المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التدين.. الظاهرة الإنسانية الأزلية (1/ 3)


عبدالناصر محمود
04-10-2016, 07:39 AM
التدين.. الظاهرة الإنسانية الأزلية (1/ 3)
ـــــــــــــــــــــ

(أنور قاسم الخضري)
ـــــــــــ

3 / 7 / 1437 هـ
10 / 4 / 2016 م
ــــــــــ

http://taseel.com/files/5c7e2a6e91ce4d519bcb1c409c1797bc.png






تحتل قضايا الدين جزءا كبيرا من مساحة الفكر والوجدان الإنساني عبر التاريخ، ذلك أن التدين أمر حاضر في أعماق الإنسان. ويكثر الجدل حول الظاهرتين في العصر الحديث بعد بروز الإلحاد كدين عالمي، والعلمانية كنهج سياسي. ومنشأ هذا الجدل أمران: تحول الدين من خلال التدين البشري المنحرف إلى عنصر انحطاط وتعنت يشق بالإنسان وسيره في الحياة. والإغراق في الشهوات المادية إلى حد الرغبة للتخلص من الدين، لإراحة الضمير وصراع النفس والقضاء على نوازع التدين. من هنا كان الحديث حول التدين في غاية الأهمية باعتباره حاضرا في العاملين كليهما. وهذا ما سوف نتطرق له في عدة مقالات –بإذن الله تعالى.

التدين والدين:
------

الدين في اللغة: مشتق من الفعل الثلاثي: (دان)، وهو تارة يتعدى بنفسه، وتارة باللام أو الباء، ويختلف المعنى باختلاف ما يتعدى به. فإذا تعدى بنفسه كان بمعنى: ملكه، ساسه، أو حاسبه وجازاه. وإذا تعدى باللام كان بمعنى خضع له وأطاعه. وإذا تعدى بالباء كان بمعنى اتخاذ الشيء ديناً ومذهباً، حتى يعتاده ويتخلق به.

فمدار الدين في اللغة: الطاعة والانقياد؛ فالملك والسياسة والحساب والجزاء، واتخاذ شيء عادة، والتزام شرعة أو قانون، مرتبطة بهذا المعنى. لذلك فالدين سلوك دال على الخضوع بالأساس، ولا ينشأ إلا عن إيمان وعقيدة توجبه أو تحث عليه، أو تحرمه أو تنفر عنه. وهذا السلوك يكون له حكم الدوام غالبا.
فالدين علاقة بين طرفين، يخضع بموجبها طرف لآخر، وينقاد له، إيمانا بخبره وتسليما لأمره.
ومن ثمَّ فالتدين هو حالة يعبر الخلق بها عن الدينونة لخالقهم، وهو الترجمة التطبيقية لأخباره وأوامره وفق فهمهم لها وقدرتهم على امتثالها. فإذا اعتبر (الدين) وضعا إلهيا فإن (التدين) جهد بشري؛ لذلك فإنَّ ملامح (التدين) تختلف وتتباين في أصحاب (الدين) الواحد، رغم وحدة نصوصه وتعاليمه.
التدين كغريزة بشرية:
خلق الإنسان مزودا بغريزة التدين، وهي غريزة أصيلة في وجوده وكيانه ووجدانه. وقد ركب الإنسان من مجموعة غرائز تدفعه للتحرك في تحقيقها وإشباعها، كغريزة الحياة والبقاء، وغريزة التمتع والتملك، وغريزة الاجتماع والتعاون.. وهكذا. والحاصل أن هذه الغرائز دافعة للإنسان للعمل والتحرك والاستجابة للمؤثرات حوله.
يقول المؤرخ (ول ديورانت) -في موسوعته (قصة الحضارة)- عن الإلحاد: إنها "حالات نادرة الوقوع، ولا يزال الاعتقاد القديم بأن الدين ظاهرة تعم البشر جميعاً اعتقاداً سليماً، وهذا في رأي الفيلسوف حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية"[1]. وقد اتفق علماء (الأنثروبولوجيا) على تأصل غريزة التدين عند الإنسان، رغم اختلافهم على تفسيرها وموقفهم منها. فهي قاسم مشترك بين جنس بني آدم، ولا أدل على ذلك على تعدد مظاهرها وأن اتفقت في المعنى؛ وقلمَّا يوجد الإلحاد في البشرية، وإن وجد فقلمَّا أن يدوم، كونه طارئا على غريزة التدين ومخالفا للفطرة.

ولأن أخطر ما في غريزة التدين أنها تهيمن بطبيعة دورها على مناحي شخصيته وكافة مناشط حياته، ومصيره بعد هذه الحياة، لم تترك دون مؤشر داخلي يوجهها ألا وهو الفطرة السليمة.
وغريزة التدين في الإنسان تدفعه لأمرين: الإيمان والتأله، والطاعة والانقياد. فإنَّه يخرج للعالم المادي جاهلا ضعيفا محدود القدرة، فيرى ويحس ويشعر بما لا يمكنه تفسيره ولا إدراك حقائقه ولا معرفة منتهاه؛ فيجد حاجة داخلية تدعوه للإيمان بذات أعظم منه علما وقدرة، لتكون مصدرا للعلم والمعرفة بهذا الوجود وأسراره وألغازه، وملتجأ لحاجته وضروراته.

يقول إبراهيم –عليه الصلاة والسلام- وهو يحاجج قومه: ((ومَا لِيَ لَا أَعبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإِلَيهِ تُرجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدن الرَّحمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُم شَيئًا ولَا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُم فَاسمَعُونِ))، ياسين: 22- 25.

