المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جناية التعدي على الصحابة!


عبدالناصر محمود
03-07-2016, 08:09 AM
جناية التعدي على الصحابة!*
ــــــــــــــ

27 / 5 / 1437 هــ
7 / 3 / 2016 م
ــــــــــ




الناظر للمشهد الفكري الديني المعاصر يتبين له عظم الهجمة التي يتعرض لها صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم. وهي هجمة قديمة حديثة؛ بدأت منذ اللحظات الأولى لإعلان النبي -صلى الله عليه وسلم- دعوته للناس، هو ونفر من أصحابه؛ حيث نال الصحابة -رضوان الله عليهم- الكثير من الأذى، وتحملوا الكثير والكثير من المشاق.
الصحابة -رضوان الله عليهم- هم خير الناس، فهم أفضل الخلق بعد الرسل والأنبياء، وهم حملة الوحي من قرآن وسنة، وحفظة الدين. جاهدوا مع النبي-صلى الله عليه وسلم- بأموالهم وأنفسهم، وضحوا بكل غالِ ونفيس من أجل استمرارية هذا الدين ولأجل نشره في ربوع الأرض. آمنوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم، وآووه ونصروه، ودافعوا عنه.
وللصحابة أيضاً شرف رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحبته. وأي شرف بعد هذا الشرف؟ وأي مكانة لبشر -دون الرسل الأنبياء- تبلغ هذه المكانة؟ فلو لم يكن لجماعة الصحابة فضل إلا هذا لكفاهم وزاد.
والحديث عن فضل الصحابة يطول مقامه، فقد شهد بفضلهم القاصي والداني. ومن قبل كانت شهادة القرآن الكريم وشهادة النبي -صلى الله عليه وسلم- شافية كافية. يقول الله تبارك وتعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)) [الأنفال: 74]. ويقول النبي- صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)(1).
والأدلة على فضل الصحابة -رضوان الله عليهم- وحسن إسلامهم كثيرة جداً، والمقام ليس مقام الحديث عن فضلهم، فتلك عقيدة ثابتة نؤمن بها ونعتقدها دون شك أو ريب؛ لكن مقامنا وحديثا سيدور حول المتعدين على جناب الصحابة -رضوان الله عليهم: من هم؟ وإلى ماذا يهدفون؟ وماذا أصاب الأمة جراء هذا التعدي الشنيع والجور الكبير على مقامات سادة الأمة وخيارها؟
إن الناظر للمشهد الفكري الديني المعاصر يتبين له عظم الهجمة التي يتعرض لها صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم. وهي هجمة قديمة حديثة؛ بدأت منذ اللحظات الأولى لإعلان النبي -صلى الله عليه وسلم- دعوته للناس، هو ونفر من أصحابه؛ حيث نال الصحابة -رضوان الله عليهم- الكثير من الأذى، وتحملوا الكثير والكثير من المشاق.
وبموت الصحابة وانتهاء هذا الجيل الخيِّر لم ينته الأذى، بل زادت حدته واشتدت ضراوته. فبات التشكيك في هذا الجيل وسبِّه وامتهانه سمة أصيلة في أهل البدع والنفاق والكفر.
إن التشكيك في أمانة وصلاح هذا الجيل تشكيك في الدين ذاته، لأنهم حملة هذا الدين، وتشكيك وطعن في النبي -صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من زكاهم، ورضي بصحبتهم، واستأمنهم على الدين والدعوة.
إن الطاعنين في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أرادوا بهذا الدين إلا الطعن في دين الله ورسول الله، لكنهم جبنوا وخافوا ردات الفعل الناتجة عن صنيعهم، فذهبوا إلى خديعة أخرى تعتمد على التشكيك في نزاهة الصحابة -رضوان الله عليهم، وعدالتهم وإسلامهم، ليسهل بعد ذلك لهم التشكيك في كل ما أرادوا.
قال الإمام مالك -رحمه الله- عن المعتدين على الصحابة: "إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه، حتى يقال رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين"(2).
وقال أبو زرعة الرازي -رحمه الله: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى؛ وهم زنادقة"(3).
وقال الإمام أحمد -رحمه الله: "إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء، فاتهمه على الإسلام"(4).
فالصحابة كانوا ولا زالوا حصن ديننا الحصين، وقلعته التي وقفت تدافع وتنافح عن جناب الدين منذ فجر بعثة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وإلى اليوم؛ لهذا فلا عجب إن رأينا سهام الأعداء توجه أكثر ما توجه ناحية صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقد نال الصحابة الأذى من كفار مكة، كما أصابهم الأذى من قبل المنافقين، والقرآن الكريم يسجل لنا مشهدا من مشاهد الإيذاء التي تعرض لها صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول الله تبارك وتعالى: ((وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِالله وَءَايَاتِهِ ورَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)) [التوبة: 65- 66].
قال أهل التفسير في سبب نزول الآية: "أن رجلاً من المنافقين قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك: ما لقُرَّائنا هؤلاء أرغبُنا بطونًا وأكذبُنا ألسنةً، وأجبُننا عند اللقاء! فقال له عوف: كذبت، ولكنك منافق! لأخبرن رسول الله -صلى الله عليه وسلم! فذهب عوف إلى رسول الله ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه. قال زيد: قال عبدالله بن عمر: فنظرت إليه متعلقًا بحَقَب ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تنكبُهُ الحجارة، يقول: إنما كنا نخوض ونلعب!، فيقول له النبي -صلى الله عليه وسلم: ((أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن))؟(5).
