المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المرتزقة \ شركات الأمن الدولية


Eng.Jordan
03-29-2012, 09:17 PM
بعد أن ولغت شركة بلاك ووتر الأمريكية عميقاً في دماء الابرياء من أبناء الشعبين العراقي والأفغاني ، أطفالاً ونساء وشيوخ ، بعد ما كتب الكثير عن إجرامها ، إتباعها إسلوب إطلاق النار عشوائياً لحماية بعض الشخصيات العاملة في خدمة المشروع الامريكي . إستدعت الادارة الامريكية هذه الشركة لتلعب ذات الدور في الضفة الغربية ، فمنحت الخارجية الأمريكية إحدي الشركات الفرعية التابعة لتلك الشركة عقدا بقيمة 84 مليون دولار لتقديم خدمات أمنية في الضفة الغربية لمدة قد تصل إلى خمس سنوات، وقال مارك تونر نائب الناطق باسم الخارجية الأميركية إن الشركة ستعمل على توفير الحماية الأمنية في الضفة الغربية بالإضافة إلى خدمات للقنصلية الأميركية في القدس . شركة لا تعدو أن تكون مافيا مسلحة متعددة الجنسيات سمعتها ملطخةٌ بالدماء، قيادتها وعناصرها مسبعين بالعنصرية ، تسهل للإستخبارات الامريكية تنفيذ المهمات القذرة .
إننا ونحن نرى أن لا مكان لشركة بلاك ووتر في فلسطين ، نضع أمام الجميع حقيقة هذه الشركة\ المافيا عبر دراسة أعدها الاستاذ الباحث رائد حامد من مركز بغداد للدراسات مطلع العام 2011 وتفضل بإرسالها لموقع باحث نت للنشر

العنوان الأصـلي: المرتزقة في العراق
العنوان الفرعـي: المتعاقدون الأمنيون في العراق والقانون الدولي
إعــــداد: رائد الحامد *


جدول المحتويات
جدول المحتويات 2
هذا البحث 3
مقدمة تاريخية وتوصيف 4
التمييز بين المرتزقة وموظفي الشركات العسكرية والأمنية الخاصة 9
المرتزقة والانسحاب الأمريكي من العراق 10
المتعاقدون الأمنيون جيوش الحرب بالإنابة 15
المرتزقة والقانون الدولي الإنساني 19




هذا البحث
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن المتعاقدين الأمنيين الذين سيخلفون القوات الأمريكية المزمع سحبها نهاية العام 2011، وعن حقيقة مهامهم المستقبلية في عراق ما بعد أمريكا، كشكل من أشكال الاحتلال الخفي، ونحاول في هذا البحث تسليط الضوء على الجوانب القانونية المتعلقة بهم، وتوصيفهم، ومحاولة كلّ من الولايات المتحدة ومالكي الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، إضفاء الشرعية على نشاطاتهم وتمييزهم عن المرتزقة الذين يقاتلون فيَقتِلون ويُقتَلون لأجل المال، وخدمة لغايات وسياسات تلك الشركات والدول المتعاقدة معها، وسنلقي الضوء على الجوانب المتعلقة بنشاطاتهم في العراق، وموقف القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني منهم، والقرارات والأوامر الجائرة لإفلاتهم من العقاب، كما يحاول البحث كشف تجاوزات الولايات المتحدة وانتهاكها للقانون الدولي في مسألة تعاقدها مع المرتزقة، تحت غطاء الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، أو المتعاقدين الأمنيين.
يحاول البحث التأكيد على أن جميع العاملين الذين تعاقدت معهم الولايات المتحدة للعمل في العراق من موظفي الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، هم مرتزقة بكل المعايير، مما يوجب على المنظمات والهيئات الدولية الاضطلاع بمسؤوليتها في ملاحقة ومحاسبة أولئك العاملين، والجهات التي استقدمتهم إلى العراق، سواء كانت تلك الجهات حكومة الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها أم الحكومات العراقية التي تعاقبت على حكم العراق منذ غزوه واحتلاله في نيسان 2003.



مقدمة تاريخية وتوصيف
موظفو الشركات العسكريّة والأمنية الخاصّة، شركات الحماية الأمنية، المتعاقدون، المتعهدون أو المقاولون الأمنيون، جنود الظل، حملة البنادق المأجورة، الجيش الخفي، أيّاً كانت تسمياتهم، ليسوا أكثر من عناصر مرتزقة، ويلزم التعامل معهم وفق هذا التوصيف مهما حاولت بعض الدول أو الشركات، المستفيدة من هذا المجال الربحي، الدعوة للفصل أو التمييز بين المرتزقة الذين يسعون للقتل من أجل الغرض المادي البحت، وبين الشركات العسكرية والأمنية الخاصة التي تعنى بمهام الحماية والدفاع عن الجهات الدافعة، بذريعة أن هذه الجهات عادة هي جهات شرعية، كحكومات ذات سيادة أو جيوش نظامية ترتبط بدول وتخضع لقوانينها، أو شركات مسجلة تمارس نشاطاتها في إطار القانون، إلاّ أنّ واقع حال وممارسات أولئك الموظفين لا يدلّل على سمةٍ فعلية جامعة تجمعهم لتنأى بنشاطاتهم بعيداً عن توصيف عناصر الإرتزاق أو المرتزقة، أفراداً كانوا أم مجاميع.
تفشت ظاهرة المرتزقة بوضوح في الثلث الأخير من القرن الماضي، كظاهرة فرضت نفسها على واقع الكثير من الدول، وكمهنة احترافية اجتذبت مئات الآلاف من الطامحين بالثروات، أو الراغبين بتلبية نزعاتهم الإجرامية من المغامرين والعسكريين أو الأمنيين المتقاعدين (من الضباط وضباط الصف المتقاعدين في الجيش والشرطة) ، أو من المجرمين المحترفين القادمين من عصابات الجريمة الدولية المنظمة، اللاهثين وراء الكسب المادي بأيّة وسيلة، خاصّة من الدول الأفريقية التي غادرها الاستعمار الفرنسي أو البريطاني، أو من دول أمريكا اللاتينية.
يمتد تاريخ عناصر الارتزاق الحقيقي إلى (الأيام التي سبقت الثورة الفرنسية 1789م، إذْ كانت المطاعم والفنادق عادةً ما تعلّق لوحات تحمل كتابات مثل ـ يمنع دخول الساقطات والكلاب ـ في إشارة إلى المرتزقة، ذلك أنّ سلوك الجنود المرتزقة وممارساتهم غير المقبولة وغير المسؤولة، جعلت منهم عناصر مرفوضةً من المجتمعات الأوربية بصورة عامة) ، بل إنّ البعض قد أرّخ لظهورهم إلى (إمبراطور اليونان كوزينوفون الذي جنّد عشرة آلاف يونانياً للمحاربة في بلاد فارس مقابل مال) .
كانت الحاجة إلى حماية الشركات النفطية، ومناجم الماس، في النصف الثاني من القرن العشرين في بعض الدول الأفريقية المستعمَرة آنذاك قد ساهمت في شيوع ظاهرة استخدام المرتزقة لإثارة النزاعات والحروب الأهلية عبر أشكالٍ متعددة من العنف المُدبَّر الذي يهدف إلى إشغال مواطني تلك البلدان، وصرف انتباههم عن عمليات نهب ثرواتهم التي تقوم بها الشركات النفطية دون حسيب أو رقيب، كما حدث في موزمبيق والكونغو، وحدث ويحدث في العراق منذ غزوّه في 9 نيسان 2004، ولم يقتصر أمر إثارة النزاعات والحروب الأهلية على البلدان الأفريقية، بلْ إنّ بلداناً عدّة في أمريكا اللاتينية شهدت حروباً مماثلة، وفي العراق أيضاً، حيث تَمَّ استغلال حالة الفوضى التي تسبَّبَ بها غزوّ العراق من قبل شركات المرتزقة في المزيد من عمليات الإثراء المصحوبة بالقتل، بذريعة توفير الحماية الأمنية للبنى التحتية والشخصيات المهمة، وهو ما يثير الخشية من استمرار نشاطات المرتزقة بعد الانسحاب الأمريكي بخلق المزيد من الفوضى الأمنية لضمان تجديد عقودهم في العراق .
