المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يهود اليمن ... القصة الكاملة ( 1 ـ 3 )


عبدالناصر محمود
05-22-2016, 07:39 AM
يهود اليمن ... القصة الكاملة ( 1 ـ 3 )
ــــــــــــــــــــ

(نبيل محمد سعيد عبد العزيز)
ـــــــــــــــ

15 / 8 / 1437 هــ
22 / 5 / 2016 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/812052016092314.png





أعلنت الوكالة اليهودية يوم 21 مارس الماضي أنها نجحت في نقل سبعة عشر من اليهود اليمنيين إلى إسرائيل، في عملية وصفت بالسرية، ومن بين المجموعة الحاخام سليمان دهاري الذي وصل مع والديه وزوجته، وأحضر معه نسخة قديمة من التوراة تعود إلى ثمان مائة عام، مكتوبةً على جلد حيوان، وتم الحفاظ عليها طوال تلك الفترة. بينما كشف موقع الوكالة اليهودية أن عدد من تبقى من اليهود في اليمن يقدر بحوالي (50) يهودياً اختاروا البقاء في اليمن، منهم (40) يعيشون في صنعاء، في مجمعات سكنية مغلقة بالقرب من السفارة الأمريكية.(1)
وقد أعاد هذا الخبر تسليط الضوء على طائفة تُعد أقدمَ وأصغرَ الطوائف الدينية الموجودة باليمن. وكانت قد اضطربت أقوال المؤرخين في أسباب ظهور الديانة اليهودية في ربوع بني حمير، فطائفة منهم ترى أن ظهورها كان نتيجة نضال عنيف بين الديانتين اليهودية والنصرانية، تمكنت فيه الأولى من التغلب على الأخرى في بادئ الأمر. وطائفة أخرى تعترف بأن للعامل الديني أثراً ظاهراً ولكنها ترجح أن الباعث الأصلي إنما هو سياسي قبل كل شيء، ومن هذه الطائفة العالمانGlaser وWinkler ، وهذا الباعث الأصلي الذي تراه الطائفة الأخيرة يكمن في أن ملوك الدولة الرومانية الشرقية بعد أن فرغوا من أمر الأقاليم المجاورة للجزيرة العربية تأهبوا لضم أطرافها إلى أملاكهم فسلكوا لتنفيذ هذا الغرض طريقة سياسية محكمة، حيث أرسلوا وفوداً من الرهبان إلى تلك البلاد، وأمروهم أن يبثوا التعاليم النصرانية بين أهل الحضر والبادية من جهة ويمهدوا الأفكار والنفوس لقبول التسلط السياسي الروماني من جهة أخرى، فلما تنبه ملوك حمير لهذه الحيل وأدركوا ما يتعرض له كيانهم السياسي من الخطر الشديد بسببها، نشطوا لإحباطها وفكروا في أمضى الأسلحة التي تمكنهم من القضاء عليها، فهداهم فكرهم إلى أن يعتنقوا الديانة اليهودية. ويضيف الدكتور إسرائيل ولفنسون بأن هناك عاملين آخرين لظهور الديانة اليهودية في بلاد اليمن لم يصرح بهما المؤرخون:
الأول: أن ملوك حمير لم يخشوا على أنفسهم من اعتناق اليهودية أن تتسلط عليهم دولة ذات سلطان كبير ونفوذ واسع، فلم يكن لليهودية في ذلك العصر دولة سياسية، في حين أن النصرانية كانت تعتمد على الدولة الرومانية الشرقية الطامعة في فتح بلادهم.
والثاني: أن تعاليم الديانة اليهودية ومبادئها أقرب إلى العقلية العربية من الديانة النصرانية التي كانت يومئذٍ تستمد بعض تعاليمها من الفلسفة اليونانية.(2)
والطائفة اليهودية في اليمن قديمة جداً، ومن المعروف أن اليهودية في اليمن كانت أقدم عهداً في التاريخ من النصرانية، بيد أنه لا توجد كتابات بالمسند تشير إلى زمن دخول اليهودية إلى اليمن، أو شهادات تاريخية تبين ذلك بدقة، بل كل ما هنالك تخمينات وأحاديث تغلفها الأساطير. ومن بين أبرز تلك الأساطير أن يهود اليمن ينتمون إلى الذين رافقوا ملكة سبأ بعد عودتها من زيارة الملك سليمان، بحسب ما ورد في سفر الملوك الأول الإصحاح العاشر. والثابت أنه في بداية القرن الثالث الميلادي وجدت طوائف يهودية بين سكان اليمن، وكانت أوضاعها آنذاك مزدهرة، كما أنها قد نجحت في تحويل كثير من قبائل جنوب الجزيرة العربية إلى اليهودية.(3) وقُدر عدد اليهود خلال القرون الستة الأولى للميلاد في تلك المنطقة بثلاثة آلاف يهودي.(4)
