المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من هدم المعبد؟! (1 / 2)


عبدالناصر محمود
03-24-2016, 07:30 AM
من هدم المعبد؟! (1 / 2)
ـــــــــــــ

(مركز التأصيل للدراسات والبحوث)
ـــــــــــــــــ

15 / 6 / 1437 هـ
24 / 3 / 2016 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/files/2654edd4230a52b85be54799bfd0bef8.png




ظل الإنسان منذ وجوده على سطح هذه البسيطة متجها نحو المعبد كي يتصل بروح السماء ونورها، لأنه بفطرته كائن متدين كما هو حال الكون من حوله، مع فارق أنه متدين باختياره. وخلال مسيرة الإنسانية كان الصراع يدور حول المعبد، لأن التدين كان هو الظاهرة الطاغية. وكان الخلاف يجري حول الألهة والشرائع، فلا تكاد تسقط ديانة حتى تهيمن ديانة مقابلة، ولا يهدم معبد حتى يبنى آخر. أما الإلحاد فلم يكن سوى استثناء نادرا وظاهرة محدودة. غير أنه ومنذ ثلاثة قرون تحول الإلحاد إلى مبدأ علمي وفلسفي يعمل على هدم المعبد، ويقوض نوازع التدين في النفس الإنسانية، لينتهي في العصر الحديث إلى ظاهرة عالمية طاغية، تقوم عليه مجتمعات ودول! كيف حدث هذا؟! ومن السبب في ذلك؟!

جناية الكنيسة:
-------------

تبدأ الحكاية في هدم المعبد من أوروبا حاضرة الديانة المسيحية، وحاملة لواء التبشير بها في العالم أجمع. حيث استحالت شعوب مسيحية من "الإيمان" المطلق إلى "الإلحاد" المطلق! ومن "الرهبانية" إلى "المادية"! ومن تقديس "رجال الدين" إلى المناداة بـ"شنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"! وهي التي ظلت عشرات القرون تردد الترانيم خلفهم وتراهم الوسيط بينها وبين الله!
يحار العقل وهو يحاول أن يقارن بين الصورتين المتناقضتين! ولكن لا غرابة ولا عجب. فقراءة التاريخ الأوربي، واستقراء مراحل التحول وأسباب انقلاب النصارى على الكنيسة توضح كثيرا من الغموض وتفسر كثيرا من الظواهر.

"إن من الحقائق المقررة أن الكنيسة.. ارتكبت سلسلة من الأخطاء الشنيعة، يكفي أحدها لنزع الثقة منها بصفة نهائية، وإن أحداً من أعداء المسيح –عليه الصلاة والسلام- لم يسئ إليه وإلى تعاليمه النبوية كما أساءت الكنيسة التي تتبجح بالانتساب إليه، وتزعم أنها الحارس الأمين على مبادئه والممثل الشرعي له"[1]. إذن من هنا بدأت المشكلة.. من الأخطاء الشنيعة الداخلية!

أبرز هذه الأخطاء كان عام 325م، حين حولت الكنيسة في "مجمع نيقية" عقيدة التوحيد المنسجمة مع الفطرة والعقل والديانات السابقة إلى عقيدة تثليث تخالف ذلك كله؛ وذهبت لذلك إرضاء للأمبراطور الروماني " قسطنطين"، حيث تحالف أتباع "بولس" -القائل بالتثليث- مع الإمبراطور ضد الموحدين أتباع "آريوس" الذين كانوا أكثر عددا! فخرج المجمع بقرارات تؤيد مذهب الأقلية -المؤيدة من "قسطنطين" الوثني- باعتباره "معتقدا مقدسا" وتلعن كل من يخالفه!

لم يتوقف الأمر عند ذلك فقد قرر المجمع اعتبار الأناجيل الأربعة، المنسوبة لـ: متى ولوقا ومرقص ويوحنا، أناجيل معتمدة صحيحة؛ وما عداها مزيف مكذوب تحرم قراءته ويجب حرقه وإبادته![2]
تحولت المسيحية من دين توحيدي مضطهد عقب هذا المجمع إلى دين (تثليثي) رسمي للإمبراطورية الرومانية، ترعاه وتؤيده. وما حصل فعلاً بهذا التحالف هو ارتباط مصلحي دنيوي بين الكنيسة والإمبراطور، فقد سعى أتباع "بولس" للقضاء على مخالفيهم استنادا لقوة السلطان لا قوة البرهان!
وفي حين تطلعت طبقات العامة من شعب الإمبراطورية الرومانية، التي كانت تميل بطبيعتها إلى التدين، وفقدت ثقتها في المعتقدات الدينية والفلسفية المتناحرة بجملتها، فآثرت الاستجابة لداعي الهوى والانصياع إلى الملذات الجسدية والإغراق في المتع الحسية، إلى تحول جديد مع الكنيسة؛ إلا أن الكنيسة كانت عاجزة عن إقامة الحياة بنظمها وقيمها وأخلاقها على أساس من الدين، وبقي الدين كما كان هواية شخصية محدودة التأثير، لم يتغير فيه إلا أن المراسم الشكلية التي كانت تؤدى في معابد أصبحت تؤدى في كنائس، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن الكنيسة تزحزحت عن مركز التأثير إلى مركز التأثر، فدخلت الخرافات والأساطير والتقاليد الوثنية في صلب تعاليمها وطقوسها، وامتزجت بروايات الأناجيل وآراء المجامع المقدسة، كما حصل الامتزاج والتلاقح بين الشريعة والقانون الروماني، فأصبحت المسيحية ديانة مركبة[3].

