المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي: فرقة القرائيم (1)


عبدالناصر محمود
05-18-2016, 08:10 AM
التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي: فرقة القرائيم (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــ

(نبيل محمد سعيد عبدالعزيز)
ـــــــــــــــ

11 / 8 / 1437 هــ
18 / 5 / 2016 م
ــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/809052016102740.png





تناولنا في مقالاتنا السابقة من هذه السلسلة ملامح التأثير الإسلامي على شخصيتين من أهم الشخصيات الدينية اليهودية، وهما موسى بن ميمون وسعديا جاؤون، ونتناول في هذا المقال جوانب التأثير الإسلامي على أحد أهم الفرق اليهودية، وهي فرقة القرائيم.

والقرائيم فرقة يهودية أسسها عنان بن داود (715 - 795م) في العراق في القرن الثامن الميلادي، وانتشرت أفكارها في كل أنحاء العالم. ولم تُستخدم كلمة "قرائيم" للإشارة إليهم إلا في القرن التاسع الميلادي؛ إذ ظل العرب يشيرون إليهم بالعنانية نسبةً إلى مؤسسها.(1)

وتتسم التفاصيل التاريخية وجذور نشأة القرائيم وانتشارهم ببعض الغموض، وذلك لسببين: الأول: هو انعدام الحس التاريخي لدى الكُتاب القرائيم، وتعمُّدهم إرباك وتشويش الأسماء والتواريخ. والثاني: هو تلك العلاقات الجدلية التي وصلت بها المعلومات حول القرائيم من خلال مصادرهم ومصادر اليهودية التلمودية(*). ففي حين ترى بعض المصادر أن بداية القرائيم كانت أيام الهيكل الثاني منذ حدوث الانفصال بين الفريسيين (طائفة علماء الشريعة الربانيم قديماً) والصدوقيين (طائفة تؤمن بقدسية التوراة ولا تؤمن بالتلمود) - حوالي بين عامي (515 ق.م - 70م) - وحاول القرائيم أنفسهم أن يثبتوا أن عنان بن داود هو الحلقة الأخيرة في سلسلة الخلاف المتواصل مع الربانيم والذي بدأ مع الهيكل الأول. نجد أن مصادر الربانيم تكاد تجمع على ربط نشأة هذه الفرقة بعوامل شخصية تتعلق بعنان بن داود نفسه.(2)

وتروي المصادر المختلفة قصة تأسيس عنان بن داود لمذهبه بعد أن التقى بالإمام أبي حنيفة النعمان (699 - 767م) في السجن أيام الخليفة أبي جعفر المنصور (712 - 775م). وكان خلافاً قد نشب في بابل حول منصب رئاسة الجالوت الذي توفي ولم يترك وراءه ابناً يرثه. وتطلع ابن أخيه عنان إلى الرئاسة إلا أن الجاؤنيم (رؤساء المدارس الدينية اليهودية بالعراق منذ أواخر القرن السادس إلى منتصف القرن الحادي عشر الميلادي) قد فضلوا أخاه الأصغر حنانيا، ومن ثَم انتخبوه رئيساً للجالوت بدلاً من عنان الذي كان في نظرهم يعتنق أراءً أبيقورية (مفهوم هذا المصطلح عند اليهود يُطلق على من يصاب بالشك في الحقائق، ولا يصدق الروايات الدينية الشفوية، والعنعنات الحبرية، ويعارض التلمود، مع الانفكاك من قيود الدين والأخلاق، وكان قد أطلق في التلمود على فرقة الصدوقيين). وفي الوقت نفسه اختار أنصار الفريق الآخر عنان رئيساً للجالوت، وأدى ذلك إلى انقسام شديد وعداوة عميقة بين الفريقين، ووصل الأمر إلى الخليفة عن طريق حنانيا فألقى بعنان في السجن كمتمرد ضد السلطات، وانتظار حكم الإعدام. وفي السجن التقي عنان مع الإمام أبي حنيفة الذي نصحه بأن يرسل للخليفة ويوضح له آراءه المختلفة عن آراء بقية اليهود، وبالفعل استطاع عنان أن يقنع الخليفة ببراءته، باعتبار أنه ينتمي إلى جماعة دينية مختلفة عن الجماعة اليهودية، وخرج من السجن ليُنتخب رئيساً لطائفة جديدة تؤمن فقط بالعهد القديم المكتوب، واعترف الخليفة أبو جعفر المنصور بحق عنان في تأسيس طائفة مستقلة من الجمهور اليهودي، وتجمع حول الزعيم الجديد طوائف أخرى كانت موجودة قبل انقسام اليهود.(3)

ولا يمكن تفسير ظهور هذه الفرقة على أساس هذا الحادث الشخصي - بغض النظر عن مدى صحته - فمن الواضح أن ظهور هذه الفرقة يعود إلى عدة أسباب وعوامل داخل التشكيل الديني اليهودي وخارجه، شكلت تحدياً فكرياً ضخماً، من أهمها انتشار الإسلام في الشرق الأدنى وطرحه مفاهيم دينية وأطراً فكرية جديدة كانت تُشكل تحدياً حقيقياً للفكر الديني اليهودي، ويبدو أيضاً أنه كانت هناك، منذ هدم الهيكل عام 70م عناصر دينية ترفض اليهودية التلمودية من بقايا الصدوقيين والعيسويين أتباع أبي عيسى الأصفهاني (وهو يهودي كان قد ادعى النبوة وأسس فرقة في بلاد فارس حوالي القرن الثامن الميلادي). وهناك نظرية تذهب إلى أن يهود الجزيرة العربية الذين وُطِّنوا في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في البصرة وغيرها من بقاع العالم الإسلامي، ولم يكونوا يعرفون التلمود، كانوا من أهم العناصر التي ساعدت على انتشار المذهب القرَّائي.(4)

