المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ‏أزمة_أخلاق


صابرة
05-11-2016, 06:53 AM
يُفقَدُ ولَدُهَا في حادِثِ سَيْر مُرْوِع ، فيأتِهَا مشاهُدُ وقوعِ الحادثِ على صورةِ "فيديو" قامَ بتصويرِهِ أحدُ المارَّة ، يظهرُ فِيهِ شيءٌ مِن لحظاته الأخيرة ، وَيُسمَعُ فِيهِ بعضٌ مِن أنينِه ..
- تَموتُ جَدَّتُهُم .. فيلتقطونَ بعضاً من الصورِ لهم بجانبِ القبر للذكرى ...
- يغْرقُ أبناؤهُ فيقفُ الجميعُ إلى جانبه .. لا يكفكفون دمعَهُ ولا يواسونَ هَمَّه .. بل يلتقطونَ مشهد ردّةِ فعلِهِ عند تلقيه الخبر ..
- يُستَشهُدُ ابنُهَا الذي نذرَت العُمْرَ مِن أجلِه .. فيتراكضُ النَّاسُ إلى بيتِها تسبقُهُم أجهزتهم يريدون تسجيل "زغرودة" أم الشهيد .
.. هذِهِ المواقفُ وغيرُها تواجهُنا في اليوم مراتٍ عِدّة ، لتُثبتَ لنا - شِئْنَا أم أبينَا - أنَّ هذا التطور وهذه الأجهزة قَدْ عَرَّت نفْسياتِنا وفَضَحت أخلاقِنا للعَيَان ..
وَكَأنَّ الحزنَ باتَ فُرصَةً لشحدِ التعاطُفِ والمشاعرِ ، أو أنَّ الموتَ فَقَدَ هيبَتَهُ وحُرمَتَه ، أو علَّ شهوةِ السَّبقِ باتَت أشدَّ من النخوة ، أو أصبَحَ التَّشهيرُ نوعاً مِنَ المُتْعَة ..
نعم ... لقد عُرِّيَت نفسياتُنا ..
وقبلَ أن تلتقِطَ الكاميرات صورَ الأطعمةِ والموتى ، فقد التقطَت أمراضاً خفِيَّةً في أخلاقِنا حاوَلنَا مراراً إخفاءَهَا أو تجاهُلَها .. وإلّا فكيفَ لشخصٍ عاقلٍ راشد أن يَرَى مُنكَرَاً في طرقاتِ مدينَتِه فيُخرِجُ هاتِفَهُ ليتابعَ تفاصيلَهُ وينقلها لنا ؟ أَلَم يلعنِ اللهُ شارِبَ الخمرِ وحامِلَهَا وناقِلَها وكُلَّ مَن شارَكَ في صياغةِ فعلِها؟ .. فالمنكرُ يا سيدي النَّاقِل إمَّا أن تُنكِرَه أو أن تُشارِكَ في فِعلِه .. فإن لم تستطِع نكرانَه لا بيدٍ ولا قولٍ ولا نيةَ قلب واستعضتَ عن ذَلِكَ بأن نقلتَهُ ونشرتَه .. فأنتَ جزءٌ مِنَ المُنكَر ذاتِه .. أنتَ جزءٌ مِن مشاكِل المجتمعِ التي لا بُدَّ مِن أن تُنهَى ..
تُرَى لو خَرَجَ الميتُ مِن قبرِه أو لو كُنتَ أنتَ مكانَه أكانَ سيُسْعِدُكَ صور جثتِكِ التي حُفُظَت للذِكرى أو صورَ أحبابِكَ بجانب قبرك ؟
لقد سهَّلت "التكنولوجيا" الحديثة كل الأشياء .. سهَّلت الخيانة لمن أرادَها .. والنميمةَ لمن امتهنَهَا .. والفاحشةَ لِمَن أحبَّ إشاعَتَهَا .. و "الفشخرة" لِمَن استهوتهُ مُمارَستها ..
سهّلت كل الأشياء وتركتنا أمامَ أخلاقِنا ومبادئنا .. فإمَّا أن تُحافِظَ علينا أو أن نُلقيَ بِهَا عرضَ الحائط ..
جرّب أن تَفْرَح دُونَ أن تنقل للناس كل التفاصيل .. دَع الفرح يُسعدُكَ ويغير مزاجك ، دون أن يسيطرَ عليكَ حب لفتِ الأنظار والانتباه ..
دَع الحزنَ يأخذُ مِن قلبِكَ مكانَهُ فعلَّهُ يُحدِثُ فِيهِ رِقَّةٍ غابَتْ عنك ، واترُك عنكَ مهنةَ شحادةِ العواطِف ..
قف أمام الموتِ بوجَل واجعل لحرمتِهِ عظمة لا تقليلَ من شأنِها ولا تبديل ..
ارحَم قلوباً تُشاهِدُ أحبابَها يموتون عبر مقاطِعِك .. الطُف بأمٍ لا تريد أن تسمع أنين ابنها ..
شارك النَّاس همومهم وآلامهم واترك أنانيتك بأن تحتل منزلة السباق بتصويرك ..
القابضُ على دينه كالقابض على الجمر لا تعني السجن أو النفي ، فأن تُحافِظَ على أخلاقك في زمن جُنَّ بالعبث هو قبضٌ على جمرٍ نحتاجُه أن يبقى شاعلاً .. فاقبض عليه بكل ما اؤتيت ..
#‏أزمة_أخلاق
#‏خدش_الحياء
#‏القابضون_على_الجمر
:1: