المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيفية تشكيل الوعي الإسلامي


عبدالناصر محمود
03-09-2016, 08:49 AM
كيفية تشكيل الوعي الإسلامي*
ــــــــــــــــ

29 / 5 / 1437 هـ
9 / 3 / 2016 م
ــــــــــ

http://taseel.com/files/5243af388b676129ba92058ec2536c1f.png












الحديث عن الكيفية في عملية ما يجرنا للحديث عن عدة أمور، هي: المراحل، والوسائل، والأساليب، والآليات، والمعنيين بالأمر أو المستهدفين به. فهي جميعا تدخل ضمن معنى الكيفية التي تتعلق بإنفاذ الأمر على النحو المطلوب. وهنا سنتناول هذه المحاور الأربعة بشيء من الإيجاز والاختصار بحسب ما يسمح به المجال.
أولا: المراحل:
أي وعي جمعي يتكون عبر ثلاثة مراحل:
مرحلة الوعي البسيط الجزئي.
مرحلة الوعي البسيط الشامل.
مرحلة الوعي المركب الشامل.
فالمرحلة الأولى هي مرحلة الوعي بالذات: وفيها يتشكل الوعي بالذات كشيء مستقل عن الآخرين، وفي العادة يأتي هذا الوعي في إطار جمعي له نفس الخصائص والسمات الفكرية والشعورية والسلوكية، بحيث تمثل هذه الخصائص عامل ربط وانسجام بين أفراد جماعة أو أمة ما، وعامل تميز عن الغير المخالف لهذه الخصائص والسمات.
وهنا يمكن أن نشير إلى الإشكاليات التي وقعت فيها التيارات الإسلامية في تحديد طبيعة ذاتها إزاء المجتمع، فهناك من رأى أنه جزء من المجتمع المسلم، وهناك من رأى أنه شيء منفصل داخل المجتمع، وآخرون رأوا أنفسهم شيء بديل عن المجتمع القائم. وهذا الوعي هو الذي جعل مواقف التيارات الإسلامية تتباين في تعاملها مع المجتمع والواقع.
المرحلة الثانية هي مرحلة الوعي بالبيئة المحيطة والظروف الحالية: وهذه مرحلة تالية للمرحلة الأولى وانعكاس لها، فإن الإنسان عادة ما يرى بيئته ويقيم أوضاعه من خلال الجماعة التي ينتمي إليها بخصائصها وسماتها، وإذا كانت هذه الجماعة لدى البعض تتمثل في الأسرة أو القبيلة إلا أنها تتمثل كذلك في المذاهب الدينية والفكرية والسياسية في مراحل متقدمة من الانتماء الأوسع.
وكلما زاد وعي الجماعات والتيارات الإسلامية ببيئاتها ومحيطها وظروفها كلما زاد اندماجها وتكيفها مع المجتمع لإيصال رسالتها بعيدا عن الانعزال والانزواء والرؤى الفوقية المثالية. وهي مرحلة نشأت مع بروز وسائل الإعلام والانفتاح الثقافي والاجتماعي مع مطلع تسعينيات القرن الماضي، حيث أصبح نشر الأفكار وتداولها وتواصل المجتمعات سهلا وميسرا. وقد استفادت منها الجماعات والحركات الإسلامية التي رأت في نفسها جزءا من المجتمع لا بديلا عنه. كما أن الجماعات التي كانت ترى ذاتها شيئا منفصلا فقدت بعض بريقها ما اضطرها لمراجعة أفكارها وأدبياتها.
المرحلة الثالثة هي مرحلة الوعي بالعالم وحركة التاريخ: وهذه المرحلة من الوعي تأتي عقب المرحلتين السابقتين، شريطة أن يسمو المرء في انتمائه إلى ما هو أبعد من الانتماء الفئوي، إلى الأفق الفكري والسياسي بشكل عام. وفي هذه المرحلة يكون الوعي عميقا ومركبا حيث يبتعد المرء عن السطحية والرؤية الضيقة التي نشأ عليها. وهذه المرحلة هي التي فرضتها حالة ثورات الربيع العربي على الحركات الإسلامية وهي تؤسس لواقع جديد بكل تعقيداته وتشابكه وتقاطعاته، في حين بات التيار الإسلامي متصدرا للمشهد سياسيا وإعلاميا وفكريا وحركيا.