ويرى بعض المؤرخين أن السبب الذي أوقع الكنيسة في ذلك هو نظرتها القاصرة إلى الحياة الدنيا. يقول صاحب (تاريخ أوروبا في العصور الوسطى): "إن المسيحيين الأولين على وجه الإطلاق لم يعمدوا إلى شيء من الإصلاح في المجتمع الروماني الذي نبتوا فيه، برغم ما هو معروف من تحريمهم لكثير من العادات والطقوس القديمة، ولم تكن لهم فلسفة في الدولة وأصول الحكم ولا الإيمان بتجديد المجتمع من طريق الإنشاء والتنظيم، ولم يخطر ببال أحد منهم أن في استطاعة جماعاتهم الصغيرة البعيدة عن السلطة والنفوذ أن تحدث بالسياسة الرومانية أو المجتمع الروماني شيئاً من التعديل، ذلك أنهم أيقنوا أن الدنيا متاع الغرور والشرور، وتعلموا أن الإنسان طريد جنة الخلد وحق عليه العذاب المقيم"، "وتعلموا كذلك أن هذه الدنيا الغرارة لن تلبث حتى تزول، وأن رجعة المسيح إلى الأرض -وهي ما اعتقدها الناس- وشيكة الوقوع، سوف تملأ الدنيا عدلاً بعدما ملئت الدنيا ظلماً وجوراً وخبثاً ونقصاً، يمحوه كله المسيح محواً، وإذا كان كذلك فما الذي يحمل المسيحي على إلغاء الرق أو الحرب أو المتاجرة في المحرمات أو الربا أو استعمال القوة الغاشمة التي ساعدت الدولة الرومانية على النهوض، ما دام ذلك كله مقضياً عليه بالزوال، وما دامت المشكلة الكبرى تنحصر في الوسيلة الواقية من العذاب الذي كتبه الله على الناس جزاءً وفاقاً لما ارتكبه آدم من الخطيئة في جنة الخلد، ولذا رضي المسيحيون بجميع ما وجدوا من نظم لا قبل لهم بتغييرها"[4].

لقد أوجدت الكنيسة مفهوماً سلبياً ضيقاً للحياة الدنيا، وبالتالي لمهمة الدين فيها، يائسة من إمكان إقامتها على الحق والعدل الإلهي، فحرفت المسيحية من عقيدة شاملة ذات منهج رباني كامل نزلت لتغيير الواقع الجاهلي المنحرف الذي يعيشه الناس، وإقامة واقع جديد تحكمه الشريعة المنزلة إلى نظرة بوذية قاصرة للدنيا، مشفوعة بآمال وأحلام مرتقبة في الآخرة، ورأت أن تنظيم شئون الدولة وتقويم النظم السياسية والاقتصادية وإصلاح الأوضاع الاجتماعية، ليس من دينها في شيء، لأن مملكة المسيح ليست من هذا العالم.[5]

لقد عمدت الكنيسة إلى عبارات تنسبها الأناجيل إلى المسيح قيلت مجازاً، أو وردت في ظروف مؤقتة وملابسات خاصة، لتقرر منها قواعد أصولية تؤسس عليها دينها المحرف دون مراعاة لمنطق الاستدلال ومقتضى التحقيق العلمي.
من ذلك ما ينسب إلى المسيح من أنه قال: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله"![6] ومقولة: "مملكتي ليست من هذا العالم"![7]
إنَّ الإنسان -حسب مفهوم الكنيسة- يولد موصماً بالخطيئة الموروثة، ويدخل إلى الدنيا دخول المجرم إلى السجن، وكما أن أباه أكل من الشجرة فعوقب بالطرد من الجنة وقضي عليه بالحرمان والنكد، فكذلك إذا تمتع بطيبات الدنيا وملاذها فسيعاقب بحرمانه من نعيم الملكوت، وإذا كان هذا هو حال الدنيا وحال الإنسان فيها ففيم العناء لإصلاح ما وجد بطبيعته فاسداً؟ وما جدوى تقويم ما خلق من أصله معوجاً؟ ليتحكم الجبابرة في الناس وليستعبدوهم وليعبثوا في الكون كما يريدون، فسوف يحاسبهم المسيح يوم الدينونة! وليجمع الناس المال ويتمتعوا بالحياة الدنيا ويتزوجوا وينجبوا، فسوف يحرمهم ذلك من الدخول في ملكوت الله والفوز في الملأ الأعلى!

