المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المقاومة الفلسطينية والعرب وأمريكا


Eng.Jordan
04-02-2012, 02:35 PM
د. فوزي الأسمر

قامت إسرائيل مساء الجمعة التاسع من آذار/ مارس 2012 بارتكاب مذبحة جديدة في قطاع غزة، حيث قتلت أربعة مواطنين فلسطينيين، من جملتهم الأمين العام للجان المقاومة الشعبية زهير القيسي، عن طريق صواريخ وجهت من طائرة. وقد أدى استفزازها هذا إلى إشعال الوضع فقامت المقاومة الفلسطينية بالرد عن طريق قصف صاروخي مكثف على جنوب إسرائيل. وبدلا من احتواء الوضع صعدت إسرائيل الجريمة وبشكل رسمي، فقد وجه: "بني غيتس رئيس أركان الجيش الإسرائيلي مساء الأحد الماضي، وخلال جلسة لتقييم الأوضاع، تعليماته لقائد المنطقة الجنوبية، تال لاروس، زيادة عمليات الإغتيال ضدّ القادة الفلسطينيين" "وكالة الأخبار معا 11/ 3/ 2012".

وهذه ليست مفاجأة، فتاريخ إسرائيل مليء بمثل هذه الأعمال الإرهابية التي يتبناها الجيش الإسرائيلي، ويعلن رسميا عن تحمل مسؤوليتها. ولكن الجديد في هذه العملية أنها تأتي بعد اتفاق "الهدوء" الذي توصلت إليه مع منظمات المقاومة الفلسطينية في قطاع، وبعد أن أعلنت حركة حماس المسيطرة على القطاع بتبنيها مبدأ المقاومة الشعبية، والذي فهم منه أنها تخلت عن المقاومة المسلحة، ولكي تبرهن عن نيتها الطيبة قررت نقل قيادتها من دمشق، التي تعتبر ملجأ المقاومة، إلى الدوحة، التي تعتبر ملجأ "الاعتدال" السياسي.

واعتبر هذا الاستفزاز الإسرائيلي بمثابة تصعيد متعمد، خصوصا بعد أن نجح بينامين نتنياهو، أثناء زيارته الأخيرة لواشنطن ولقائه مع الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، وفي خطابه أمام المؤتمر السنوي لمنظمة "أيباك" الصهيونية، من تحويل الأنظار عن القضية الفلسطينية، وقضية المستعمرات اليهودية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، والسلام في منطقة الشرق الأوسط، إلى مشكلة النووي الإيراني، واللعب على عواطف سامعيه عن طريق المقارنة بين النظام في إيران وبين النظام في ألمانيا النازية.

وفي الوقت الذي لم يهتم الإعلام العربي والأمريكي كثيرا بالمجزرة الجديدة التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، تجندت الصحافة العبرية في انتقاد العملية، محملة القيادة الإسرائيلية مسؤولية ما يحدث. وهاكم بعض الأمثلة: "قتل متعمد بدون فائدة" "هآرتس 11/ 3/ 2012 ". يقول المقال: "يقوم الجيش الإسرائيلي بالقتل المتعمد، ويأتي الرد من المنظمات الفلسطينية، عمليات انتقام... ولكن القتلى هم بالجانب الفلسطيني، وأكثر من مليون إسرائيلي في الملاجئ".

وتقول صحيفة "يدعوت أحرونوت" "11/ 3/ 2012": "ليس من المبالغ فيه القول إن هجمة الصواريخ التي تعرضت لها إسرائيل على أثر إقدامها في نهاية الأسبوع الفائت على اغتيال القيسي لم تفاجئ أحدا لأنه لم تقع عملية اغتيال بحق نشيطين فلسطينيين إلا جرت خلفها عمليات إطلاق صواريخ مكثفة على إسرائيل".

وخصصت صحيفة "هآرتس" افتتاحيتها "11/ 3/ 2011" لهذا الموضوع تحت عنوان: "وهم الصراع الخفي"، فاتهمت القيادة الإسرائيلية بأنها اعتقدت أن تجاهل القضية الفلسطينية من جانب نتنياهو أثناء زيارته الأخيرة لواشنطن كان إيجابيا، وتبين أنه العكس تماما.

واعتبرت صحيفة "يدعوت أحرونوت" "11/ 3/ 2012" أن: "التغيير في موقف حماس لم يقنع إسرائيل، لأنه يؤذي سياستها المبنية على أساس عدم وجود محاور فلسطيني، ويعرقل مساعيها الرامية إلى منع قيام حكومة وحدة فلسطينية".

ومرة أخرى رأت صحيفة "هآرتس" "13/ 3/ 2012" في افتتاحيتها أن القبة الحديدية المضادة للصواريخ لا يمكن أن تشكل بديلا للمفاوضات السياسية. في حين قالت "يدعوت أحرونوت" "12/ 3/ 2012" أن القبة الحديدية لن توقف العمليات العسكرية الفلسطينية.

والذي يشجع إسرائيل على استمرارها في إجرامها ضدّ الشعب الفلسطيني وخصوصا في قطاع غزة، هو الموقف المتذبذب للولايات المتحدة، والموقف العربي المتخاذل. فقد قالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، في كلمة لها أمام مجلس الأمن الدولي "يوم 12/ 3/ 2012": "دعوني أدين بأشد العبارات إطلاق الصواريخ من غزة على جنوب إسرائيل الذي إستمر حتى خلال مطلع الأسبوع. إنني أطالب المسؤولين بإتخاذ إجراء فوري لوقف هذه الهجمات وأدعو الجانبين وكل الأطراف إلى بذل الجهود الممكنة لإعادة الهدوء"!!