خلال العقد الأخير من القرن العشرين، ومع ازدياد مساحة انتشار القوات الأمريكية في منطقة الخليج العربي بعد حرب الخليج الثانية، ثُمَّ غزوّ العراق واحتلاله في نيسان 2003، وما أعقبه من واقع فقدان القوات النظامية العراقية الجديدة وقوات الاحتلال قدرتهما على الإمساك بالأمن والنظام في عموم العراق، وفقدانهما السيطرة على مدن المقاومة المعروفة بالمناطق الساخنة، أدى هذا إلى ازدياد الحاجة إلى استخدام المرتزقة للقيام بمهام الخدمات والتدريب والحماية والحراسة الأمنية، وتأمين الدعم اللوجستي للقوات النظامية لتتفرغ لمهامها القتالية الروتينية، فيما تناط بالمرتزقة مهمات أخرى، كالعمليات القذرة، والأخرى التي تحمل طابعاً جرمياً ترى فيها الجيوش النظامية ضرورةً لازمةً لانجاز المهمة في ذات الوقت الذي تجنِّب نفسها المساءلة القانونية، وما يترتب عليها من عواقب إجرائية سياسية أو مادية أو أخلاقية.
لقد اشتهرت مجاميع المرتزقة بأدوار منافية لقيم المجتمعات الإنسانيّة مقابل أجر دون أنْ تكون لهم قضية يقاتلون من أجلها فيَقتِلونَ ويُقتَلون، والمقتولون منهم لا يتم تعويض ذويهم من قبل الحكومات التي تستخدمهم بموجب عقود مبرمة معها ، لذلك تحاول الشركات التي يعملون فيها إلقاء التبعات القانونية على حكومات الدول التي استقدمتهم.
يصف وليم اولتمان المرتزقة بأنهم (يمارسون أعمالاً لا تخطر على بال، وأخطر بكثير مما يفعله الجنود النظاميون، ولا ينطبق عليهم ما ينطبق على البشر، لأنهم بلا مشاعر أو ضمائر، ومن أين تأتي الضمائر لبشر مهنتهم القتل مقابل المال) ، وإنْ كنّا قد أطلقنا صفة المرتزَق على العديد من الأسماء المتداولة كتسميات رسمية تتعامل بها الدول والشركات، إلاّ أنّ تسمية المرتزَق حقيقةً ليست كما تتعامل بها تلك الدول والشركات من تسميات، فتسمية المرتزَق هي الأكثر واقعية ودلالة على صفة وفعل العنصر الذي يتقاضى أجراً مقابل عمله، كالمتعاقدين الأمنيين أو موظفي الشركات العسكرية والأمنية الخاصة وغيرها من التسميات.
إنَّ تعدد المسميات هي محاولة للهروب من التسمية الحقيقية، الدالة على الفعل والفاعل وأثرها على المرتزق، وإنّ إطلاق صفة (متعاقد) على المرتزَق من قبل الدول والشركات المستفيدة (تساعد في عملية مسح الخوف وإزالة ما تهدد به المعطيات الجديدة، لأنّ التعبير الأدق هو قولنا: القوات شبه العسكرية) الذين لا يقتصر خطرهم على الدول التي يمارسون نشاطاتهم الإجرامية فيها، بل إن هؤلاء يشكلون مصدر قلق مستقبلي حتى على الدول التي ترعاها، كالولايات المتحدة ذاتها، وبالتالي فهي تشكل (تهديداً خطيراً لكلِّ القيم الديمقراطية الأمريكية، إذ لو أنَّ الولايات المتحدة في حال تعرضها لهجوم كارثي جديد يضاهي ما وقع في 9/11، فسوف تعيش اضطراباً اقتصادياً يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية آلية) .
يُعرِّف الملحق الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف لعام 1949 المرتزَق الذي تنطبق عليه هذه الصفة، بأنّه كلّ مَنْ: (يجري تجنيده خصيصاً، محلياً أو في الخارج، ليقاتل في نزاعٍ مسلح، أو يشارك فعلاً ومباشرة في الأعمال العدائية، أو تحفزه أساساً الرغبة في تحقيق مغنم شخصي إلى الاشتراك في الأعمال العدائية، ويقطع له فعلاً من قبل طرف في النزاع، أو نيابةً عنه، وعداً بتعويض مادي يتجاوز بإفراط ما يوعد به المقاتلون ذوو الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة لذلك الطرف، أو ما يدفع لهم) ، وحيث يتقاضى موظفو الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، عدة أضعاف ما يتقاضاه أقرانهم في الجيوش النظامية من رواتب وأجور ، فإن هذا يضعهم تحت طائلة المساءلة القانونية كمرتزقة، بموجب التعريف الوارد في الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم لعام 1989، الصادرة في 4 كانون الثاني 1990.
تضمنت الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم لعام 1989، الصادرة في 4 كانون الثاني 1990 تعريفاً يحدّد المرتزَق بأنَّه (أيّ شخص: أ ـ يُجنَّد خصيصاً أو في الخارج في نزاع مسلح، ب ـ ويكون دافعه الأساسي للاشتراك في الأعمال العدائية، هو الرغبة في تحقيق مغنم شخصي) ، أما أستاذ القانون الدولي في جامعة نانتير الفرنسية ألن بيليه، فإنه يعرِّف عنصر المرتزقة بأنّه (ذلك الشخص الذي يدخل طرفاً في نزاع بدافع الربح، وهو عمل يمنعه القانون الدولي) ، فيما يعّرف ميثاق جنيف المرتزقة بأنهم (أشخاص جندوا في نزاع مسلح، في دولة غير موطنهم الأصلي ودافعهم هو الربح المادي المحض، وعملهم محرَّم تبعاً لذلك) .
غالباً ما يكون المرتزقة من العسكريّين المتقاعدين، الذين سبق وعملوا رسمياً كأفراد حماية لمسؤولين في دولهم الأصلية، أو حماية الأثرياء والمشاهير وغيرهم، والمرتزَق عادةً ما يكون (محترفاً حياة الجندية التي يكتسب منها قدرة قتالية وكفاءة عالية، لا تتوفّر لمن لا يعيش حياة الجندية بصورة دائمة) ، ومقابل الربح المادي يمكن استغلال المرتزقة من قبل أنظمة أو دول أو جيوش أو شركات أو شخصيات لتنفيذ سياساتها وتحقيق غاياتها بوسائل يحددونها، وهي في عمومها وسائل لا أخلاقية، حيث أنّ الكثير من المتعاقدين للعمل في الشركات العسكرية والأمنية الخاصة يتم إبرام عقودهم لمهام غير قتالية، كالحراسة على المنشآت أو الأعمال الخدمية كالطبخ والتنظيف وغيرهما من الأعمال المدنية، إلاّ أنهم يجدون أنفسهم، بعد مباشرتهم عملهم الفعلي، بأنهم متورطون بنشاطات قتالية تضعهم في تصنيف المرتزقة ، وهذا لا يعفيهم من المسؤولية القانونية عن الجرائم التي يرتكبونها في بلدان أخرى، كالعراق مثلاً.
وفي العراق فإنّ ثمّة (مرتزقة محليون) لم يتم تعريفهم مسبقاً أو الإشارة إليهم، فهم يشتركون مع المرتزقة الأجانب في الكثير من الصفات والسلوكيات الإجرامية ضدّ مواطنيهم مقابل مكاسب مادية، إلاّ أنّهم يختلفون عن المرتزقة الأجانب الباحثين عن المال فقط، في أنّ (المرتزقة المحليون) إضافة إلى البحث عن المال، يسعون أيضاً لحصاد مكاسب سياسية ونفوذ اجتماعي، وهما أمران لا يعنيان المرتزقة الأجانب، الذين يسعون للحصول على المال ليس إلاّ .