رجال الدين:
----------

الأمر لم يقتصر على تحريف ما هو موجود بالفعل، بل انتقل إلى إحداث ما لم يكن، وابتداع تعاليم وضعية أُلصقت بالمسيحية وأُدخلت في صلبها. وكانت بدعة "رجال الدين" - كما يُسمَّون- أبعد البدع أثراً، لأنَّ البدع الأخرى لم تكن لتنمو لولا أن "رجال الدين" هم الذين ابتدعوها وأقروها وأضفوا الشرعية عليها.[8]
لقد آل الأمر بكثير من علماء وأحبار يهود الذين حملوا التوراة واشتغلوا بالدين أن أغرتهم المطامع الدنيوية الزائلة، واشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، فضيعوا الأمانة وفرطوا في الحفظ وفرضوا لأنفسهم سلطة دنيوية، يأكلون بموجبها أموال الناس بالباطل، ويتقبلون القرابين بها، ويفرضون على الناس العشور باسم الهياكل والبيع، مستغلين منصبهم الديني أسوأ استغلال.[9]
ورغم تحذير عيسى بن مريم –عليه الصلاة والسلام- أتباعه أبلغ تحذير من اقتفاء أثر أحبار اليهود، الذين كان المسيح يسميهم "بائعي العهد، أولاد الأفاعي، عباد الدنيا"، إلا أنَّ القسيسين والرهبان لم يكونوا أفضل حالاً من الأحبار، فقد سلكوا الطريق نفسها، وانصاعوا إلى الدنيا مستعبدين أتبعاهم المؤمنين؛ وساعد وجودهم ضمن الامبراطورية الرومانية على تثبيت مراكزهم وتدعيمها، وذلك بأنهم اقتبسوا من الأنظمة والهياكل السياسية للدولة فكرة إنشاء أنظمة وهياكل كهنوتية. وكما كانت هيئة الدولة تمثل هرماً قمته الامبراطور وقاعدته الجنود، كانت الهيئة الكنسية تمثل هرماً مقابلاً قمته البابا وقاعدته الرهبان، ونتيجة لمبدأ فصل الدين عن الدولة رعت الامبراطورية الهرم الكنسي ولم تر فيه ما يعارض وجودها فرسخ واستقر.[10]
لقد أسس "رجال الدين" لأنفسهم مبدأ "التوسط بين الله والخلق"، والذي يقتضي ألاَّ يذهب الإنسان إلى رجل الدين ليعلمه كيف يعبد الله، بل ليعبد الله بواسطته، وليس للمذنب أن يتجه بتوبته إلى الله طالباً الصفح والمغفرة، بل عليه أن يتجه إلى رجل الدين معترفاً أمامه بذنبه ليقوم بالتوسط لدى الله فيغفر له!
وتحت قول المسيح لبطرس -كبير الحواريين: "أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السموات"[11]، ذهب "رجال الدين" إلى أبعد ما يتصور، فقرروا أن كل ما تقرره الكنيسة هو عين الصواب، إذ أن المسيح بواسطة الروح القدس هو الذي يملي عليها تصرفاتها، ومادام أنها تعمل باسم الله، وتحل وتبرم حسب مشيئته، بل هو يحل ويبرم حسب مشيئتها -تعالى الله على ذلك علواً كبيراً- فطاعتها واجبة، وقراراتها إلزامية لكل المؤمنين بالمسيح، وليس على الأتباع إلا الطاعة العمياء والانقياد الذي لا يعرف جدلاً أو نقاشاً، والذنب الذي لا يغتفر هو أن تصادم أوامر الله، التي هي أوامر الكنيسة، بواسطة العقل البشرى أياً كان صاحبه، والخارج على سلطة الكنيسة أو الناقد لقرارات مجامعها كافر "مهرطق" تحل عليه اللعنة والحرمان من دخول الملكوت، مهما بلغت وجاهة رأيه بل مهما كانت سوابقه وخدماته للمسيحية وللكنيسة نفسها.[12]
ترتب على هذه النصوص والفهوم آثار سيئة للغاية، حيث احتكر "رجال الدين" لحق قراءة وتفسير الإنجيل، وحق منح صكوك الغفران؛ ما ولد انشقاقات دينية متوالية دمرت الحياة بصفة عامة؛ وقاد ملاحدة القرن السابع عشر فيما بعد لسل حججهم في وجه الأديان عامة والمسيحية خاصة.

