المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بخاري قرة باغ بوسعه قلب المعادلة السياسية


عبدالناصر محمود
04-07-2016, 07:16 AM
بخاري قرة باغ بوسعه قلب المعادلة السياسية
ـــــــــــــــــــــ

(أمير سعيد)
ـــــــ

29 / 6 / 1437 هــ
7 / 4 / 2016 م
ـــــــــــ

http://www.almoslim.net/files/images/thumb/azrbijan-thumb2.jpg





ربما العقدة مجرد نقطة صغيرة، لكن عندها تتجمع كثير من الخيوط.. وحين تمتد الخيوط لكل من تركيا وروسيا وإيران والكيان الصهيوني والولايات المتحدة؛ فإن العقدة تستدعي إمعاناً واهتماماً كبيرين.. وحينما تنطلق حمم النيران دون سابق إنذار في ميدان ما؛ فالظنون تتجه باتجاه الخارج أكثر منها للداخل في تفجير هذا الصراع مجدداً.




وحينما يكون الظرف هكذا الذي يخيم على الصراع الأذري الأرمني حول إقليم أذري، وما حوله من أرضٍ محتلة، يصبح الاهتمام بما يجري في أذربيجان أمراً بالغ الأهمية، فكل الأوراق ألقيت فوق الطاولة، وبدا العالم مقبل على جملة من الصراعات تشد أطرافه مؤثرة على المركز، المركز الذي لا يكاد يبتعد عن العاصمة السورية دمشق.




بخاري قرة باغ (أو ناجورنو كاراباغ).. ذلك الإقليم الأذري ذو الأغلبية الأرمنية الذي أعلن نفسه جمهورية منذ نحو ربع قرن، لم تعترف بها إلا أرمينيا الجارة المعادية بعد أن تم تهجير مئات الآلاف من الأذريين في حرب الإقليم، بعد وقوعهم في طريق غزو أرمينيا لأذربيجان لدعم انفصالييها في هذا البلد، ومقتل الآلاف منهم، وإفراغ الإقليم ذاته تقريباً من الأذريين (الشيعة) علاوة على احتلال 6 أقاليم أخرى في حرب 1992 - 1994.. هو أحد شواهد ما يمكن أن تخلفه الصراعات السياسية من مآسٍ إنسانية (30 ألف قتيل أذري، ومليون مشرد منهم)، وهو أحد شواهد الظلم الذي يحميه العالم حينما يكون في جانب منه "مسيحيون"، وفي الآخر، منسوبون للإسلام بالأساس.





والآن، يلفت النظر كثيراً أن الصراع الذي تفجر مؤخراً في الإقليم، وحصد عشرات القتلى من الجانبين يختلف كثيراً في مضمونه العسكري عن الحرب الماضية التي بدت فيها أذربيجان ضعيفة إلى حد بعيد قبل ربع قرن، وتحديداً أثناء فترة حكومتي سليمان ديميريل وتانسو تشيلر العلمانيتين في تركيا، والتي كانت فيها تركيا منكفئة كثيراً على ذاتها، ولم يكن لها تأثير يذكر في الإقليم، وكان منطقياً أن تندفع الدول داعمة لأرمينيا في عدوانها على أذربيجان، فيما تفتقر الأخيرة إلى ظهير إقليمي.



وما كشفه الصراع الأخير، وإن كان لم يتطور إلى حرب – على الأقل حالياً – أن العلاقات العسكرية التركية الأذرية المتصاعدة قد انعكست على قدرات أذربيجان في الرد على استفزازات الأرمن.




وإلى ذلك، فتصريح الرئيس التركي أردوغان: "ندعو الله من أجل انتصار أشقائنا الأذربيجانيين في هذه المعارك بأقل خسائر ممكنة"، وتأكيده: "سندعم أذربيجان حتى النهاية"، وانتقاد وزير خارجية تركيا جاويش أوغلو "الصمت حيال مواصلة أرمينيا احتلالها لـ 7 مناطق أذربيجانية (تمثل خمس مساحة الأراضي الأذرية)، رغم وجود قرارات دولية صادرة عن الأمم المتحدة والمجلس الأوروبي بهذا الصدد." ودعوته أرمينيا للانسحاب منها، جميعها تعني أن تركيا مهتمة بتحرير الأراضي الأذرية من الاحتلال الأرمني، وتقويض مساعي تحديد دورها الإقليمي، وأنها تطل بوضوح على ميدانيه العسكري والسياسي لهذا الصراع..





اهتمام تركيا مفهوم؛ فشعب أذربيجان هو أحد الشعوب التركية التي تعد تجسيداً للقوة الثقافية والعرقية الناعمة لتركيا، وأنقرة بحاجة إلى نفط وغاز أذربيجان، وتحتاج لورقة أذربيجان من أجل معادلة فزاعة إدانة مذابح الأرمن التي تلوح بها أوروبا وأمريكا في وجه تركيا على فترات متباعدة، كما أن مطالبات قطاع من أكبر أقلية غير فارسية في إيران، الأذريين (الذين يبلغون نحو 35 مليونا من سكان إيران) باستقلال دولة "أذربيجان الجنوبية" والاتحاد مع أذربيجان "الشمالية"، هو أحد الأوراق التي يتعين أن تحتفظ بها أنقرة في وجه إيران الداعمة للانفصاليين الأكراد المطالبين بدولة كردية كبرى في جنوب تركيا وشمالي سوريا والعراق. كما أن النموذج "الشيعي العلماني" في أذربيجان، والذي يعد منافساً لنظام ولاية الفقيه في إيران يجعل من أذربيجان نقطة ضغط أيديولوجية دائمة على النظام الإيراني إن نجحت في إيجاد نموذج جيد اقتصادياً على الأقل (كلا الدولتين يحكم بنظام استبدادي مع اختلاف التوجه الأيديولوجي والسياسي).




واندلاع الصراع مجدداً في إقليم بخاري قرة داغ محفز على فتح كل الملفات دفعة واحدة، فالروس الذين يدعون إلى "حل سلمي" للصراع الأذري الأرمني قصد تسكين الوضع على ما هو عليه من احتلال أرمني للأراضي الأذرية تدعمه موسكو، قد يجدون أنفسهم مضطرين للتعاطي مع الأتراك الداعين لعودة القرم إلى الحاضنة الأوكرانية بعد احتلالها منذ عامين من قبل القوات الروسية وضمها إلى أراضيها، ليس بالضرورة بالانسحاب، وإنما لتقديم تنازل ما في هذا الملف أو ذاك، أو إعادة النظر في كيفية معالجة القضايا المشتركة مع الأتراك بقدر أكبر من المرونة، بالنظر إلى إدراك موسكو المتنامي بقدرة أنقرة على خلط الأوراق وتصدير الأزمات وفتحها بالقرب من بحر قزوين ذي الأهمية الاقتصادية الاستراتيجية لموسكو وحلفائها.




وعلى الرغم من عدم التلاقي المباشر بين ما يحصل في قرة باغ، وبين صراع الإرادات العنيف في سوريا، إلا أن الأول في إحدى ملامحه يعد إحدى شظايا قنبلة الصراع السوري، الذي يضم كل يوم ملفاً جديداً للمساومة حوله!

----------------------------------