المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مصر بين التحديات الداخلية والتهديدات الخارجية


عبدالناصر محمود
03-25-2016, 07:57 AM
مصر بين التحديات الداخلية والتهديدات الخارجية
ـــــــــــــــــــــــ

(علي محمد الذهب)
ـــــــــ

16 / 6 / 1437 هــ
25 / 3 / 2016 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/824032016012646.png





تنطلق السياسة الخارجية المصرية الحالية من إحساس مرهَف تجاه عدد من القضايا الداخلية والخارجية، يتخللها التزامات دولية استثنائية فُرضت على البلاد خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي، بموجب اتفاقية كامب ديفيد في 17 سبتمبر/ أيلول عام 1978م ومعاهدة السلام في 26 مارس/ آذار عام 1979م. على رأس القضايا الداخلية يأتي الاحتقان الشعبي الذي سبَّبه عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في 3 يوليو/ تموز عام 2013م، والوضع الاقتصادي الذي يزداد سوءاً بفعل هيمنة الفساد الذي تديره بروجوازية رجال الدولة العميقة المتماهون في مفاصل الدولة وحقول الاقتصاد والسياسة، ثم يأتي الإرهاب ليشكل أخطر أضلاع هذا المثلث على النظام القائم والبلاد برمتها.
في قضايا الداخل، ما تزال التظاهرات والاحتجاجات تُسيَّر في بعض أحياء المدن الكبرى، وفي أغلب أحياء مناطق العشوائيات "الفقيرة" في مدن الدلتا والوجه القبلي، بل وفي القاهرة كذلك، بحسب ما تنقله قنوات التلفزة المعارضة والقنوات اليوتيوبية، منددة بعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي الذي أطيح به في 3 يوليو/ حزيران عام 2013م، وبرفض استمرار سجن كثير من قادة وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين والمتعاطفين معهم الذين يقبعون في السجون منذ ذلك التاريخ، والمحكوم على بعض منم بعقوبات تصل بعضها إلى السجن المؤبد.
تمثل هذه القضية أحد أقوى الهواجس المؤرقة للسلطة القائمة التي ما يزال عظمها غضاً، وهي تقترب من نهاية السنة الثانية من عمرها المقَر دستورياً بأربع سنوات؛ إذ لم يتبق للانتخابات الرئاسية سوى عامين، إذا فرضنا جدلاً أن انتخابات ستُجرى في ميعادها، على نحو سابقتها التي أجريت في مايو/ آيار عام 2014م، وفاز فيها المشير عبد الفتاح السيسي بنسبة 97 % على منافسه المدني حمدين صباحي الذي حصل على 3 %!
ويزيد ذلك الهاجس توحشاً، فشل الحكومة الحالية التي لم تفِ بتعهداتها إزاء جملة من القضايا والمشكلات الهامة التي يعاني منها المصريون، كالصحة والتعليم والمواصلات، فضلاَ عن مشكلات الفلاحين الذين تراجعت كثير من دخولهم بسبب السياسة الزراعية والتسويقية الرديئة، خاصة مجال زراعة القطن. إن ما يؤكد فشل الحكومة تتردد أخبار مؤكدة عن تعديل حكومي مرتقب من شأنه الإطاحة برؤوس عدد من الوزراء الذين ثبت عجزهم وتقصيرهم في أداء مهامهم، ومع ذلك ما تزال السلطة تشعر بالقلق، وتخشى كثيراً انفجار احتجاجات مشابهة لما جرى في 25 يناير/ كانون الثاني عام 2011م التي أطاحت بالرئيس محمد حسني مبارك، حين دفعته لتسليم السلطة لمجلس عسكري بعد نصف شهر من اندلاعها.
إلى ذلك ما يزال الجنيه المصري يشهد تراجعاً أمام الدولار الأمريكي؛ حيث بلغت قيمة الدولار عشرة جنيهات مصرية، بزيادة قدرها ثلاثة جنيهات عن عام 2014م؛ الأمر الذي دفع البنك المركزي المصري، أواسط مارس/ آذار الجاري، إلى الإعلان عن تعويم الجنيه، وطرح عطاءين استثنائيين مجموعهما 1.9 مليار دولار؛ لتغطية مديونية العملاء بالنقد الأجنبي التي سبّبها الاستيراد المتزايد للسلع الخارجية، حسب مزاعم البنك، غير أن هذا الإجراء لم يُحدث سوى تغيراً طفيفاً، كاشفاً عن شراسة وسطوة الفساد الذي ينشب أظفاره في أغلب أجهزة الدولة.
في الصعيد ذاته، يعيش أغلب موظفي القطاع العام، والخاص كذلك، وضعاً معيشياً صعباً؛ نتيجة تدني الأجور؛ إذ يتراوح ما يتقاضاه الفرد من هؤلاء، كمرتب شهري، بين سبعمائة جنيه إلى ألف جنيه، أي ما يقارب المائة دولار إمريكي، أما الأوفر حظاً منهم، فيتقاضى ألفي جنيه، وهو - قطعاً - دخل متدنٍ أمام ما يواجه هؤلاء من تزايد في أسعار السلع الضرورية، وتدهور في الخدمات العامة التي تدفعهم إلى ما يوفره القطاع الخاص، في ظل استمرار تدهور قيمة الجنيه.
