المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شيعة العراق.. الحكم والمعارضة معاً!


عبدالناصر محمود
03-29-2016, 08:09 AM
شيعة العراق.. الحكم والمعارضة معاً!
ــــــــــــــــــــــ

(أمير سعيد)
ــــــ


20 / 6 / 1437 هــ
29 / 3 / 2016 م
ــــــــــ

http://www.almoslim.net/files/images/thumb/sadr_0-thumb2.jpg
مقتدى الصدر






وكأننا إزاء ثورة!
--------

مقتدى الصدر معتصماً داخل المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية، وداخلها وخارجها الأتباع ينتظرون إشارة من القيادي الشيعي البارز لاقتحامها.. مشهد هو للهزل أقرب منه إلى الجد من زوايا عديدة.



الصدر يرغي ويزبد من أجل سرقات اكتشف بعد ثلاثة عشر عاماً من الاحتلالين الأمريكي الإيراني لبلاده أنها تحصل وسط تواطؤ من ساسة لحكومة تتمثل كتلته البرلمانية فيها.




نهبت تريليونات من العراق مذ جاء "جيش المهدي" الذي يقوده الصدر، و"ميليشيا بدر" التي يقودها الحكيم، وغيرها من الميليشيات متمترسة بجحافل الجيشين الأمريكي والبريطاني لغزو العراق في العام 2003، اتخمت الأرصدة العمائمية حتى غدت عنواناً للثراء في بنوك الغرب والشرق، ثم "انتفض الثوار" مؤخراً يحاربون فساد غرقوا فيه حتى شحمات آذانهم.. ركض "الثوار" وهو يرفعون العلم العراقي، "وعاء الوطنية"، لا يعلون غيره، ويمسكون بلافتات ويصرخون بهتافات "إخوان سنة وشيعة، هذا الوطن ما نبيعه"، متجاهلين ما لميليشيا جيش المهدي من دور كبير في إنقاذ الاحتلال الأمريكي وأذنابه في العام 2006 وما حولها حينما كانت المقاومة العراقية البطلة في أوج قوتها، عبر مذابح يندى لها جبين كل إنسان، بل حتى كل حيوان يأنف أن يشرب الدماء لأجل الدماء.




المفارقات لا تنتهي؛ فـ"الثوار" اليوم هم موضع ترحيب القوى الأمنية وحمايتها، ولهم تفتح أبواب المنطقة الخضراء الحصينة، فكيف، وهم الأهل والشيعة والمرجعية التي تحكم العراق من خلف ستار؛ فالصدر كما السيستاني بيدهما أن يزيلا هذه الحكومة أو يبقياها رغم عدم تمتعهما بأي صفة رسمية في البلاد، لكن أومثل العراق اليوم تحت الحكم الإيراني بحاجة إلى صفة رسمية؟!





يغضب الصدر، والسيستاني أيضاً، الأكثر "خجلاً" من الظهور أمام الشعب من فساد اكتشفاه مؤخراً حين نحت اللعبة باتجاه مغاير تماماً للتي سارت إليه منذ إقالة نوري المالكي وثيقة الصلة بإيران، والعراق – بهما – مقبل على تغيير، لكن ليس على شاكلة الثورات العربية، وإنما - ربما - على الطريقة الخمينية.




من الناحية المؤسسية السياسية للدولة، يتعذر فهم ما يصنعه الصدر باعتصامه في المنطقة الخضراء مقر الحكم والسفارات؛ فالرجل يتوفر على كتلة كبيرة في البرلمان بوسعها لو أرادت أن تصنع شيئاً، ولو لم تصنع فتلك إذن هي الديمقراطية التي بشرنا بها الصدر نفسه حينما اندفعت جموع تياره في شوارع بغداد عقب الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين، الذي طالما نعتته الجماهير الصدرية بالديكتاتورية مطلقة اسم "هدام" عليه، لمزاً لخياراته السياسية وطريقته في الحكم.. هي "الديمقراطية الأمريكية ودباباتها" تلك التي أجلست كل الكتل الشيعية في مقاعد البرلمان وقلصت مقاعد السنة عبر التلاعب بديموجرافيا العراق ودوائره الانتخابية بمساندة غربية لا نظير لها في العالم.




مع هذا؛ فإن أهل السنة الذين اختزلت مقاعدهم في البرلمان والحكم ونحوا عن الوزارات والأجهزة السيادية، وقعوا في هذه أيضاً ضحايا العسف والقهر الطائفي؛ فبعد أن تعرضوا لمذابح لم يسبق لها مثيل إبان سنوات المقاومة القليلة، ثم قمعت ثورتهم الحقيقية في الأنبار قبل عامين، ثم وضعوا من بعد بين شقي رحى الحشد الطائفي وتنظيم داعش.. وقعوا اليوم ضحايا تأميم الحكم والمعارضة معاً.