الرهبنة:
-------

كان من أسباب انتشار الرهبنة الأوضاع الاجتماعية القاسية؛ حيث كان المجتمع الروماني مجتمعاً طبقياً ظالماً، تكدح فيه قطاعات ومجموعات كبيرة لصالح أفراد قلائل، وكان سكان المستعمرات خاصة يعانون البؤس وشظف العيش إلى جانب الظلم والطغيان، فقنط كثيرون منهم من الحياة، ورأوا أن خير وسيلة للتخلص من خدمة الأسياد والحصول على العيش ولو كفافاً، هو دخول الأديرة حيث ينفق عليهم من تبرعات المحسنين وأوقاف الكنيسة.
ويذكر صاحب كتاب "قصة الحضارة"[13] أن "الآلاف من الشباب كانوا يدخلون الأديرة فراراً من الخدمة العسكرية التي فرضها الرومان". وبهذا نتج عدد كبير من الرهبان الذين لم يكونوا مؤمنين بالدين المسيحي وإنما هاربون من الواقع السيء الذي يعيشونه!

ولأن من سنن الله في الكون أن كل مبدأ أو نظام لا يساير الفطرة البشرية مآله إلى الخسران والفناء، ومصير أتباعه شقاء مطبق وضياع مرير. فإنَّ المرء لا تقع عينه على مؤلف من مؤلفات تاريخ الغرب في عصوره الوسطى، إلا ويرى فيه ما يشين ويلطخ الحياة الرهبانية من الفضائح الشنيعة والدعارة التي لا تضارعها دعارة مواخير الفساد![14]

فقد أدى التزمت والغلو في الدين ومغالبة الطبع السوي والفطرة السليمة إلى نتيجة عكسية تماماً، وأصبحت الأديرة مباءات للفجور والفسق، تضرب بها الأمثلة في ذلك. وقد وصل الحال بنصارى الشرق -وربما كانوا أكثر حياء وأشد تمسكاً- إلى حد أن المستهترين من الخلفاء والشعراء الماجنون كانوا يرتادون الأديرة كما يرتاد رواد الدعارة اليوم بيوت العهر.[15]
هذا بالنسبة للمترهبنين، أما الفرد المسيحى فقد ضعفت ثقته بالدين، وتزعزعت في نفسه القيم والأخلاق الدينية، كيف لا وهو يرى الرهبان وممثلي الطهر يغرقون في الفجور وينالون من المتع الجسدية ما لا يمكنه بلوغه؟!

أما الغيورون منهم فقد اتخذوا ذلك ذريعة للانشقاق عن الكنيسة، وتكوين فرق دينية جديدة لها أديرة خاصة تبدأ أول الأمر نظيفة، لكنها لا تلبث أن تعود فتسقط فيما سقط فيه أسلافها! كل ذلك كان في الفترة التي لا تزال قبضة الكنيسة فيها قوية، ونفوذها صلباً، لكن المرحلة التي شهدت ضعف سلطانها فيما بعد شهدت رد فعلٍ طاغٍ ضد أغلال الكنيسة وقيودها مما جعل بذور الفلسفات الإباحية، والحركات غير الأخلاقية تنمو نمواً مطرداً.[16]

--------------------------------
[1] العلمانية، د. سفر الحوالي: ص33.
[2] العلمانية: ص49- 50.
[3] انظر: العلمانية: 62.
[4] العلمانية: 64- 65.
[5] العلمانية: ص70.
[6] انظر لمناقشة الشيخ سفر الحوالي لهذه المقولة في كتابه العلمانية: ص66- 68.
[7] انظر لمناقشة الشيخ سفر الحوالي لهذه المقولة في كتابه العلمانية: ص68- 69.
[8] العلمانية: 76.
[9] انظر: العلمانية: 78- 79.
[10] انظر: العلمانية: 79.
[11] أنجيل متى: 16: 19، 20.
[12] العلمانية: 82.
[13] ج:14/15.
[14] العلمانية: 93- 94.
[15] العلمانية: 94- 95.
[16] انظر: العلمانية: 95.


----------------------------

عبدالناصر محمود
03-24-2016, 07:34 AM
من هدم المعبد؟! (2 / 2)
ــــــــــــــ



(مركز التأصيل للدراسات والبحوث)
ـــــــــــــــــ

15 / 6 / 1437 هـ
24 / 3 / 2016 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/files/f34066e04c07cd77b0861cb0b1716c12.png