ولم تطرأ تغيرات جدية على أوضاع اليهود في اليمن حتى ظهور الإسلام ودخوله أرض اليمن، فخيروا بين الإسلام ودفع الجزية، وسمح لهم بممارسة حياتهم الدينية وشعائرهم كالمعتاد كما حظوا بحماية المسلمين لحياتهم وممتلكاتهم مقابل دفع الجزية، ولم تكن الجزية بالمبلغ الكبير بل كان ميسوراً، فقد روى الترمذي عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْيَمَنِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلاَثِينَ بَقَرَةً تَبِيعاً أَوْ تَبِيعَةً وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً (زكاة على المسلمين منهم) وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَاراً أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ‏(للجزية).‏ في حين أسقطت الجزية على النساء، والذراري، والعبيد، والمغلوبين على عقولهم، والشيوخ كبار السن.
وطوال تلك الفترة وحتى عام 1948م كان اليهود ينتشرون في ربوع اليمن كغيرهم من المواطنين دون خصوصية معينة، فمنهم من سكن القرى ومنهم من سكن المدن والأحياء، وقد كانوا يعيشون حياتهم الآمنة ويتابعون أنشطتهم في مختلف المجلات، وكانوا من أكثر الجاليات نفوذا؛ً وذلك بسبب تغلغلهم في الحياة الاقتصادية. وفي إحصاء قامت به السلطات البريطانية عام 1955م اتضح أن عدد اليهود الموجودين في عدن هم خمسة آلاف يهودي.(5)
وبدأت هجرة يهود اليمن إلى فلسطين في وقت مبكر، في أوائل عقد الثمانينات من القرن التاسع عشر؛ ففي عامي (1881 - 1882م) هاجر (200) يهودي من صنعاء ومن المناطق المحيطة بها، تبعهم بعض المجموعات في السنوات التالية. ولكن الهجرات قد توقفت خلال فترة الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م)، ثم استؤنفت عام 1923م، وقُدِّر المجموع العام ليهود اليمن الذين هاجروا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1923م وحتى 31 مايو 1950م (85.436) يهودياً.(6) وكانت أشهر وأكبر عملية لتهجير يهود اليمن هي العملية التي أطلق عليها البساط *****ي מבצע מרבד הקסמים، وبدأت بمغادرة أول مجموعة من يهود (اليمن) مطار عدن بتاريخ 16 ديسمبر 1948م, ووصلت عملية "البساط *****ي" إلى نهايتها من الناحية الرسمية في 24 سبتمبر 1950م، وبلغ العدد الإجمالي لليهود المهجرين (47.170) يهودي يمني.(7)
_______________________________
(1) موقع الوكالة اليهودية على شبكة الإنترنت:
http://www.jewishagency.org/blog/1/article/46201
(2) إسرائيل ولفنسون، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، مطبعة الاعتماد، مصر، 1927م، ص 36 - 37.
(3) كاميليا أبو جبل (د)، يهود اليمن. دراسة سياسية واقتصادية واجتماعية، دار النمير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1999م، ص 15 - 17.
(4) مأمون كيوان، اليهود في الشرق الأوسط. الخروج الأخير من الجيتو الجديد، الأهلية للنشر والتوزيع، المملكة الأردنية الهاشمية، 1996م، ص 65.
(5) المرجع نفسه، ص 56 - 66.
(6) المرجع نفسه، ص 133 - 134.
(7) كاميليا أبو جبل ( د )، مرجع سابق، ص 186 - 195.
- See more at: http://www.albayan.co.uk/RSC/article2.aspx?ID=3521#sthash.zZIIY7bF.dpuf