وأي قصور نشأ لدى أي حركة أو جماعة أو تيار إسلامي خلال مرحلة ما انعكس بالضرورة على أدائها في المرحلة التالية. ولذلك فما يجري أحيانا من تخبط وانتكاسة للأداء الإسلامي هنا وهناك هو نتيجة لهذا الخلل المستصحب من مرحلة سابقة. صحيح أن هناك من استوعب التغيرات والمنعطفات بشكل سريع لكنه ظل متأثرا بالثغرات التي جرى القفز عليها في تشكيل الوعي الجمعي للحركة أو الجماعة أو التيار.
ثانيا: الوسائل:
تتنوع وسائل تشكيل الوعي في العصر الحديث، نظرا لكثرة وسائل النشر والإعلام والتثقيف، وهي تتوزع ما بين وسائل متاح امتلاكها للتيارات الإسلامية وبين وسائل هي ملك للسلطة. ومن الوسائل المتاحة:
وسائل الإعلام المرئية والسمعية: التي باتت مؤثرة وحاضرة في المجتمع بقوة. ما يفرض على الحركات والجماعات الإسلامية امتلاكها والدخول فيها بمهنية وفنية واحتراف.
الشبكة الإلكترونية: بكل ما فيها من تنوع في مضامينها وخدماتها، حتى باتت مواقع التواصل الاجتماعي هي صاحبة الفضل في توجيه الشارع للثورة.
وسائل النشر الورقي: من صحف ومجلات وكتب، فهي لا تزال مرجعا للفكر والوعي العميق ولا غنية عنها أبدا مهما بدت البدائل.
الأحزاب والحركات السياسية: وهي أطر تجمع الناس لتحقيق مصالح وأهداف جمعية مشتركة في إطار الحراك المجتمعي.
مراكز البحوث والدراسات والتوثيق والمعلومات: وهي مراكز متخصصة تنظر للأمور من منطلق العلم والمعلومة والموضوعية بعيدا عن اللغة الخطابية والأماني الشعورية.
المساجد والمحاضن الدعوية والتربوية: وهي بيئات إيمانية يمكن تشكل الوعي فيها باتزان واعتدال وعلى أساس من التصورات والعقائد والأخلاق الإسلامية الصحيحة.
المنتديات الثقافية والفكرية والصالونات الأدبية والحوارية التي يشارك فيها أبناء المجتمع: ومن شأن هذه المنتديات رفع مستوى التعاطي الفكري والذوق الأدبي لدى المجتمع.
أما الوسائل المملوكة للسلطة والتي ينبغي التأثير فيها من خلال الحضور السياسي:
المناهج التربوية في المؤسسات التعليمية بكافة مستوياتها.
الوسائل الإعلامية والثقافية: من قنوات وإذاعات ومؤسسات بحثية أو ثقافية.
وفي العموم فإن من المهم أن تكون وسائل تشكيل الوعي الإسلامي مشاعة ومفتوحة وقادرة على التدقيق والتحقيق في المعلومة، وقادرة على مناقشة الأفكار والآراء وتقييمها تقيما صحيحا. ما يعني أن لا تظل أحادية التوجيه والتأثير ومحتكرة للحقيقة في وجهة نظر مفردة. لذا يجب أن يكون التواصل باتجاهين: من المرسل إلى المتلقي وبالعكس، وهو ما بات يميز الإعلام التفاعلي اليوم عن غيره من الوسائل التقليدية ذات المسار الواحد (التلقين)!
وهذه ليست دعوة إلى تذويب الهوية الثقافية الإسلامية للمجتمع بقدر ما هي دعوة إلى أن تكون قادرة على هضم ما يفد إليها وما يستجد فيها من أفكار وآراء لاستخلاص النافع المفيد لها. وهذا لا يمكن أن يتم بدون بيئة حرة وموضوعية تتميز بالصدق والعدل والمعرفة والشورى في الأمور.
ثالثا: الأساليب:
هناك أساليب عديدة لتشكيل الوعي في الأمة، وهي قابلة للتجديد والاختيار بحسب البيئة وبحسب الفئة.
وفي العموم فإن تشكيل الوعي الجمعي لا يمكن أن يتم في غيابها:
أسلوب المثال التاريخي: في هذا الأسلوب يتم استدعاء القدوات التاريخية الراسخة في الوجدان والمعرفة لتمثل نوعا من النموذج المنشود في السيرة والنجاح. ولهذا نجد أن القرآن الكريم اهتم بقصص الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- والصالحين ليجعل منها نبراسا للاحقين.