إنَّ سنن الاجتماع البشري لا تُسقِط جماعةً أو أُمةً أو دولةً بفعل خارجي، بل غالبا ما يكون العامل الخارجي كاشفا عن سقوط داخلي بالأساس. وهو قانون لا يتخلف عن أي تجمع بشري مهما كان. حتى ولو كانت أمة محمد –عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في الحديث: (لن يستحِلَّ هذا البيتَ إلَّا أهلُه، فإذا استحَلُّوه فلا تَسَل عن هلَكةِ العرَبِ، ثمَّ تظهَرُ الحبَشةُ فيُخرِبونَه خَرابًا لا يعمُرُ بعدَه أبدًا، وهم الَّذينَ يستخرِجونَ كَنزَه)، صحيح ابن حبان: رقم 6827؛ وفي حديث آخر: (إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ حتَّى رأَيتُ مَشارِقَها ومغاربَها، وأعطاني الكَنزينِ: الأحمرَ والأبيضَ، وإنَّ مُلْكَ أمَّتي سيبلُغُ ما زُوِي لي منها. وإنِّي سأَلْتُ ربِّي لِأمَّتي ألَّا يُهلِكَهم بسَنةٍ عامَّةٍ، وألَّا يُسلِّطَ عليهم عدوًّا مِن غيرِهم فيُهلِكَهم، ولا يلبِسَهم شِيَعًا ويُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ. فقال: يا مُحمَّدُ إنِّي إذا أعطَيتُ عطاءً فلا مرَدَّ له، إنِّي أعطَيتُك لِأمَّتِكَ ألَّا يُهلَكوا بسَنةٍ عامَّةٍ، وألَّا أُسلِّطَ عليهم عدوًّا مِن غيرِهم فيستبيحَهم، ولكن ألبِسُهم شِيَعًا، ولوِ اجتمَع عليهم مَن بينَ أقطارِها حتَّى يكونَ بعضُهم يُهلِكُ بعضًا، وبعضٌ يُفني بعضًا، وبعضُهم يَسبي بعضًا. وإنَّه سيرجِعُ قبائلُ مِن أمَّتي إلى التُّركِ وعبادةِ الأوثانِ). وفي الحديث ذاته: (وإنَّه إذا وُضِع السَّيفُ فيهم لم يُرفَعُ عنهم إلى يومِ القيامةِ)، صحيح ابن حبان: رقم 6714.

وإذا كان الأمر كذلك فما يحل بالأمم الأخرى والديانات السابقة هو محل عبرة واتعاظ، فالسنن الاجتماعية والكونية تجري على الجميع. وفي الحديث: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذوا القذة بالقذة)، تحذير وتنبيه! أما التحذير فمن الوقوع في ذات المزالق والانحرافات وأما التنبيه إلى كونها ستقع لأن أمراض التدين لا تتخلف عن أمة من الأمم.

صكوك الغفران:
----------

توجت الكنيسة تصرفاتها الشاذة وبدعها الضالة بمهزلة لم يعرف تاريخ الأديان لها مثيلاً، وحماقة يترفع عن ارتكابها من لديه مسكة من عقل أو ذرة من إيمان، تلك هي توزيع الجنة وعرضها للبيع في مزاد علني، وكتابة وثائق للمشترين تتعهد الكنيسة فيها بأن تضمن للمشتري غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبراءته من كل جرم وخطيئة سابقة ولاحقة، ونجاته من العذاب المطهر، فإذا ما تسلم المشترى صك غفرانه أبيح له كل محظور وحل له كل حرام: فماذا عليه لو زنى وسرق وقتل، بل لو كفر؟!
ولم يتوقف الأمر على الأحياء فالكنيسة الرءوم لكل المسيحيين شملت الكل برحمتها، وأتمت الفرحة لزبونها فأباحت له أن يشتري لمن أحب "صك غفران"، وما عليه بعد دفع الثمن إلا كتابة اسم المغفور له في الخانة المخصصة فيغادر المطهر فوراً ويستقر في ظلال النعيم مع المسيح والقديسين.[1]
لقد تأسست هذه البدعة على مبدأ مكانة القساوسة كوسطاء بين الرب وخلقه، فعن طريقه تؤدى الصلاة، ويتناول العشاء الرباني، وهو الذي يقوم بالتعميد، وبمراسم وطقوس الزواج والموت، ويتقبل الاعترافات من المذنبين. وما كان يمارسه القس من غفران الذنوب للمعترف بخطاياه كان باسم المسيح الإله يتم!
لقد كان الهدف من هذه الصكوك تجسيد أماني رعايا الكنيسة -الذين كانوا يذهبون لقتال المسلمين مؤمنين بنصرة المسيح وعون الرب فيهزمون في كل مرة- في تحقيق كسب محقق "جنة الخلد" في الآخرة!
وهي وإن قوت سلطة الكنيسة وهيمنتها المطلقة إلا أنها ارتدت بعد ذلك عليها شرا وكرها؛ فرغم المردود المالي الكبير الذي عاد على الكنائس نتيجة هذه المهزلة التاريخية التي يسبق إليها، حتى أصبحت الكنيسة فاحشة الثراء وأصبحت أسعار الصكوك زهيدة وفي متناول غالب الرعايا. ومع تراكم الثراء وزيادة النفوذ أصبحت الكنيسة في تنافس مع الملوك من ناحية والإقطاعيين من ناحية أخرى، إلى درجة خضوعهم لها رغبا ورهبا.