-------------------------------

عبدالناصر محمود
11-23-2016, 08:50 AM
يهود اليمن ... القصة الكاملة ( 2 )
ــــــــــــــــــ

(نبيل محمد سعيد عبد العزيز)
ـــــــــــــــ

23 / 2 / 1438 هــ
23 / 11 / 2016 م
ـــــــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/822112016011000.png





اعتبر يهود أوروبا (الإشكنازيم) - الذين تكونت منهم الطبقة الحاكمة في (إسرائيل) - اليهود الشرقيين (السفارديم) - بمن فيهم يهود اليمن - مواطنين من الدرجة الثانية، و "مشرقيين" لا تؤهلهم ثقافتهم ولا إسهامهم في المجتمع إلى أن يصونوا السمة الأوروبية لدولة (إسرائيل)، والواقع فإن احتقارهم للمشرق وللثقافة اليهودية السفاردية هو أحد المراسي العرقية اليهودية - الإشكنازية، فقد كان (دافيد بن غوريون) "דוד בן-גוריון" (1886 - 1973م) واضحاً في قوله حول هذا الموضوع: "إننا لا نريد أن يصبح الإسرائيليون عرباً، وإن من واجبنا أن نحارب الروح المشرقية التي تفسد الأفراد والمجتمعات، وأن نصون القيم اليهودية الشرعية كما كانت مجسدة في يهود المجتمعات الغربية"، وقوله: "لا أريد لثقافة (مراكش) أن تكون عندنا هنا". كما عبرت (جولدا مئير) "גולדה מאיר" (1898 - 1978م) عن موقفها من اليهود السفارديم بقولها: "نحن في (إسرائيل) بحاجة إلى مهاجرين يتمتعون بمستوى رفيع، لأن مستقبل بنيتنا الاقتصادية يُقلقنا، إن لدينا مهاجرين من (مراكش) و (ليبيا) و (إيران) و (مصر) ومن بلدان أخرى ترجع مستوياتهم الاجتماعية إلى القرن السادس عشر" (1).

وبالرغم من كل المحاولات التي بذلها المسؤولون في (إسرائيل) ل*** أعداد أكبر من يهود أوروبا (الإشكنازيم)، فقد تبين لهم منذ بداية الهجرة الكبرى لليهود السفارديم أنه لا محالة من أن تصبح نسبة اليهود السفارديم في المستقبل القريب أكبر بكثير من نسبة اليهود الإشكنازيم، ومن ثم فقد عملت السلطات الإسرائيلية على وضع برامج اجتماعية واقتصادية وتربوية وثقافية من أجل صهر المجموعتين وتوحيدهما في بوتقة واحدة، ولكن النتيجة كانت أن هذه العمليات الدمجية جاءت على حساب مجموعة دون أخرى، ارتباطاً بالجهة المسيطرة والتي وضعت هذه الخطط والبرامج(2)، فقد لجأت السلطات الإسرائيلية إلى تغريب اليهود السفارديم بحجة تمدينهم ومساعدتهم على الانخراط في المجتمع الإسرائيلي، ولتنفيذ هذا المخطط استعانوا بالأساليب العلمية في الجامعات والباحثين الجامعيين أمثال عالم الاجتماع (شموئيل ايزنشتات) "שמואל אייזנשטדט" (1923 - 2010 م) المسؤول عن "نظرية الصهر"، وعالم التربية (كارل فرانكنشتاين) "קרל פרנקנשטיין" (1905 - 1990م) صاحب نظرية "محتاجي العناية الخاصة" وهي النظرية التي افترضت سلفاً تخلف الذهنية السفاردية، وكانت من نتائجها إقامة نظام تربوي خاص لمن هم بحاجة للعناية الخاصة، والطفل الذي يحكم عليه بدخول هذا النظام، يحكم عليه عملياً بالتجهيل مدى الحياة، وكان تصنيف الأولاد يتم حسب عدة معايير، لا تشمل "الذكاء" أو القدرات العقلية للطفل، وإنما اشتملت على: أصل الأب الآسيوي أو الإفريقي، والوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدني "الهامشية"، ومستوى دخل العائلة، وهو ما يعني أن أغلبية أولاد اليهود السفارديم في الأحياء الفقيرة وبلدات التطوير كانوا يقعون ضمن هذا التصنيف، حيث تدل الإحصائيات أن حوالي 90 % من الأولاد في هذه المدارس هم من اليهود السفارديم(3).

