المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكلمة والحس النبيل


جاسم داود
03-30-2012, 03:19 PM
الكلمة والحس النبيل

الذي يدمن القراءة، ويتابع بحكم مهمته أو اهتمامه، مقالات وزوايا بعض الكتاب، يظهر له جليا الفروق التي تميز صاحب قلم عن آخر، ليس من حيث الأسلوب، وبراعة الاستهلال، فهذا لاشك له موقعه وأهميته، ولكن من حيث المضمون الفكري وعلاقة الكاتب به تعلقاً أو تشدقاً .

فعندما يكتب القلم ما يؤمن به صاحبه تحس علاقة خاصة تربط الكاتب بأفكاره، وحرارة متقدة، يتسم بها طرحه للرأي، أو عرضه للفكرة، واستقراراً ذهنياً لاتشوبه المواقف المترددة، ولاتشوشه الآراء المضطربة والمتناقضة، مما يرفع الرأي أو الفكرة إلى مرتبة المبادئ التي يؤمن بها الكاتب، وينطلق منها في عروضه وتحليلاته، أما عندما يتشدق الكاتب بالكلمة يمطها ويمدها ويكررها ويلوي بها شفتيه من غير أن تلامس شغاف قلبه أو تعبر عن قناعة عقله، وإنما قالها أو كتبها لأنها الكلمة الرائجة أو السوق الرابحة.
فهو لا يؤمن بها ولا يفكر لحظة في التوقف معها أو عندها، إلا ريثما تنتهي فعاليتها وينطفئ وهجها وتزول منفعتها التي كان يرجوها ويؤملها من ترديده لصفاتها ومرادفاتها.

وعندما تتحول الريح، سرعان ما يتركها ويتحول عنها إلى كلمة أخرى أو رأي آخر يروج له ويدعمه وينادي به من يستطيعون وضع السيف إلى جانب المنسف على مائدة واحدة.

وهنا ينشط الكاتب الانتهازي من جديد ويتفنن في الإطراء والمديح ويجهد نفسه بالطواف حول الوثن الذي نصبته ضرورات اللحظة الآنية، ويعيد على الأسماع متلازمته الممجوجة التي لا يمل من تكريرها، ولايخجل من ترديدها، مادامت تتماشى مع التيار، ويمكن من خلالها ركوب الموجـة وتحقيق المصلحة المبتغاة.

وما من شك، إن كل كلمة تقال أو تكتب، تجد من يسمعها أو يقرأها، ويتأثر بها.

لكن الكلمة التي لاتملك إلا أن تحترم كاتبها، فهي التي تنطلق من قناعة وإيمان من ينشرها، واستعلاء من يحافظ على شرفها وقدسيتها، وهي لذلك تحمل قيمتها في ثنايا حروفها، وتعتمد في بقائها واستمرارية تأثيرها على مايتحلى به صاحبها من صدق وثبات لاتغيره تقلبات الليل والنهار.
من هنا تجد نفسك، تزهد بل تشمئز من كتابة من يفيد قناعاته، وينخلع من آرائه وأفكاره، بعدد المرات التي يخلع فيها حذاءه، ويبد ل ملابسه.

وكيف لاينفر العقل السليم والحس النبيل والذوق الرفيع من كاتب لايمكن التمييز بين قيمه وقمامته ؟!.



دمتم برعاية الله وحفظه