كان من آثار هذه القضية طغيان الكنيسة الأعمى، والغطرسة الباغية، ولم لا تطغى وتستبد وقد عبدها الناس من دون الله وقدسوا تعاليمها دون تعاليم المسيح؟! ولم لا تغتر وتتجبر وهى تملك المجتمع من ناصيته وتتحكم في الضمائر وتسيطر على الأرواح كما تشاء، وترفع من أحبت إلى أعلى عليين، وتقذف من أبغضت في دركات الجحيم، وتنصب هذا قديساً وذاك شيطاناً مريداً؟!
تلك هي الصورة الإيجابية التي خلفتها هذه المهزلة للكنيسة، وعليها اقتصرت نظرة آبائها، فدفعهم الغرور إلى المضي قدماً، وازدادوا نهماً غير عابئين بالنتائج ولا حافلين بالعواقب.
لكن سنة الله لا تحابي أحداً ولا تجامله، فكل شيء جاوز حده انقلب إلى ضده، والزبد يذهب جفاءً، وهكذا كانت صكوك الغفران مسماراً في نعش الكنيسة وبدايةً لنهايتها، وكانت خسارتها بها عظيمة عظم جنايتها.[2]

وشيئا فشيئا بدأت الهالة القدسية المحيطة برجال الدين تتبخر. وابتداء الناس يعتقدون أنهم كانوا مخطئين في ذلك الاندفاع الأعمى والتسليم الأبله. وعمَّق ذلك الاعتقاد تنافس القساوسة على بيع الصكوك مقروناً به سيرتهم السيئة وجورهم الفاضح، وعجب الناس إذ رأوا كثيراً من الأشرار والطغاة والمجرمين يتبوءون مقاعدهم في الملكوت ببركة الصكوك التي منحها لهم رجال الدين، فكان ذلك إيذاناً بالشك في قداسة رجال الدين أنفسهم ومدى صلاحهم واستحقاقهم للملكوت في ذواتهم.[3]

مخالفة العقل والحماقات المختلفة:
----------------

أدت حماقات الكنيسة المختلفة إلى نقمة الطبقة الحاكمة من الملوك والأباطرة، ونقمة الأمراء والنبلاء، ونقمة الإقطاعيين والتجار، وكان يسيطر على الجميع شعور موحد بالعداوة لها والحقد عليها. لذلك لم تكد بوادر الاستنكار ضد تصرفاتها -لا سيما صكوك الغفران- تبرز للعيان حتى انتهزها الملوك والأمراء فرصة سانحة لحماية الحركات المعارضة، وتأجيج سعيرها، ولولا أن بعض المصلحين الكنسيين -ولوثر خاصة- وجدوا الحماية والعطف من الأمراء والنبلاء لما نجوا من قبضة الكنيسة ونتائج قرارات حرمانها.

كما أن هذه الحماقات ومهزلة صكوك الغفران خاصة ساعدت -بصفة مباشرة- على هدم التعاليم الدينية من أساسها، والاستهتار بكل المعتقدات والأصول الإيمانية بجملتها، وأسهمت في انتشار فكرة إنكار الآخرة والجنة والنار التي لا يقوم دين بغيرها.[4]
ولما كانت تحريفات الكنيسة تخبطات عشوائية لا ترتكز على قواعد محددة، وليس لها ضوابط رادعة، فقد ظل المجال فسيحاً لإضافات أكثر وثغرات أعمق، وكان للمطامع الدنيوية والرغبات الشخصية الفضل الأكبر في دفع الموجة قدماً وتوجيهها كما يراد. يضاف إلى ذلك الحماقات التي ترتكب بطريق السذاجة والبله من بعض المنتسبين إلى الدين، ولا تجد من ينكرها أو يحاصرها، فتصبح مع مرور الزمن طقوساً وشعائر دينية.[5]

إن كثيرا من عقائد الكنيسة تحولت إلى أساطير وخرافات وتصورات متناقضة، كما تحولت العبادات والشعائر إلى طقوس غير معلومة الهدف ولا مفهومة الحكمة، وإنما تمارس من منطلق التسليم التام الذي يبحث في حقيقة ثبوتها ومقاصد تشريعها ومعانيها التعبدية أو الأخلاقية.
لقد أضافت الكنيسة إلى لغز "الثالوث" عقائد وآراء أخرى تحكم البديهة باستحالتها، ولكن لا مناص من الإيمان بها والإقرار بشرعيتها على الصورة التي توافق هوى الكنيسة، كقضية الاستحالة في العشاء الرباني، وعقيدة الخطيئة الموروثة وعقيدة الصلب والعذراء والطقوس السبعة، كل هذه فرضتها على الأتباع بحجة واحدة: هي أنها أسرار عليا لا يجوز الخوض فيها أو الشك في صحتها. وكان العامل المساعد على إنجاح محاولاتها الذي تتمثل فيه صورة الطغيان الديني جلية واضحة ما ذكرناه من احتكارها للمصادر الدينية، ذلك الذي جعلها حاجباً، لا يستطيع أحد دخول الملكوت إلا بواسطته، ولا يمكنه الاتصال بالله إلا من طريقه، وهي حق لا مرية فيه ما دامت الكنيسة هي التي قررته إذ هي معصومة عن الخطأ منزهة عن الزلل.[6]