التمييز بين المرتزقة وموظفي الشركات العسكرية والأمنية الخاصة
يحاول القائمون على الشركات العسكرية والأمنية الخاصة التمييز بين مهام موظفيهم ومهام عناصر المرتزقة، إذ إنهم يحاربون (إلى جانب الحكومات الشرعية ذات السيادة، ومن ثم فإن لها معايير أخلاقية تحكم وتتحكم في عملها واشتراكها في النزاعات، خلافا للمرتزقة الذين يهدفون إلي الكسب المادي من تدخلهم) ، ويتجه العالم نحو نبذ نشاطات المرتزقة وعدم التعاقد معهم، واستبدالهم بشكل أكثر قبولاً وتنظيماً بزيادة الإقبال على الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، (فقد أوجد تطوير الشركات العسكرية والأمنية الخاصة نوعاً جديداً من حراس الأمن والجنود الخاصين، ممن يعملون في مناطق الحروب والمناطق المعرضة لمخاطر كبيرة في ظلِّ تقييدات قانونية غامضة جداً، وقد حلّت هذه الطرائق الجديدة إلى حدٍّ ما، محل استخدام أفراد المرتزقة التقليديين) ، ويرى البعض ضرورة التمييز بين مهام الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، وبين مهام عناصر المرتزقة، لأنّ استخدام المرتزقة، حسب وجهة نظرهم، (أمر محظور حسب اتفاقيات جنيف، ولكن وجهة النظر المناقضة ترى بأنّ عمل هؤلاء لا يختلف كثيراً عن عمل المرتزقة، وأنّ الفرق الوحيد بين ما تفعله هذه الشركات وما يفعله المرتزقة، هو كون هذه الشركات تحظى بمباركة الحكومة لأفعالها، بل وتعتبر أداة لتنفيذ أهداف محددة، ولم يوجه أحد أيّ اتهامات بخرق البنتاغون لاتفاقيات جنيف، حين منح أكثر من ثلاثة عقود عمل لهذه الشركات الأمنية الخاصّة، مع العلم التام بأنّها لا تخضع لقواعد الحرب وقوانينها) ، وكان الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش قد وافق في عام 2007 على اقتراح (تشكيل وحدات خاصة لتخفيف العبء عن القوات المسلحة، تشرف عليها شركات توريد المرتزقة، أطلق عليها اسم "وحدات الاحتياط المدني"، وقال: إن هذه الوحدات تضم مدنيين يتمتعون بمهارات فائقة، يلبون النداء ويضطلعون بالمهمات التي تكلفهم بها الولايات المتحدة الأمريكية في الخارج عندما تحتاج إليهم) .

المرتزقة والانسحاب الأمريكي من العراق
غياب الدور الأساسي الذي قامت عليه الأمم المتحدة كالحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، كما ورد في ميثاقها ، وازدواجية المعايير التي تحكم تعاملها مع القضايا الدولية، والهيمنة الأمريكية على سياساتها وقراراتها، والأهم غيابها كرادع مفترض يحول دون تفشي الصراعات المحلية والدولية، وتقاعسها في العمل على إطفاء بؤر النزاعات الدولية، كأسس أخلاقية وإنسانية بَنَت عليها الأمم والشعوب آمالاً في العيش الأمن والسلم والسلام، ذلك الغياب الأممي مضافا إليه الضعف العربي والإسلامي والصراع الدولي على ثروات المنطقة، خاصة في الثلث الأخير من القرن العشرين، ونزوع الكثير من شعوب الدول العربية والأفريقية نحو رفض التبعية والعبودية للمستعمِر الغربي، ونيلها حريتها واستقلالها، وتشكُّل وعي جديد يتمسك به تيار شعبي عريض رافض للاستعمار والتبعية بالمطلق تقريباً، كلُّ هذا أدى بالمستعمر القديم إلى ابتكار وسائل استعمارية جديدة تؤمِّن له غاياته، وتحقق له أطماعه بعيداً عن الزيّ العسكري الظاهر المعلن، ومن أهم تلك الأساليب الاستعانة بالطاقات القادرة على التواجد الجغرافي البديل بالإنابة، أيْ وفق مبدأ الانسحاب مع البقاء، أي الانسحاب الظاهري المعلن مع البقاء الخفي بصور متعددة، منها التواجد على شكل شركات عسكرية وأمنية خاصة (مرتزقة)، وتعيّين حكومات تبدو وطنية رافضة للاستعمار في ظاهرها وأمام شعوبها، فيما هي لا تعدو بصفة أدنى أو أعلى أكثر من مجموعة من الموظفين التنفيذيين (المرتزقة المحليون)، الذين يُغلِّبون مصالح الرعاة على مصالح شعوبهم مقابل البقاء لأطول مدة ممكنة في مواقع السلطة المتقدمة، وغض النظر عن انتهاكاتهم ضد أبناء شعوبهم.
تعتمد الدول الاستعمارية المغادِرة علناً لمستعمَراتها، وسائل أخرى لتحقيق مبدأ (الانسحاب مع البقاء) عبر إثارة النزاعات المحلية، والحروب الأهلية، والصراعات على السلطة بين أبناء البلد الواحد، مما يعني استمرار الحاجة إلى الأجنبي للحماية الأمنية، والبقاء في السلطة، ومن أهم أدواتها الحديثة والمعاصرة النامية بقوة هي الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، أو المرتزقة للمشاركة في تلك النزاعات والحروب والصراعات الأهلية، وهو أسلوب جديد أو نوع من أنواع شيوع ثقافات العولمة أو الهيمنة أو غيرها من المفردات التي سادت العالم بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وسيادة سياسة القطب الأمريكي الواحد على العالم، واتجاهها نحو تقليص عدد جنودها، والاعتماد أكثر على الوسائل الالكترونية في الحروب، بما لا يقلّل من كفاءة القوات الأمريكية وقدرتها على الانتشار السريع وكسب الحروب، (كما حدث في انجولا وزائير ثم انتقلت الفكرة إلى أمريكا وبدأوا في تأسيس شركات أمن خاصة كان أهمها "كي بي آر" المملوكة لـ(هليبورتون) منذ عام 1962م، ثُمّ نوَّعت نشاطها منذ عام 1980م، وقد تطور هذا السوق وتلك التجارة من خلال إقامة علاقات بأجهزة المخابرات البريطانية والأمريكية، خاصة وزارة الدفاع الأمريكية) ، وهي ليست أكثر من تحقيق غايات الدول الكبرى الطامعة بأساليب أخرى أقل كلفة وأقل إجراماً معلناً، أيْ بمعنى شنّ الحرب بأدواتٍ محليةٍ (مرتزقة محليون) بالإنابة عن تلك الدول، وفي العراق ستستمر نشاطات القوات الأمريكية بعد موعد الانسحاب النهائي المعلن، وذلك بالاعتماد على المزيد من المتعاقدين الأمنيين الذين سيكلفون بالقيام بمهام تلك القوات بأساليب مختلفة تلتقي في ذات الهدف الأساسي، وهو شكل من أشكال خصخصة القوات الأمريكية العاملة في العراق .
أعلن الرئيس الأمريكي باراك اُوباما عن انسحاب قوات الولايات المتحدة من العراق بحلول نهاية عام 2011 دون أن تحقّق الولايات المتحدة أيَّ هدف من أهداف الغزوّ المعلنة، مثل:
• نشر الديمقراطية في المنطقة، وقد أعطت الولايات المتحدة صورة مغايرة لطموحاتها المنشودة
• النفط الذي لم تستفد منه إلا بحدود بعض الشركات النفطية التي يديرها المحافظون الجدد
• أمن إسرائيل الذي حتى وإنْ غاب العراق كمصدر تهديد حقيقي له، إلاّ أنّ مفهوم أمن إسرائيل تراجع كثيراً إلى الحدّ الذي أعلن قادة إسرائيل أنفسهم تراجعهم عن حلم إسرائيل الكبرى، وقبولهم بحل الدولتين، واستئناف المفاوضات غير المباشرة مع سوريا
• القضاء على ما يسمونه الإرهاب (الإسلام)، وهو ما لم يتحقق، بل على العكس من هذا حيث بدأت شريحة واسعة من الشباب العربي والمسلم، من مختلف الاتجاهات الفكرية، تؤمن به كخيار وحيد للانعتاق من العبودية الأمريكية والإسرائيلية، ومحاولاتهما في الهيمنة على ثروات ومقدرات الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به وزيرة الخارجية السابقة السيدة كونداليزا رايس، وهي ذاتها التي أعلنت فشله قبل استلام الديمقراطيين إدارة البيت الأبيض
• الفشل الذريع في إثبات حيازة العراق أسلحة الدمار الشامل
• الفشل في إثبات العلاقة بين نظام الرئيس الراحل صدام حسين وتنظيم القاعدة
وفي مقابل ذلك أنفقت الولايات المتحدة مئات المليارات على بناء وتوسيع العديد من القواعد العسكرية في العراق، وخسارتها أكثر من 4400 جندي مع مئات الآلاف من المعاقين نفسيا وأكثر من 32000 جريح، حسب وزارة الدفاع الأمريكية نهاية آب 2010، وما يترتب على هذا العدد من أكلاف قد تستمر إلى عشرات السنين، من نفقات الضمان المعيشي، والتأهيل البدني والنفسي، وغيرها مما يثقل كاهل كلّ من دافعي الضرائب والميزانية المنهكة أصلا بخسارة ما يزيد على 700 مليار في الأزمة المالية الأخيرة، وإشهار إفلاس أكثر من 100 مصرف أمريكي وإغلاقها حتى نهاية 2009، إضافة إلى 700 مليار دولار أخرى نفقات حربها في العراق وأفغانستان، ومجمل خسائر قدرتها بعض التقارير الرسمية الأمريكية بأكثر من ثلاثة ترليونات دولار.