على الصعيد الخارجي؛ ثمة قضايا أكبر من أن توصف بأنها شديدة الأثر على الأمن القومي المصري؛ أبرزها مشكلة مياه نهر النيل مع إثيوبيا التي باشرت، مؤخراً، المرحلة الثانية من بناء سد النهضة الذي أثار جدلاً واسعاً إبان حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، واستغل ضمن الأوراق التي أثارها الإعلام لتهييج الجماهير على نظامه. وقد ترددت قبل أيام قليلة أخبار عن إزماع إثيوبيا القيام ببناء سد جديد من شأنه التأثير على تدفق مياه النيل في مصر، ما قد يدفع المصريين إلى خيار عسكري يستهدف هذه السدود، في حال إخفاق المساعي الدبلوماسية التي يكتنفها خداع ومراوغة الإثيوبيين، غير أن ثمن عمل كهذا، سيكون باهظ الكلفة مصرياً وعربياً؛ ذلك أن العالم النصراني لن يصمت حال تعرض إثيوبيا لذلك، وقد يكون هذا الأمر مبرِّراً لتدخل خارجي ضد مصر، أفدح نتائجه تمزيقها طائفياً بدرجة أولى، على نحو ما يروج له في سورية، أو عصبوياً جهوياً كحال اليمن.
تكشف الزيارات الخارجية التي قام بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى عدد من الدول الآسيوية، عن محاولة الرجل البحث عن آفاق تعاون وتكامل جديدة خارج المنطقة العربية، تقوم من خلالها شراكات اقتصادية بين مصر وتلك الدول؛ للتخفف من حدة الأزمة الاقتصادية في مصر؛ حيث زار كازاخستان نهاية فبراير/ شباط الماضي، فكوريا الجنوبية، ثم اليابان، وهي خطوة جيدة يمكن أن تحقق شيئاً لمصر، لكنها لن تغنيَها عن الدور العربي الذي ينبغي أن يكون في صدارة هذه الشراكة مع ما تفرضه الحاجة إليها الآن، من أجل مواجهة التحديات والتهديدات التي لم يعد الكيان الصهيوني وحده من يمثلها، بل برزت إيران أشد منه، وهي تخطط بنَفَس طويل للسيطرة على دول شبه الجزيرة العربية، عبر أذرعها المسلحة فيها التي باشرت واقعياً ذلك في العراق ولبنان وسورية واليمن، كما لن توقفها أطماعها عن بلوغ مصر.
أما الإرهاب فقد غدت مناطق من مصر مرتعاً له، تنشط فيها فصائل من تنظيم القاعدة وداعش، كما في سيناء وعلى الحدود مع ليبيا. لقد تحول الإرهاب إلى غول يبطش بمئات الجنود والضباط من الجيش والشرطة، كما لم تسلم منه المدن المصرية بما فيها المدن الكبرى، كالقاهرة التي شهدت عدداً من العمليات الإرهابية خلال العامين الماضيين، رغم القبضة الحديدية التي يتمتع بها الجيش والشرطة، فضلاً عن المخابرات المصرية التي لا يضاهيها في المنطقة سوى المخابرات الإسرائيلية.
أما الغل الأقوى الذي يكبل مصر، فاتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع دولة الكيان الصهيوني؛ اللتان بموجبهما أمِن الصهاينة جانب مصر بعد أن خاضوا معها ثلاثة حروب؛ حيث منحهم ذلك الحرية في استباحة أراضي الدول العربية المجاروة لفلسطين المحتلة، ومصادرة أراضيها، ووأد قضية فلسطين. ومثلما كانت اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام أغلالاً تطوق عنق مصر، فقد غدت سبيلاً لتطويق أعناق آخرين؛ كالفلسطينيين والأردنيين، عبر ما سمي باتفاق أوسلو 1 في 13 سبتمبر/ أيلول عام 1993م، وأوسلو 2 في 28 سبتمبر/ أيلول عام 1995م اللذين أبرما مع منظمة التحرير الفلسطينية، ثم معاهدة السلام مع الأردن، الشهيرة بمعاهدة وادي عربة التي وقع عليها في 26 أكتوبر/ تشرين أول عام 1994م.
أخيراً:
يبقى القول: كي تعزز مصر دورها وقوتها وحضورها الفاعل في الوسط العربي والدولي، وتنكسر معه الأطماع الصهيونية التلمودية والأحلام الفارسية الصفوية؛ فإن أول ما ينبغي الشروع فيه، ترميم فنائها الداخلي المنهك بأزمات السياسة والاقتصاد التي تبدو كمرض سرطاني يربض صامتاً، لكنه قد ينفجر فجأة مودياً بالجميع إلى المهالك. وليس لتكتل عربي قائم، اليوم، من قدرة على أن ينوء بهذا العبء، سوى مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهو ما سيعود بالنفع على الجميع.
قطعاً لا ينفي هذا القول ما يجب أن تقوم به المجموعة الحاكمة في مصر، بوصفها مفتاح الحل؛ من تضميد لجراح الداخل، وإعادة الجسور المقطوعة مع عمقها العربي الذي لا غنى لكل منهما عن الآخر، وهو ما يؤمله المصريون أنفسهم، قبل أشقائهم العرب.


-------------