وإذا كان القرآن الكريم يؤكد لنا أن أصل الوجود البشري لم ينطلق من هذا العالم الأرضي "الدنيوي"، وإنما من عالم سماوي "علوي"، رابطا بينه وبين وجود الخالق الأعلى والمالك المطلق للوجود كله، فإنَّه يفسر منزع الإيمان البشري الموروث جيلا بعد جيل بما وراء المادة من خالق وعالم آخر، والإيمان بوجود اتصال بين الإنسان وخالقه وعالم علوي آخر يتطلع له.
وعلة النشأة هي إرادة الاستخلاف في الأرض: ((وإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً))، البقرة: 30. ورغم أنَّ أَوَّلَ أَمرٍ فَتَح الإنسانُ عينَه عليه هو العالم العلوي إلا أنَّ أصل خلقته كان "أرضيا"، كي يكون ذلك أدعى لأن يتلاءم هذا الـمُستَخلَف مع بيئة استخلافه: ((إِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ))، ص: 71.

هكذا ظهر آدم –عليه السلام- للوجود كأول نواة للجنس البشري في الوجود. وبعد أن حظي بالتعليم والتكريم الإلهي أسكن الجنة: ((وقُلنَا يَا آدَمُ اسكُن أَنتَ وزَوجُكَ الجَنَّةَ وكُلَا مِنهَا رَغَدًا حَيثُ شِئتُمَا))؛ وهذا التسكين كان المحطة الأولى للاختبار، فلم يؤذن لآدم التصرف بمطلق الحرية، بل بحدود: ((ولَا تَقرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فتَكُونَا مِن الظَّالِمِين))، البقرة: 33.

لقد كان الأمر صريحا والآمر معلوما لآدم، ومع ذلك طرأ عليه وعلى زوجه طارئ الغفلة والشهوة: ((فوَسوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ لِيُبدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنهُمَا مِن سَوآتِهِمَا وقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَن هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَينِ أَو تَكُونَا مِن الخَالِدِينَ * وقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَت لَهُمَا سَوآتُهُمَا وطَفِقَا يَخصِفَانِ عَلَيهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ ونَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنهَكُمَا عَن تِلكُمَا الشَّجَرَةِ وأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ))، الأعراف: 20- 22.
من هنا ظهرت المعصية، ومع ظهور المعصية الأولى جاء العتاب الرباني؛ وتحدد للإنسان طريق المعرفة وطريق الإيمان من التجربة الأولى، وتحركت نوازعه للتأله والطاعة: ((قَالَا رَبَّنَا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا وإِن لَّم تَغفِر لَنَا وتَرحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِن الخَاسِرِينَ))، الأعراف: 23. وهكذا أهبط إلى الأرض بهذه الخبرة والتجربة.

التدين كظاهرة اجتماعية:
---------------

ظاهرة التدين ظاهرة اجتماعية منذ فجر التاريخ، فغالبا ما تتجلى في سلوك جمعي وشرعة يخضع لها أفراد المجتمع، فلم يكن التدين شأنا فرديا. بل كان المجتمعات تصوغ في ظل التدين العادات والتقاليد والأعراف وأنماط العيش وسلوك الحياة العامة. وكان التدين الحاضر الأقوى في العلاقات والمصالح، والتركيب المجتمعي، فيوزع أدوار مكوناته ويفرز طبقاته في ضوء هذه الأدوار.
ويقدم علم الآثار (أَركيُولُوجيا) اليوم صورة متكاملة عن أثر التدين في الألبسة والمأكولات والأدوات والتشييد والعمران عبر جغرافيا التاريخ وتاريخ الجغرافيا. فلا تخل المدن الأثرية القديمة –في معظم الحضارات- من هياكل تنصب فيها تماثيل ما يشار لها بأنها "آلهة"، ويرسم على جدرانها صورها وصور الطقوس المتعلقة بها؛ بالإضافة للمعابد والنصب وأماكن تقديم القرابين. ويشمل الأمر مناشط الصناعة والزراعة وآلات الحرب والفنون.

هذا غالبا يرتبط بالديانات الوضعية التي تجسد "الآلهة" في تماثيل وصور، وتعطي للهياكل والمعابد صفة قدسية مبالغ في تجميلها وتشييدها وحجم عمرانها، بما يزرع في نفوس الداخلين إليها الانبهار والدهشة ومن ثمَّ المهابة والجلال. أما الديانات السماوية الحقة فقد نظرت للإنسان والحياة باعتبار مآلاتهم، ولم تستهدف إرهاق كاهل الإنسان كمتدين، فكانت التكاليف تنصب غالبا على المعاني والحقائق وما يتبعها من الشكليات والمظاهر دون غلو. فورثت الديانات السماوية المعاني ********ة والأخلاق والركائز الفطرية والقيم والمبادئ التي حافظت بدورها على التدين في حدوده الصحيحة.

إنَّ علم التاريخ يؤكد على أنَّ ظاهرة التدين ظاهرة عامة مشتركة بين بني البشر، وعلى امتداد التاريخ، وحاضرة بقوة في المجتمعات ما بين بداوة وحضارة، وفي حال التخلف والرقي. بل إن ظاهرة التدين -من حيث هي- كانت دافعا وراء الخرافة والأساطير التي صاغها الإنسان في حين فترة من الرسل لإملاء تصوره عن ما وراء الكون، وخلق إجابة عما لا يمكنه تفسيره ولا معرفة حقائقه. حتى بعض صور الشعوذة و***** مورست من قبيل الإيمان بما وراء الطبيعة من وجود غير مرئي، وافتراض عالم خفي تتصارع فيه الأرواح الخيرة والشريرة، وإرادات الألهة!