واقع عراق اليوم يشير إلى قلق يتزايد يوما بعد يوم على مستقبل البلد مع إعلان الرئيس الأمريكي اُوباما نيته سحب قواته من العراق، بعد أنْ عبثت تلك القوات بنسيجه الاجتماعي، وأسست لمعالم التقسيم إلى دويلات تقام على أسس عرقية وطائفية، وتركت الحبل على الغارب لكل من هبَّ ودبَّ من دول العالم صغيرها وكبيرها، ليكون لها نفوذاً في الداخل العراقي ظاهراً أو باطناً، واستقدام قواته المزيد من المرتزقة، مع غياب أي إشارة معلنة لمصير ما هو موجود أصلاً من الشركات العسكرية والأمنية الخاصة (المرتزقة) ومستقبلها على الأرض العراقية، وهو الذي يحدده قرار الحكومة الأمريكية المسؤولة مباشرة عن تلك الشركات، التي تتلقى الأوامر منها بصفتها الطرف الثاني في عقود استقدامهم لأداء بعض المهام في العراق.
منذ حرب الخليج الثانية لجأت الولايات المتحدة إلى تبني سياسة خصخصة بعض قواتها من خلال (تجنيد حوالي 1% من مجموع قواتها في صفوف المرتزقة الجدد) ، فيما تحولت هذه النسبة المتدنية بعد غزوّ العراق عام 2003 إلى ظاهرة ملموسة على طريق خصخصة المزيد من القوات النظامية، وتحويل خدمات أفرادها إلى نطاق الشركات العسكرية والأمنية الخاصة المعروفة بـ (المرتزقة)، لقتال المقاومة العراقية ، او تعذيب السجناء لانتزاع الاعترافات من المقاتلين، او غيرهم من المناهضين للوجود الأجنبي في العراق ، بعلم وحماية من حكومة الولايات المتحدة في مخالفة صارخة للاتفاقيات الدولية، التي تحرِّم تجنيد المرتزقة أو تمويلهم أو تدريبهم لهذا الغرض ، وعادةً ما تدعي قوات الاحتلال قيامها بفتح تحقيقات في تلك الانتهاكات وتقديم تقارير بنتائجها ، دون ان تكون هناك إجراءات عملية كفيلة بتحقيق العدالة لضحايا التعذيب وغيره من الانتهاكات الأخرى التي خلصت إليها نتائج تلك التقارير.


المتعاقدون الأمنيون جيوش الحرب بالإنابة
تعترف الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية المعلنة بوجود موظفين غير عراقيين يتم التعاقد معهم (لتوفير السلع والخدمات والأمن في العراق إلى قوات الولايات المتحدة أو نيابة عنها) ، واصفة إياهم، بأنهم ("المتعاقدون مع الولايات المتحدة" و"المستخدمون العاملون لدى المتعاقدين مع الولايات المتحدة") ، وتعرِّفهم بأنهم (الأشخاص أو الكيانات القانونية غير العراقية، ومستخدميهم الذين هم مواطنون أمريكيون، أو مواطنو بلد ثالث، الموجودون في العراق) ، وهي الاتفاقية الأمنية الموقعة بين حكومتي جمهورية العراق والولايات المتحدة الأمريكية في 17 تشرين الثاني 2008، والتي تمَّ إقرارها من قبل البرلمان العراقي في 27 تشرين الثاني من عام 2008، ودخلت حيز التنفيذ في 1 كانون الثاني 2009 (بعد تبادل الطرفين المذكرات الدبلوماسية المؤيدة لاكتمال الإجراءات اللازمة لدى كلّ منهما لتنفيذ الاتفاق وفقاً للإجراءات الدستورية النافذة لدى الطرفين) ، وقد حدّدت الاتفاقية الأمنيّة جدولاً زمنياً يتمّ بموجبه سحب (جميع قوات الولايات المتحدة من جميع الأراضي والمياه والأجواء العراقية في موعد لا يتعدى 31 كانون الأول عام 2011 ميلادي) بعد تولي قوات الأمن العراقية كامل المسؤولية عن الأمن في المحافظات العراقية، على أنْ يكتمل انسحاب قوات الولايات المتحدة من المدن في موعد لا يتعدى 30 حزيران 2009، كما حدّده الاتفاق بين الحكومتين الأمريكية والعراقية، مع وضع الطرفان العراقي والأمريكي ترتيبات لتقليص عدد القوات الأمريكية على مراحل زمنية بموجب معاهدة وضع القوات (صوفا) التي صادق عليها مجلس النواب في 27 تشرين الثاني 2008.
بموجب الاتفاقية الأمنية الموقعة بين حكومتي العراق والولايات المتحدة، التي تنظم الوجود الأمريكي في العراق، أعلنت الولايات المتحدة عن تفكيك مئات القواعد المؤقتة، والمعسكرات والمقرات العسكرية الصغيرة قبل 31 آب 2010، مع الإبقاء على خمسين ألف جندي يتمركزون في قواعد كبرى لحين انتهاء مهمتهم في العراق نهاية عام 2011، إضافة إلى أعداد كبيرة غير محددة من المتعاقدين الأمنيين (المرتزقة) في العراق وأفغانستان ، لتناقض الأرقام الرسمية المعلنة واقتصارها على مصادر القوات الأمريكية فقط ، حيث أشار تقرير أصدره البنتاغون في حزيران 2009 إلى وجود أكثر من 132 ألفاً (من المتعاقدين الأمنيين لا يزالون في العراق، وهذا العدد يشكل ضعف عدد قوات الاحتلال الأمريكية، وأبان التقرير أيضاً، إن استخدام “المتعاقدين الأمنيين الخصوصيين” ازداد في العراق بنسبة 23% في الربع الثاني من عام 2009) ، وتتراوح مهامهم بين توفير الحماية الأمنية والقيام بالمهمات القتالية وما بينهما من مهام شتى.
يتسلّح المرتزقة في العراق (بأحدث التجهيزات العسكريّة إضافة إلى المركبات المصفحة رباعية الدفع، وطائرات مروحية، وأجهزة كومبيوتر متطورة جداً، وكذلك تسخير الأقمار الصناعيّة في خدمة تحركاتهم وإرشادهم نحو أهدافهم، وهذه في حقيقتها مهام تناط بالجيوش النظامية، وليس بالشركات العسكرية والأمنية الخاصة وعناصرها المرتزقة، مما يزيل الحدود الفاصلة بين ما هو مدني وما هو حربي في عمل هذه الشركات) ، وهو ما يجعلها قادرة على خوض معارك قتالية متكاملة مع فصائل المقاومة في العراق كبديلٍ مؤهلٍ عن الجيوش النظامية، وهي سياسة أمريكية اعتُمدت بعد نهاية الحرب الباردة، بسبب حاجة المشروع الأمريكي الكوني إلى نشر قوات عسكرية بحجم يفوق الإمكانيات المتوفرة، مما سيزيد من الحاجة إلى استعانة القوات الأمريكية بالمرتزقة على نطاق واسع مستقبلاً.
