المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صاحب البشرة السوداء فرانز فانون


احمد ادريس
03-30-2012, 10:05 PM
http://www.elkhabar.com/ar/img/article_large/fanon_721939155.jpg

خدم فرانز فانون الجزائر كما لم يخدمها بعض أبنائها، وصنعت له الجزائر مجدا كما لم تصنعه لغيره.
ولد فرانز فانون في العشرين من جويلية 1925 في جزر المارتينيك، ببلدة صغيرة تسمى فور دي فرانس. وبعد دراسته الثـانوية، غادر الجزيرة بعد أن استولت عليها قوات فيشي، ليلتحق بالقوات الفرنسية الحرة. وفي أثـناء الحرب العالمية الثـانية، انضوى تحت لواء المقاومة، وأثـناءها أيضا كان لقاؤه بالجزائر ببجاية، وبالجزائريين الذين شارك إلى جانبهم في عمليات الإنزال في مقاطعة ''البروفنس''. وقد استفاد من تجربته الحربية لتعميق اطلاعه على الأوضاع الكولونيالية، وصقل أفكاره المناهضة للاستعمار، خاصة بعد احتكاكه بالشاعر الكبير ايمي سيزر. بعد نيله الباكالوريا، التحق بكلية الطب بمدينة ليون، وتخرّج بديبلوم في الطب الشرعي والأمراض الاستوائية، ثـم تخصص في طب الأمراض العقلية، كما حصل على ليسانس في علم النفس. خلال دراسته بالجامعة، اختلط إلى الأوساط اليسارية الفرنسية، وخاصة السارتريين. ورغم بشرته السوداء، لم يتقبل طروحات الزنوجية التي كان يروّج لها سنغور الذي أصبح فيما بعد رئيسا للسينغال، وأحد أقطاب الفرونكوفونية.
في سنة 1952 أصدر كتابه الأول ''بشرة سوداء وأقنعة بيضاء''. وهو الكتاب الذي يمثـل معلما هاما للمثـقفين الزنجيين الذين أفاقوا من غيبوبة الاستعمار إلى ضرورة محاربته. في عام 1953 التحق، رغم معارضة الإدارة، بمستشفى البليدة للأمراض العقلية، حيث أدخل أساليب جديدة، تعتمد على تحرير المرضى وعلى العلاج الاجتماعي. وبصدور كتابه الثـاني ''معذبو الأرض''، اكتسب فانون شهرة عالمية. والكتاب تفكير عميق في طرق تجاوز القطيعة بين المثـقف وشعبه المستعمر، بين القول النظري والفعل الثـوري. هذه المشكلة التي حلّها فانون على الصعيد النظري، وجد حلّها العملي حين التحق بالثـورة الجزائرية سنة .1957 وشارك في إنشاء جريدة ''المجاهد''، كما عالج مرضى جيش التحرير الوطني.
ومنذ 1958 أوفدته الجبهة ممثـلا لها في أكرا، عاصمة غانا. وفي رحلاته الإفريقية، تعرّف على باتريس لومامبا وأميلكار كابرال وغيرهم من الثـوار الأفارقة. وقبل عام عن الاستقلال، اكتشف أنه مصاب بسرطان الدم، فأوفدته الحكومة المؤقتة إلى موسكو للعلاج، ثـم بعد ذلك إلى الولايات المتحدة. لكن أجله حلّ يوم 6 ديسمبر .1961
لقد كان للثـورة الجزائرية تأثـير بارز في فكر فانون. ففي خضم كفاح الجزائريين، اكتشف فانون الممارسة الثـورية، وكتب أهم مؤلفاته في فترة احتكاكه برفاقه الجزائريين. لقد حاول البعض أن يثـبت العكس، زاعما أن فانون هو الذي أمدّ الثـورة الجزائرية بما كانت تفتقده من تنظير، والحقيقة أن المثـقفين الجزائريين الذين عرفوه عن كثـب أو عمل معهم في ''المقاومة الجزائرية'' و''المجاهد''، خاصة محمد الميلي وأمحمد يزيد وكذلك مصطفى الأشرف، حسموا هذه المسألة بشهاداتهم، وأثـبتوا أن الثـورة الجزائرية هي التي صنعت فانون وليس العكس. على أيّة حال، سيظل فرانز فانون مناضلا صديقا لكل حركات التحرّر، ومنظّرا بارزا للعمل الثـوري، وإنسانيا كان يسعى إلى إنشاء فكر جديد وخلق إنسان جديد. ومهما وجد البعض في أعماله من غلوّ وتطرّف ومعاداة للغرب، فإن ما يغفر لها هو أنها كتبت في معمعة الكفاح، وكانت ردا آنيا وأحيانا عفويا على الممارسات الاستعمارية. واليوم، وأمام مخاطر عولمة ممارسات الهيمنة، يحق لنا أن نتساءل: ألم يحن الوقت للنظر مجدّدا إلى أفكار فانون؟ فهي لم تفقد، رغم تغيّر الأوضاع، شحنتها الثـورية وقدرتها على التغيير.
تعالت مؤخرا في الجزائر أصوات تطالب بنقل رفات فرانز فانون إلى مقبرة العالية. وأعتقد أنه من الأفضل تركه حيث ينام الآن قرير العين في عين سلطان، التي دفن بها بعد أن أدى له آنذاك فوج من جيش التحرير، على رأسه الشاذلي بن جديد، المراسم الشرفية، ودفنت معه في قبره كتبه، كما أوصى بذلك فانون نفسه. ختاما، ينبغي أن نتذكر كذلك رحيل زوجته جوزي فانون، التي قضت آخر أيامها في عزلة كئيبة، وأحست أن الجميع تخلى عنها، وأن الجزائر التي ضحى من أجلها زوجها تتأرجح في أحضان الأصولية. كان ذلك بالنسبة إليها زمنا أسود، فانتحرت وذهبت كما ذهب زوجها، من دون عودة ولا ذكر.