المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سيناريوهات مباحثات الكويت بشأن اليمن


عبدالناصر محمود
04-19-2016, 07:08 AM
سيناريوهات مباحثات الكويت بشأن اليمن
ـــــــــــــــــــــ

(سلمان راشد العماري)
ــــــــــــ

12 / 7 / 1437 هــ
19 / 4 / 2016 م
ـــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/818042016110412.png




ما تزال الضبابية تسود المشهد السياسي والعسكري في اليمن، ما يعزز فرضية فشل تام لجهود التسوية وايقاف الحرب، حتى اللحظة، وانعدام أي بارقة أمل في الخروج من النفق بالغ العتمة في هذا البلد الفقير، الذي يتآكل الصراع الداخلي الدامي والتجاذبات الخارجية.
واللافت في المسار السياسي للأزمة اليمنية تشتت أطراف الصراع في اتجاهات متباينة بحثاً عن حل غدت معه فرص الالتقاء بعيدة المنال، على الأقل في الأجل القريب، في حين يبدو دور الأمم المتحدة متراخياً إن لم يكن عبثياً وليس بحجم الحدث والمأساة المستمرة في اليمن، والتي يتحمل مجلس الأمن فيها المسؤولية الأخلاقية لعدم تنفيذ قراره رقم 2216 الخاص بالأزمة اليمنية.
ووسط ترقب حذر يتابع الكثير من اليمنيين اليوم بقلق بالغ في الداخل والخارج، ما ستسفر عنه مباحثات لقاء الكويت الذي ستبدأ أعماله الاثنين 18 إبريل/ نيسان 2016م، بين ممثلي الحكومة الشرعية وممثلي معسكر الانقلابيين (صالح والحوثيين).
وبخلاف جولات التفاوض السابقة، التي لم تحدث تغييراً على الأرض، تأتي مباحثات الكويت في وقت يبدو فيه المشهد السياسي حالياً في اليمن، أكثر عقلانية وأكثر اعتدالاً، ممّا يبعث على الكثير من التفاؤل، خصوصاً بعد حالة التقارب والتفاهم التي جرت مؤخراً بين المملكة والحوثيين، وتم بموجبها التوقيع على اتفاق يقضى بوقف عمليات مليشيا (الحوثيين وصالح) على الشريط الحدودي ونزع الألغام وتبادل للأسرى بين الجانبين.
غير أن ذلك لا ينفي وجود عدد من علامات الاستفهام بخصوص مواقف بعض الأطراف المؤثرة في الوضع الحالي في اليمن، التي من المرجح أن تترك تأثيرها على الوضع الحالي والتسوية السياسية المرتقبة في اليمن، تتعلق علامة الاستفهام الأولى بالرئيس المخلوع صالح، فلا أحد يعرف على وجه الدقة حتى الآن ما هو موقفه والقوات الموالية له من مسار المفاوضات الجارية والتسوية السياسية.
وتجب الإشارة هنا إلى أن عملية المفاوضات وخريطة المكونات والأطراف المشاركة في الكويت لم تتضح بعد، وليس من الواضح حتى كتابة هذه السطور كيف سيشارك صالح أو ممثلون عنه في المفاوضات، لكن من المرجح أن تلقي المملكة بكل ثقلها من أجل إبعاد صالح عن التسوية وعن أي دور له في مستقبل اليمن، في مقابل تقديم إغراءات إلى الحوثيين وقيادات في حزب المؤتمر الشعبي اليمني المنشقين عن علي صالح.
أما علامة الاستفهام الثانية فإنها تتعلق بالحوثيين أنفسهم، إذ ليس واضحا البتة ما إذا كانت جماعة عبد الملك الحوثي بأجمعها على قلب رجل واحد فيما يتعلق بالمفاوضات، أم أن هناك انقساماً في أوساط الحوثيين ومكوناتهم وفصائلهم المختلفة، بدا ذلك من خلال بعض التعليقات الصادرة من طهران أن بعض الحوثيين (الموالين لإيران) يميلون إلى التشدد.