حتى باتت المسيحية المحرفة تفتقر في كثير من تعاليمها إلى الإقناع العقلي، والبرهان المنطقي لإثباتها، نظراً لتنافيها مع الفطرة وبداءة التفكير. لذلك اضطرت الكنيسة إلى تعويض نقص بضاعتها من الأدلة بادعاء الخوارق والمعجزات، قاصدة التمويه على العقول الضعيفة، واستغفال النفوس الساذجة. وكانت خوارق الكنيسة وشعوذتها تتراوح بين الرؤى المنامية ذات التهويل البالغ، وبين التكهن المتكلف بالمغيبات وحوادث المستقبل، وبين تحمل الأساليب واستجداء شتى الوسائل لشفاء الأمراض المستعصية؛ يتبع ذلك أمور أخرى كتعليق التمائم والرقى والتمتمات المجهولة، واستعمال إشارة الصليب، وتعليق صور القديسين، ومحاربة الشياطين، وطرد الأرواح الشريرة، وصد الكوارث والأوبئة، واستنزال النصر في الحروب وغير ذلك. وكان من السهل على العقلية الأوروبية الهمجية أن تتقبل هذه السخافات، وتصدق الكنيسة في كل شيء بفضل الإرث الوثني الذي ظل متغلغلاً في أعماقها.[7]
استغلت الكنيسة بلاهة وسذاجة أتباعها، ففرضت عليهم مثل هذه العقائد الغريبة الممجوجة! لكن الفطرة البشرية لابد أن تستيقظ مهما طالت غفلتها، وذلك ما تم بالفعل، فقد أدَّى إسراف الكنيسة في الاستخفاف بعقول البشر ومعاندة الفطر الإنسانية إلى تلك الثورة العارمة ضد الكنيسة، التي ابتدأت منذ اتصال أوربة بنور الإسلام، وانتهت بانهيار الكنيسة وفقدانها معظم نفوذها وهيمنتها في القرن الماضي.[8]

الطغيان والتوحش:
---------------

يحيل الشيخ الدكتور سفر الحوالي أسباب ظهور العلمانية، كما في الباب الثاني من كتابه (العلمانية)، إلى الطغيان الكنسي، والذي تناوله في الفصل الأول من هذا الباب. وقال الشيخ تحت عنوان: (أسباب طغيان رجال الكنيسة): "الطغيان في ذاته مرض خطير يدمر النفس الإنسانية ويمسخ سماتها، ويحيل الكائن البشري إلى روح شيطانية ماردة. ومن خصائص هذا المرض أن أعراضه لا تصيب إلا ذا نفس هزيلة، أتيح لها وسائل تفوق طاقتها ومساحة أكبر من حجمها، ولم يكن لديها وازع خلقي أو رادع إيماني يكبح جماحها ويضبط سلوكها. ولا يكون الطغيان -كذلك- إلا مظهراً للشعور بالنقص لدى النفس الطاغية، إذ تحاول بواسطته ستر نقيصة داخلية مؤرقة أو تسويغ مسلك معوج يعجز عن تبريره المنطق السليم والإقناع الهادئ. فالطغيان يبدأ وسيلة خاطئة، وينتهي مرضاً مدمراً لا شفاء له إلا الموت القاصم.
وحين يصدر الطغيان من حاكم وثني أو زعيم دنيوي؛ فإنه يكون معقولاً إلى حد ما، وإن كانت فظاعته لا يسوغها عقل ولا ضمير، أما حين يصدر الطغيان عن رجال يراهم الناس "قديسين" ورسل سلام وطلاب آخره، فذلك مما يشق على النفس احتماله، ويبعد عن الذهن قبوله؛ لا سيما إذا كانوا رجال دين يجعل المحبة شعاره والتسامح ميزته ويقول لأتباعه: من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الآخر أيضاً، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً، ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين!"[9].
لقد سبق "رجال الدين" عصرهم في الناحية التنظيمية، إذ كانوا مؤسسة تنظيمية مركبة تركيباً عضوياً دقيقاً، من القاعدة العريضة الممتدة في كافة الأصقاع والأقاليم إلى قمة الهرم المتمركزة في روما. وهذه الميزة أكسبتهم نفوذاً مستمراً لا يقبل المنافسة، وجذوراً عميقة يصعب اقتلاعها. ولذلك نلاحظ أن كثيراً من الأباطرة المتمردين على الكنيسة يفشلون دائماً في مواجهتها، ويرتدُّون صاغرين إلى الانضواء تحت ظلها، كما أن العالم الغربي المسيحي لم يستطع التخلص من قبضة الكنيسة إلا بعد الثورة الداخلية التي قادها المصلحون الكنسيون، والتي أدت إلى إضعاف الهيكل التنظيمي والسلطة المركزية وتشتيت ولاء الأفراد.