وتأثر القرائيم بعلم الكلام عند المسلمين، وتأثر مؤسس الفرقة، عنان بن داود، بأصول الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة. ومن المتفق عليه أن فرقة القرائيم تمثل أكبر احتجاج على اليهودية التلمودية حتى العصر الحديث، وهي تمثل احتجاجاً بلغ من الضخامة حد أن اليهودية التلمودية اضُطرت إلى تحديد عقائدها على يد سعديا جاؤون (كما أشرنا في مقالنا السابق)، وإذا كان سعديا جاؤون قد تأثر بالفكر الديني الإسلامي، فإن احتجاج القرائيم كان أكثر استيعاباً لهذا الفكر وأكثر تأثراً به.(5)

وحجر الزاوية في فكر عنان بن داود العودة إلى النص الديني المكتوب نفسه، أي التوراة، مستخدماً القياس(**) الذي استقاه من الفقه الإسلامي. كما أنه رفض الشريعة اليهودية الشفوية (التلمود). وقد بذل ابن داود جهداً كبيراً في تفسير التناقضات الموجودة في التوراة، وكان يميل إلى التشدد في كثيرٍ من الأمور، مثل الزواج وشعائر السبت، ويظل المفتاح الأساسي لفهم فكره الديني عبارته: "فلتبحث بعناية فائقة في النص، ولا تعتمد على رأيي".(6) والذي جعل حركة القرائيم تبدو خطيرة في عين اليهودية التلمودية، هو تبحر زعيمها عنان بن داود في التلمود، وكثرة رجوعه إلى نصوصه بقصد تفنيده وهدمه.(7)

وفي الفترة الممتدة بين القرنين الثاني عشر والسادس عشر، انتشر مذهب القرائيم بين اليهود، خصوصاً في مصر وفلسطين والأندلس، وفي الإمبراطورية البيزنطية قبل الفتح العثماني. ومع حلول القرن السابع عشر، انتقل مركز النشاط القرَّائي إلى ليتوانيا وشبه جزيرة القرم التي يعود استيطان القرائيم إياها إلى القرن الثاني عشر. وابتداءً من القرن التاسع عشر، يبدأ فصل جديد من تاريخ القرائيم بعد ضم كلٍّ من ليتوانيا (عام 1793م) وشبه جزيرة القرم (عام 1783م) إلى روسيا. فحتى ذلك الوقت كانت المجتمعات التقليدية التي وجد فيها اليهود تُصنف كلاً من اليهود الربانيم (التيار الديني اليهودي الرئيسي) واليهود القرائيم باعتبارهم يهوداً وحسب دون تمييز أو تفرقة. ولكن الدولة الروسية اتبعت سياسة مختلفة إذ بدأت تعامل القرائيم كفرقة تختلف تماماً عن الربانيم، فأعفت القرائيم من كثير من القوانين التي تطبق على اليهود، مثل: تحديد الأماكن التي يمكنهم السكنى فيها، وتحديد عدد المسموح لهم بالزواج، والخدمة العسكرية الإجبارية، وعدم امتلاك الأراضي الزراعية في مناطق معينة. وحاول القرائيم قدر استطاعتهم أن يقيموا حاجزاً بينهم وبين الربانيم، فقدموا مذكرات للحكومة القيصرية يبينون فيها أنهم ليسوا مثل اليهود الربانيم. كما أن القرائيم كانوا يؤكدون أنهم لا يؤمنون بالتلمود الذي كانت الحكومة الروسية ترى أنه العقبة الكأداء في سبيل تحديث يهود روسيا. وقد قام المؤرخ والعالم القرائي أبراهام فيركوفيتش (1786 - 1874م) بإعداد مذكرة موثقة للحكومة القيصرية تبرهن على أن تطورهم الديني والتاريخي مختلف تماماً عن اليهود الربانيم، وأُعيد تصنيف اليهود القرائيم بحيث اعتُبروا قرائيم روسيين من أتباع عقيدة العهد القديم. وأثر هذا في الهيكل الوظيفي للقرائيم، حيث حصلوا على امتيازات استغلال مناجم الفحم، وكانوا من كبار الملاك الزراعيين الذين تخصصوا في زراعة التبغ واحتكروا تجارته في أوديسا، كما كانت تربطهم علاقة جيدة مع السلطات القيصرية. وبلغ عدد القرائيم في القرم حين ضمها الروس نحو 2400، ووصل العدد إلى 12907 عام 1910م، وإلى عشرة آلاف عام 1932م. وحينما ضمت القوات الألمانية القرم وأجزاء أخرى من أوربا إبان الحرب العالمية الثانية، قرَّر النازيون أن القرائيم يتمتعون بسيكولوجية عرقية غير يهودية. ولذا، لم تُطبَّق عليهم القوانين التي طُبقت على الربانيم، وجاء في بعض المصادر أن موقف القرائيم من أحداث الحرب العالمية الثانية كان يتراوح بين عدم الاكتراث والتعاون مع النازيين.(8)
-----------------------------
(1) عبد الوهاب المسيري (د)، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، الموسوعة الموجزة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2006م، المجلد الثاني، ص125.
(*) اليهودية التلمودية: هي التيار الديني اليهودي الرئيسي. وتترادف المصطلحات "اليهودية التلمودية"، و "اليهودية الحاخامية"، و "اليهودية الربانية"، و "اليهودية الكلاسيكية"، و"اليهودية المعيارية"، حيث تشير جميعها إلى شكل العقيدة اليهودية الحالي ونمط التدين السائد بين معظم اليهود في العالم.
(2) محمد جلاء محمد إدريس (د)، التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1993م، ص 32.
(3) المرجع نفسه، ص 32 - 33.
And look: jewish Encyclopedia
http://jewishencyclopedia.com/articles/1460-anan-ben-david
(4) عبد الوهاب المسيري (د)، مرجع سابق، المجلد الثاني، ص 125.
(5) المرجع نفسه، ص 126.
(**) القياس: عرفه ابن الحاجب بأنه: مساواة فرع لأصل في علة حكمه. وهو الدليل الرابع من الأدلة الشرعية التي اتفق جماهير المسلمين على الأخذ بها، واعتبروه مصدراً رئيسياً من مصادر التشريع الإسلامي، وهو ذو أهمية خاصة، لأن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، ولا يمكن أن يحيط المتناهي بغير المتناهي. ومثال القياس أن يقيس المجتهد النبيذ، وهو فرع، على الخمر، وهو أصل لاشتراكهما في علة الإسكار، وينقل حكم الخمر وهو الحرمة إلى النبيذ، فيكون النبيذ حراماً. انظر: محمد مصطفى الزحيلي (د)، الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، دار الخير، دمشق، الطبعة الثانية، 2006م، ص 237 - 238.
(6) عبد الوهاب المسيري (د)، مرجع سابق، المجلد الثاني، ص127.
(7) حسن ظاظا (د)، الفكر الديني الإسرائيلي أطواره ومذاهبه، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1971م، ص 299.
(8) عبد الوهاب المسيري (د)، مرجع سابق ، المجلد الثاني ، ص 125 - 126.