في حين أن طرفاً وبعضاً آخر من الحوثيين يقيم تقريباً في العاصمة الرياض منذ أواخر فبراير الماضي، وشارك في سير المفاوضات التي تمت في ظهران الجنوب مع مسئولين سعوديين تتعلق بإجراءات لبناء الثقة والاتفاق على مقومات لضمان نجاح مفاوضات الكويت.
ومن غير المستبعد أن تلجأ طهران إلى دعم الجناح المتشدد من الحوثيين بغرض تعطيل أو إفشال المفاوضات، ذلك لأن استمرار الصراع ضد السعودية هو أحد الأهداف الاستراتيجية للمتشددين من أنصار تيار الثورة في إيران ومنهم على وجه الخصوص قيادات الحرس الثوري الإيراني.
وعلى الرغم ممَّا تعانيه اليوم جماعة الحوثي من انهيارات عسكرية وضغوط اقتصادية واجتماعية، فإن متطلبات قرار مجلس الأمن رقم 22016، ومخرجات الحوار الوطني، ليست أقل إيلاماً من ذلك؛ فكل المطالب تهدف إلى نزع عنصر القوة "الوحيد" بالنسبة إلى الجماعة، وهو تسليم السلاح، حاول الحوثيون خلال المباحثات السابقة الدفع نحو اعتماد وثيقة "اتفاق السلم والشراكة" لتكون مرجعاً رابعاً للمباحثات اليمنية، غير أن فريق الشرعية والحكومة اليمنية وقوات التحالف العربي رفضت ذلك؛ لكون تلك الاتفاقية تم التوقيع عليها تحت الضغط والإكراه، وأن المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني والقرار الأممي 2216 هي المرجعيات الوحيدة لأي مباحثات قادمة.
وفي الوقت الذي نجد فيه المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ يعلن موافقة أطراف الحوار على المحددات الخمسة لإجراء المباحثات، "انسحاب المليشيات والجماعات المسلحة من المدن، تسليم السلاح الثقيل للدولة، والترتيبات الأمنية الانتقالية واستعادة مؤسسات الدولة، واستئناف الحوار السياسي الشامل، وإنشاء لجنة خاصة للسجناء وإطلاق أسرهم"، لتكون منطلقاتٍ أساسيةً للحوار، الإ أنَّ جماعة الحوثي، على لسان المتحدث الرسمي لها في أكثر من تصريح وبيان ترفض أي شروط مسبقة.
وبالنظر إلى ما حملته هذه المحددات ومحاولة فهم رفض جماعة الحوثي للشروط المسبقة لا يمكن تفسير ذلك الإ بأمرين لا ثالث لهما: الأول كون الجماعة لا تريد أن تظهر أمام أنصارها على أنها طرف ضعيف يخضع لشروط الخصم والعدو حد تعبيرهم، أو الثاني كون الجماعة ترغب في إطالة وقت الحوار تهرباً من مخرجاته، وانتظار حدوث متغير على الساحة.
وفي الجملة يبدو أن تعدد الأطراف الفاعلة في الملف اليمني وتقاطعات المصالح، فكل طرف في الداخل له حليف إقليمي أو دولي، هو ما يزيد المشهد تعقيداً ويحُوْل دون التوصل إلى اتفاق عاجل لوقف النزاع وبناء السلام الوطني، حيث يهدف كل طرف إلى تحقيق أهدافه وأهداف حلفائه.
فالسلطة الشرعية ومعها الأحزاب الموالية لها تسعى إلى استعادة مؤسسات الدولة ونزع السلاح من الجماعات المسلحة، ومن بينها الجماعات التي تقف إلى جانبها اليوم في معركتها مع معسكر الانقلابيين المتمثل بـ (الحوثيين وصالح)، وفرض هيبة الدولة على مناطق البلاد كافة، وهذا مشروع أصبح شاقاً بعد العبث الذي طال مؤسسات الدولة عقب الانقلاب عليها من قبل مسلحي حلف المليشيا
علاوة على كون قوات الشرعية والحكومة اليمنية والتحالف العربي تهدف إلى دفع الحوثيين إلى تشكيل حزب سياسي، وهو ما يسهل التعامل معه، بيد أن الأخير يخشى من حالة الفناء والسقوط في الملعب السياسي؛ نظراً لخبرته المتواضعة جداً، بخلاف الخبرة العسكرية والقتالية، فضلاً عن طبيعة مشروعه غير المتسق مع متطلبات العمل السياسي والمدني.