والنفس البشرية أينما كانت لا تخلو من حب الطغيان إذا تهيأت لها أسبابه وليس كخشية الله تعالى واستشعار رقابته وضعف الإنسان إزاء قدرته حاجز لها عنه، ولما كانت الكنيسة مفلسة من ذلك فقد آل الأمر إلى أن تكون هيئتها التنظيمية شركة دنيوية تطمح إلى النفوذ الاجتماعي والمغانم الزائلة، ثم تمكنت بوسائل شتى من أن تصبح قوة استبدادية غاشمة.[10]
ويعيد الشيخ الدكتور سفر الحوالي هذا الطغيان الكنسي إلى الاضطهاد البالغ الذي تعرض له أتباع المسيح -عليه الصلاة والسلام- من بعده؛ حيث أدى إلى تحول الدعوة المسيحية إلى دعوة سرية، نتيجة ما كان يقع على حملتها من تعذيب وتنكيل. وهذا بدوره أدى إلى انحصار المصادر الدينية للمسيحية في أيدي فئة قليلة من الناس، وإلى اقتصار حق شرحها وتأويلها عليهم وحدهم. فلما انقضت عصور الاضطهاد، واعتنقت الدولة الرومانية الدين الكنسي، احتفظ رجال الكنيسة بحق قراءة وشرح الكتب المقدسة، ولم يستوعبوا العهد الجديد.

ولأن رجال الكنيسة ورثوا عن أحبار اليهود صفاتهم الممقوتة من التعصب الأعمى، واتباع الهوى واحتكار الرأي، ظلت مصادر الدين الكنسي حكراً عليهم، لا تقع عليها يد لباحث أو ناقد من غير رجال الدين، وكان باستطاعة الكنيسة أن تفرض كل شيء باسم الإنجيل، وهى آمنة من أن أحداً لن يقوم حيالها بأدنى معارضة.[11]

وما ساعد الكنيسة على ممارسة هذا الطغيان هي بيئة المجتمع الذي كان معظمه من الأميين السذج الذين ألفوا العبودية والخضوع المستمر للقوى المسيطرة، وكانوا على درجة كبيرة من الضحالة الفكرية، كما كان سكان أوروبا قبائل همجية تعيش أسوأ مراحل التاريخ الأوروبي كله، لا سيما العصور الأولى من القرون الوسطى، التي تسمى العصور المظلمة، واعتنق هؤلاء الديانة الرسمية للإمبراطورية، وأحلوا عبادة المسيح محل عبادة الإمبراطور، لكنهم لم يتعرضوا ليقظة إيمان حقيقي، كتلك التي هز بها الإسلام نفوس معتنقيه، ورفع مستواهم الروحي والعقلي إلى آفاق عظيمة، بل ظلوا على تلك الحال من الهمجية والانحطاط حتى مطلع العصر الحديث.
لذا كان من الطبيعي للجماهير الغفيرة أن تنساق وراء عقولها السطحية وعواطفها الساذجة، فتصدق كل ما تسمع، وتؤمن بكل ما يقال، وكان رجل الدين هو كل شيء بالنسبة لها، فلم يكن هنالك أي أثر لعالم أو مؤرخ أو باحث، بل كان الظلام المطبق يسيطر على الحياة من كافة نواحيها، ورجل الدين هو الوحيد الذي يملك بصيصاً ضئيلاً، يتمثل في معرفته للقراءة والكتابة، وكونه الموجه الروحي للمجتمع. وبيئة هذه حالها، وأمة هذه صفاتها، جديرة بأن توفر للطاغية حماية كافية ومناخاً صالحاً لفرض طغيانه في المجال الذي يريد، وإشباع رغبته التسلطية كما يشاء.[12]

هذه الأوضاع والعوامل مجتمعة، وهي السلطة الكهنوتية المنظمة، والمصادر غير المكشوفة، والبيئة البدائية، جعلت من الكنيسة مارداً جباراً وطاغوتاً جائراً يملك كل مقومات البقاء ولوازم الاستبداد، ويريد أن يسيطر على كل شيء وفق إرادته وهواه. ولم تدع الكنيسة جانباً من جوانب الحياة دون أن تمسكه بيد من حديد، وتغله بقيودها العاتية، فهيمنت على المجتمع من كل نواحيه الدينية والسياسية والاقتصادية والعلمية، وفرضت على عقول الناس وأموالهم وتصرفاتهم وصاية لا نظير لها البتة.[13]

---------------------------------
[1] العلمانية: ص110- 111.
[2] انظر: العلمانية: ص116- 117.
[3] انظر: العلمانية: ص118.
[4] انظر: العلمانية: ص119- 120.
[5] انظر: العلمانية: ص75.
[6] انظر: العلمانية: ص128- 129.
[7] انظر: العلمانية: ص105- 106.
[8] انظر: العلمانية: ص99.
[9] العلمانية: ص123- 124.
[10] انظر: العلمانية: ص124- 125.
[11] انظر: العلمانية: ص125- 126.
[12] انظر: العلمانية: ص126- 127.
[13] العلمانية: 127.

--------------------------