--------------------------------------

عبدالناصر محمود
11-12-2016, 08:12 AM
التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي: فرقة القرائيم (2)
ــــــــــــــــــــــــــــــ

(نبيل محمد سعيد عبدالعزيز)
ـــــــــــــــ

12 / 2 / 1438 هــ
12 / 11 / 2016 م
ــــــــــــ



http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/810112016113514.png

بدأ الخلاف بين القرائيم من جهة والربانيم من جهة أخرى حول مدى علاقة موسى - عليه السلام - بالتوراة الشفوية (المشنا)، ومدى شرعية إلزام اليهود كافة بالتفسيرات التي وضعها الربانيم على المشنا، في ما عرف بالتلمود. لأنه وعلى الرغم من اعتراف القرائيم والربانيم على السواء بالتوراة المكتوبة، نجد القرائيم يرفضون تماماً الاعتماد على غير المقرا، لأن ما فيها - حسب رأيهم - يفسر فقرات المقرا بتفسيرات خارجة عن معنى النص.(1) واشتد الصراع بين الربانيم والقرائيم، فأعلن رؤساء كل طائفة تكفير الطائفة الأخرى وحرمانها من رحمة الله، ومنعوا الصلاة كل منهم في معابد الآخر، وحرموا كل مشاركة دينية أو شعبية من قبل أية طائفة من الطائفتين مع الأخرى، من الأكل على مائدة السبت أو الأعياد إلى الزواج الذي حُرم نصاً بين الطائفتين.(2)

والاختلافات بين القرائيم والربانيم كثيرة جداً لا يتسع المجال لحصرها، بيد أننا نشير إلى أهم الاختلافات بينهما في النقاط الآتية(3):

1- يعتمد القرائيم على شرائع التوراة المنزلة على موسى - حسب اعتقادهم - في سيناء، ويرفضون الروايات الشفوية والعنعنات الحبرية التي تناقلها "التنائيم" في المشنا، و "الأمورائيم" في التلمود.

2- يأخذ القرائيم بالقياس، ويتوسعون فيه؛ في الوقت الذي يرى فيه الربانيم، مثل سعديا جاؤون أن اتباع القرائيم للقياس قد أدى بهم إلى الحياد عن الطريق المستقيم وظهور الخلافات بين القرائيم أنفسهم. وسار كل واحد منهم خلف اعتقاده، ومن ثَم فقد غيروا الأعراف والتقاليد الحقيقية - بحسب اعتقاده - وأحلوا محلها أفكاراً كاذبة ومرفوضة.

3- فتح القرائيم باب الاجتهاد، حيث دعا عنان بن داود إلى البحث بحرية في التوراة دون الاعتماد على رأيه، وهو الأمر الذي تسبب في تطور أفكار وأطروحات القرائيم، وظهور كثير من الخلافات والتغييرات في معتقدات فرقتهم. بينما توقف الربانيم عند التلمود، وبه أُغلق باب الاجتهاد عندهم.

4- تشدد عنان بن داود بصفة عامة في أحكام يوم السبت، فحرَّم العلاج بالأدوية يوم السبت، وحرم إجراء الختان نهار السبت، ومنع الخروج من البيت في بلد يسكن اليهود فيها مع الغرباء، ومنع أكل الأطعمة ساخنة، ومنع إيقاد الشموع ليلة السبت، حتى إذا تم إشعالها بواسطة شخص غير يهودي. في حين أباح الربانيم تجهيز القدر ووضعها على التنور قبل الدخول في السبت، وذلك لإعداد الطعام الذي يؤكل في السبت، كما أجازوا أكل الطعام الذي يعده عبيدهم وجواريهم في يوم السبت، على الرغم من تحريم القيام بأي عمل يوم السبت على جميع المقيمين بالبيت بما فيهم العبيد والإماء والنزلاء، جاء في سفر الخروج "وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ." (خروج 20: 10). كما أجاز الربانيم الجماع في يوم السبت، بل أوجبوه تبركاً بالسبت، ولأنهم يعتبرونه أيضاً يوماً للمتعة. أم القرائيم فإنهم يحرمون الجماع في هذا اليوم، لأنه يوم مقدس للرب، يجب أن يكون المرء فيه طاهراً، ومن سبل ذلك، الامتناع عن الدنو من النساء، واستندوا في ذلك إلى ما ورد في العهد القديم، "فَانْحَدَرَ مُوسَى مِنَ الْجَبَلِ إِلَى الشَّعْبِ، وَقَدَّسَ الشَّعْبَ وَغَسَلُوا ثِيَابَهُمْ. 15 وَقَالَ لِلشَّعْبِ:«كُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ. لاَ تَقْرُبُوا امْرَأَةً»." (خروج 19: 14- 15). واعتبروا الجماع شبيهاً بالحرث والزراعة وإلقاء البذور، وجميعها من الأعمال المحرمة يوم السبت، " سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابِعُ فَتَسْتَرِيحُ فِيهِ. فِي الْفَلاَحَةِ وَفِي الْحَصَادِ تَسْتَرِيحُ." (خروج 34: 21).

5- أوجب الربانيم ختان الطفل إذا مات قبل اليوم الثامن لولادته، والمتهود إذا كان أغلفاً، ولم يوافقهم على ذلك أحد من القرائيم.

6- يتم إجراء عملية الختان عند القرائيم بالمقص تحديداً، وليس بالسكين أو الموسي أو ما شابههما، وإذا حل موعد الختان في يوم السبت يتم تأجيله إلى أن يخرج وقت يوم السبت.