إضافة إلى تلك المهام الموكلة بالمرتزقة، تحتاج القوات الأمريكية بعد انسحابها إلى خدمات المرتزقة أكثر من حاجتها إليها قبل الانسحاب، فهي بحاجة إلى تأمين حماية المؤسسات الاقتصادية الأمريكية كالاستثمارات في مجالات النفط والإعمار وغيرها، وحماية المنشآت المدنية والسياسيّة كالسفارة الأمريكية والقنصليات التابعة لها من استهداف المقاومة لها، أو حتى من ميليشيات الأحزاب السياسيّة وفق أجندات الجهات الراعية، إضافة إلى مهام إثارة الفوضى الداخلية، كالحرب الأهلية ساعة ترى الولايات المتحدة ما يخدم مصالحها من إشاعتها، والاستمرار في الحرب على الإرهاب دون الحاجة إلى وجود قوات عسكرية نظامية من حيث العدد والقدرات التسليحية، إذْ إنّ تلك (الشركات تمتلك أسطولاً من طائرات الهليكوبتر، وإنّ لهذه الشركات تحالفات مع بعض العشائر المحلية، وتشير الإحصائيات إلى وجود أكثر من عشرين ألف مرتزق في العراق عام 2004، تزايد إلى مائة وعشرين ألفٍ عام 2006، وأنّ وجودهم الآن أصبح واضحاً في العراق حيث يتجولون بعربات مدرّعة، وكثير منهم مدجَّجٌ بأسلحة قتال بالغة التقدّم، وقد شَكَّلت بعض الشركات العسكرية والأمنية الخاصة قوات للردِّ السريع، بل ووحدات مخابرات خاصّة بها تصدر يومياً تقاريرها الاستخبارية التي تعتمد فيها على خريطة تواجدها في المناطق الساخنة) ، وقد طوَّرت قوات الاحتلال مهام المرتزقة في العراق بشكل لا سابق له في عمل الشركات العسكرية والأمنيّة الخاصة، وفي الجيش الأمريكي على حدٍّ سواء.
إنَّ وجود أعداد كبيرة من المتعاقدين الأمنيين سيحلون محل القوات الأمريكية المغادِرة يقيمون في قواعد عمل ثابتة ، تتوفر لهم فيها مساكن ومحلات ترفيه وأسواق للتبضع، أشبه ما تكون بمدن صغيرة، تثير الخشية من تحولها إلى شكلٍ من أشكال الاستعمار الطويل شبه الاستيطاني، خاصةً بعد الخروج النهائي والاعتماد الكلي عليهم في مجالات حماية الشخصيات الأجنبية، والشركات الاقتصادية، والمنشآت المدنية الأخرى، وحاجة الشركات الأجنبية إلى تعيين عدد كبير من الموظفين العاديين في المجالات الإدارية والفنية، ومع احتمالات عدم الاستقرار الأمني في العراق لأمدٍ طويل، فإنّ هذه الشركات الربحية لابد لها أنْ تستعين بموظفين فنييِّنَ أو عاديين بالتعاون مع شركات استجلاب المتعاقدين الأمنيين قبل الانسحاب الأمريكي، وهؤلاء سيكونون بمثابة عصابات منظّمة ستأخذ على عاتقها مَهمَّة الحفاظ على المصالح الأمريكية، والحلول البديل كوكلاء عن المستفيدين الأمريكيين في تلك المجالات الربحية المغرية.
إنّ ذلك التداخل سيؤدي إلى مزيد من الفوضى بما يعنيه من اختلاط في الوسط الاجتماعي، وتَشَكُّل علاقات متداخلة في جوانب اقتصادية تعمِّقها مصالح ليس من اليسير تفكيكها، أو إرغامهم على التنازل عنها، مما سيدفع باتجاه التمسك بها وتطويرها، بلْ والقتال دفاعاً عنها في ظل عدم وجود قوات عراقية تضاهي قوتهم وتسليحهم المتطور، قياساً إلى تسليح القوات العراقية، بما فيها الجيش العراقي الجديد الذي سيقتصر تسليحه على سدِّ الحاجة الأمريكية في المواجهة مع الإرهاب ومهمات أخرى، باستثناء حماية سيادة العراق من التدخلات الأجنبية، وعلى العكس من الاهتمام بتدريب وتسليح القوات الأمنيّة، وقوات العمليات الخاصة العراقية لمهام أمريكية في الحرب على الإرهاب، لمْ تُبدِ القوات الأمريكية اهتماماً كافياً بتسليح مدرّع أو قوات جويّة او بريَّة قادرة على صدِّ العدوان الخارجي ، أو الدفاع عن البلد في مواجهة التهديدات المعلنة لأيِّ هجومٍ عسكري احتلالي لملء الفراغ مستقبلاً ، والقرار الأمريكي غير المعلن في الإبقاء على وجود جيش متدني القوّة، يعكس رغبات إيرانية وخليجية وإسرائيلية، بل رغبةً كرديةً عراقيةً في المقام الأول.
المرتزقة والقانون الدولي الإنساني
تعارفت الأمم على أنّ القانون الدولي الإنساني، وقانون حقوق الإنسان هما (مجموعتان من القوانين المتميزة ولكنها متكاملة. ويسعى كل من القانونين إلى حماية الأفراد من الأعمال التعسفية والإساءة. فحقوق الإنسان ملازمة للطبيعة البشرية، وتحمي الفرد في كل الأوقات، أوقات الحرب وأوقات السلم. أما القانون الدولي الإنساني فيطبق في حالات النزاع المسلح فقط، ومن ثم فإن قانون حقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني يطبقان بطريقة متكاملة في حالات النزاع المسلح) .
تعرِّف اللجنة الدولية للصليب الأحمر القانون الدولي الإنساني بأنه (مجموعة القواعد الدولية الموضوعة بمقتضى معاهدات أو أعراف، والمخصصة بالتحديد لحل المشاكل ذات الصفة الإنسانية الناجمة مباشرة عن المنازعات المسلحة الدولية أو غير الدولية، والتي تحد ـ لاعتبارات إنسانية ـ من حق أطراف النزاع في اللجوء إلى ما يختارونه من أساليب أو وسائل للقتال، وتحمي الأشخاص والممتلكات) .
يشكِّل القانون الدولي الإنساني جزءاً من القانون الدولي الأساسي، الذي هو مجموعة القواعد التي تحكم العلاقات بين الدول، وبنود القانون الدولي الإنساني مضَمَّنَةً في الاتفاقيات الموقعة بين الدول سواء كانت اتفاقيات أو معاهدات، وكذلك في القواعد العامة والقوانين العرفية، والتي تُصبح ملزِمة قانوناً بحكم ممارسة الدول لها.
إنّ القانون الدولي يفرض على الدول احترام القانون الدولي الإنساني، ومساندة العمل الإنساني، أثناء الحروب والنزاعات المسلحة والحروب الأهلية، على اعتبار أن القواعد والمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني هي (مجموعة من القيم التي يقبلها المجتمع الدولي في جميع أنحاء العالم) ، وقد تعزّزت تلك المفاهيم بصورة خاصة بعد القرار الذي اتخذه المؤتمر البرلماني الدولي السادس والسبعون في بوينس آيرس في 11 تشرين الأول 1986، بشأن إسهام المجالس النيابية في تطبيق القانون الدولي الإنساني.
من وجهة النظر القانونيّة، فإنّ المرتزقة يخرجون عن نطاق التعريف الوارد في البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف وغيرها من المعاهدات ذات الصلة حول تعريف المقاتلين وتمييزهم عن غيرهم من المرتزقة، ويُحرمون من التمتع بوضع المقاتل أو أسير الحرب، كما نصت عليه اتفاقيات جنيف في 12 آب 1949 بالمادة 47 من ملحق البروتوكول الأول الإضافي المتعلق بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة ، وتؤكد اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر على جواز ملاحقتهم قضائياً في حالة ارتكابهم جرائم تنمّ عن عدم احترامهم القانون الدولي أثناء النزاعات المسلّحة.
