المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرق السودان: بؤرة النزاع الأكثر خطورة (استهداف أمريكي إسرائيلي، وتواطؤ أرتيري)


Eng.Jordan
03-29-2012, 08:55 PM
شرق السودان: بؤرة النزاع الأكثر خطورة (استهداف أمريكي إسرائيلي، وتواطؤ أرتيري)
بقلم اسكندر السوداني

بلغة الهندسة الوصفية يشير مصطلح شرق السودان إلى المربع الجيو سياسي الحيزي الإقليمي الذي يكون المربع الشمالي الشرقي على خارطة الدولة السودانية المعاصرة، ويتميز شرق السودان بعمق حضاري تاريخي موغل في القدم، فقد كان يمثل التخوم الغربية لممالك إثيوبيا القديمة في عصور ما قبل الميلاد، وظل دائماً بوابة وممراً للعبور والتواصل بين شعوب الهضبة الإثيوبية وممالك وادي النيل الفرعونية، كذلك عن طريقه توغلت الثقافة العربية والإسلامية إلى السودان والقرن الإفريقي، وظلت سواحله تشكل نقطة عبور هامة لقوافل طريق الحجيج الإفريقي الذي كان يبدأ من ممالك تمكتو، وصكتو، وكانم، وبرنو في غرب إفريقيا. كما كانت سواحل شرق السودان على البحر الأحمر جزءاً هاماً من الإمبراطورية العثمانية، وفي عهد الخديوي الألباني إسماعيل باشا نشط سكان الإقليم وأسهموا بقدر كبير في حركة الثورة المهدية، ونفس الشيء في فترة الحكم الاستعماري البريطاني، وبعد استقلال السودان كان شرق السودان يمثل أحد المكونات الوطنية الهامة للمجتمع السياسي السوداني.
أولاً: الجغرافيا العسكرية ومحفزات الصراع:
يتميز الإقليم بجملة خصائص جغرافية عسكرية، تعتبر تداعياتها الجيو استراتيجية وفقاً للمنظور الجيو سياسي الأكثر خطورة من بين سائر أقاليم السودان، ويمكن بيان ذلك على النحو الآتي:

1- الطبوغرافيا: جنوب الإقليم عبارة عن سهول طينية رملية، والجزء الداخلي الشمالي الغربي عبارة عن صحراء جافة، أما الجزء الشمالي الشرقي فتمتد فيه طولياً جبال البحر الأحمر البركانية على شكل سلاسل جبلية وعرة شاهقة الارتفاع وهي تبدأ من عمق القرن الإفريقي بموازاة ساحل البحر الأحمر وتمتد حتى عمق الأرض المصرية، وعل أساس اعتبارات المواجهة العسكرية فإن لهذه السلاسل الجبلية قيمة حربية استراتيجية هائلة، لأن من يسيطر عليها يستطيع السيطرة على الممرات الجبلية لخط السكة الحديد والطريق البري الرئيسي اللذين يربطان موانىء البحر الأحمر ببقية السودان، وأيضاً يستطيع السيطرة على ممر أنابيب النفط الذي يتم تصدير البترول السوداني عن طريقه، وبالتالي فإن الطرف الأقوى في هذه المنطقة يستطيع أن يخنق الاقتصاد السوداني في أكثر نقاطه المفصلية حساسية وأهمية، كذلك فإن وعورة هذه السلاسل الجبلية تعطيها القدرة على توفير الغطاء والملاذ الآمن للتحركات العسكرية لمجموعات حرب العصابات، والتي تستطيع بسهولة بناء القواعد، والمناورة, وتنفيذ العمليات التعرضية. كذلك بالنسبة للجيش السوداني، فإن القتال في هذه المناطق سوف يشكل له عبئاً ثقيلاً.. خاصة وأن القتال في المناطق الجبلية يتطلب عقيدة قتالية أكثر تعقيداً منه في بقية مسارح الصراع.