عدا أن جماعة الحوثي في حقيقة الأمر تسعى إلى تطبيق إحدى هذه التجارب: الأولى: التجربة الإيرانية؛ وهي حكم اليمن بواسطة مرجعيات دينية، مع وجود ديمقراطية شكلية، وهذا أصبح مستبعداً بعد عاصفة الحزم، يليها التجربة الثانية: تجربة حزب الله؛ وهي التحكم في الدولة لا حكم البلد؛ وذلك للهروب من تبعات الحكم، وهذا لا تزال الحركة تسعى إلى تحقيقه؛ إن استطاعت.
فيما التجربة الثالثة وهي الاستمرار في حالة الحرب وإبقاء البلد في "حكم اللادولة،" والسيطرة على منطقة جغرافية محددة تستطيع الجماعة من خلالها إدارة المواجهات في المناطق الأخرى، وهذا قد يتحقق لها وفقاً لقراءة المواقف الدولية في إدارة الصراعات في المنطقة؛ وذلك لاستمرار الضغط على المملكة العربية السعودية والحفاظ على مبدأ التوازنات.
وشاهد هذا تصريح وزير الخارجية الأمريكي "كيري" بأن قرارات الرئيس هادي، التي قضت بتعيين اللواء علي محسن نائباً له، والدكتور أحمد بن دغر رئيساً للوزراء، تصب في هذا السياق؛ حيث قال: "إن قرارات هادي الأخيرة عقدت جهود بناء السلام"، وهو ما دفع سفير اليمن لدى الأمم المتحدة، خالد اليماني، إلى القول: "إن تصريحات كيري تنم عن أجندة تحت الطاولة، فليتحدث عنها"، هذه القرارات لم تغضب الأمريكان فحسب، بل إنها لم ترضِ دولة الإمارات أيضاً، وكأن القرارات أخفقت أو أخَّرت مشروعاً غير معلن، وهذا ما أشار إليه خالد اليماني في كلامه السابق.
وفي الحقيقة، فإن تصريحات كيري كشفت عن ترتيبات كان يجري الإعداد لها مع بعض الأطراف الدولية، تفضي إلى الدخول في مسار تفاهمات سياسية مباشرة عقب تثبيت وقف إطلاق النار، وتحديداً وقف التدخل الجوي للتحالف العربي، وفي إطار الحل السياسي يتم التفاهم على تطبيع الأوضاع والتعايش مع مسلحي الميليشيا وترسيم أوضاعها والتوافق على تكليف نائب الرئيس الأسبق (خالد بحاح) رجل أمريكا الذي تم الإطاحة به في التغييرات الرئاسية الأخيرة، للقيام بمهام الرئيس وتشكيل حكومة جديدة يكون للحوثيين نصيب وافر فيها.
على أن يتم تنفيذ ذلك كله في ظّل الضغط على الرئيس هادي وفرض أمر واقع عليه، باعتبار أن تجاوزه أمر يصعب حدوثه كونه الرئيس المنتخب، الذي تنصّ كل القرارات الدولية على دعمه ومساندته وباعتبار حكومته هي الحكومة التي يجب أن تعمل على استعادة الدولة، إلا طبعاً في حال حدوث التفاهمات المنشودة، التي كان يريدها كيري بين طرفي المشاورات في الكويت واتفاقهما على كل ما سبقت الإشارة إليه، وهو اتفاق كان سيحظى بمشروعية كاملة لو وافقت عليه الأطراف اليمنية وحظي بدعم المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي، لكن الوقائع والحقائق التي حدثت تقول غير ذلك.