جديرٌ بالذكر أن اليهود السفارديم لم يكن لهم دورٌ يُذكر في الحركة الصهيونية، كما أنهم لم يسهموا في نشأة الاستيطان الصهيوني في (فلسطين) قبل قيام (إسرائيل)، ولم يسهموا أيضاً في جهود إقامة الدولة الإسرائيلية، ولا في حرب 1948م - مع ما لها من أهمية في تثبيت دعائم الوجود الصهيوني على أرض (فلسطين) - إلا بقدر ضئيل للغاية لا يكاد يحسب لهم على الإطلاق في نظر الإشكنازيم(4)، وهذه الحقيقة سوف يكون لها الأثر السلبي على مصالحهم لاحقاً، وذلك لأن أجهزة الدولة في (إسرائيل) ما بعد عام 1948 م كانت استمراراً مباشراً للبنية المؤسساتية الصهيونية السابقة على قيام الدولة(5).

وما ينطبق على السفارديم بشكلٍ عام ينطبق على يهود (اليمن) بشكل ٍخاص، فقد مورست ضدهم العديد من سياسات التمييز العرقي الممنهج، بدءاً من المعاملة الاستعلائية والقهرية، كاستقبالهم بإغراقهم بسحابة من مسحوق دي. دي. تي المبيد للحشرات قبل أن ينزلوا عن سلم الطائرة وتطأ أقدامهم ما صُور لهم أنها أرض آبائهم وأجدادهم(6)، واختطاف أبنائهم وبيعهم لأغراض التبني(7)، مروراً بالإلغاء الثقافي والتدمير الاجتماعي، وصولاً إلى التهميش السياسي والاقتصادي. ومن ضمن الإجراءات التي كان يخضع لها هؤلاء:

1 - مصادرة ثقافتهم الخاصة، حيث مارست السلطات الإسرائيلية سياسة الاضطهاد الثقافي ضدهم، بدفعهم طوعاً أو كرهاً للتخلي عن هويتهم ونبذ عاداتهم وكراهية تقاليدهم المتوارثة.

2 - تمزيق الروابط الأسرية وتشتيت شمل العائلات الكبيرة عبر فصلها وإسكانها في أماكن متفرقة، ورفض وتدمير التقاليد الأبوية والبنى التسلسلية القديمة العائدة لقرون.

3 - إسكانهم في مدن تنمية وبلدات التطوير على أطراف المدن الكبرى، وعلى مر السنين بقيت أماكن سكن اليهود اليمنيين تمثل مظهراً من التمييز الصارخ والفصل العنصري، وحسب إحصاء أجري عام 1961م تبين أن اليهود اليمنيين يعيشون كل أربعة في غرفة واحدة في أحياء أطلقت عليها الصحافة الإسرائيلية تسمية "أحزمة الفقر"، كما امتنع الإسرائيليون عن مجاورة اليهود اليمنيين في أماكن سكنهم، وهو ما عبر عنه حادث لامرأة إسرائيلية تدعى يائير دايان عرضت منزلها للبيع، وبالرغم مما يتمتع به منزلها من مزايا، فإنها لم تجد من يشتريه، لأن جميع من يسكنون بالقرب منه هم من يهود (اليمن)، وقد كتبت يائيل مقالاً في صحيفة يديعوت أحرونوت في 22 مارس 1968م تقول فيه: "إن البيت لم يتم بيعه إلى الآن لأنه لا أحد يرغب في أن يلعب أولاده مع أولاد الجيران اليمنيين". وقد أثار مقال يائيل دايان نفوراً وامتعاضاً لدى اليهود السفارديم بشكل عام. حيث تصدرت نشرة السفارديم عدد أبريل 1968م عنوان: "ماذا تنتظر الآنسة دايان أن يكون وضع يهود (اليمن) في مجتمع أوروبي؟"(8).

