المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : للعام التالي.. إرهاصات الانقلاب في تركيا


عبدالناصر محمود
04-13-2016, 07:26 AM
للعام التالي.. إرهاصات الانقلاب في تركيا
ــــــــــــــــــــــ

(أمير سعيد)
ـــــ

6 / 7 / 1437 هــ
13 / 4 / 2016 م
ـــــــــــ

http://www.almoslim.net/files/images/thumb/coupturkey-thumb2.jpg





في شهر إبريل من العام الماضي، حينما كانت تركيا تستعد لإعادة الانتخابات النيابية، كتبت هنا مقالة بعنوان "إرهاصات الانقلاب في تركيا" بثثت فيها مخاوفي من سيناريو انقلابي في تركيا، ووضعت فيها دوافع هذه المخاوف، وقلت فيها إن الانقلابيين سيلجأون أولاً إلى الإفشال "ديمقراطياً" عبر الصندوق بعد عدد من الحوادث الإرهابية وغيرها، "لكن حينما ينقطع الأمل لدى هؤلاء؛ فسينحصر أملهم في أسلوب الانقلابات، سواء أكانت صريحة أم مغلفة.. بعض الأعمال التي رأيناها توفر شيئاً من هذا إن زادت وتيرتها وأزعجت المستثمرين والسياح، وساهمت بسرعة في تدني الليرة التركية، ويبدو أن "الانقلابيين" ماضون في تنفيذها.. ومن يدري إن عجزوا أي سبيل انقلابي آخر سيسلكون".



بعد النشر، واجهت انتقاداً من كاتب تركي مرموق أستمتع كثيراً بالاطلاع على آرائه يرى فيما كتبت مبالغة، وأن فكرة الانقلاب بعيدة عن الواقع كثيراً.. صمتت عاماً، أرقب تلك الإرهاصات وهي تتنامى، حتى غدا الحديث عن الانقلاب في تركيا علنياً وتجاوز حد الهمس في الغرفات المغلقة.



مايكل روبن السيناتور الأمريكي، والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية كشف – خلال مقال له نشر على موقع إنتربرايز الأميركي للأبحاث السياسية العامة في شهر مارس الماضي عن أن "جهات سياسية أمريكية مستعدة بالاعتراف بأي انقلاب يستطيع الإطاحة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان"



المقال أحدث ضجة في تركيا من حيث جرأته ومكانة كاتبه ومغزى نشره في هذا التوقيت الذي لا يعد اعتباطياً؛ فمثل هذه المقالات "لا تعبر بالضرورة عن رأي أصحابها" فقط! خلافاً لما تذيل به الصحف مقالات الرأي بها، ولقد تعددت ردات الفعل الناجمة عنه كما ترافق معه ما يشي بأن روبن لم يتحدث عن فراغ.


قيادة أركان الجيش أصدرت بياناً اعتبر نافياً لفكرة الانقلاب، لكن منذ متى وقيادات الجيش تعلن عن أن ما تفعله انقلابات أو "تبشر بها" من قبل حصولها بفترة؟!
"القوات المسلحة لن تكون طرفاً فى دائرة السياسة أو الحكم ولا ترضى أن تخرج عن دورها المرسوم لها فى الفكر الديمقراطى الأصيل النابع من إرادة الشعب" .. يبدو التصريح مطمئناً جداً لمن يأخذ بظواهر التصريحات، لكن لسوء التقدير والقدر ليس هذا هو بيان قيادة الأركان التركية، بل تصريح المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية قبل الإطاحة بالرئيس مرسي بيومين اثنين فقط.



بيان قيادة الأركان برغم نفيه النية الانقلابية، مقلق، فما من جيش - تقريباً - في العالم قالت قيادته أن ما تنفذه هو محض "انقلاب"، وفي عالمنا الإسلامي؛ فإن نادراً ما يصدر الانقلاب على أنه بهدف الحفاظ على "علمانية الدولة"، ومحال أيضاً أن يقال إنه قد جاء من أجل "تكريس الولاء لقوى دولية"! وإذا كانت "واشنطن بوست" (أبرامووتز وأدلمان وبلايز ميسزتال دعوا في الصحيفة إلى تغيير النظام في تركيا) و"نيويورك تايمز" (نشرت مقال مايكل روبن) تتبادلان التحريض على الحكومة التركية، وهو ما يشي بأن ثمة توافقاً مبدئياً لدى القوتين الأعظم في الولايات المتحدة الأمريكية على عدم الرضا عن الإدارة التركية؛ فإن النظر إلى تحركات حلفاء واشنطن في تركيا بجدية يصبح أمراً ضرورياً