7- تشدد القرائيم في أحكام النجاسة والطهارة المتعلقة بالأغيار (غير اليهود) ولمس الميت، والحائض.

8- حرم عنان بن داود أكل جميع الطيور عدا اليمام وأفراخ الحمام، مستنداً في ذلك إلى ما ورد في قصة نوح (تكوين 8: 20)، وشرائع القرابين، "«وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ لِلرَّبِّ مِنَ الطَّيْرِ مُحْرَقَةً، يُقَرِّبُ قُرْبَانَهُ مِنَ الْيَمَامِ أَوْ مِنْ أَفْرَاخِ الْحَمَامِ." (لاويين 1: 14). وحرَّم عنان أكل لحم البقر والغنم طوال فترة السبي، ويقال إنه منع أكل اللحوم جملة. وكان أتباع عنان يُحرمون على أنفسهم أكل اللحم وشرب الخمر في القدس حزناً على خراب القدس والمعبد، إلى جانب اعتقادهم في وجوب التحريم منذ أن أُبطلت القرابين وسكب النبيذ عليها فوق مذبح النحاس (خروج 29: 39 -40). كما قال عنان بذبح الطيور من القفا. اعتماداً على النص "يَأْتِي بِهِمَا إِلَى الْكَاهِنِ، فَيُقَرِّبُ الَّذِي لِلْخَطِيَّةِ أَوَّلاً. يَحُزُّ رَأْسَهُ مِنْ قَفَاهُ وَلاَ يَفْصِلُهُ." (لاويين 5: 8) ، وقامت صراعات ومنازعات حادة بين القرائيم والربانيم حول مسألة الذبح، وكل فريق كره وحرم ما يُذبح بواسطة الفريق الآخر.

9- يجب عند القرائيم نزع النعلين وغسل اليدين والرجلين وقت تعلم التوراة أو الصلاة، ولا ينبغي لنجس (غير طاهر) أن يلمس التوراة.

10- حظر جماع المرأة الحامل بعد الشهر الثالث من حملها، لأن الجماع أصلاً - في اعتقادهم - من أجل الإنجاب، ولا يجوز إهدار المني بلا فائدة.

11- يذهب القرائيم - في غالبيتهم - إلى تحديد رأس الشهر برؤية الهلال، ويبدؤون تقويمهم بحسب خروج موسى عليه السلام من مصر. في حين أنكر الربانيم ذلك، ولم يتقيدوا برؤية الهلال، واعتمدوا على الحساب، ويبدؤون تقويمهم ببدء الخليقة. وهو الأمر الذي أدى إلى اختلاف الفرقتين في الأعياد، ففي حين التزم القرائيم بعدد أيام كل عيد حسب ما ورد في التوراة، أضاف الربانيم يوماً على أيام كل عيد، ما عدا صيام يوم الغفران، الذي يصومونه يوماً واحداً دون زيادة، ويرجع ذلك إلى اتباعهم نظام الحساب في تحديد رؤوس الشهور، سواء اتفق ذلك مع رؤية الهلال أم لا، فأضافوا هذا اليوم احتياطًا لما قد يقع من الخطأ بين الحساب والرؤية. أما القرائيم فلم يجدوا أنفسهم في حاجة إلى زيادة هذا اليوم، لاتباعهم رؤية الهلال، فظلت أيام أعيادهم كما حددتها المقرا. ويشير أبو يوسف يعقوب القرقساني - وهو أحد المصادر القرائية الرئيسية القديمة - إلى أن الربانيم القدماء كانوا يتبعون رؤية الهلال في تحديد بداية شهورهم، وأن ذلك وارد في المشنا، ومشروح في كتبهم. ويشير إلى أنهم تحولوا إلى طريقة معرفة رؤوس الشهور بالحساب لأسباب منها خشيتهم من أن يقع يوم "عَرَفاه" (اليوم الأول من عيد المظال)(*) يوم سبت؛ فيكون ذلك سبباً في قلة العطايا، وخشيتهم أن يقع يوم الغفران يوم جمعة أو يوم أحد لأنه إذا حدث ذك ومات في أحدهما شخص، وجب أن يبقى يومين حتى يدفن. ويضيف القرقساني بأنه حتى وقت قريب كان الربانيم يعترفون بأن رؤية الهلال هي الطريقة القديمة لتحديد بداية الشهور.

12- خالف القرائيم الربانيم في كثير من أمور زواج المحارم. فعلى سبيل المثال حرم بنيامين ابن موسى النهاوندي (أحد مؤسسي المذهب القرائي وعاش في القرن التاسع الميلادي) أن يتزوج الرجل من أخته في الرضاع، بالرغم من أن هذا التحريم لم يرد في التوراة.

13- اكتفى عنان بن داود بصلاة الصبح والمساء فقط، بينما يزيد الربانيم عليهما صلاة الظهر.

14- هناك من القرائيم من لا يتخذ القدس قبلة له مثل إسماعيل العكبري، الذي قال بضرورة الاتجاه غرباً أينما كنت.

15- يرفض القرائيم، من أمثال سهل بن مصيلح، سلوك الربانيم في زيارتهم الأضرحة وسؤال الموتى، واعتبر ذلك ضرباً من الشرك.

16- حرم الربانيم الاختلاط مع القرائيم، والتزاوج منهم. كما عد الأطفال المولودين من هذا الزواج غير شرعيين.

17- خالف القرائيم الربانيم في تفسير دلالات كثير من نصوص التوراة.

18- يؤمن القرائيم بصدق عيسى عليه السلام في مواعظه وإشاراته، ويقولون إنه لم يخالف التوراة البتة، بل قررها، ودعا الناس إليها. وهو من بني إسرائيل المتعبدين بالتوراة ومن المستجيبين لموسى عليه السلام، إلا أنهم لا يقولون بنبوته ورسالته.