4 – لم تتح لليهود اليمنيين فرصة مناسبة للتعليم، ففي عام 1961م وجد أن 2% فقط من تلاميذ المدارس الثانوية في (إسرائيل) هم من يهود (اليمن)، ولا يوجد بينهم من يكمل دراسته الجامعية إلا ما ندر، وتعود الأسباب الرئيسية لتسرب التلاميذ من المدارس إلى الوضع المادي البائس الذي عاشه يهود (اليمن) في (إسرائيل)، حيث إنه من النادر أن تتمكن أسرة يمنية من دفع تكاليف وأجور التعليم الثانوي والجامعي. وفي الوقت الذي حدث فيه النمو الاقتصادي العام في (إسرائيل) وأصبحت الوظائف المكتبية والأشغال من كافة الأنواع تحتاج إلى قوى عمل مع كفاءات علمية عالية
، عمل معظم اليهود اليمنيين في قطاع الزراعة وصيد السمك، وهذا يؤكد أن الهدف الأساسي من استحضار يهود (اليمن) هو استخدامهم كعمالة رخيصة في قطاعات العمل، وقد جاء على لسان أحد يهود (اليمن): "يريد الإشكنازيم أن يبقونا في الأسفل، نحن القاعدة وهم رأس الهرم ". أما الذين هربوا من العمل في القطاع الزراعي إلى غيره من قطاعات العمل فقد اقتصرت وظائفهم على أعمال النظافة وحراسة البنايات(9).