فتفسير هذا الكلام أن إسرائيل ترتكب المجازر، ويتحمل الفلسطينيون المسؤولية، بمعنى أن السيدة كلينتون تريد أن تعبث إسرائيل بحياة الشعب الفلسطيني، ولا يحق لهذا الشعب أن يدافع عن نفسه. فإذا كانت كيلنتون تتهم صواريخ المقاومة الفلسطينية أنها تدك مدن وقرى إسرائيلية تعج بالمدنيين، فماذا تفعل صواريخ الطائرات الإسرائيلية أمريكية الصنع بالمدنيين الفلسطينيين؟ هذا التذبذب بالموقف الأمريكي لن يساعد بأي شكل من الأشكال إحلال السلام في المنطقة.

ثم تصدر الأوامر، فنسمع صداها إدانة من السيدة فيكتوريا نولاند، المتحدثة الرسمية بإسم وزارة الخارجية الأمريكية، معلنة عن قلق حكومتها: "بسبب العنف الدائر في قطاع غزة" وأدانت: "قيام إرهابيين "فلسطينيين" بإطلاق الصواريخ على المناطق الجنوبية في إسرائيل" دون توجيه كلمة إنتقاد واحدة لإسرائيل!!

والقيادات العربية وإعلامها الرسمي مهتمون بمواضيع أخرى، وعلى رأسها "إسقاط النظام السوري" "وليس العمل على وقف القتال الدائر هناك"، ولهذا لا نرى حراكا من الجامعة العربية لوقف المجزرة التي قتل فيها حتى كتابة هذه السطور 26 شهيدا، من بينهم العديد من الأطفال والفتيات بالإضافة إلى المسنين والشباب والذين حسب ما تناقلته وكالات الأنباء الغربية، مُزقت أجسادهم بسبب هجوم الطائرات الإسرائيلية العشوائي على التجمعات المدنية الفلسطينية في قطاع غزة، وحوالي مائة جريح من بينهم الكثير من الأطفال وجراحات بعضهم خطيرة.

وكالعادة، اختفى عن المسرح حمد بن جاسم رئيس وزراء قطر الذي يقوم بدور فعّال في قضايا أخرى تتعلق بالمنطقة، وأطبق الصمت على ما تسمى جامعة الدول العربية، ثم يسرب خبرا يقول إن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الذي يعارض المقاومة المسلحة، يناقش مع الأمين العام للجامعة العربية، نبيل العربي إمكانية التوجه لمجلس الأمن لوقف العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة.

أما وسائل الإعلام العربية خصوصا الفضائيات المكرسة للأخبار فقط، وفي مقدمتها "الجزيرة" التي تدعي أنها تتبنى الثورات العربية والربيع العربي، وتريد المحافظة على الكرامة العربية، وتريد أن تنشر الديمقراطية من موقعها في دولة قطر على العالم العربي، فنراها تتخاذل، وتبث أخبار المجزرة الإسرائيلية الدائرة كخبر عادي ضمن الأخبار الأخرى.

وقد نشرت وكالة الأنباء "يو. بي. آي" خبرا يقول إن حركة حماس: "انتقدت تغطية قناة الجزيرة التي تبث من الدوحة، للغارات الإسرائيلية المتواصلة على غزة منذ يوم الجمعة الماضي". وتنقل عن المتحدث بإسم حركة حماس، سامي أبو زهري أن حركته تعبر عن أسفها لتغطية قناة الجزيرة غير المتوازنة للملف الفلسطيني مقارنة بملفات أخرى أقل أهمية. ففي الوقت الذي يتصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة، نرى أن الخبر لا يتصدر النشرات الإخبارية لقناة الجزيرة!!

وتعرف إسرائيل كيف تستغل الظروف لتوجيه ضرباتها، فالصراع الطائفي الذي تمر به الدول العربية هو الأساس الذي تبني عليه سياستها بالنسبة للقضية الفلسطينية. فعندما يصرح صلاح البردويل، أحد قادة حماس في غزة أن حماس لن تتدخل في حالة نشوب قتال بين إيران وإسرائيل لأن: "إيران شيعية ونحن سنيون" "القدس العربي 8/ 3/ 2012"، تسمح إسرائيل لنفسها أن تعلن أن إيران هي التي تمول المقاومة الفلسطينية، باستثناء حماس. طبعا من حق حماس أن لا تتدخل عسكريا، ولكن السبب الذي قدمه البردويل سبب مرفوض فهو يكرس النزعة الطائفة.

وعندما تعرف إسرائيل أن الجامعة العربية متخاذلة وأسيرة حكام يستغلونها من أجل تحقيق أهداف تخدمهم هم، وأن هذه الجامعة أصبحت جزءا من معادلة السياسة الغربية التي تعمل جاهدة على تجزئة الدول العربية إلى دويلات طائفية، والقضاء على فكرة القومية العربية، وتستطيع أن تجند بعض القادة العرب العملاء، لتبني هذه الأهداف، وتعرف أيضا أن وزراء الخارجية العرب لن يجتمعوا بخصوص غزة أو يحملوها إلى مجلس الأمن، فإنها، أي إسرائيل، تشعر بالراحة وبحرية العمل حسب أهوائها.