19- يختلف القرائيم مع الربانيم في الطقوس المصاحبة للأعياد الدينية. كعيد الفصح، وعيد المظال.
----------------------------
(1) محمد الهواري ( د)، الاختلافات بين القرائين والربانيين في ضوء أوراق الجنيزا. قراءة في مخطوطة بودليان بأكسفورد، دار الزهراء للنشر، 1994م، ص 32.
(2) حسن ظاظا ( د)، الفكر الديني الإسرائيلي. أطواره ومذاهبه، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1971م، ص 299 - 300 .
(3) للمزيد من تفاصيل الاختلافات بين القرائيم والربانيم راجع المصادر الأتية:
- محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق: أمير علي مهنا وآخرون، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1993م.
- محمد الهواري (د)، الاختلافات بين القرائين والربانيين في ضوء أوراق الجنيزا. قراءة في مخطوطة بودليان بأكسفورد، دار الزهراء للنشر، القاهرة، 1994م.
- محمد جلاء محمد إدريس (د)، التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1993م.
- عبد الوهاب المسيري (د)، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، الموسوعة الموجزة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2006م.
- جاك حاسون، تاريخ يهود النيل، ترجمة: يوسف درويش، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثانية، 2008م.
- حسن ظاظا (د) ، الفكر الديني الإسرائيلي. أطواره ومذاهبه، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1971م.
M. Polliack (ed.), Karaite Judaism: Introduction to Karaite Studies (Leiden, Brill, 2004).-
- Daniel J. Lasker, From Judah Hadassi to Elijah Bashyatchi: Studies in Late Medieval Karaite Philosophy (Leiden, Brill, 2008).
- jewish Encyclopedia:
http://www.jewishencyclopedia.com/articles/9211-karaites-and-karaism
(*) عيد المظال "הסוכות": يبدأ في الخامس عشر من أكتوبر ومدته سبعة أيام، ومناسبته التاريخية هي إحياء ذكرى خيمة السعف التي آوت بني إسرائيل في العراء بعد الهجرة، فهي تذكرهم بأيام التيه، والتقليد عند اليهود في هذا العيد هو أن يقيموا في أكواخ مصنوعة من أغصان الشجر في الخلاء تدعى "سوكاه" ويصلون من أجل سقوط الأمطار بعد الصيف الجاف. انظر: (غازي السعدي، الأعياد والمناسبات والطقوس لدى اليهود، دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية، عمان، ١٩٩٤م، ص 13).








ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
11-12-2016, 08:19 AM
التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي: فرقة القرائيم (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــ


(نبيل محمد سعيد عبدالعزيز)
ـــــــــــــــ

12 / 2 / 1438 هــ
12 / 11 / 2016 م
ــــــــــــ


http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/810112016113324.png






ظهرت التأثيرات الإسلامية في الفكر القرائي في العبادات، وبخاصة الطهارة والصلاة، فقد اشترط عنان بن داود على من يريد تلاوة التوراة أو الصلاة أو دخول بيت الله أن يلتزم الطهارة ويخلع نعليه ويغسل يديه ووجهه وقدميه. وليس لهذه الشروط مرجع توراتي محدد، وإنما هي اجتهادات جاءت وَفق ما يسير عليه المسلمون. وفي ما يتعلق بالصلاة فقد أوجبها القرائيم على كل ذَكَر تجاوز العاشرة من عمره، ولم تذكر المصادر القرائية مصدر هذا التشريع ولعله تأثراً بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:
"مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ" سنن أبو داود. كما فرض القرائيم الصلاة على النساء سواءً بسواء مع الرجال، في حين أعفى الربانيم النساء من العبادات المرتبطة بمواقيت محددة ومنها الصلاة لتعارضها مع واجباتها المنزلية. كما يرى القرائيم أيضاً إقامة صلاة الشكر لكل من حلت له نعمة، كمن فقد طريقه في الصحراء ثم تم إنقاذه، ومن كان على ظهر سفينة وأطاحت بها الرياح ثم نجا. وهذا انتحالاً لما كان قد ذهب إليه جمهور علماء المسلمين في القول باستحباب سجدة الشكر لمن تجددت له نعمة تسره أو صرفت عنه نقمة.(1)

جديرٌ بالذكر أنه لم يكن الربانيم في معزل عن التأثر بالدين الإسلامي في العبادات - كإخوانهم القرائيم - وعبَّر عن ذلك الباحث اليهودي نفتالي فيدر بقوله إن ظاهرة التأثير الإسلامي قد تغلغلت في قلب العمل الديني والعبادة الدينية، كما يظهر في شعائر الصلاة في الكنيس، والتطهر قبل صلاة الصبح بغسل اليدين والوجه والرجلين - بالرغم من أن التلمود ينص على غسل اليدين فحسب ولا توجد أدنى إشارة للوجه والرجلين - والذي جاء انتحالاً من فريضة الوضوء في الإسلام، والذي من الواضح أنه صادف هوىً وقبولاً عند اليهود، فنقلوا سائر سننه وأركانه وأدخلوه في شعائرهم كغسل الذراعين وما وراء الأذنين ومسح الرأس والاستنشاق. كما أدخلوا في شعائرهم اغتسال الجنابة، والذي لم يُشر إليه أدنى إشارة في التوراة أو التلمود، ولم ينتشر بين اليهود إلا في العصر الوسيط. ومن المثير للانتباه هنا أن الرابي موسى بن ميمون وبالرغم من إقراره بأن الاغتسال من الجنابة مجرد عادة اكتسبها اليهود من محيطهم الإسلامي وليس لها سند ديني يهودي فإنه يشدد على أنه يلتزم به باعتباره عادته وعادة آبائه. وبالمنهج نفسه أدخل موسى بن ميمون بنفسه تعديلاً بالغ الأهمية على نظام الصلاة التقليدية - متأثراً بالشريعة الإسلامية - حتى ألغى صلاة الهمس ، وبدلاً عنها قال بأن يصلي الجمهور والإمام صلاة واحدة سوياً، ودامت هذه العادة مدة 30 عاماً حتى صدور قرار رئيس الطائفة اليهودية حينها فأماط اللثام عن الدوافع الخارجية الكامنة وراء هذا التعديل، ثم ألغاه. ومن بعد موسى بن ميمون سار ابنه إبراهيم على نهج والده في إدخال مجموعة من الشعائر الإسلامية في سعي منه لتحسين شعائر الصلاة اليهودية، وبحسب وصف نفتالي فيدر فإن الأنظمة الحديثة التي أسسها الحَبر إبراهيم الميموني قد نقلت من المسجد إلى الكنيس، وأن فيها ما يعد تطاولاً جوهرياً على نظم الصلاة التقليدية وملاءمتها شعائر العبادة الإسلامية. وهذه الأنظمة هي: السجود، والجلوس على هيئة البارك، واستقبال القبلة وقت الجلوس، ووقوف المصلين في صفوف، وبسط اليدين.(2)