5 - قامت مناهج التعليم بتنحية تاريخ اليهود (اليمن) بشكلٍ عام، وينعكس هذا في عدد الصفحات القليلة المخصصة في كتب التاريخ لليهود اليمنيين، والأهم المضمون السيئ، فيحتوي كتاب "جولة في المستوطنات الأولى" (إصدار وزارة التربية، تل أبيب، 1992م) - والذي يُدرس في المرحلة الابتدائية - على جزء بعنوان "اليمني الصغير"، يحتوي على صور ملونة للتطريز اليمني، ووصفات أطعمة يمنية، وقصة على لسان (مِيرالِه) بنت التسع سنوات والنصف، لعائلة مجرية، جاء فيها: "في أحد الأيام ظهر في زقاق حارتنا صبي صغير، كان أسمر وأنحف من جميع الأولاد الذين عرف حتى ذلك الوقت [... ] تجول الصبي في الزقاق، متنقلاً من بيت إلى بيت وهو ينادي: جبنة! جبنة! بلهجة غريبة، تشبه العربية قليلاً والعبرية قليلاً، لكنها غير واضحة تماماً. صد الجميع الباب في وجهه، التفتت إلي أمي بنظرة حادة قائلة: "هذا الولد جاء على (القدس) قبل عدة أيام مع مائتي شخص، جميعهم سُمر البشرة ونحفاء جداً مثله، يقولون أنهم يهود جاؤوا من بلاد بعيدة، بلاد (اليمن)، لكن في (القدس) لم يصدقوهم"، "لماذا؟" سألتها. نفذ صبرها وصرخت في وجهي: "قولي ميرا، منذ متى يوجد يهود سُمر؟" [...] وعند مغادرته صدرت ضجة كبيرة من الزقاق، تحدث الجميع ضده، قالوا إنه عربي وإنه متخف وقالوا أموراً أخرى لم أعد أذكرها، كانت الأقاويل مُرعبة جداً، حتى أن أُمي اعتادت قفل الباب بالمفتاح مرتين لزيادة الحيطة. أما نهاية القصة "أخبار سعيدة"، فقد بشرت الجارة وهي تلتقط أنفاسها: "أتعرفين يا (ميرا)؟ إن هؤلاء اليمنيين هم يهود، لقد استدعاهم حاخاماتنا وأجروا فحصاً لصلواتهم وقوانين الطعام لديهم وثبت أنهم يهود، يهود جاؤوا من (اليمن)"(10).
--------------------
(1) ميكائيل الباز، المنفى الداخلي لليهود الشرقيين في إسرائيل، في: مجموعة من الكتاب اليهود، إسرائيل الثانية المشكلة السفاردية، ترجمة: فؤاد جديد، منشورات فلسطين المحتلة، بيروت، 1981م، ص120، ص 123.
(2) أحمد مصطفى جابر، اليهود الشرقيون في إسرائيل: جدل الضحية والجلاد، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، سلسلة دراسات إستراتيجية، عدد 92، 2004 م، ص 46.
(3) نبيه بشير، الشرقيون في مستنقع الصهيونية، في: إلياس جرايسة ومنير فخر الدين (تحرير)، اليهود الشرقيون إلى أين؟ اتجاهات التحرر وإشكالية الواقع، مركز المعلومات البديلة، القدس، حزيران 1998م، ص 13 - 14.
(4) رشاد عبد الله الشامي (د) القوى الدينية في إسرائيل. بين تكفير الدولة ولعبة السياسة، سلسلة عالم المعرفة، عدد 186، الكويت، يونيو 1994م، ص182.
(5) شلومو سفيرسكي، الشرقيون وجهاز التعليم: تيارات مختلفة ومسارات منفصلة، في: إلياس جرايسة ومنير فخر الدين (تحرير)، مرجع سابق، ص 36.
(6) كاميليا أبو جبل (د)، يهود اليمن. دراسة سياسية واقتصادية واجتماعية، دار النمير للطباعة والنشر والتوزيع، سورية، 1999م، ص 200.
(7) شوش مدموني، اختفاء أولاد اليمن: تجارة أم عنصرية؟، في: إلياس جرايسة ومنير فخر الدين (تحرير)، مرجع سابق، ص46 - 52.
(8) كاميليا أبو جيل، مرجع سابق، ص202.
(9) المصدر نفسه، ص203.
(10) سامي شالوم شطريت، اليهود الشرقيون في مناهج التعليم، في: إلياس جرايسة ومنير فخر الدين (تحرير)، مرجع سابق، ص22 - 23، ص28 - 29.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالناصر محمود
12-29-2016, 10:00 AM
يهود اليمن ... القصة الكاملة ( 3 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ

(نبيل محمد سعيد عبد العزيز)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

30 / 3 / 1438 هــــــــ
29 / 12 / 2016 م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ


http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/826122016105158.png






كانت طبيعة حياة اليهود اليمنيين غريبة كلياً عن حياة الكيان الصهيوني المشبع بالنمط الغربي الإشكنازي، كما لم تجد حِرَفهم القائمة على طرق بدائية كالحدادة وزخرفة النحاس وصناعة الأحذية والجلود أيَّ رواج داخل المجتمع الإسرائيلي. ولكن الصهاينة الذين أخذوا في ما بعد يتطلعون لاصطناع "تراث إسرائيلي خاص" بدؤوا في الاهتمام بالتقاليد اليمنية الخاصة في اللباس والغناء والألحان الجماعية لتوظيفها في الحديث عن "الفلكلور الإسرائيلي" المزعوم.(1)
ومنذ أواسط الستينات وبتأثير من الانتشار النسبي للتعليم في أوساط اليهود اليمنيين، صار هناك المئات منهم ممن تمكنوا من الالتحاق بالجامعات الإسرائيلية، كما نجح العديد من اليهود اليمنيون في العمل في مجال التجارة، وعلى الرغم من ذلك فقد ظل معظمهم متمسكين بنمط معيشتهم، وظلوا يعيشون في تجمعات خاصة في ضواحي المدن وفي مدن التطوير والمستوطنات الخاصة بهم. وتحت ضغط عدة عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية أرسل اليهود اليمنيون أبناءهم إلى المدارس الدينية، وهو الأمر الذي كان له أثر بارز في ميل اليهود اليمنيين إلى تأييد الأحزاب الصهيونية اليمينية.(2)