كما أن لغة المجتمعات الإنسانية لا تخلو من أثر التدين في ألفاظها، وفي عباراتها، وأمثالها وقصصها. ولو استُقصِيت لغاتُ الأرض لكان التعبير عن الإله أو الآلهة، وعن ما يتصل بالغيبيات السماوية أو الأخروية، حاضرا بقوة. بل إن ملاحدة الفلاسفة الذين أنكروا الخالق دونوا في مؤلفاتهم جدلا كبيرا حول هذه الحقائق وهم يحاولون دفعها عن "البسطاء" و"السذج" في نظرهم.
هذه الحقيقة يؤكدها القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ((وإِن مِن أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ))، فاطر: 24. لأن هذه الغريزة لا يمكنها الوصول إلى حقائق الغيب ودقائقه، وتفاصيل الوجود وكلياته، والطريق الموصلة لإرضاء الإله المعبود، دون توجيه وإرشاد رباني. ومن ثمَّ كان ولابد من إرسال الرسل، وإقامة الحجة، كما قال تعالى: ((ولَو أَنَّا أَهلَكنَاهُم بِعَذَابٍ مِن قَبلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَولَا أَرسَلتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِن قَبلِ أَن نَذِلَّ وَنَخزَى))، طه: 134.

فالغرائز لا تمتلك خارطة الطريق، بل تحدد الاتجاه، فالجائع لا يعرف النافع من الضار لمجرد وجود غريزة البقاء والاستمتاع، بل يستند في ذلك للتجربة والخبرة؛ والتدين كذلك لابد فيه من توجيه وإرشاد، لأن التجربة والخبرة ليس محل المعرفة فيه.
بذلك ارتبطت ظاهرة التدين بمفهوم النبوة والرسالة، والاتصال القائم بين أفراد من الجنس البشري بالعالم العلوي. ولم يخل دين من هذه الدعوى أكان حقا أم باطلا. حتى الأديان الشركية التي أعطت لبعض بني البشر خصائص الربوبية والألوهية إنما أرادت من وراء ذلك تأكيد ذلك الاتصال بين عالمي الشهادة والغيب، والأرض والسماء.
--------------------------
[1] قصة الحضارة، ول ديورانت، دار الجيل، بيروت: ج1/99.


-------------------------

عبدالناصر محمود
04-10-2016, 07:44 AM
التدين.. الظاهرة الإنسانية الأزلية (2/ 3)
ــــــــــــــــــــ


(أنور قاسم الخضري)
ـــــــــــ

3 / 7 / 1437 هـ
10 / 4 / 2016 م
ــــــــــ

http://taseel.com/files/808d384b8b37e5a7de9fe7e1063f26e5.jpg




مع كل محطة من محطات الصراع التي كانت تنشأ في المجتمعات البشرية بين الدين والعلم، أو الدين والمصلحة، أو الدين وحاجات الفطرة، كان الدين هو الخاسر، لأنه والحالة هذه ليس إلا تدينا بشريا لا دينا إلهيا، فما يصدر عن الله –عز وجل- لا يتناقض ولا يتضاد. فالعلم الإلهي المحيط، والحكمة الربانية التامة، والقدرة التي لا يعجزها شيء، والإرادة والمشيئة الواحدة، هو ما يميز الدين السماوي: ((ولَو كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلَافًا كَثِيرًا))، النساء: 82؛ وإذا كان الخلق خلقه والأمر أمره: )) أَلَا لَهُ الخَلقُ والأَمرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ))، الأعراف: 54، فإنه أعلم بخلقه وأحكم في أمره: ((أَلَا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ))، الملك: 14.

ويبقى السؤال كيف نشأ التدين الأول؟ وكيف نشأ التدين المنحرف؟!

منشأ التدين الأول:
----------

بعيدا عن تخرصات المدعين في نشأة التدين، والتي تذهب مذاهب شتى في ذلك، نقف في علمنا من ظاهرة التدين مع القرآن الكريم. فقد تضمن القرآن قصة النشأة الأولى للبشرية وكيف أنَّ آدم –عليه الصلاة والسلام- كان متصلا بالله تعالى في السماء، وأن هذا الاتصال لم ينقطع بعد نزوله في الأرض. يقول تعالى: ((قُلنَا اهبِطُوا مِنهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فمَن تَبِعَ هُدَايَ فلَا خَوفٌ عَلَيهِم ولَا هُم يَحزَنُونَ * والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصحَابُ النَّارِ هُم فِيهَا خَالِدُونَ))، البقرة: 38- 39.
فالجماعة الأولى التي عاشت على الأرض هي جماعة متدينة بفطرتها وبموجب خطاب الله تعالى لأبيها آدم –عليه الصلاة والسلام. يقول تعالى مخبرا عن هذه الحقيقة التاريخية: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ وأَنزَلَ مَعَهُم الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ ومَا اختَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءَتهُم البَيِّنَاتُ بَغيًا بَينَهُم فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذنِهِ واللَّهُ يَهدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّستَقِيمٍ))، البقرة: 213. وعن حبر الأمة عبدالله بن عباسٍ -رضي اللهُ عنهما- أنه قال: كان بينَ آدمَ ونوحٍ عشرةُ قرونٍ كلُّها على الإسلامِ. وفي رواية: كلُّهم على شريعةٍ من الحقِّ، فاختلَفوا فبعث اللهُ النبيين مُبشِّرينَ ومُنذرِين[1].