ومن جهة أخرى اشترط علماء القرائيم شروطاً للتوبة هي أقرب ما تكون لشروط التوبة التي حددها علماء المسلمين، مع محاولة تهوديها، والبحث في التوراة عن نصوص يمكن الاستناد عليها، حيث اشترطوا:

1 – أن لا يرجع الإنسان بعد التوبة لعمل ما يغضب الله، وذلك استناداً إلى ما جاء في (أشعياء 55: 7): "لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ، وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ، وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ، وَإِلَى إِلهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ".

2- أن يعاهد نفسه أمام الله بألا يعود إلى سيرته الماضية حتى يرضى الله عنه دنيا وآخرة، استناداً على ما جاء في (الأمثال 28: 13): "مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ".

3- أن يندم على ما فعل ويلوم نفسه ويحاسب ضميره، كما ورد في (المزمور 32: 5): "أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي".

4- أن يطلب الغفران من الله تعالى مع الحسرة والندم والخشوع وطلب الرحمة والصفح من الله تعالى بإذلال النفس بالبكاء وهو صائم لما جاء في (هوشع 14: 3): "خُذُوا مَعَكُمْ كَلاَمًا وَارْجِعُوا إِلَى الرَّبِّ. قُولُوا لَهُ: «ارْفَعْ كُلَّ إِثْمٍ وَاقْبَلْ حَسَنًا، فَنُقَدِّمَ عُجُولَ شِفَاهِنَا"، و (حزقيال 33: 11): " قُلْ لَهُمْ: حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. اِرْجِعُوا، ارْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ الرَّدِيئَةِ! فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟".

5- أن يتوب عند مقدرته على عمل المعاصي لا عند عدم استطاعته الإتيان بها، أي أن يتوب برضائه وبمحض إرادته لا بعوامل تمنعه من أداء المعاصي.

والناظر إلى النصوص المستشهد بها في سياق الحديث عن شروط التوبة يجد أنها في كثير من الأحيان لا تعطي معنى الشرط تماماً، فالشرط إسلامي خالص، أما الدليل فهو محاولة لتهويد الشرط.

فالشرط الأول: لا يفيد نصه بعدم العودة وإنما يفيد ترك المعصية وحسب.
والشرط الثاني: لا يفيد نصه معاهدة الله على عدم العودة إلى الذنوب.
والشرط الثالث: ليس في نصه ما يشير إلى الندم ومحاسبة الضمير.
والشرط الرابع: ليس هناك ما يؤيده في سفري هوشع وحزقيال.
والشرط الخامس: قد جاء بلا دليل.(3)
----------------------
(1) محمد جلاء محمد إدريس (د)، التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1993م، ص99 - 101.
(2) انظر: نفتالي فيدر، التأثيرات الإسلامية في العبادة اليهودية، مركز الدراسات الشرقية، جامعة القاهرة، ترجمة: د. محمد سالم الجرح، سلسلة فضل الإسلام على اليهود واليهودية، العدد1، 1422هـ - 2001م.
And: Adin Steinsaltz. AGuide to Jewish prayer, Israel institute for Talmudic publications, 2002.
(3) محمد جلاء محمد إدريس (د)، مرجع سابق، ص 102 - 104.


ــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
11-21-2016, 09:02 AM
التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي: فرقة القرائيم (4)
ــــــــــــــــــــــــــــــ

(نبيل محمد سعيد عبدالعزيز)
ـــــــــــــ

21 / 2 / 1438 هــ
21 / 11 / 2016 م
ــــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/820112016105153.png






ظهر التأثير الإسلامي بشكلٍ جلي على القرائيم في قضايا الأحوال الشخصية، وما تتضمنه من أحكام الزواج والطلاق والتعدد والميراث وغيرها. ففي الزواج يرى القرائيم أن الزواج فرض ما دام مقدوراً عليه، وتركه معصية ومفسدة. ورأوا أن الارتباط بين الرجل والمرأة يتم بالمهر والوثيقة والقبول، وأضاف بعض فقهائهم شروطاً أخرى أبرزها الإشهاد على الزواج، وشرط الولي، وشرط رؤية الخاطب لخطيبته، وشرط الكفاءة، وشرط المهر (عاجله وآجله)، وأعطى القرائيم الحق للمرأة في تطليق نفسها من الرجل، وهو المعروف في الفقه الإسلامي باسم الخلع، كما حرَّم القرائيم الزواج المؤقت بأجل أو الطلاق المؤقت بأجل، وحرموا الزواج بزوجة الأب، واشترطوا العدة على المرأة وحددوها بمدة ثلاثة أشهر هلالية، وحرموا التزوج بالحامل حتى تضع ما لم يكن الحمل من العاقد، وأوجبوا الحضانة للأم إذا كانت أهلاً لها. كما ذهب القرائيم مذهباً بعيداً في تأثرهم بالفقه الإسلامي في مجال الأحوال الشخصية، وذلك حين أخذوا بالملاعنة - ويسمونها يمين اللعنة - في حال ارتياب الرجل في امرأته دون إقرار منها أو شهود عليها. وهي كلها أمور ليس لها أي أصل في التوراة.(1)