فمن الشائع في إسرائيل توجه اليهود السفارديم بشكلٍ عام من ذوي الدخل والثقافة المحدودين لتبني الخطاب السياسي اليميني. كما أن درجة التدين تلعب دوراً حاسماً في التأثير على مواقف الإسرائيليين من قضايا عملية السلام، فكلما ازداد التدين ازداد معه التشدد، وكلما نقص التدين ازداد الاعتدال.(3)

وتجدر الإشارة إلى أن اليهود الإشكنازيم كانوا قد تبنَّوا في سبيل سعيهم لتحقيق الهدف الصهيوني بإنشاء وطن قومي لليهود استراتيجية "حتمية الحرب"، حيث اتخذوا من العنف والحرب مبدأً أساسياً لتحقيق هذا الهدف، وتشهد على ذلك سلسلة الحروب الطويلة التي خاضتها إسرائيل منذ قيامها في عام 1948م، أما دور السفارديم في استراتيجية "حتمية الحروب" فهو تابع لدور الإشكنازيم وغير مستقل عنه بسبب تأخر ظهور السفارديم على مسرح الحياة الإسرائيلية وعدم اشتراكهم أصلاً في وضع الاستراتيجيات الصهيونية، فبعد هجرتهم إلى إسرائيل انشغلوا بمشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية وقضايا التكيف مع المجتمع الإشكنازي، أما الأمور العسكرية والحربية فدورهم في وضعها وتشكيلها ضعيف، وهم منفذون لما تمليه عليهم سياسة القوة الإشكنازية الحاكمة، ولا شك في أنهم قد تشبعوا بروح العدوانية والعنف السائدة لدى الإشكنازيم، والتي تولدت لديهم نتيجة تجاربهم التي خاضوها مع الاضطهاد النازي، وهي تجارب لم يمر بها السفارديم إلا أنهم وقعوا تحت تأثيرها من خلال عدوانية الإشكنازيم وسياسة حتمية الحروب التي وضعوها.(4)

وفي ظل نجاح البعض في الاندماج في الكيان الصهيوني، نجد البعض الآخر من اليهود اليمنيين لجؤوا إلى الهجرة العكسية من إسرائيل، في اتجاه الولايات المتحدة وأوروبا. وكانت فكرة "نزوح العودة" أو الهجرة العكسية قد ولدت مع الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني عام 1948م، وصدمة اليهود من ذوي الأصول الشرقية بالوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه، وعدم قدرتهم على مواجهة الصعوبات التي عاينوها وعانوا منها، وتطورت فكرة "نزوح العودة" في سبعينات القرن الماضي، في ظل الأجواء التي أعقبت حرب أكتوبر 1973م، ودعوة بعض الدول العربية اليهود مواطنيها إلى العودة إلى بلدانهم. وفي هذا السياق أصدرت وزارة الخارجية اليمنية في عام 1976م بياناً جاء فيه: (انطلاقاً من مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، وتمسك اليمن بميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتمشياً مع السياسة العامة لجامعة الدول العربية، وإدراكاً لطبيعة الصهيونية العالمية التي غررت باليهود الشرقيين والغربيين، مزينة لهم أنهم سيعيشون في ظل الحكم الصهيوني بسلام وعدل على حساب الشعب الفلسطيني وفي أرضه ووطنه، ما لبث أن تكشفت نواياها وحقيقتها الاستغلالية والاستعمارية، فإن حكومة الجمهورية العربية اليمنية تدعوا اليهود اليمنيين الذين هاجروا من اليمن إلى فلسطين المحتلة للعودة ثانية للعيش بطمأنينة وسلام في ربوع اليمن، لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات التي يتمتع بها المواطنون اليمنيون وفقاً لنصوص الدستور مؤكدةً بأنه سوف تنظر بجدية وعناية لأية طلبات تصلها بهذا الشأن). وفي السياق نفسه حاولت مجموعة من الإسرائيليين من ذوي الأصول اليمنية زيارة اليهود في اليمن من أجل تحذيرهم من مغبة الهجرة إلى إسرائيل، وجاء في صحيفة "دافار" الإسرائيلية في تاريخ 13 ديسمبر 1984م نقلاً عن مجلة (تمورا) الناطقة باسم حزب "أجودات يسرائيل" أن أعضاء المجموعة توجهوا إلى السفارة المصرية في إسرائيل بطلب لترتيب أمر حصولهم على تأشيرات دخول إلى اليمن. واعترفت الصحيفة أن هذه المجموعة وجدت صعوبات من جانب السلطات الإسرائيلية تعيق إنجاز هذه المهمة.(5)