إذن الخلاف نشأ فيما بعد، وإن بقيت غريزة التدين موجودة وراسخة، إلا أن الناس بدأوا يأخذون في تشكيل تدينهم بعيدا عن الهدى الإلهي. يقول الإمام الطبري: "فإنَّ دليل القرآن واضح على أنَّ الذين أخبر الله عنهم أنَّهم كانوا أُمَّة واحدة إنَّما كانوا أُمَّة واحدة على الإيمان ودين الحق، دون الكفر بالله والشرك به؛ وذلك أن الله -عز وجل- قال في السورة التي يذكر فيها يونس: ((ومَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختَلَفُوا ولَولاَ كَلِمَةٌ سَبَقَت مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَينَهُم فِيمَا فِيهِ يَختَلِفُونَ))، فتوعد الله -عز وجل ذكره- على الاختلاف لا على الاجتماع، ولا على كونهم أمة واحدة، ولو كان اجتماعهم قبل الاختلاف كان على الكفر ثم كان الاختلاف بعد ذلك لم يكن إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان، ولو كان ذلك كذلك لكان الوعد أولى بحكمته الله -عز وجل ثناؤه- في ذلك الحال من الوعيد، لأنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته، ومحال أن يتوعد في حال التوبة والإنابة ويترك ذلك في حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك"[2].

إذن لم تكن الجماعة البشرية الأولى جماعة ضالة تائهة، ولم يكن الإنسان مطلع ظهوره في الوجود بدائيا ساذجا منفكا عن المعرفة والإيمان.. بل كائنا مهتديا وجماعة مؤمنة[3]. هذا الأصل الحق والأساس الصواب في حقيقة تشكل التدين لدى الإنسان والجنس البشري، والبحث لا ينصرف إليه بل إلى أسباب الانحراف في التدين، وأَخذِ التدينِ صورا شتى متباينة، لأن هذا هو الطارئ والاستثناء.
وفي الحديث عن عياض بن حمار المجاشعي أنَّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال ذات يوم في خطبته: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا)[4].

يقول الدكتور محمد عبدالله دراز -في كتابه العظيم (الدين)، بعد أن ناقش النظريات التي تتحدث عن ديانة الإنسان الأول: "هكذا عجزت وسائل العلوم أن تقدم لنا بيانا شافيا يطمئن إليه القلب عن ديانة الإنسان الأول. أما من أحب أن يسترشد بنصوص الكتب السماوية فإنه سوف يجد فيها ما يشد أزر القائلين بأولية العقيدة الإلهية الصحيحة، لا في الغريزة فحسب ((فِطرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا))، بل في التطور الزماني كذلك، فهذه النصوص تنادي بأن الناس بدأوا حياتهم مستقيمين على الحق مؤتلفين عليه، وأن الانحراف والاختلاف إنما جاء عرضا طارئا بعد ذلك: ((ومَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاختَلَفُوا))، وأن استمرار هذا الاختلاف واتساع شقته إنما كان بتأثير الوراثة، وتلقين كل جيل عقيدته للناشئين فيه، (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). إلى ذلك كله فإن الكتب السماوية متفقة على أن الجماعة الإنسانية الأولى لم تترك وشأنها، تستلهم غرائزها وحدها بغير مرشد ومذكر، بل تعهدتها السماء بنور الوحي من أول يوم، فكان أبو البشر هو أول الأفذاذ الملهمين، وأول المؤمنين الموحدين، وأول المتضرعين الأوابين"[5].

انحراف التدين:
---------

يخلق الإنسان مزودا بغريزة التدين، وبفطرة مرشدة للتدين الحق. يقول تعالى: ((وإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِم ذُرِّيَّتَهُم وأَشهَدَهُم عَلَى أَنفُسِهِم أَلَستُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى شَهِدنَا أَن تَقُولُوا يَومَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غَافِلِينَ))، الأعراف: 172. وهذا الميثاق هو ما تشهد به الفطرة: ((فأَقِم وَجهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا لا تَبدِيلَ لِخَلقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لا يَعلَمُونَ))، الروم: 30.
قال ابن كثير رحمه الله: "فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره"[6]. وقال ابن القيم: "بل الطفل يختار مص اللبن بنفسه، فإذا مُكِّن مِن الثدي وُجِدَت الرَّضاعةُ لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد مُعارضٌ، وهو مولود على أن يرضع؛ فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض"[7].

وإذا قررنا أن الدين منهج شامل للإنسان فإن بدايات الانحراف عن الدين لم تكن كلية وسريعة، بل جزئية ومتدرجة؛ لأن مقاومة الغريزة الدينية والفطرة السليمة للانحراف مركبة في أصل النفس البشرية، لا تستسلم ولا تفنى. وهذا يتناسب مع طبيعة التدافع التي تحكم سنن الكون والحياة. وإذا صحَّ أنَّ تحول الفرد الواحد يتم بهذا التدرج الذي يغيب الفطرة أو يشوه حسنها، كماء جاء في حديث أبي هريرة –رضي الله عنه، أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء)[8]؛ فإنَّ المجتمع الإنساني أولى بذلك. وجاء في حديث حذيفة بن اليمان –رضي الله عنه- قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- يقول: (تُعرَضُ الفتنُ علَى القلوبِ كالحصيرِ عودًا عودًا، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَ فيهِ نُكتةٌ سَوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنكرَها نُكِتَ فيهِ نُكتةٌ بَيضاءُ، حتَّى تصيرَ على قلبَينِ: علَى أبيضَ مِثلِ الصَّفا فلا تضرُّهُ فتنةٌ ما دامتِ السَّماواتُ والأرضُ، والآخرُ أسوَدُ مربادًّا كالكوزِ مُجَخِّيًا، لا يعرِفُ معروفًا ولا ينكرُ مُنكرًا، إلَّا ما أُشرِبَ مِن هواهُ)[9].