وكذلك من المسائل التي خالف فيها اليهود القرائيم إخوانهم من اليهود الربانيم نتيجة تأثرهم بالشريعة الإسلامية - مع عدم وجود ما يناقضه في التوراة - قضية التعدد، فتعدد الزوجات موجود في التوراة، ومارسه إبراهيم - عليه السلام - فقد جاء في سفر التكوين ما نصه: "وَاتَّخَذَ أَبْرَامُ وَنَاحُورُ لأَنْفُسِهِمَا امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ امْرَأَةِ أَبْرَامَ سَارَايُ، وَاسْمُ امْرَأَةِ نَاحُورَ مِلْكَةُ بِنْتُ هَارَانَ، أَبِي مِلْكَةَ وَأَبِي يِسْكَةَ " (تكوين 11: 29)، "فَدَخَلَ عَلَى هَاجَرَ فَحَبِلَتْ. وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلاَتُهَا فِي عَيْنَيْهَا" (تكوين 16: 3)، "وَعَادَ إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ زَوْجَةً اسْمُهَا قَطُورَةُ" (تكوين 25، 1)، وكذلك عيسو بن إسحق "وَلَمَّا كَانَ عِيسُو ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً اتَّخَذَ زَوْجَةً: يَهُودِيتَ ابْنَةَ بِيرِي الْحِثِّيِّ، وَبَسْمَةَ ابْنَةَ إِيلُونَ الْحِثِّيِّ" (تكوين 26- 34)، "فَذَهَبَ عِيسُو إِلَى إِسْمَاعِيلَ وَأَخَذَ مَحْلَةَ بِنْتَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أُخْتَ نَبَايُوتَ، زَوْجَةً لَهُ عَلَى نِسَائِهِ" (تكوين 28: 9)، ويعقوب - عليه السلام - "فَلَمَّا رَأَتْ رَاحِيلُ أَنَّهَا لَمْ تَلِدْ لِيَعْقُوبَ، غَارَتْ رَاحِيلُ مِنْ أُخْتِهَا، وَقَالَتْ لِيَعْقُوبَ: «هَبْ لِي بَنِينَ، وَإِلاَّ فَأَنَا أَمُوتُ!».2 فَحَمِيَ غَضَبُ يَعْقُوبَ عَلَى رَاحِيلَ وَقَالَ: «أَلَعَلِّي مَكَانَ اللهِ الَّذِي مَنَعَ عَنْكِ ثَمْرَةَ الْبَطْنِ؟».3 فَقَالَتْ: «هُوَذَا جَارِيَتِي بِلْهَةُ، ادْخُلْ عَلَيْهَا فَتَلِدَ عَلَى رُكْبَتَيَّ، وَأُرْزَقُ أَنَا أَيْضًا مِنْهَا بَنِينَ».4 فَأَعْطَتْهُ بِلْهَةَ جَارِيَتَهَا زَوْجَةً، فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَعْقُوبُ،5 فَحَبِلَتْ بِلْهَةُ وَوَلَدَتْ لِيَعْقُوبَ ابْنًا " (تكوين 30: 1- 5)، وغيرهم، واستمر التعدد سارياً بين اليهود طوال تاريخهم حتى جاء الحاخام جرشوم بن يهوذا (960- 1040م) وحرمه، ويعد جرشوم بن يهوذا أول كبار حاخامات اليهودية الإشكنازية المشتغلين بالتوراة في العصر الوسيط، وقد اشتهر كمفسر للتلمود، وكان حاخامات في (إيطاليا) و (فرنسا) و (ألمانيا) يتوجهون إليه بتساؤلاتهم في أمور الدين والقضاء، بينما كانوا يتجهون قبل ذلك إلى علماء (بابل)، ومن هنا كان لقبه (سراج المنفى) "מאורהגולה". وتنسب إليه شروح على أبواب متفرقة من المشنا، كما اشتهر بكونه ناظماً للتراتيل الدينية، وقد أدخل تعديلات تشريعية هامة عُرفت باسم (محرمات الحاخام جرشوم) "חרם דרבנו גרשום" نظراً لتوقيع عقوبة المقاطعة على كل من يتجاوزها، وقد أصبحت هذه التعديلات قانوناً وقضاءً يطبق حتى يومنا هذا بالرغم من معارضة بعضها لنصوص التوراة، وكانت إحدى هذه التعديلات التشريعية تحريم الزواج بأكثر من زوجة واحدة: "لا يجمع الزوج بين زوجتين".(2) وقد قبلت الجاليات الإشكنازية في أوروبا هذا التحريم، أما الجاليات السفاردية عموماً والجالية اليمنية خصوصاً فقد رفضتها، واعتاد الحاخامات السفارديم بالدول الإسلامية في ذلك الوقت على الزواج من عدة نساء وظلوا على هذا النحو حتى التاسع عشر.(3) جديرٌ بالذكر أنه ورد في كتاب الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية للإسرائيليين في "باب الزواج" المادة 54: لا ينبغي للرجل أن يكون له أكثر من زوجة، وعليه أن يحلف يميناً على هذا حين العقد، وإن كان لا حجر ولا حصر في متن التوراة. المادة 55: إذا كان الرجل في سعة من العيش ويقدر أن يعدل أو كان له مسوغ شرعي جاز له أن يتزوج بأخرى.(4) بينما جاء في شعار الخضر في الأحكام الشرعية للقرائيم: "تعدد الزوجات جائز بشرط عدم الإضرار بالإقبال على واحدة والإعراض عن الأخرى إحصانا بل العدل واجب بينهما كما يجب غير ذلك من نفقة وكسوة". وإن كان للإباحة أصل توراتي، فإن العدل أثر من أثار الإسلام الواضحة، استناداً إلى قوله تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ" (النساء: 3).(5)