رفض العالم مقاومتهم المشروعة، ودفاعهم عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ثم رفض ثورتهم السلمية، لكنه قبل إرهاب الميليشيات وتغنى بـ"سلمية" اعتصام الصدر، وهو بهذا وذاك قد أزاحهم كلية عن التأثير في السياسة العراقية، حتى غدا العراق الذي كان يحتضن أغلبية سنية، وربما لم يزل، خلواً من السنة في الحكم والمعارضة معاً، سواءً أكانوا ممن يقبلون بالعملية السياسية تحت الاحتلال أو ثاروا منتفضين سلماً أو قاوموا بما يملكون من أدوات الدفع والدفاع عن النفس والعرض والمال.





هذه صورة "ثورة الصدر" الآن، وهذا مدلولها الأظهر، ومن دونه ما يختفي في ضجيج هتاف المحتجين أو المدفوعين؛ فإيران لم تكن راضية تماماً عن إزاحة المالكي وتنصيب العبادي، وها هو قد أمسى محصوراً بين الجموع التي جرتها "الحوزة الناطقة" خلفها، و"الحوزة المستترة" أمامها..





اللعبة لم تنته؛ فالعراق يتغير بشكل يظهر في الأفق أنه باتجاه إيران أكثر.. ففي الميدان العسكري تعلو الثقة الإيرانية أكثر بالحشد الطائفي عن الجيش العراقي، وفي المنطقة الخضراء يضغط الصدر ويصمت السيستاني مقراً، لتتراجع الدمى السياسية خطوات للخلف..
اللعبة لم تنته؛ فعراق ضعيف تتجاذبه القوى الموالية لإيران أفضل لها من عراق متماسك سياسياً ولو كان موالياً في الجملة لها مع شركاء أضعف بالغرب..




واللعبة لم تنته؛ لأنه بالفوضى يمكن استكمال عمليات التهجير القسري للمسلمين، ويخلو حزام بغداد شيئاً فشيئاً من السنة، ووسط ضجيج "الثورة" لا مكان للفلوجة الأبية، ولا لأكثر من مائة ألف من أبنائها محاصرين بانتظار الموت صبراً أو الموت قتلاً أو الموت قهراً.. في وسط الصرخات "الثورية" تخفت حشرجات المحتضرين، وتذوب أنات المعذبين الجائعين، وتتأهب الميليشيات الدموية لإسكات صوت الفلوجة المزعج لأسماع الإيرانيين والأمريكيين على حد سواء.




وسط الهتافات لن يؤبه لبيانات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ولا لهيئة كبار العلماء بالسعودية ولا لعلماء المسلمين في العراق ولا لغيرهم، الداعية لإغاثة الفلوجة التي توشك أن تلفظ أنفاسها تحت قنبلة دخان "ثورة الصدر"، ووسطها ينحاز الإعلام – كعادته – بعيداً عن عمليات التهجير الممنهجة والمذابح الإجرامية، ويتغنى بـ"الثورة السلمية" التي يقودها قائد ميليشيات الذبح الإرهابية، "جيش المهدي" ثم "سرايا السلام" التي يسمع باسمها كل سني بالعراق فيتحسس رقبته من فوره.





هكذا العراق يتغير، ولكن حينما سينقشع غبار "الثائرين" ويأمن أكثر من 220 مسؤولاً عراقياً طائفياً حزموا حقائب نقودهم الثقيلة وفروا إلى الأردن وتركيا والإمارات بعد ذكر أسمائهم في لوائح الفاسدين، ستفيق – ربما ستفيق – المنطقة على نبأ تهجير وتغيير سياسي ونفوذ إيراني أكبر.. لكن بعد تحليل بسيط لما حصل سيكتشف الحقيقة ذاتها التي أزعجت جهاز "إطلاعات" الإيراني، ونظيره الاستخباري العراقي، وهي أن جموع التيار الصدري التي هاجت مؤخراً هي على كثرتها، قليلة.. قليلة للحد الذي يجسم معنى الانفضاض المتداعي عن "المرجعيات" وساستها.. هذا ربما كان أحد دوافع هذه المسرحية الثورية، وهو امتصاص غضب الجماهير، ليس جموع السنة، وإنما الشيعة أيضاً الذين أصبحوا لفرط فقرهم ونهب مرجعياتهم يتأسفون على حكم صدام ودولته.




بعد تحليل سريع سيلحظ الدارسون أن "ثورة الصدر" احتاجت شأنها شأن "ثورات الدول العميقة" بالمنطقة إلى كاميرات زائفة هي الأخرى لمحاكاة مناسبات ظلت تحفل بمئات الآلاف من الشيعة البسطاء قبل سنوات من أجل امتصاص غضب الجماهير الحقيقي.
لقد غدت الحالة الشيعية العراقية في أزمة شعبوية واستحقاقات اقتصادية مريرة قد لا يحصد ساستها وحوزاتها زقومها اليوم بالضرورة.. لكن غداً لناظره قريب.





-------------------------------