أسلوب التحفيز والاستثارة: وهو أسلوب يقوم على التحدي وإثبات الذات في مواجهة العقبات، ما يعطي الشعوب إيمانا بقدراتها وإمكانياتها ومكنونها الإيجابي. وهذا الأسلوب يتم استخدامه من قبل أصحاب السلطة أو السياسيين في الأزمات أو الصراعات أو الكوارث.
أسلوب بناء القناعات: وهو يقوم على المخاطبة العقلانية والأدلة العلمية من خلال مواقع التعليم أو منتديات الحوار. وهذا غالبا ما تعتمده المؤسسات التعليمية والتربوية والفكرية، وبشكل متدرج عبر مراحل زمنية متوالية. وميزة هذا الأسلوب ديمومة تأثيره وعمق بقاءه.
أسلوب نقل الخبرة: وهو أسلوب تعتمده الشعوب المستجدة على ظروف أو تحديات ما. وهنا يمثل نقل الخبرة إلى بيئة محلية نوعا من المخاطرة التي قد يرفضها البعض، فيتطلب الأمر إلى مقاومة القوى الرافضة وصناعة التغيير بتدرج وحنكة مع بيان الوجه الإيجابي في الموضوع.
والإشكالية التي تواجه التيار الإسلامي عموما هو أنه مطالب بإدارة أساليب تشكيل الوعي بين خصوصية المنضوين إليه وعمومية أبناء المجتمع بكل تبايناتهم الدينية والمذهبية والقومية، خاصة مع الانفتاح والتداخل الذي يتم على الميدان. وهنا يكون من الصعب تعميم أسلوب على آخر، أو اعتماد أسلوب دون غيره، وإنما الجمع بين الأساليب واستخدام كل منها في الإطار الأنسب. وهنا تأتي أهمية التخصص وتوزيع الأدوار أكبر من أي فترة مضت.
فالأحزاب الإسلامية معنية بمهمة تشكيل وعي عام جماهيري، وليس تشكيل وعي خاص لفئة، فخطابها هو خطاب تحت المجهر وموجه بالضرورة لجميع أبناء الوطن، فيجب أن تشكل الوعي السياسي لمجتمع متباين. في حين أن على الجماعات الدعوية الإسلامية تشكيل وعي عام نخبوي لرواد هذه الحركات ومناشطها؛ ليس بالضرورة أن ينفصل عن الوعي الآخر لكنه يختص عنه بقدر من الفهم الأدق والأعمق وفي ضوء الخطاب الدعوي الإيماني.
إن الواقع الذي أعطى الإسلاميين قدرة أكبر وأفضل في المشاركة السياسية عن ذي قبل يجب أن يستغل، وينبغي أن يغتنم. وعليه فمن الضروري أن يتجاوز واقع الأحزاب الإسلامية تمثيل الجماعات الإسلامية إلى تمثيل الأمة بالمفهوم الأوسع دون التخلي عن رسالته الشرعية. وما يجري من ربط للأداء السياسي لهذه الأحزاب بحاضناتها (الجماعات) يكرس حالة الانقسام والتشرذم، ويقزم المشروع السياسي الإسلامي في أدواره ووظائفه ومهامه.
رابعا: المعنيين بتشكيل الوعي:
هناك طرفان في عملية تشكيل الوعي، هما:
القائمين على تشكيل الوعي من النخب الفكرية والسياسية والمثقفة والعلمية.
المستهدفين من وراء تشكيل الوعي.
وهذان الطرفان معنيان بالكيفية، فالأول من جهة أنه هو من سيتولى اختيار الوسائل والأساليب وتحديد المرحلة، والثاني من حيث كونه جزءا من العملية التفاعلية لتشكيل الوعي.
والفريق الأول يتمثل في:
أهل العلم: فبما يؤصلونه ويقعدونه ويؤسسونه من مناهج نظر واستدلال وبحث وتفكير، يؤثرون دون شك في قدرة المجتمع على الوعي. ويسهمون بذلك على وضع أرضية ملائمة للوعي الصحيح. لذا ينبغي إعادة صياغة مفهوم المعلم والعالم وقائد العملية التعليمية صياغة صحيحة في مجتمعاتنا ومحاضننا الدعوية؛ وتقييم الوضع القائم في ضوئها. فهناك خلل واضح في العملية التعليمية يقرُّ به الجميع بدون استثناء، بما في ذلك في أوساط التيارات الإسلامية.