وإذا انتقلنا إلى جانب آخر من جوانب قضايا الأحوال الشخصية، وهو الميراث، نجد أن التوراة لم تسهب في الأحكام الخاصة بالميراث، فقد وردت أحكام الميراث متفرقة على صفحات التوراة، إلا أنه توجد حادثة وحيدة جمعت معظم أحكام الميراث الأساسية في التشريع اليهودي في فقرات معدودة، حيث جاء في سفر العدد 27: "1فَتَقَدَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ بْنِ حَافَرَ بْنِ جِلْعَادَ بْنِ مَاكِيرَ بْنِ مَنَسَّى، مِنْ عَشَائِرِ مَنَسَّى بْنِ يُوسُفَ. وَهذِهِ أَسْمَاءُ بَنَاتِهِ: مَحْلَةُ وَنُوعَةُ وَحُجْلَةُ وَمِلْكَةُ وَتِرْصَةُ. 2وَوَقَفْنَ أَمَامَ مُوسَى وَأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ وَأَمَامَ الرُّؤَسَاءِ وَكُلِّ الْجَمَاعَةِ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ قَائِلاَتٍ: 3«أَبُونَا مَاتَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى الرَّبِّ فِي جَمَاعَةِ قُورَحَ، بَلْ بِخَطِيَّتِهِ مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَنُونَ. 4لِمَاذَا يُحْذَفُ اسْمُ أَبِينَا مِنْ بَيْنِ عَشِيرَتِهِ لأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ابْنٌ؟ أَعْطِنَا مُلْكًا بَيْنَ إِخْوةِ أَبِينَا». 5فَقَدَّمَ مُوسَى دَعْوَاهُنَّ أَمَامَ الرَّبّ ِ.6فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: 7«بِحَقّ تَكَلَّمَتْ بَنَاتُ صَلُفْحَادَ، فَتُعْطِيهِنَّ مُلْكَ نَصِيبٍ بَيْنَ إِخْوَةِ أَبِيهنَّ، وَتَنْقُلُ نَصِيبَ أَبِيهِنَّ إِلَيْهِنَّ. 8وَتُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: أَيُّمَا رَجُل مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ، تَنْقُلُونَ مُلْكَهُ إِلَى ابْنَتِهِ. 9وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ابْنَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإِخْوَتِهِ. 10وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لإخوَةِ أَبِيهِ. 11وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَبِيهِ إِخْوَةٌ، تُعْطُوا مُلْكَهُ لِنَسِيبِهِ الأَقْرَبِ إِلَيْهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَيَرِثُهُ».

فَصَارَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَرِيضَةَ قَضَاءٍ، كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى." (العدد 27: 1 - 11). ويتضح من النص السابق أن للبنات حقاً في ميراث أبيهن، إلا أن التوراة لم تطلق هذا الحق، بل قيدته بشرطين مهمين، الأول: ألا يكون للأب أبناء ذكور، والثاني: هو عدم زواج البنات اللاتي حصلن على ميراثهن من خارج القبيلة اللاتي ينتمين إليها، كما ورد في (سفر العدد 36: 6 - 7)، والهدف من هذا التشريع هو الحفاظ على الأموال والممتلكات داخل القبيلة الواحدة. إلا أن هذا التشريع الأخير طرأ عليه تعديل على يد الحاخامات، حيث أجازوا للبنات اللاتي يرثن الزواج من أي قبيلة أخرى، وجديرٌ بالذكر أن من الإشارات القليلة الخاصة بميراث البنات ما ورد في سفر أيوب، حيث إنه قد أشركهن في الميراث، ولكنها حالة استثنائية ترجع في رأي (W . corswant - كورسوانت) إلى حالة الثراء التي كان عليها أيوب، ونص ما ورد في سفر أيوب 42: 15 ما يلي: "15وَلَمْ تُوجَدْ نِسَاءٌ جَمِيلاَتٌ كَبَنَاتِ أَيُّوبَ فِي كُلِّ الأَرْضِ، وَأَعْطَاهُنَّ أَبُوهُنَّ مِيرَاثًا بَيْنَ إِخْوَتِهِنَّ."(6)

ونجد أن القرائيم قد ذهبوا - دون سند توراتي - إلى تخصيص الثلث للبنات، وذلك انتحالاً واضحاً من الشرع الإسلامي، فليس هناك من دليل واحد على وجود ما يشابهها في الشرائع اليهودية، كما منع القرائيم الميراث في حالة ارتداد المرء عن الملة، ما لم يكن مرغماً ولم يجد سبيلاً للخلاص. وذهبوا إلى أنه إذا مات المورث من غير عقب ورثه أبوه وأمه سوية، وإذا كان أحدهما ميتاً قام مقامه المحق من ورثته، وإذا ماتا كلاهما فالميراث للإخوة الأشقاء فإذا لم يكن له أخوة فالميراث للأخوات، وإذا كان لا أخوات فللجدين والجدتين، وإلا فللأعمام والخالات، وإلا فالقريب الأقرب. مخالفين بذلك نص التوراة، (عدد 27: 8 - 11). والذي يحدد ورثة المرء كالآتي: الابن ثم البنت ثم الإخوة ثم إخوة الأب ثم النسيب الأقرب من العشيرة. كما حرم القرائيم تفضيل بعض الورثة على البعض، بالرغم من شيوع هذا الأمر في التوراة، ومن ذلك تفضيل اسحق ليعقوب على عيسو (تكوين 27). وفي أحوال الهبة والوقف ذهب القرائيم - دون أي دليل توراتي – إلى أنه ليس للموروث أن يتصرف في كل ماله منعاً من حرمانه، وقدروا حد التصرف بالثلث.(7)
----------------------------------
(1) محمد جلاء محمد إدريس (د)، التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1993م، ص 109، ص 116، ص 120- ص 124، ص 134- ص 135.
(2) رشاد الشامي (د) موسوعة المصطلحات الدينية اليهودية، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، القاهرة، 2003م، ص 139 - 140.
(3) عبد الوهاب المسيري (د)، من هم اليهود ؟ وما هي اليهودية؟ أسئلة الهوية وأزمة الدولة اليهودية، دار الشروق، القاهرة، الطبعة السادسة، 2009م، ص 35.
(4) م. حاي بن شمعون، الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية للإسرائيليين، مطبعة كوهين وروزنتال، مصر، 1912 م، ص 17.
(5) محمد جلاء محمد إدريس (د)، مرجع سابق، ص 115.
(6) مصطفى عبد المعبود سيد منصور (د)، توظيف الأحكام التشريعية في المشنا: أحكام ميراث الرجل أنموذجاً، في: نازك إبراهيم عبد الفتاح (د) وآخرون، المصطلح والنص في الدراسات العبرية، دار العلوم للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006 م، ص 315 - 317.
(7) محمد جلاء محمد إدريس (د)، مرجع سابق، ص 127- 133.




ــــــــــــــــــــــــــ