وصور الانحراف عن الدين تأخذ طابعين: طابعٌ يُنسَبُ إلى الدين ذاته، وطابعٌ يُخالفُ أحكام الدِّين وقوانينه ولا ينسب له. وما يميز الأول هو أن صاحبه لا يرى انحرافه أو مخالفته للدين، لأن مقصده بالأساس –غالبا- هو التدين وتعزيز الدين، في حين أن صاحب الانحراف الثاني لا يقصد التدين ويعلم مخالفة ما يقوم به للدين. صاحب الانحراف الأول يرى أنه مجتهد مأجور، وأن ما يمارسه أو يقوله أمر مرضي عنه، وصاحب الانحراف الثاني يرى أنه عاصٍ مستحق للعقاب، وأن ما يمارسه أو يقوله مغضوب عليه.
وهذا هو الاختلاف المشار إليه في قوله تعالى: ((ومَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختَلَفُوا))[10]. فمن غلبت عليه غريزة الشهوات غلبت عليه المعاصي، ومن غلبت عليه غريزة التدين غلب عليه الابتداع والغلو في الدين. والانحراف الثاني لا يوصف بكونه دينا أو تدينا بأي وجه من الوجوه، إلا إذا ادعى أصحابه ذلك –عياذا بالله، استهتارا بالدين، أما الانحراف الأول فهو ما يعرف بالدين (البدعي) أو (المحرف)، سواء بقى على أصله التوحيدي أو استحال إلى دين شركي. وربما تحول الانحراف الأول -مع مزاحمة الوضعي البشري للوحي الإلهي وكثرة المحدثات فيه- إلى دين مناف بالكلية للأديان السماوية، وصار صنعة بشرية محضة.

ومعظم الأديان الشركية الوضعية إنما استمدت فلسفة الدين من الأديان السماوية؛ وإن حولت وحورت في المضامين والمعاني والمفاهيم والطقوس والشعائر إلى حدِّ التناقض البين. فإثبات إله، أو خالق مدبر، فردا أو مجموعة، ثمَّ إصباغ الأوصاف والأسماء لها، وادعاء تأثيرها الخارق وقدرتها فوق الطبيعية، ونسبة التشريعات لها ولإرادتها، واعتبارها مقصدا للعبادة والدعاء والرجاء، إنما هي مماثلة للدين الأول ومضاهاة له!

هذا القدر المشترك هو الذي جعل كثيرا من الفلاسفة والباحثين المعاصرين الذين لم يهتدوا بهدى الوحي يتخبطون في موقفهم من الدين جملة وتفصيلا. فإنَّ هذا التعدد الكبير للأديان على امتداد التاريخ والجغرافيا في أكبر قضية في وجود الإنسان يدفع البعض للإلحاد وإنكار الإله والدين، واعتبار الدين "أفيونا للشعوب"، دون تمييز بين حق وباطل، وأصل صحيح وفرع مختلق!
وما يزيد من نفرة هذا الصنف من الناس من الأديان ما يصاحب الأديان البشرية الوضعية –أو الأديان السماوية المحرفة- من تناقض مع الفطرة، ومع العقل والعلم، ومع الخبرة الإنسانية، ومع مصالح الناس وحاجاتهم. فطبيعة الإنسان الجهل والظلم، ومقتضى الجهل مخالفة العقل والعلم والخبرة الإنسانية، ومقتضى الظلم تضييع مصالح الناس وحاجاتهم أو الاعتداء عليها. فإذا ما نسب هذا الجهل والظلم إلى الله –تعالى، وإلى مشيئته وإرادته، قاد ذلك للتشكيك في هذا الإله، وعلمه وحكمته ورحمته بعباده!
وهذا ما حذر منه الوحي، كتابا وسنة، من نسبة أقوال البشر وآرائهم وقوانينهم وأفهامهم إلى الله تعالى، بدون سند ولا برهان. يقول تعالى: ((ولَا تَقولُوا لِمَا تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وهَذَا حَرَامٌ لِّتَفتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لَا يُفلِحُونَ))، النحل: 116.
ويقول سبحانه: ((يَا أَهلَ الكِتَابِ لَا تَغلُوا فِي دِينِكُم ولَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الحَقَّ إِنَّمَا الـمَسِيحُ عِيسَى ابنُ مَريَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ ورُوحٌ مِّنهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيرًا لَّكُم إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ومَا فِي الأَرضِ وكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا))، النساء: 171.