يفتقر المرتزقة في حقيقة الأمر لأيّة شرعية قانونية، أو حق مكفول بممارسة عملهم الذي تغلب عليه صفة الإجرام، مما ينفي أية ذريعة أو صفة قانونية تسوغ نشاطاتهم في العراق، باستثناء الأمر الإداري رقم 17 الذي أصدره الحاكم المدني لسلطة الائتلاف السفير بول بريمر، منتهكاً بذلك معاهدة جنيف الدولية حول النزاعات المسلحة التي تعتبر المتعاقد الأمني فاقداً لأيّة شرعية تؤهله حمل السلاح وممارسة مهام أمنية في أرضٍ تحتلها دولة أخرى، وهو ما يصنَّفهم ضمن المرتزقة (كمقاتلين غير شرعيين لا ينتمون لأية قوات نظامية عسكرية أو أمنية، وهؤلاء لا تسري عليهم الواجبات ولا يتمتعون بالحقوق التي تمنح للقوات النظامية في حالات وقوعهم في الأسر، أو قتل أحد رعايا الدولة المحتلَة، وهي جريمة قتل يُحاسَب عليها طبقاً للقوانين الدولية)، كما أفاد قائد القوات الخاصة الأسترالي، ومستشار قائد القوات الخاصة الفرنسي .
الجدل الدائر حول المرتزقة وطبيعة مهامهم، والأعمال التي يقومون بتنفيذها لصالح هذه الشركة أو تلك الحكومة، إنما ينحصر في مدى امتثالهم للقانون الدولي الإنساني، وعدم عرقلتهم العمل الإنساني في النزاعات المسلحة، ويشكّل المدنيون أغلب ضحايا تلك النزاعات المسلحة بين قوات الاحتلال وأبناء البلد المحتل، وهؤلاء المدنيون يمارسون نشاطاتهم المسلحة وغير المسلحة، بالاستناد إلى حقهم المشروع في الدفاع عن النفس ومقاومة تلك القوات المعتدية التي انتهكت القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، بارتكابها جريمة الاعتداء العسكري على حياة مواطني البلد المحتل وممتلكاتهم ومدنهم وقراهم وثرواتهم، وحقهم المشروع في الحياة والعيش بأمان.
لقد كفل ميثاق الأمم المتحدة في المادة 51 (الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة) ، وألزم مجلس الأمن (اتخاذ التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين أو إعادته إلى نصابه) كأحد مقاصد الأمم المتحدة، كما ألزمت اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب (طرف النزاع الذي يكون تحت سلطته أشخاص محميون مسؤول عن المعاملة التي يلقونها من وكلائه) ، والولايات المتحدة مسؤولة قانونياً بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 1546 وولايتها على العراق عن حفظ الأمن والاستقرار في العراق وحماية المدنيين العراقيين من انتهاكات الأفراد العاملين في الشركات العسكرية والأمنية الخاصة التي تعاقدت معها للعمل في العراق ، وهؤلاء يمارسون مهام أمنية في أراضٍ محتلة ويحملون السلاح بصفة غير شرعية، لذا يتم تصنيفهم كعناصر مرتزقة تتحمل الولايات المتحدة، كإحدى الدول المتعاقدة معهم بصفتها دولة احتلال، مسؤولية الانتهاكات المرتكبة في العراق .
يشوب القانون الدولي غموض واضح بخصوص مسؤولية المرتزقة، أو الدول التي تستعملهم لتحقيق غاياتها وأهدافها عن التجاوزات والانتهاكات التي يرتكبونها، وإمكانية مثولهم أمام القضاء في الدول التي ارتكبوا فيها تجاوزاتهم وانتهاكاتهم، كما أنّ النظام القضائي في مناطق النزاعات عادة يكون متردياً إنْ لمْ يكنْ غائباً، وهو ما يثير قلق المواطن الضحية والجمعيات الحقوقية والقانونية، وكذلك المنظمات والهيئات التي تهتم بحقوق الإنسان وتحرص عليها، بخصوص تواطؤ الدول المتعاقدة مع المرتزقة، كالولايات المتحدة والحكومة العراقية، لإفلات الجناة من العقاب ، وكذلك لصعوبة معرفة سلوك المرتزقة نتيجة التعمد في عدم تقديم الشركات التي يعملون فيها، تقارير مفصلة ووافية، إلى الحكومات أو المنظمات الإنسانية في بلدانهم الأصلية أو التي يعملون فيها.
أوجب القانون الدولي الإنساني على الدول التي تستقدم الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، مسؤولية احترام القانون الدولي الإنساني وكفالة هذا الاحترام، وكذلك على الدول التي أنشأت تلك الشركات على أراضيها أو تعمل فيها، والضغط على الشركات باتجاه (حظر أنشطة معينة، كالاشتراك المباشر في العمليات العدائية ما لم تكن الشركة مدمجة في القوات المسلّحة، وفرض حصولها على ترخيص بممارسة نشاطها استناداً إلى الوفاء بمعايير منها تلبية شروط معينة، كتدريب الموظفين في مجال القانون الدولي الإنساني، والحصول على تصريح لكلّ عقد وفقاً لطبيعة الأنشطة المقترحة والوضع القائم في البلد الذي سوف تعمل فيه الشركة، مع تحديد عقوبات ضدّ من ينتهك هذه الشروط، أو ليس لديه تصريح .
من أجل ضمان احترام موظفي الشركات العسكريّة والأمنية الخاصّة للقانون الدولي الإنساني، وحسب روح القانون، فإنّه يتعيّن عليهم احترامه ومواجهة المسؤولية الجنائية عن أيّ انتهاكات يرتكبونها، ويسري ذلك سواء كانوا مستخدمين من قبل دولة، أو منظمات دوليّة، أو شركات خاصّة أو غيرها، ويتوجب (إجراءات للتدقيق في تعيين الموظفين وتوفير التدريب المناسب في مجال القانون الدولي الإنساني، وإتباع إجراءات العمل الموحدة، وقواعد الاشتباك المطابقة للقانون الدولي الإنساني مع اتخاذ تدابير تأديبية داخلية) ، وهم يشكلون خطرا يهدد سلام الشعوب وأمنها وحقها في تقرير المصير، وعقبة تعوق تمتع الشعوب بحقوق الإنسان، بصرف النظر عن طريقة استخدامهم، أو الشكل الذي يتخذونه لاكتساب بعض مظاهر الشرعية، فاستخدام المرتزقة وتجنيدهم وتمويلهم وتدريبهم (أمور تثير قلقا شديدا لدى جميع الدول وتشكل انتهاكا للمقاصد والمبادئ المكرسة في ميثاق الأمم المتحدة) .
على الرغم من أن اتفاقيات جنيف الخاصة بتحريم التعامل مع المرتزقة باعتبارهم عصابات تحترف الجريمة من أجل المال، إلاّ أنّ الإدارة الأمريكية أبرمت عقوداً غير خاضعة لقانون حرية المعلومات الأمريكية مع العديد من الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، مثل شركة (داني كورب) الأمريكية المتورطة في فضائح التعذيب وتجارة الرقيق، والتي تولت مهمة *** المرتزقة ونقلهم إلى منطقة البلقان في البوسنة عام 1998، حيث ارتكب هؤلاء جرائم إبادة جماعية ضد مسلمي البوسنة، تَمّ اتهام الصرب بها دون دليل، وهذه الجرائم كانت إحدى الأسباب التي مهدت لتقسيم يوغسلافيا في نهاية المطاف إلى جمهوريات صغيرة، وهو ما يخشى تكراره في العراق مع استمرار القتل اليومي بأساليب يكتنفها غموض حول الجهة التي تقف وراءه، إذْ إنّ استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني، يوفر لتلك الشركات مجالاً رحباً لجني المزيد من الأرباح الخيالية لها وللمسؤولين في حكومة الولايات المتحدة، والحكومة العراقية، على شكل عمولات سرية تدفعها لهم الشركات الفائزة بالعقود، وهو يعني المزيد من الحرص على إطالة حالة انعدام الاستقرار الأمني لأطول أمد زمني ممكن.