2- ديموغرافياً وإثنياً : يبلغ عدد السكان ثلاثة ملايين نسمة، ويتركزون في المنطقة الجنوبية، والشريط الحدودي مع أرتيريا، والجزء الجنوبي من ساحل البحر الأحمر، هذا وترتفع معدلات التركز السكاني في أربع مدن هي: القضارف، كسلا، بورتسودان، وحلفا الجديدة. هذا ويعتبر سكان المنطقة الساحلية والشريط الحدودي الأكثر نشاطاً وتورطاً في النزاع في شرق السودان، من بقية السكان.
و توجد في الإقليم حوالي سبع قبائل رئيسية، بعضها عربي توجد في الجزء الداخلي، بينما غير العربية توجد على الشريط الحدودي وساحل البحر الأحمر الجنوبي، وتساند القبائل غير العربية حركة مؤتمر البجا، أما القبائل العربية فهي غير متورطة في التمرد ما عدا قبلية الرشايدة العربية والتي تمثل القوام الاجتماعي الحاضن لفصيل الأسود الحرة المسلح. هذا وأبرز القبائل غير العربية تتمثل في البجا والهدوندوه والخاسة، أما القبائل العربية فتتمثل في بني عامر، الرشايدة، البطاحين والبشاريين.
و جميع سكان الإقليم مسلمون، ويدينون بالولاء التام لطائفة الختمية التي يتزعمها الميرغني، وتعتبر مدينة كسلا بمثابة المركز الروحي والديني لها.
ويتحدث 50 % من سكان الإقليم بلهجاتهم المحلية ويتحدثون بالعربية كلغة ثانية، أماالبقية فيتحدثون العربية كلغة أم، وقد أدى هذا التباين اللغوي إلى بعض الاحتكاكات والعنف الرمزي الثقافي بين سكان الساحل والشريط الحدودي الذي تغلب عليهم اللهجات، وبين سكان الجزء الجنوبي، والداخلي الذين يتحدثون العربية، الأمر الذي شكل محفزاً لانتشار حركة مؤتمر البجا في الساحل والشريط الحدودي.. بينما ليس لها وجود في جنوب الإقليم.
3- العناصر الاقتصادية: توجد في الإقليم موارد معدنية ضخمة في المناطق الجبلية وحالياً تنشط مناجم استخراج الذهب بشكل جعل السودان يحتل المرتبة التاسعة عالمياً في إنتاجه، إضافة إلى ثمة مسوحات جيولوجية تؤكد وجود مخزونات كبيرة من الحديد والنفط والرخام، أما بالنسبة للموارد الزراعية فتوجد في جنوب الإقليم أهم مشروعات الزراعة الآلية للحبوب الزيتية ومشروع الرهد الزراعي للقطن قصير التيلة ومزارع قصب السكر بمنطقة حلفا الجديدة، إضافة إلى مشاريع دلتا طوكر والقاش لزراعة القطن، هذا ويطالب متمردو الإقليم الحكومة باقتسام الثروة، ويتهمونها حالياً بنهب موارد الإقليم.
4- العناصر السياسية: وفقاً لاعتبارات التقسيم الفيدرالي يتكون الإقليم من ثلاث ولايات هي: القضارف، كسلا، والبحر الأحمر، ولكل ولاية مجلس تشريعي وسلطة تنفيذية خاصة بها، وترتبط مع الحكومة المركزية وفقاً لاعتبارات نظام الحكم الاتحادي الذي نظم علاقة الولايات مع السلطة المركزية الاتحادية. وبالنسبة لحدود الإقليم فيرتبط بحدود دولية مع مصر في الشمال، وأرتيريا وشمال أثيوبيا وساحل البحر الأحمر من جهة الشرق، أما من جهة الغرب فهناك حدودٌ إدارية مع ولايات: النيل، الشمالية، الخرطوم، الجزيرة، سنار، والنيل الأزرق. هذا وكانت هناك خلافات حول تقسيم الإقليم الأمر الذي غذى وأذكى نار التنافس القبلي بين سكان ولايات الأقاليم الثلاثة. وذلك على خلفية النفوذ السياسي بين حركة المرغني من جهة، وبقية الحركات السياسية الأخرى.