ويقول جل ثناؤه: ((وإِنَّ مِنهُم لَفَرِيقًا يَلوُونَ أَلسِنَتَهُم بِالكِتَابِ لِتَحسَبُوهُ مِن الكِتَابِ ومَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ ويَقُولُونَ هُوَ مِن عِندِ اللَّهِ ومَا هُوَ مِن عِندِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُم يَعلَمُونَ))، آل عمران: 78.
---------------------------------------
[1] السلسلة الصحيحة، للألباني: ج7/854.
[2] جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري: ج4/280.
[3] يرى چيمس چورج فريزر (1854م -1941م)، عالم الإنثروبولوجيا الإسكتلندي، في كتابه المشهور (الغصن الذهبي- The Golden Bough)، أن كثيرا من الاساطير الدينية والشعائر الدينية أصلها منذ أيام ظهور الزراعة في عصر ما قبل التاريخ، وأن التطور العقلي البشري مرَّ بثلاث مراحل: ***** البدائي، والدين، والعلم.
ويرى سيغموند فرويد (1856م -1939م) الطبيب النمساوي ذو الأصل اليهودي، ومؤسس علم التحليل النفسي، أن الدَّين مجرد حالة نفسية سيكولوجية نابعة من آثار ومتبقيات فترة الطفولة، أو ما يصفها بعقدة "أوديب"، وهي فرضية تقوم على أن مرحلة تطور الطفل بين ثلاث سنوات وست سنوات تتميز برغبته في الاستئثار بأمِّه، لكنه يصطدم بواقع أنها ملك لأبيه، مما يجعل الطفل في هذه المرحلة من تطوره التي تمتد من السن الثالثة إلى التاسعة يحمل شعورا متناقضا تجاه أبيه: يكرهه ويحبه في آن واحد، جراء المشاعر الإيجابية التي يشمل بها الأب ابنه. وتجد عقدة "أوديب" حلها عادة في تماهي الطفل مع أبيه، لأن الطفل لا يستطيع أن يقاوم الأب وقوته فإنه يمتص قوانين الأب، فيتمثل عاداته وأفكاره وقوانينه في قالب فكري، فتتحدد سمات شخصية الطفل الأساسية في هذه الفترة التي تشكل جسر مرور للصغير من طور الطبيعة إلى الثقافة، لأنه بتعذر امتلاكه الأم يكتشف أحد مكونات القانون متمثلا في قاعدة منع زنا المحارم!
[4] رواه مسلم، برقم 2865.
[5] ص113.
[6] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: ج3/433.
[7] شفاء العليل، لابن القيم: ج1/300- 301.
[8] رواه البخاري ومسلم.
[9] رواه مسلم: برقم (144).
[10] يونس: 19.



-----------------------------------------

عبدالناصر محمود
04-10-2016, 07:48 AM
التدين.. الظاهرة الإنسانية الأزلية (3/ 3)
ـــــــــــــــــــــ

(أنور قاسم الخضري)
ـــــــــــ

3 / 7 / 1437 هـ
10 / 4 / 2016 م
ــــــــــ

http://taseel.com/files/831706b73816db96cbcd924c0791da34.jpg








الدين من حيث هو وضع رباني حقيقة واحدة، ودين واحد، كما قال تعالى: ((شَرَعَ لَكُم مِّن الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوحَينَا إِلَيكَ ومَا وَصَّينَا بِهِ إِبرَاهِيمَ ومُوسَىٰ وعِيسَىٰ أَن أَقِيمُوا الدِّينَ ولَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الـمُشرِكِينَ مَا تَدعُوهُم إِلَيهِ اللهُ يَجتَبِي إِلَيهِ مَن يَشَاءُ ويَهدِي إِلَيهِ مَن يُنِيبُ)) الشورى: 13؛ وهو الإسلام بما فيه من عقائد ثابتة وأصول محكمة وقواعد دائمة: ((إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسلَامُ))؛ وتعددت الشرائع تبعا لظروف كل أمة وبيئتها؛ وإنما اختلف الناس في مسارات التدين: ((ومَا اختَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلَّا مِن بَعدِ مَا جَاءَهُم العِلمُ بَغيًا بَينَهُم ومَن يَكفُر بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ))، آل عمران: 19. ومن حقق هذا الدين –في أي شرعة نزل- كان محققا للتدين الحق: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِين هَادُوا والنَّصَارَى والصَّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم ولَا خَوفٌ عَلَيهِم ولَا هُم يَحزَنُونَ))، البقرة: 62.

مجالات التدين:
---------

التدين باعتباره كسبا بشريا يتوزع على جوانب النفس الإنسانية: العقل والتفكير، العاطفة والوجدان، السلوك والعلاقات. فإخضاع العقائد والتصورات والبدهيات ومناهج التفكير وطرق الاستدلال ولغة الخطاب للدين مظهر من مظاهر التدين. وإخضاع العواطف والمشاعر والأحاسيس والغرائز والمطامع والنوايا للدين مظهر من مظاهر التدين. وإخضاع القول والفعل والحركة والمواقف والعلاقات للدين مظهر من مظاهر التدين.

ولا يمكن مطلقا أن يكون التدين محصورا في مجال من مجالات النفس البشرية إلا في حالة الادعاء والزيف أو الانفصام؛ لأن من طبيعة هذه الجوانب الإنسانية التأثير في بعضها البعض، وعكس تأثرها في ميدانها وترجمته حقيقة أو واقعا. غير أنه يقع كثيرا أن يتغلب جانب على جانب عند الأشخاص في الاهتمام والاصطباغ بالدين، فهناك من تدينه ميال للعقل والفكر، ومنهم من تدينه ميال للعاطفة والضمير، ومنهم من تدينه ميال للعمل والسلوك.

وقد تظهر علل التدين في هذا التغليب، كما تظهر في صور الانفكاك بينها كذلك. وحالة النفاق التي ذمها القرآن الكريم هي صورة من صور هذا الانفكاك بين حالة الظاهر المقاربة لمظاهر الدين وحالة الباطن المناقضة لجوهر الدين. ولا يتوقف الأمر على النفاق الذي يمثل الانفكاك فيها عمقا يصل إلى أصل الدين، وإنما يمتد إلى حالة الفسوق التي يتحول فيها المتدين سلوكا إلى مخالف للدين وإن كان متدينا في باطنه ومعظم أحواله. وقد حذر القرآن الكريم كثيرا من الظاهرتين، ونبه لأسبابها، وميز بينها في الحكم والمعالجة.