في العراق، تَمّ منح الحصانة لكافة (المرتزقة) المتعاقدين مع الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، العاملين لحساب القوة المتعددة الجنسيات، حسب قرار سلطة الائتلاف بالأمر الإداري رقم 17 الذي لا يعطي القانون العراقي حقّ إخضاعهم لأيّة ملاحقات قضائية بشأن تصرفاتهم وانتهاكاتهم وجرائمهم، وهو القرار الذي أصدره الحاكم المدني السفير بول بريمر في 26 حزيران 2004، قبل أيام من موعد نقل السيادة للعراقيين التي كان مقرراً لها أن تكون في 30 حزيران 2004، والذي تَمّ بموجبه تجريد الحكومة العراقية من أيّة سلطة على أفراد قوات الاحتلال أو أفراد الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، ومنحهم الحصانة ضد المثول أمام القضاء العراقي، فيما يحق للقوة المتعددة الجنسيات احتجازهم أو اعتقالهم، وهو ما تشدد عليه البنود السرية الملحقة بالاتفاقية الأمنية التي لا تعطي الحق (للحكومة العراقية ولا لدوائر القضاء العراقي محاسبة قوات الاحتلال الأمريكية وأفرادها، ويتم توسيع الحصانة حتى للشركات الأمنية والمدنية والعسكرية والإسنادية المتعاقدة مع الجيش الأمريكي) ، كما إن الاتفاقية الأمنية لا تشير إلى إلغاء حصانة المتعاقدين الأمنيين في العراق، مما يعني استمرار شرعية الأمر الإداري رقم 17 الذي سيبقى (ساري المفعول طالما أن الحكومة العراقية لم تعدل القانون بقانون واضح آخر)، كما يقول الخبير القانوني السابق في وزارة الخارجية الأميركية، أستاذ القانون الدولي في واشنطن بول وليامز الذي يضيف بأنه (يمكن للعراق أن يجري هذا التعديل. إلا أن مثل هذا الإجراء قد يثير اعتراضا من الولايات المتحدة التي تحتاج إلى عناصر أمن خاصين. ويقول، لو كانت الشركات الأمنية لا تتمتع بهذه الحصانة، لما كانت موجودة في العراق) ، وهو ما يفند مزاعم الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي أعلن انتهاء المهمات القتالية في العراق، ورفع الوصاية الأمريكية عنه كأيّ بلدٍ سيدٍ مستقلٍ وحرّ في رسم مستقبله .
الأمر الإداري رقم 17 الذي سبق وأن أشرنا له، أعطى الحصانة القانونية لقوات الاحتلال والموظفين الدبلوماسيين والمقاولين العاملين لديها أو لدى البعثة الدبلوماسية، وهو من الإجراءات المعطلة لسيادة العراق واستقلالية القانون الجنائي العراقي العريق، في ذات الوقت برأ ساحة الحكومات العراقية، التي عينتها قوات الاحتلال، من الحقوق المكفولة إنسانياً وقانونياً للمواطنين العراقيين الأبرياء الذين سقطوا ضحايا إجرام تلك الحكومات، لأسباب تتعلق بممارستهم حقهم المشروع أممياً في رفض الاحتلال الأجنبي، ومقاومة قواته المعتدية التي تحتل بلدهم، أو لأسباب تتعلق بالسياسات التي تحكم سلوك تلك الحكومات، باستهداف أرواح وممتلكات ومناطق الآخرين على أسس الهوية الطائفية والعرقية، وفيما تعدُّ قوات الاحتلال صاحبة القرار والسلطة الأمنية في العراق، فإن المسؤولية القانونية تقع أيضا على الحكومة العراقية التي استقدمت تلك الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، وهي مسؤولة (مسؤولية مباشرة عن سلوك تلك الشركات، كأيِّ بلد من البلدان التي تلجأ إلى خدمات القطاع الخاص في المجال الأمني) .
على الرغم من أنّ جنوداً نظاميين مثلوا أمام محاكم عسكرية أمريكية أو بريطانية لمقاضاتهم بشأن الجرائم التي ارتكبوها في العراق، نؤكد أنّ لا أحد من المرتزقة خضع لأيّ شكل من أشكال الملاحقات القضائيّة ، في حين يتوجب أنْ يترك الأمر إلى القضاء العراقي، وفي كلّ الأحوال فإنّ عدم ملاحقتهم قضائيا كفيل بإزالة أيّ تردد يردعهم عن ارتكاب المزيد من جرائم القتل التي هي أصلا استجابة لنزعة القتل المتجذرة في دواخلهم كمجرمين محترفين، وبكلام آخر فإن أمر السفير بول بريمر هو دعوة للقتل العلني دون عقاب، وهذه الدعوة كفيلة بإزالة حالة الحذر والخشية لدى عنصر الإرتزاق من العواقب التي يمكن أن تترتب عليه جراءَ تجاوزاته وانتهاكاته وجرائمه في حال عدم منحه الحصانة القضائية أو تجريده منها، أو على الأقل عدم إعفائه والدول التي استأجرته من التزاماتها في ظل القانون الدولي الإنساني التي قبلت به الشركات التي يعمل فيها، وهي مسؤولة عن تعريف المرتزقة بمضمون القانون الدولي الإنساني وتطبيقه ، كما هي مسؤولة عن منع كل ما من شأنه أن يشجعهم على ارتكاب المزيد من التجاوزات على حقوق الإنسان، طالما أنها استخدمتهم كمتعاقدين من القطاع الخاص لتنفيذ مهمات عسكرية أو أمنية .
أقرّت اتفاقية جنيف الرابعة حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، أو في حالات ممارسة الشعوب لحقها المكفول في تقرير مصيرها، كما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة والإعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي ، والمواطنون العراقيون محميون بموجب اتفاقيات جنيف الرابعة المؤرخة في 12 آب 1949 بمادتها 29 المتعلقة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب والتي تنص على أن (طرف النزاع الذي يكون تحت سلطته أشخاص محميون مسؤول عن المعاملة التي يلقونها من وكلائه دون المساس بالمسؤوليات الفردية التي يمكن التعرض لها) .
إنّ حكومة الولايات المتحدة التي انتهكت القانون الدولي بقيادتها القوات المتحالفة، التي غزت العراق واحتلته دون تفويض أممي، مسؤولة عن الإسهام في حفظ الأمن في العراق وحمايته، كما جاء في رسالة السيد كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة إلى رئيس مجلس الأمن في 5 حزيران 2004، (استجابة لطلب حكومة العراق استمرار وجود القوة المتعددة الجنسيات في العراق، وفي أعقاب المشاورات مع رئيس وزراء الحكومة العراقية المؤقتة إياد علاوي، اكتب إليكم لأُؤكد أن القوات المتعددة الجنسيات مستعدة تحت قيادة موحدة أن تواصل الإسهام في حفظ الأمن في العراق، بما في ذلك عن طريق منع الإرهاب وردعه، وحماية إقليم العراق)، وكان السيد إياد علاوي رئيس وزراء الحكومة العراقية الانتقالية المعيَّن حينها قد ضمَّن طلب حكومته المؤقتة تجديد ولاية القوة المتعددة الجنسيات لحفظ الأمن في العراق في رسالة بعث بها إلى رئيس مجلس الأمن في 5 حزيران 2004 أيضا جاء فيها:
(إننا نطلب قرارا جديدا بشأن ولاية القوة المتعددة الجنسيات يسهم في حفظ الأمن في العراق، وتطلب الحكومة أن يستعرض مجلس الأمن ولاية القوة المتعددة الجنسيات، بطلب من الحكومة الانتقالية للعراق) ، وبناءً على ما ورد اتخذ مجلس الأمن القرار 1546 في 8 حزيران 2004 الذي استجاب للطلب العراقي بتجديد ولاية عمل القوة المتعددة الجنسيات ملزما إياها بالعمل على صون الأمن وحماية العراق، ومشددا على الالتزامات المقررة بموجب القانون الدولي الإنساني، (وإذ يحيط علما بالتزام جميع القوات العاملة على صون الأمن والاستقرار في العراق بالتصرف وفقا للقانون الدولي، بما في ذلك الالتزامات المقررة بموجب القانون الإنساني الدولي) ، معتبراً أن وجود القوة المتعددة الجنسيات في العراق جاء بناءً على طلب الحكومة المؤقتة، مما يعني مسؤولية الحكومة العراقية رسمياً عن الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها تلك القوات بما فيها عناصر شركات المرتزقة.
بموجب القانون الدولي الإنساني، يشير مجلس الأمن في قراره (إلى أنّ وجود القوة المتعددة الجنسيات في العراق هو بناءً على طلب الحكومة المؤقتة المقبلة للعراق، ولذا فانه يعيد تأكيد التفويض الممنوح للقوة المتعددة الجنسيات المنشاة تحت قيادة موحدة بموجب القرار 1511 لعام 2003 ) ، كما منح القرار القوة المتعددة الجنسيات (سلطة اتخاذ جميع التدابير اللازمة للمساهمة في صون الأمن والاستقرار في العراق وفقا للرسالتين المرفقتين بهذا القرار اللتين تتضمنان في جملة أمور، الإعراب عن طلب العراق استمرار وجود القوة المتعددة الجنسيات وتبيان مهامها، بما في ذلك عن طريق منع الإرهاب وردعه) .