أهل الفكر والرأي: ونقصد بهم أولئك القادرون بما وهبوا من عقل وبما اكتسبوه من خبرة أن يقرأوا الأمور بشكل صحيح، وأن يشكلوا رؤية هادفة ومشروعا واقعيا بصياغة سليمة وحية. وهم على قلتهم لا يزالون غير ممكنين من أدوارهم في ظل صخب التنافس السياسي والجدل الإعلامي. لذا يجب على القوى الإسلامية إعادة المكانة لهؤلاء بعيدا عن أي تعصب أو نكران.
أصحاب القرار والسلطة: كونهم المسئولون عن مخاطبة المجتمعات بحقائق واقعها وما يتصل بها من مخاطر وتهديدات وتحديات. وغالبا ما يسعى أصحاب القرار والسلطة في حال بعدهم عن الدين والمصداقية إلى تزييف الحقائق وإنكار الوقائع وتزييف الأمور. لذا يجب تقديم الأكفاء الأمناء الأقوياء.. بما في ذلك القوة الأدبية لمصارحة الشعوب ومكاشفتها. وعلى القوى السياسية الإسلامية أن تبتعد عن ترشيح شخصيات هزيلة أو مصلحية لمجرد الولاء والتبعية، كما أظهرت الفترة السابقة في بعض دول الربيع العربي!
موجهي الرأي العام من سياسيين وإعلاميين ومثقفين: وميزة هؤلاء أنهم أصحاب لغة بسيطة وعاطفية وكارزما تمكنهم من إيصال الأفكار والآراء بشكل سريع ومباشر ومقبول. وهذا ما يوضح أهميتهم في الوقت المعاصر، وتصارع القوى الفكرية والسياسية لاستقطابهم. ومن المؤسف أن تظل القوى الإسلامية بعيدا عن تربية وتأهيل وتقديم كوادر صالحة في هذه المجالات، خاصة وأن الحرب الشرسة عليهم تتطلب هذا القدر من النخب.
الأسرة: ذلك أنها محل تنشئة النفس السوية، والروح المتزنة، المشبعة بالألفة والرحمة والمودة. فجميع علماء النفس يتفقون على أن غالبية ما يقع من خلل في الشخصية والنفسية يكون منشأه الأساس التربية الأولى التي يتلقاها الطفل من أسرته. لذلك فإن الدول المتقدمة تعطي الأسرة حظها من الخدمات وبرامج الرعاية والحقوق والاهتمام التثقيفي والتأهيلي.
إن نجاح تشكيل الوعي في أي مجتمع يعتمد بشكل أساس على قدرة الفريق السابق من الاتصال بالجماهير وإقناعهم، وهذا يتطلب مهارات متنوعة تتحدد وفقاً لطبائعهم النفسية وخصائصهم الشخصية ومستوياتهم الثقافية والإمكانات المتاحة لهم. ومن هذه المهارات مثلا: المهارات القيادية والإدارية، ومهارات التفكير والتخطيط الإستراتيجي، ومهارات الاتصال والإقناع، ومهارات التفاوض وإدارة الخلاف، ومهارات إدارة الأزمات وحل المشاكل، ومهارات التحليل والنقد السياسي.
إن تشكيل الوعي في الأمة ليست مسألة سهلة ولا هينة. فهي تمتد من حين تكون الفكرة، إلى حين صياغتها، إلى حين الاتصال مع الجماهير وإقناعهم بها وترسيخها في نفوسهم، إلى حين تطويرها معهم وتوظيفهم فيها، إلى حين تجسيدها. مع الحفاظ عليها خلال تلك الفترة مما قد يوجه إليها من طعن وتشويه ورفض، من أن تتراجع أو تسقط أو تنحرف.
وعندما كان على رأس هذه الأمة خيارها دينا وخلقا وعلما كان وعيها بذاتها وحاضرها ومستقبلها إيجابيا ومؤثرا وقويا. ما جعلها رائدة الأمم وصاحبة أكبر حضارة إنسانية تضم أطيافا من المجتمع الإنساني متعدد الأعراق والأجناس واللغات والثقافات.
ومنوط بقادة المسلمين ومفكريها وعلمائها اليوم تصدر المشهد والاتحاد والاجتماع على مشروع إسلامي شامل لبلدانهم، لإعادة ثقة الأمة بأخيارها، ثم لإعادة وعيها إلى سابق عهدها المجيد. فإن خذلوها في هذا الحلم تحملوا وزر ما سيلحق بالأمة من ويلات بات يقدح شررها هنا وهناك.







-------------------------
*{التأصيل للدراسات والبحوث}
____________________