عميقا في طبيعة المقدس نفسه.. المقدس الذي لايتعمد إلا بالدم: 'هوذا شعب... لاينام حتي يأكل فريسة ويشرب دم قتلي'. ولقد صارت هذه 'الأخلاق الإبادية' بنفاقها وبسماتها الانكليزية المسمومة 'عقيدة وأيديولوجيا، بل صارت النواة الصلبة للقومية الأمريكية التي ماتزال تخصب الأدب والفن والسينما وصناعة الجريمة والموت وتعطي أوضح صورة لمفهوم الأمريكي عن نفسه وعن العالم.

* * *

هذه الأخلاق الإبادية التي ضربت جذورها في عقدة الاختيار وكراهية الكنعانيين، ورافقت بناء أمريكا لحظة لحظة وجبهة بعد جبهة، هي التي جعلت 'الأمريكيين' يعتقدون اليوم كما كان أجدادهم المستعمرون الأوائل يعتقدون قبلهم بأن لهم الحق المطلق في أن يقتحموا أي غرب في أي مكان من الأرض. إن ميتافيزيقا 'اقتحام الغرب' التي نسفت نظام البوصلة وأعدت العصر الذهبي لنظرية الأنكليزي مالثوس جعلت الغرب الأمريكي في كل الجهات وفي كل الأرحام. إنه 'الغرب' اللانهائي، اللامكان، وإنه كل مكان. إنه فضاء الزنابير، الثقب الأسود الذي يمتص كل شيء، الأرض التالية، وراء الجبهة التالية، وراء الغرب التالي، وراء المجاهل التالية، وراء الإبادة الجماعية التالية. إن عالمنا كله يعيش اليوم تحت رحمة مافيا كولومبس الذي أوصي باستثمار ذهب أمريكا في 'تحرير أورشليم'، وإن الهنود الحمر الذين أبيدوا بالنيابة عنا، نحن الكنعانيين علي الحقيقة ما يزالون يعيشون فينا.