وهكذا يمكن أن نميز بين تدين ظاهر وتدين باطن، وبين تدين حقيقي وآخر زائف، وتدين كلي يصبغ مجالات النفس جميعا وتدين جزئي، ما يجعل فهم واقع التدين الإنساني أمرا سهلا ومدركا.

التدين والبيئة:
---------

يتشكل التدين وفق البيئة الاجتماعية المؤثرة فيه، بكل أبعادها وكل مظاهرها. لذلك سعى الإسلام لصياغة هذه البيئة الاجتماعية الكلية بمنظوره الإيماني في أبعادها ومظاهرها. فالإنسان ابن مجتمعه، فحيثما تجلت شعائر الدين وقيمه ومفاهيمه وشرائعه على المجتمع وهيئته بانسجام تام انعكست على أفراده بالضرورة. وهذا ما يوحي إليه حديث: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وإن لم يُدرَجُ فيه (يؤسلمانه)! لأن الحديث في سياق الكلام عن أصل الفطرة، أما في الأخلاق والشرائع والشعائر فإنَّ دور الأبوين لا ينكر في تربية وتنشئة الفرد عليها. وحيث أنَّ الناشئ في المجتمع المسلم السليم يتلقف هذه الأخلاق والشرائع والشعائر قبولا واقتناعا، كونها تتفق مع الفطرة في سياقها العقلي والنفسي، لم يكن نسبة الأسلمة للأبوين بقدر ما هو للقبول الذاتي. فالنفس السوية والروح النقية لا تؤسلم بل تسلم إيمانا ورضا وقناعة.

فإذا ما أقررنا بدور البيئة في تنشئة الإنسان –عقلا وعاطفة وسلوكا- كونها مصنع التشكل الذي يحيط بالفرد منذ مولده وحتى وفاته، عرفنا سبب اهتمام الدين (الرباني)، بل والديانات الوضعية جميعا، بإيجاد صبغة دينية عامة للمجتمع، ينصهر فيها الأفراد. وهذه الصبغة تتمثل في اللباس والعادات ولغة التخاطب والأعياد والمناسبات والشعائر الجماعية والتشريعات العامة. وهذا ما يلمسه الإنسان عند زيارة شعوب الأرض قاطبة، بتنوع دياناتها وعقائدها؛ فهناك صبغة عامة تشير إلى الدين والمعتقد. حتى البيئات العلمانية التي لا تقيم للأديان وزنا تعكس في نمط عيشها ومظاهر حياتها هذا المعتقد بوضوح، فالصبغة المادية والشهوانية واللغة الخالية من أي بعد روحاني حاضرة ظاهرة.[1]

إن من غرائز الإنسان التي طبع عليها التماهي مع المحيط، كونه لا يستطيع أن يعيش منعزلا أو مصادما بالكلية لهذا المحيط. وهذا التماهي قد يفرض على الإنسان مجاراة المجتمع في خصائصه وطبائعه ومظاهره ومشاعره، ومن ثم فإذا ما انحرف المجتمع انحرف الفرد، لذلك حرص الدين الرباني على اصطباغ المجتمع بشعائره وشرائعه وأخلاقه وقيمه وعقائده ولغته ظمانا لسلامة الأفراد.

التدين والعلم:
---------

مع توسع العلوم الحديثة، وتشعب التخصصات، أصبح الدين والتدين مادة من المواد المطروحة في الميادين العلمية المختلفة. وأُخضِعَت الديانات البشرية للدراسة والبحث والنقد بدون استثناء وفقا للرؤية الغربية الحديثة التي وقفت من الدين عموما موقفا رافضا. وهكذا بدأ العلم يربط ظاهرة الدين بالتدين، تاريخيا وواقعيا.

ومن بين أهم هذه العلوم:
-------------

علم الأديان: هو علم يبحث في الأديان من حيث منشأها وتطورها وانتشارها، والعقائد والأصول التي ترتكز عليها الأديان المختلفة، ومصادرها، وأوجه الاختلاف والاتفاق فيما بينها، والمذاهب والطوائف التأويلية في كل ديانة. وكان منشأ هذا العلم في تقدير الباحثين العهد الإسلامي، حيث سعى علماء المسلمين لبيان حقيقة الإسلام في مقابل الأديان الأخرى ما دفعهم للبحث والدراسة والتنقيب في الأديان والنحل الأخرى، فترجموا كتبها، وناقشوا نصوصها، ورصدوا حركتها وعلاقتها ببعض برؤية ناقدة. ومع قيام المدارس العقلانية في الغرب بدأ المفكرون في الغرب يهتمون بعلم الأديان بشكل أوسع، وعبر جهود مختلفة وواسعة، وإن لم تخل من مقاصد غير علمية غالبا!

علم الاجتماع الديني: هو علم حديث، ظهر في المائة السنة الأخيرة، ويدرس علاقة المجتمع بالدين، ووظائفه الاجتماعية، ويحلل مؤسسات الدين المجتمعية، وعلاقاتها وروابطها وأثرها. ونظرا لنشأته الحديثة، وكونه نشأ في بيئة غربية معادية للدين فقد كانت أغلب نظرياته منحازة تجاه الدين، فهي تراه ظاهرة اجتماعية لا أقل ولا أكثر. وهذا ما دفع بعض علماء المسلمين للوقوف من هذا العلم موقف العداء!
علم النفس الديني: وهو علم يدرس علاقة الفرد بالدين، وأثر الدين على الفرد، وتحليل البعد النفسي في الدين. وهو أحد فروع (علم النفس)، الذي دخل ميدان العلوم في القرن التاسع عشر الميلادي كعلم مستقل. وكما هو في حالة علم الاجتماع الديني يذهب بعض مفكري الغرب لدراسة الدين في علم النفس كـ"حالة نفسية"، ومتخذين من التحليلات النفسية طريقا لفهم الدين!