فتلك هي مكانة صحابة رسول الله -رضوان الله عليهم- عند الله تعالى، وعند رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم؛ وعليه بلغ صحابة سول الله -رضوان الله عليهم- مكانة عظمى في قلوب المؤمنين الطائعين لله ولرسوله.
كان الصحابة ولا زالوا سادة هذه الأمة، وأدلتها إلى الخير، وقدوتها التي يقتدى بها؛ ولهذا الأمر عمل أعداء الأمة وفساقها ومبتدعوها على هدم تلك المكانة العالية والرفيعة في قلوب المسلمين. فاستخدموا في سبيل تنفيذ هذا المخطط الجهنمي كل السبل والوسائل الممكنة. وبلغ مكرهم شأناً كبيراً، حتى كان لهم بعض ما تمنوه وأرادوه. فرأينا منَّا ومن بني جلدتنا من يطعن في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ويتهمهم بالنفاق والكذب. بل رأينا من هؤلاء الطاعنين من يذهب بعيداً ليتهم صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالكفر والفساد الديني والأخلاقي، ليذهب بعد ذلك إلى نفي كل ما نقل من الدين من خلالهم، ليضيع بذلك كل الدين من قرآن وسنة وفقه وتفسير ...الخ.
ومن قبل أذية المنافقين لصحب رسول الله -رضوان الله عليهم- نال هؤلاء الصحب الكثير من الأذى على أيدي المشركين، وكان إيذاءً بدنيا أكثر منه معنوياً، لأن شوكة الكافرين كانت هي الأقوى. فكان المسلمون الأوائل مستضعفين، لا حول لهم ولا قوة. ثم سرعان ما تحول هذا الاذى البدني إلى أذى نفسي بممارسة الضغوط على الصحابة، ومساومتهم على الإسلام. لكن الصحابة ثبتوا على الحق، وحافظوا على العهد، وما خضعوا ولا ضعفوا.
ثم سرعان ما تحول إيذاء الصحابة إلى عقيدة عند بعض المبتدعة، وقربة يتقربون بها إلى الله! وعلى رأس هؤلاء المبتدعة الشيعة الإمامية من أهل الرفض، الذين اتهموا الصحابة في دينهم وإسلامهم وأخلاقهم؛ فقالوا عليهم: أنهم قوم سوء، خدعوا النبي -صلى الله عليه وسلم، وارتدوا بعد وفاته، إلا القليل منهم! ومن هذا القليل –عندهم- علي بن أبي طالب -رضي الله عنه، والذي رفعوه في المنزلة والمكانة إلى ما فوق منزلة النبوة والرسالة. بل ذهب بعضهم إلى أن جبريل -الأمين- أخطأ في الوحي أو خان فنزل به على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بدلا من النزول به على علي -رضي الله عنه.
إن مفتريات الشيعة وجرائمهم في حق الصحابة -رضوان الله عليه- تفوق الحصر، فقد بلغ الشيعة مبلغاً كبيراً من الكذب والتدليس والتزييف. لذا نرى أنهم ما تركوا نقيصة إلا ألصقوها بالصحابة -رضوان الله عليهم، ولا فضيلة إلا نفوها عنهم، بغضاً وحسداً وانتقاماً من صحابة رسول الله -رضوان الله عليهم.
ومن بعد الشيعة ومن تابعهم كان لليهود والنصارى وقفتهم العدائية الكبيرة تجاه الصحب الكرام. فاستخدموا طرق الشيعة، واتبعوا شبهاتهم، لتكون سلاحاً في الطعن في صحابة رسول الله -رضوان الله عليهم. وبنظرة بصيرة إلى تاريخ العداء الغربي -من يهود ونصارى وغيرهم- يتضح لنا ما بين الفريقين من تشابه. ولأن اللاحق تابع للسابق، يمكننا القول: إن الشيعة قد قدموا خدمة كبيرة لليهود والنصارى ومن تابعوهما فيما يخص العداء لصحابة رسول الله -رضوان الله عليهم، ولدين الله بصفة عامة. وتاريخ الاستشراق -اليهودي والنصراني- شاهد على هذا الأمر. وما سطره المستشرقون من شبهات ومطاعن يؤكد هذه الوجهة أيضاً.
كما كان لتلامذة المستشرقين من مثقفي العرب -من العلمانيين والليبراليين وغيرهم- دورهم المخرب ومواقفهم الطاعنة في حق الصحابة -رضوان الله عليهم. فقد جمعوا بين مطاعن الشيعة وشبهات المستشرقين، وأرادوا -كما أراد غيرهم- إحداث قطيعة بين المسلمين والنص الديني المتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وما يتبع ذلك من تفاسير وأقوال واجتهادات لعلماء هذه الأمة وساداتها من الصحابة والتابعين ومن تابعهم على الهدى والحق.
إن جناية التعدي على الصحابة وما جاؤوا به من الحق جناية عظيمة قد تصل إلى حد تكفير صاحبها وإخراجه من ملة الإسلام. فمن طعن في الصحابة -رضوان الله عليهم، وطعن في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم، وفي كتاب ربنا، بحجة أن الصحابة ارتدوا أو كذبوا أو نافقوا خارج عن ملة الإسلام مكذب للنبي -صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من الحق، ومكذب للقرآن الكريم الذي زكى هؤلاء الصحب وشهد بصلاحهم.
- - - - - - - -
(1) متفق عليه، البخاري: (2509)، ومسلم: (2533).
(2) الصارم المسلول لابن تيمية: ص: 580.
(3) الكفاية للخطيب البغدادي: 97.
(4) البداية والنهاية: (8/142).
(5) ينظر تفسير الطبري: (14/333)، والأثر صحيح الإسناد.


ــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات والبحوث}
___________________