المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التفجيرات في أنقرة والمفاوضات في جنيف


عبدالناصر محمود
03-15-2016, 08:11 AM
التفجيرات في أنقرة والمفاوضات في جنيف
ــــــــــــــــــــ

(أمير سعيد)
ـــــ

6 / 6 / 1437 هــ
15 / 3 / 2016 م
ـــــــــــ

http://www.almoslim.net/files/images/thumb/erdogansad-thumb2.jpg






المفاوض السوري (المعارض) الذي تحتضنه أنقرة يجلس هناك في جنيف فيما يقع التفجير تلو التفجير في العاصمة التركية، وكذا عاصمة العالم القديم، اسطنبول.



الارتباط واضح، لكنه ليس الخيط الوحيد الذي يربط بين التفجير الذي حصل مؤخراً في قلب العاصمة التركية أنقرة وحصد – في حصيلة أولية - أرواح 37 شخصاً وجرح 125 آخرين، والعوامل الخارجية.
تدأب أنظمة الشر التقليدية في الجانب الشرقي روسيا وإيران وسوريا ولبنان على استخدام سلاح التفجيرات، وتبرع أجهزة استخباراتها في تنفيذه وتوظيفه، تغييراً للنظم والمواقف والشخصيات كلما استشعرت لديها حاجة للعب بورقة الأمن لتسيير المواقف السياسية.





لبنان الذي “استضاف” على الدوام سيارات دمشق المفخخة يكاد يخلو الآن من أي تفجير ولو كان شكلياً أو إعلامياً مثلما يحصل في العاصمة المصرية وبعض مدن مصر، كذلك تنعم روسيا الممتدة جغرافياً بالهدوء رغم استهدافها لأكثر من بلد وقومية إسلامية، سوريا، تتر القرم، وتتر الدونباس، وإيران غني عن البيان هدوؤها، عشرات المنظمات الإرهابية المنتشرة في المنطقة، بالعراق وسوريا ولبنان، علاوة على اضطهادها لشعوب، تختلف معها في الدين والقومية في الداخل الإيراني ذاته، لكنه تشعر بأمن تحسدها عليه دول المنطقة كلها تقريباً!




في تركيا، ارتفعت الهمسات فغدت ضجيجاً عن سبب معرفة السفارة الأمريكية بالتفجير في أنقرة قبل حدوثه، وصمتها عن تزويد السلطات التركية بمعلومات قد كانت لتسهم في إبعاد الخطر عن الأتراك.



وكمثل ما حصل بمصر قبل الإطاحة بالرئيس مرسي، مع فارق في الطبيعة "السياسية" لمكونات "جبهة الإنقاذ"، و"الإرهابية" لمكونات الائتلاف الجديد في تركيا؛ فإن عدداً كبيراً من المنظمات هذه قد أعلنت اندماجها قبل يوم واحد من التفجير الكبير في أنقرة.. منظمات "بي كا كا"، و"م. ل. ك. ب"، و"ت. ك. ب/ م. ل"، و"ت. ه. ك. ب – ج/ م. ل. س. ب. ب"، و"م. ك. ب"، و"ت. ك. ي. ب الشيوعي"، و"د. ك. ب"، و"ت. ي. ك. ب"، أعلنت عن توصلها لاتفاق يقضي باتحاد هذه المنظمات، تحت اسم "الحركة الثورية المتحدة للشعوب"، ما يعني أن مرحلة التسميم الأمني آخذة في التصعيد.. ينضاف إلى هذا التصريح الأخير للرئيس الأمريكي باراك أوباما لمجلة أتلانتك مونثلي، الذي قال فيه: "لقد خاب أملي في أردوغان.. وأراه مستبداً وفاشلاً"!





يسار ويمين، يضمر شراً لتركيا التي لم تنعم باقتصاد مبهر، ولا بإطلاق حريات، ولا بأدوار إنسانية وإغاثية هي الأضخم لتركيا منذ الخلافة العثمانية قبل مائة عام، مثلما عاينته الآن؛ فللمفارقة المفعمة بالمرارة؛ فإن أوباما قد وصف أردوغان بالمستبد، وهو الذي أطلق حريات في بلاده، ويسعى لوضع دستور يمنح الشعب التركي حقوقاً ظلت مسلوبة منه خلال قرن كامل، ووصفه بالفاشل وهو من وضع بلاده في مقدمة الدول الأوروبية التي ينمو اقتصادها باضطراد، كما وضعها كلاعب رئيس في المنطقة، ومد نفوذها عبر آسيا وإفريقيا.





اجتماع يسار الداخل، ويمين الخارج على تركيا، إذ أنتج في بعض أطواره مثل هذه الأعمال التفجيرية؛ فهو لا يهدف منها مجرد إلحاق ضرر بلاعب رئيس في سوريا يسير ضد الاتجاه الفاشي العالمي الرافض لحرية السوريين، كما أنه ليس مجرد تهديد مبطن للأتراك ليضغطوا على الفصائل السورية القريبة منهم، وإنما يتجاوز هذا بكثير إلى رغبة الأطراف الدولية وبعض الإقليمية في تغيير النظام كلياً في تركيا، فما يخشاه أوباما ليس استبداد أردوغان وإنما حرياته، وليس فشله بل نجاحه، وما يقلق بوتين إنما هو نمو القوة التركية وظهورها من جديد كند للروس، وما يزعج الأوروبيين، الذين قال سيمون تيسدال أحد أبرز كتاب صحيفة ذا جارديان البريطانية في أعقاب التفجير عن أردوغان بأنه "حليف غير موثوق لأوروبا"، مثلما حملت مقالته البارزة في الصحيفة، ومثلما هو مستقر لدى كثير من زعماء أوروبا اليوم، "بسبب دوره في سوريا وسعيه لتعديل الدستور وإقامة نظام رئاسي"!




المفارقة أيضاً، أن العهد الذي اتسم بمنح أكبر هامش حرية للأكراد هو ذاته الذي شهد التفجيرات الأكثر دموية وتكراراً في العاصمة أنقرة والعاصمة السياحية اسطنبول، بما يشي بأن الهدف ليس قومياً بل دولياً تنفذه أدوات كردية وعلوية ترجع صدى الشرق والغرب وإرادته إلى الداخل التركي.





التفجيرات استهدفت باختصار، دور تركيا في سوريا، المحور التركي السعودي القطري، الدور التركي عموماً في المنطقة (غزة، القرم، البلقان، الخليج، مصر..)، الاقتصاد التركي الذي يتأثر كثيراً بتضرر قطاعي السياحة والاستثمار بسبب مثل تلك التفجيرات، والدستور الذي سيقفز فوق مضامين علمانية جوهرية قاتلت أوروبا من أجل وضعها في دستور أتاتورك، تحول تركيا إلى دولة رئاسية قوية.





نعيد التذكير، التفجيرات تجنبت العواصم الديكتاتورية في المنطقة، كما تجنبت موسكو وطهران والدول الدائرة في فلكهما، لكنها استهدفت الديمقراطية الأكبر في المنطقة، وحصلت حين كان المفاوض السوري يجابه العالم غير الحر في جنيف.. علمت بها واشنطن قبل حدوثها، ومن غير المستبعد أن تكون موسكو على علم يقيني بها وبتفاصيلها قبل حدوثها. يسجل محور الشر نقطة لصالحه في مسعاه لوأد الحرية والاستقلال السوريين، فيلجم تركيا، ويمارس ضغطاً هائلاً عليها، دافعاً إياها إلى القبول بحله الإجرامي، الذي يرعاه بوتين وأوباما، وتنفذه الأدوات..

-----------------------------