5- العناصر العسكرية والأمنية: شهد الإقليم خلال ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي تواجداً مكثفاً لحركات التحرر الأرتيرية وفصائلها المسلحة، والتي كانت تتخذ من الإقليم ويدعم الحكومات السودانية نقطة ومركزاً للانطلاق، وقد ساعدها على ذلك حركة القبائل المشتركة العابرة للحدود بين ألأراضي السودانية والأرتيرية، الأمر الذي أدى لانتشار السلاح، إضافة إلى انتشار عصابات التهريب المسلحة التي كانت تنشط بين السودان وأرتيريا، وعلى ساحل البحر الأحمر بين السودان والسعودية، كذلك ظل الإقليم يشهد تواجداً مكثفاً للمخابرات الأرتيرية التي تطارد المعارضين لنظام أسياس أفورقي، وقد استفادت حركات التمرد السودانية من هذه المزايا وأصبحت تجد الغطاء والدعم العملياتي من النظام ألأرتيري.

ثانيا: أطراف الصراع في شرق السودان:
يتداخل الصراع في شرق السودان مع بقية الصراعات السودانية من جهة، ومع صراعات القرن الإفريقي من جهة أخرى، والواضح حالياً أن الوضع الكلي لعلاقات التعاون والصراع في منطقة القرن الإفريقي شديد التأثير على شرق السودان، وعموماُ يمكن تناول نوعين من الأطراف، هما:
1- الأطراف السودانية: وهي متعددة، فالتجمع الوطني المعارض الذي يدير أنشطته العسكرية من أرتيريا يتضمن تحالفاً من 31 فصيلاً سودانياً، لكل منها وحداته العسكرية، وبالنسبة للإقليم الشرقي فهناك فصيلان هما:
(مؤتمر البجا) وهو تنظيم برغم أنه لا يطالب بالانفصال إلا أن قوامه التنظيمي يقوم على أسس عرقية ثقافية إثنية، وهو يتحدث حصراً باسم قبائل البجا التي تشكل 30 % من سكان الإقليم، ويعتبر مؤتمر البجا الفصيل الرئيسي في شرق السودان، لذلك كان الأكثر تشدداً في مفاوضاته مع الحكومة المركزية، وكان يطالب بأن تعترف له الحكومة بحق السلطة الكاملة في إدارة شؤون الإقليم هذا، وتتمركز قواعد مؤتمر البجا في أرتيريا، والتي توفر له الدعم والمساندة. وبسبب تواجد قبائل البجات داخل الأراضي الأرتيرية فقد جعلت منه الحكومة الأرتيرية الحليف المدلل بين سائر فصائل المعارضة السودانية، خاصة وأنه يقدم لها الكثير من الخدمات الاستخباراتية في الأمور المتعلقة بمطاردة حركات المعارضة الأرتيرية المتواجد في شرق السودان. هذا، وهناك تنافس حول حشد التأييد الشعبي في شرق السودان بين مؤتمر البجا الذي يدعمه المثقفون بين أبناء البجا وبين حزب المرغني الذي تدعمه القوى التقليدية وزعماء القبائل والقوى التقليدية في الإقليم. أما الفصيل المسلح الثاني فهو (الأسود الحرة) ويتكون بشكل رئيسي من أفراد قبيلة الرشايدة، وتم الإعلان عن قيامه على خلفية الحملة العسكرية التي شنتها القوات المسلحة السودانية على عصابات التهريب المسلحة في شرق السودان، والتي تتكون من أفراد قبيلة الرشايدة، الأمر الذي أدى لعداء بين الرشايدة والحكومة المركزية، وقد استغلت المعارضة السودانية والحكومة الأرتيرية هذه الظروف وأقنعت الرشايدة بتسييس خلافها مع السلطة السودانية.