فلسفة الدين: وهي رؤى فكرية تتناول المعاني والمحكمات والتصورات التي تطرحها الأسس الدينية، وتفسيراتها للظواهر الطبيعية وما وراء الطبيعية، مثل الخلق والموت ووجود الخالق. وهي فرع من فروع الفلسفة، إلا أنها تتعلق بالأسئلة المختصة بالدين؛ من وجود الرب وطبيعة وجوده، والوحي والرسالة، والعلاقة بين الدين والعلم، والقدر وفعل العبد... إلخ. وفلسفة الدين قديمة جدا، وإن كانت بالأساس تحكيم للعقل فيما لا مدخل له فيه بالمطلق، لذلك فإنَّ فلسفة الدين تناقش خارج الأطر الأكاديمية من خلال المؤلفات والمناظرات. لذا.. فغالبا ما كانت فلسفة الدين مدخلا للطعن والتأويل للأديان، وهو ما يفسر حجم الانحراف الذي دخل على العقيدة الإسلامية في القرن الثالث الهجري نتيجة ترجمة كتب اليونان والإغريق وغيرها من الحضارات الفلسفية.

هذه العلوم باتت تسهم في عملية فهم ظاهرة التدين، والحالة الدينية، وإن كانت مناهجها وأدواتها لا تزال تعاني تأثرها بالموقف المنحاز تجاه الدين –من حيث هو، والدين الإسلامي خاصة، لطبيعة ظروف نشأة هذه العلوم، وانتمائها للغرب كند حضاري وديني.

وهناك محاولات عديدة اقتحمت أبواب هذه العلوم، محاولة الأدلاء فيها برؤية إسلامية معتدلة، تجمع بين حقائق البحث العلمي والدراسات الميدانية والتراث الفكري للمسلمين. لأن من شأن تناول قضايا المجتمع الإسلامي الدينية بمناهج ومصطلحات وأدوات غريبة عن بيئته وثقافته وتاريخه أن تكون غير صائبة ولا منصفة. من هنا نجد أن "الإسلام" بات متهما، كما أصبحت صورة "المسلمين" مشوهة، في واقع الخطاب الغربي من خلال حجم الدراسات والتقارير والمؤلفات التي تتحدث عن الأصولية والتطرف والعنف والإرهاب الإسلامي!!!

إنَّ دراسة ظاهرة التدين في أي مجتمع، وفي أي حقبة تاريخية، وتشخيص الفكر الديني لأي علم، يحتاج إلى الإلمام بهذه العلوم السابقة في حقائقها وآرائها العلمية؛ وهي وإن كانت لا تزال في خضم التشكل إلا أنه يمكن البناء عليها والإفادة من صحيحها.

أنواع التدين:
-------

مع كثرة البحوث والدراسات بدأ هناك توجه لدراسة ظاهرة التدين بتنوعاتها المختلفة. فهناك دراسات حول "التدين الشعبي" ويقصد به تارة تدين الصوفية وتارة تدين العامة، والذي يختلط فيه الديني بالتقاليد والأعراف والعادات. وهناك "التدين الرسمي" ويقصد به ذلك النمط من التدين الذي تفرضه السلطة وتسوق له، وتوظفه لمصالحها. وهناك "التدين الطائفي" وهو التدين الذي يتشكل حول مذهب أو سلالة أو فكر، منفكا عن المجتمع ومنعزلا عنه. وهناك "التدين الجدلي" ويشير إلى التدين الناشئ في الوسط الفلسفي أو الفقهي والذي يأخذ منحى جدليا عقليا أكثر منه منحى روحيا.

وأيا يكن فإنَّ تمييز التدين عن الدين، وتخليص الدين من الصور الخاطئة في التدين، والانحرافات التي تقع في أتباعه، باتت ضرورة مع شدة الهجمة على "الدين الإسلامي" باعتباره هدفا للتشويه وتحميله خطايا الفرق والطوائف وأخطاء أبنائه. كما أن تجريد نصوص الدين الثابتة من تأويلات البشر التي دخلت عليه تحت تأثير تدينهم هم مهمة غاية في الأهمية لكي يبقى لنصوص الوحي ضيائها ونورها الذي يمتد عبر الزمن.

وإنه "مستحيل أن تتلاشى فطرة التدين في الإنسان لأنها أشرف ميول النفس، وأكرم عواطفها،... ففطرة التدين ستلازم الإنسان ما دام ذا عقل يعقل به القبح والجمال، ورؤية يجيلها في الكون والكائنات، وستزداد فيه هذه الفطرة حياة وقوة على نسبة علو مداركه، وسمو معارفه"[2].
-------------------------------------
[1] محاربة الدول العلمانية لالتزام الأفراد بالشعائر الدينية الظاهرة، ورفضها لأي تغلب لهذه المظاهر والشعائر على صبغتها المجتمعية وملامحها العمرانية، وحرصها على تضييق دائرة الدين في حدود خفية وفردية، ما هو إلا اتساق مع تصوراتها "الدينية" الوضعية التي تؤمن بها!
[2] دائرة معارف القرن العشرين، محمد فريد وجدي، مادة (دين). انظر: مجلة البحوث الإسلامية، الجزء: 1، ص63.


-----------------------