قد يكون من الصعب محاكمة المرتزقة أو عناصر الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، كون أنّ مسرح جرائمهم يقع خارج أراضي الدول التي تمّ تسجيل الشركات فيها، وبالتالي فإنّ محاكم أغلب هذه الدول لا تمتلك اختصاصات خارج حدودها الإقليمية، وبموجب القانون الدولي الإنساني فإنّ عناصر الشركات العسكرية والأمنية الخاصة يفقدون حمايتهم قانونياً في حال (قيامهم بأعمال تعدّ بمثابة اشتراك مباشر في العمليات العدائية ، أمّا إذا وقعوا في الأسر فلا يحقّ لهم التمتع بالوضع القانوني كأسرى حرب، وتجوز محاكمتهم لمجرد مشاركتهم في العمليات العدائية حتّى لو لم يكونوا قد ارتكبوا أيّة انتهاكات للقانون الدولي الإنساني) ، هذا ما يقوله القانون الدولي الإنساني، وهو خلاف واقع العلاقات بين القوات النظامية في العراق وبين المرتزقة، حيث لا يسأل المرتزقة عن جرائمهم ضد العراقيين، مما يستدعي التفكير الجاد في إيجاد هيئة أو منظمة دولية متخصصة، ترتبط بإحدى المنظمات الدولية الاعتبارية المحترمة، أو بمحكمة العدل الدولية، وتكون تلك الهيئة أو المنظمة ذات صبغة إنسانية قانونية تصدر أحكاما وعقوبات ملزمة لجميع دول العالم، ومن دون استثناء الدول التي ترفض التوقيع على الكثير من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمحاكم جرائم الحرب، أو الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة البشرية، وتناط بها أيضا مهمة الرقابة والتدقيق في سجلات الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، وتتمتع بصلاحيات تمكنّها من مقاضاة أي مرتزق يرتكب انتهاكا ضد المدنيين في أي مكان في العالم، وإيجاد آليات سحب تراخيص الشركات التي يعملون فيها وفق ضوابط يتم تحديدها، من بينها تكرار انتهاكات عناصرها، وبكلام آخر، يمكن أن يتم مؤقتا تكليف إحدى المنظمات التابعة للأمم المتحدة بتشكيل محكمة دولية مستقلة تختص بمحاكمة المرتزقة أو الشركات العسكرية والأمنية الخاصة على انتهاكاتهم للقانون الدولي الإنساني.
تلزم اتفاقيات جنيف الجيوش أثناء الحروب التمسّك بالقانون الدولي من قبل الجيوش المتحاربة، وحماية المدنيين العزّل، وفي حال وقوع إحدى الدول المتحاربة تحت الإحتلال فإنّ المسؤولية الأمنية في الأراضي المحتلة تقع على عاتق القوات النظامية لقوات الإحتلال وحدها، وتتحمّل هذه القوات تبعات الاستعانة بالشركات الخاصّة لحماية الأمن، وإنّ إقدام أيّ مسلّح من هذه الشركات على قتل أيّ مواطن يعتبر جريمة يحاسب عليها طبقاً للقوانين الدوليّة، وهو ما يجب العمل بـه في العراق حالياً.
إن معاهدة جنيف حول الحروب تحمل جيش الإحتلال وحده مسؤولية حماية الأمن في الأراضي المحتلة وتعتبر المرتزقة مقاتلين غير شرعيين لا تسري عليهم الواجبات، أو تمنحهم الحقوق المنصوص عليها للأفراد في الجيوش النظامية، وفي العراق فان الأمر الإداري رقم 17 لسلطة الائتلاف أعطى المرتزَق صفة اعتبارية تجعله فوق القانون، وهو يستغل هذه الصفة لتنفيذ ما يخدم سياسات الجهات التي تستعمله، فيما يزيل الأمر الإداري الضمانات القانونية، التي تكفل حقوق ضحايا جرائم المرتزقة.
ترجح اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر الدولي استمرار تواجد الشركات العسكريّة والأمنية الخاصّة في مناطق النزاع حول العالم، أو قد يشهد تزايدها في المستقبل بدافع الحاجة إلى وضع تدابير ضابطة لمثل هذا التواجد، وقد أجرت اللجنة حوارات حول مهام الشركات العسكريّة والأمنية الخاصّة مع بعض الدول، خاصّة تلك التي لديها شركات عاملة مسجّلة على أراضيها، أو تلك التي تستقدم هذه الشركات، وتنشد هذه الحوارات هدفين أساسيين هما (كفالة ممارسة الدول لمسؤوليتها إزاء عمل الشركات العسكريّة والأمنية الخاصّة، وتشجيعها على اتخاذ تدابير ملائمة لضمان احترام القانون الدولي الإنساني) .
لطالما أشارت المحكمة الفيدرالية الأمريكية، إلى عدم وجود ما يخولها قانونياً مساءلة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة على جرائم عناصرها أو التحقق من قانونية الثروات الطائلة التي تجنيها هذه الشركات، ومشروعيتها ومصادرها والتحقق من مدى تجاوزها للقوانين الدولية واتفاقيات جنيف الخاصة بلاقانونية التعامل مع المرتزقة كمجرمين ينفذون عمليات قذرة، ترى قوات الإحتلال ضرورتها، لكنها لا تنفذها بواسطة جنودها.
كان تحقيقاً أجراه الجيش الأمريكي، ضد متعاقد مع شركة ايجيس للخدمات الأمنية أطلق النار على سيارات مدنية، أوصى بعدم توجيه أية تهمة، ووجد التحقيق الذي أجرته الشركة، أنّ الحادث لا يتنافى مع القواعد المتبعة بشأن استخدام القوة من قبل الأفراد المدنيين العاملين في هذه الشركات، علماً أنّ الجيش لم يطلق التحقيق إلا بعد أن ظهر شريط فيديو على الإنترنت، يصور عملية إطلاق النار على السيارات المدنية في العراق بشكل عشوائي، وبعيدا عن إجراءات الجيش الأمريكي، أو شركة ايجيس، فإن عمل المرتزقة يتم بعلم البنتاغون والحكومة البريطانية في بعض الحالات، وبحصانة تكفل لهم عدم المساءلة أمام القضاء أو الكونغرس الأمريكي، وهو ما دعى منظمة (وور اون وونت) إلى (مطالبة الحكومة البريطانية بشكل عاجل لاعتماد تشريع صارم لمنع استخدام المرتزقة في النزاعات) ، إلاّ أنّ القائد الأمريكي السابق الجنرال داوننينج أقرَّ بوجود فرق موت تسمى (شرطة خاصة) تقوم بعمليات ضرب المقاومة العراقية، واعتبر عملها (تكتيكا شرعيا وفعالا منذ بداية الحرب على العراق) ، هذا مثال بسيط على العجز الذي يعاني منه ذوو الضحايا الذين سقطوا على أيدي عناصر المرتزقة العاملين في الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في استحصالهم حقوقهم والتعويضات القانونية المستحقة، نتيجة الإصرار الأمريكي على عدم احتساب أولئك العاملين ضمن المرتزقة في انتهاك صارخ للقوانين الدولية والاتفاقيات التي حددت النشاطات التي يمارسها المتعاقدون الأمنيون والتمييز بينهم وبين المرتزقة.
كما ورد في مقدمة البحث، فان جميع العاملين الذين تعاقدت معهم الولايات المتحدة للعمل في العراق من موظفي الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، هم مرتزقة بكل المعايير، مما يوجب على المنظمات والهيئات الدولية الاضطلاع بمسؤوليتها في ملاحقة ومحاسبة أولئك العاملين، والجهات التي استقدمتهم إلى العراق، سواء كانت تلك الجهات حكومة الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها أم الحكومات العراقية التي تعاقبت على حكم العراق منذ غزوه واحتلاله في نيسان 2003. *مركزبغداد للدراسات والاستشارات كانون الثاني 2011