2- الأطراف الخارجية: وتتمثل في ثلاث جهات، هي: (إسرائيل) وقد ظلت تحقق وجوداً مستمراً في أرتيريا وذلك منذ الفترة الإثيوبية، وهناك أكثر من قاعدة إسرائيلية داخل الأراضي الأرتيرية، فهي تستأجر بعض جزر دهلك الأرتيرية للقوات البحرية الإسرائيلية ولها رادار بحري ضخم هناك لمراقبة مضيق باب المندب وحركة الملاحة العربية، وأيضاً لديها قاعدة برية بالقرب من العاصمة الأرتيرية أسمرا، إضافة إلى تواجد مئات الخبراء الإسرائيليين الذين يقدمون خدماتهم للحكومة الأرتيرية، هذا و تقوم إسرائيل بتقديم الدعم لحركات المعارضة السودانية عن طريق الحكومة الأرتيرية، حيث تستقبل الموانىء والمطارات الأرتيرية شحنات السلاح لحركات المعارضة والتمرد السودانية، وهناك (أمريكا) والتي تربطها العديد من الاتفاقيات العسكرية والسياسية والأمنية مع دولة أرتيريا، هذا ومن المؤكد أن الشأن السوداني يمثل أحد البنود الأكثر حضوراً في أجندة لقاءات المسؤولين الأمريكيين مع الأرتيريين، أما بالنسبة لـ(أرتيريا) فهي طرف رئيسي خارجي في كل النزاعات السودانية. ويبدو أن الدور الأمريكي والإسرائيلي يقوم على تقديم الدعم لحركات المعارضة العسكرية عن طريق النظام الأرتيري، وتولي الحكومة الأرتيرية اهتماماً خاصاً بشرق السودان وقد تورطت القوات المسلحة الأرتيرية كثيراً في المعارك الحدودية بين الفصائل السودانية والقوات المسلحة اللسودانية، وذلك عن طريق الإسناد بنيران المدفعية الثقيلة من داخل الأراضي الأرتيرية، بما يوفر الغطاء اللازم لعمليات المعارضة، وقد أصبح التوتر والعداء المتبادل سمة أساسية للعلاقات الدبلوماسية الأرتيرية السودانية.
وأخيراً: تقييم عام: إن تناول خطر الحرب في شرق السودان يمكن أن يتم من خلال جانبين، هما:
الجانب الأول: ويتمثل في الوضع القائم والذي لا يشكل خطراً رئيسياً ذا أهمية في الوقت الحالي، وذلك لأن الأطراف الخارجية أصبح تركيزها منصباً على فصل الجنوب والاستحواذ على مخزوناته النفطية من جهة، وعلى تصعيد أزمة دارفور والعمل على نهب مخزونات اليورانيوم المتواجدة فيها، إضافة إلى أن اتفاقية السلام بين الحكومة السودانية وحركة قرنق أدت إلى تحييد ثلاثة ألاف عنصر من مقاتلي الحركة كانوا ناشطين عسكرياً في شرق السودان، وأيضاً حدث تفكك وانفراط في التجمع الوطني بسبب تحالف الحركة مع الحكومة وبسبب تخلي الأحزاب الكبيرة عن التجمع، الأمر الذي أثر بقدر كبير على القدرات والفعاليات العسكرية لفصائل شرق السودان المسلحة ممثلة في مؤتمر البجا والأسود الحرة.
الجانب الثاني: ويتمثل في الوضع المحتمل، وهو الأكثر خطورة في حالة التصعيد العسكري وذلك على أساس اعتبار أن سيطرة الحركات المسلحة في الإقليم على الممرات الجبلية بمنطقة البحر الأحمر تؤدي إلى جعل السودان بكامله مجرد دولة حبيسة، مما يصيب الاقتصاد بالشلل الكامل، وبالتالي تتحول أزمة الشرق إلى كارثة هيكلية بنيوية تفتك بمجمل الكيان السوداني، ومن ثم يؤدي ذلك إلى تحفيز النزاعات الأخرى في بقية السودان، وتدخل الدولة السودانية في حالة من الصوملة (أي انهيار الدولة)، ويبدو أن هذا الاحتمال ليس بعيداً عن إدراك القوى الأجنبية ممثلة في أمريكا وإسرائيل وبريطانيا. وهناك حديث حول أن أرتيريا هي البلد المرشح لاستضافة القوات الأجنبية إذا ما قررت أمريكا وحلفاؤها غزو السودان، وتفيد بعض الدوائر العليمة بأن الخطط المتعلقة بهذا الغزو قد تم إعدادها ووضعها بواسطة خبراء البنتاغون ووافقت عليها أرتيريا.