السيناريوهات المحتملة
بالنظر إلى كل ما سبق نجد من الصعوبة بمكان التنبؤ بسيناريوهات محددة للمباحثات السياسية في الوقت الذي لا تزال أصوات المدافع هي الحاكمة للمشهد العام، وتوتر العلاقة بين طرفي الحوار، إلا أنه من خلال المحددات السابقة يمكن رسم سيناريوهات موضوعية بعيداً عن حالة الإخفاق الكلي والنجاح الشامل، ولذا نكتفي في نهاية هذه المقالة والسطور بسيناريوهين اثنين ممكني الحدوث وفق مؤشرات عديدة:
السيناريو الأول:
الحلحلة البطيئة من خلال سلسلة من المباحثات الطويلة؛ وهو أن تنجح الأطراف المتحاورة في تقسيم البنود الخمسة إلى مرحلتين متزامنتين:
وتشمل المرحلة الأولى تمديد فترة وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح السجناء، وفك الحصار على مدينة تعز، مقابل توقف ضربات قوات التحالف، وتشمل أيضاً تسليم مؤسسات الدولة الخدمية والبنك المركزي ووزارة النفط.
وتعني المرحلة الثانية تسليم السلاح الثقيل للدولة، والانسحاب من المدن الشمالية، ومن بينها العاصمة صنعاء، بحيث يُشرَعُ بالبدء فيها بعد التفاهم على مستقبل المقاتلين غير النظاميين من الجانبين، وضمان مشاركة جماعة الحوثي في الحكم مستقبلاً.
وهنا يمكن القول إن المرحلة الأولى قد تنفذ بسهولة، أما المرحلة الثانية فهي الأصعب تحققاً؛ لكونها ستحدد مصير الجماعة، وقد تحتاج المرحلة الثانية إلى نوع من الضغط المحلي والدولي على جماعة الحوثي، ولا يستبعد العمل العسكري في حال تعثر الحل السلمي، ومن الطبيعي أن تطول المشاورات، وقد نشهد مبادرة خليجية أو عربية مفسرة ومكملة للقرار الأممي والمبادرة الخليجية.
ويبقى هذا السيناريو قابلاً للتحقق لوجود محددين أساسيين:
• رغبة المملكة العربية السعودية في توقف الحرب في اليمن والانتقال إلى معالجة الملف السوري والمصري، وتمتين العلاقات العربية التركية لمواجهة الحلف الروسي الإيراني من جهة، وتهديدات تنظيم الدولة (داعش) من جهة أخرى، بالإضافة إلى انفتاح المملكة على مشاريع استثمارية بديلة للنفط.
• تراجع الخيار العسكري لدى جماعة الحوثي للسيطرة على الحكم في البلاد، وعدم القدرة على الصمود أكثر أمام التحديات الاقتصادية والعسكرية.
السيناريو الثاني:
النجاح النظري والإخفاق في التطبيق؛ وهو أن تتفق الأطراف المتحاورة على خطوط عريضة لحل الأزمة ولا تستطيع ترجمتها على أرض الواقع، مع عدم الوفاء بالاتفاقيات، كما هو حال الاتفاقيات السابقة والحوار الوطني الشامل، ما عدا بعض التقدم الرمزي، مثل إطلاق بعض المختطفين. وهنا يمكن أن تقوم قوات التحالف بضرب الحوثيين وصالح من جديد.
وذلك من خلال تعزيز جبهة تعز وسط اليمن لفك الحصار وخروج الحوثيين وصالح منها، وحشد قوات الجيش الوطني والمقاومة على تخوم العاصمة صنعاء أكبر مما هو عليه اليوم، حينها سيتدخل المجتمع الدولي مرة أخرى تحت مسوغ حماية المدينين، مع الضغط على الحوثيين وصالح لتقديم تنازلات أكثر لمصلحة الشرعية؛ والخلاصة في هذا المشهد أن مباحثات الكويت ستفضي إلى خريطة طريقة مكتوبة فقط.
وهذا السيناريو يأتي ضمن قراءة لمجموعة من الاتفاقيات التي لم تلتزم بها جماعة الحوثي، بل لكونها تعمد إلى الاستفادة من الوقت، وإعادة ترتيب الأوراق، فضلاً عن عدم رغبة بعض القوى الكبرى في القضاء على الحركة الحوثية عسكرياً واستخدامها في إرباك أي مشروع عربياً أو اسلامياً مستقبلاً.


-------------------------