الولايات المتحدة بالمناسبة هي صاحبة النصيب الأوفر في تنفيذ وتشجيع الانقلابات العسكرية حول العالم في آسيا وإفريقيا، وهي ذاتها التي تقدم دعماً للفصائل الإرهابية الكردية في سوريا لحد أزعج تركيا، واضطر رئيسها أردوغان خلال زيارته للولايات المتحدة الأمريكية لحضور القمة النووية أن يدعوها بشكل صريح إلى وقف دعمها لقوات حزبي العمال الكردستاني بتركيا والاتحاد الديمقراطي الكردي بسوريا، وهما الحزبان الإرهابيان اللذان يديران أعمال عنف ضد تركيا، وتنفذ أفرعهما العديد من الهجمات في أنقرة واسطنبول، والجنوب الشرقي لتركيا. وهذه المنطقة بالذات التي تحدثت عنها العميلة البريطانية السابقة للاستخبارات البريطانية في حديث لصحيفة تقويم التركية (23 مارس الماضي) كمنطقة نشاط للاستخبارات الغربية ودعم للإرهاب بها، فقالت: "هناك دول كبرى قامت بتفجيرات في دول أخرى لنشر الفوضى، العديد من العناصر الاستخباراتية الغربية متواجدة في الجنوب الشرقي من تركيا، استخبارات تابعة لـ كندا وبريطانية والولايات المتحدة الأمريكية، وأستراليا متواجدة في المنطقة تعمل وتتحرك بالتنسيق فيما بينها، والتي هي كما تعلمون جزء من منظومةFive Eyes (العيون الخمسة)، والنائبة البريطانية "ناتالي مجغاري" التي تم اعتقالها في ولاية دياربكر، كانت تعمل على جمع معلومات استخباراتية في الجنوب الشرقي من البلاد".



والولايات المتحدة التي تحتضن الانقلابي فتح الله كولن، هي ذاتها التي مررت مجلة أتلانتيك الأمريكية خلال حديثها المطول مع الرئيس الأمريكي أوباما "انطباعاً" عن نظيره التركي بأنه "مستبد"، وأعقبه بتصريح علني في ختام القمة النووية، قال فيه رداً على سؤال: "لا شك في أن الرئيس أردوغان قد تم انتخابه عبر عملية ديمقراطية لمرات عديدة، لكني على قناعة أن النهج المتبع ضد الصحافة في تركيا سيجرها إلى مسار مزعج للغاية وغير مريح، وسنبقى نقدم النصائح لهم في هذا الشأن".. هذا تصريح يفتقر إلى اللياقة المتعارف عليها في وجود زيارة ضيف، لاسيما إن كان بحجم رئيس الجمهورية التركية.




غير أن قلة لياقة أوباما، وما سبق ربما ليس كافياً لدى كثيرين للحديث عن انقلاب متوقع في تركيا، لاعتبارات كثيرة، منها نجاحات إدارة حكومة العدالة والتنمية في القيام بحزمة من الإجراءات أدت إلى تقليص دور الجيش التركي في الحكم وإبعاده عن السياسة، من خلال تعديلات عامي 2004 و2010 الدستورية وتعديلات قانون الخدمة العسكرية في العام 2013، بما أفضى إلى "قدر من" ضبط أداء المؤسسة العسكرية في سياق دورها المنوط بها احترافياً البعيد عن السياسة، وبما مكن من محاكمة مجموعات الانقلابيين كشبكة أرغنكون التي تورط فيها مئات من كبار الضباط والضباط.



كما أن حجم الازدهار الاقتصادي والتنموي والنجاح في أصعدة التعليم والصحة والثقافة والدور الإقليمي والدولي الذي باتت تلعبه تركيا، وتمكن قيادات وكوادر حزب العدالة والتنمية من الإمساك بخيوط الحكم ودرايتهم بأسراره ودهاليزه، وردات الفعل القاسية المتوقعة في حال نفذ انقلاب في تركيا، ووجود أجيال شبابية متعاقبة قد تربت على نظام ديمقراطي حر تكاد لم تعرف سواه، وكثير من العوامل الأخرى تجعل الانقلاب بالغ الصعوبة، ويحرف الرغبة بإسقاط حكومة الرئيس أردوغان باتجاه إفشال ثم صندوق أو فوضى هو أكثر ترجيحاً من الانقلاب العسكري المباشر.



لكن من دون شك، أن اختلافات كبيرة بدأت تظهر حولت الأنظار قليلاً على الأقل إلى فكرة ورود هذا الاحتمال (الانقلاب) ولو بدرجة قليلة، فما كان يهمس به صار اليوم يتردد علناً في مقالات مهمة وتصريحات أوروبية مبطنة، وحتى تصريحات من حكومة أحمد داود أوغلو، وعلى لسان أردوغان نفسه، الذي صرح منذ أيام قائلاً: "بدأنا بتشكيل المؤسسة الأمنية من جديد عقب محاولة الانقلاب الأخيرة حيث حاول التنظيم الموازي القيام بعملية تخريب بالمؤسسة".. وهو تصريح ينضح منه القلق.



ما نخلص إليه، أن بياناً للجيش يصدر للنفي "الإجمالي"، هو تعبير عن قوة طرح الفكرة من قبل آخرين بالداخل والخارج، وتزايد أعمال العنف وتسميم الوضع الأمني، هي أيضاً تدفع في الاتجاه ذاته، وجرأة الإعلام والأحزاب المعارضة لحد إساءة رئيس الحزب المعارض الأول (الشعب الجمهوري) لوزيرة محجبة بنقد يحمل إيحاء لا أخلاقي، هي كذلك مؤشرات تدعو للقلق.. الخ



هناك تفسيران لا ثالث لهما لهذا التصعيد، إما أن قوى عالمية وإقليمية تمارس ضغوطاً هائلة على الحكومة التركية، والأسباب لذلك عديدة: الملف السوري، الملف الصهيوني، ملف الأسلمة، المقايضة على الدستور والنظام الرئاسي، المصالحة مع مصر.. الخ
وإما أننا بصدد تحضير حقيقي لانقلاب.. هذا احتمال ليس الأكبر، لكنه وارد، وترتفع "أسهمه" القليلة يوماً بعد يوم.




----------------------------