وفي لقاء أجرته صحيفة المستقبل الأسبوعية في عددها 46 بتاريخ 26 مايو 1991م والصادرة في صنعاء مع أحد يهود منطقة ريدة بمحافظة عمران ويدعى يهوذا بن يحيى حبيب، أجاب على سؤال: لماذا لم تهاجر إلى إسرائيل؟ قائلاً: "ليش..؟! كيف نسافر ونسيب بلدنا اللي ولدنا فيها وعشنا بيها من أيام سبأ وحمير". وحول وجود أية مضايقات يتعرض لها اليهود حينها، أجاب قائلاً: "أحنا اليهود والقبايل أخوة لا نغثي (نخاصم) أحد ولا أحد يغثينا". واعترف يهوذا في المقابلة بوجود أقارب له في إسرائيل لكنه ببساطة اليمني المعهودة قال: "إنهم سوف يرسلوا إلينا كي نلحق بهم وللآن ما أجانا علوم، وهذا يدل أنهم غير مرتاحين".(6)
ولم يتغير الوضع كثيراً، ففي لقاء آخر نشرته صحيفة يمن برس في 9 أغسطس 2013م، مع يهودية يمنية تدعى نجاة النهاري هاجرت إلى إسرائيل مع عائلتها عام 1993م، عبرت فيه نجاة النهاري عن مدى المعاناة التي عاشها اليهود اليمنيون في إسرائيل، ومدى الشوق والحنين الذي يعتريهم تجاه موطنهم الأول، كما أشارت إلى عدم عودة اليهود اليمنيين إلى وطنهم بقولها: (عادة ما تتم هجرات اليهود من بلدانهم عبر وكالات أو جمعيات يهودية تتبنى ترتيب كل شيء لهم من وثائق ونفقات. وبالمقابل تقوم هذه الجهات بتجريد المهاجرين من جميع الوثائق التي يحملونها والصادرة من بلدانهم الأصلية. وبناء عليه يعجز المهاجر إثبات جنسيته الأصلية أمام الجهات الرسمية لبلده الذي يعتزم العودة إليه. بالإضافة إلى أنه عندما يصل المهاجرون اليهود إلى إسرائيل أو أمريكا لا يحصلون على المساعدات المالية ما لم يدَّعِ المهاجر أمام اللجنة أنه كان يتعرض للاضطهاد والتمييز وكل المعاملات السيئة من قبل حكومة البلد الذي قدم منه ومن المسلمين أبناء البلد ويتم تثبيت ذلك بمحضر وتوقيعه عليه، كإجراء احتياطي قانوني تدحض به إسرائيل مستقبلاً أي ادعاء بأن هؤلاء تم تهجيرهم قسرياً، وأنهم قدموا فارين بحثاً عن العدالة الإسرائيلية وإنسانيتها. والحقيقة الأهم هي أن عودة اليهودي المهاجر إلى وطنه الأم لها بُعد سياسي يعارض الإستراتيجية الإسرائيلية القائمة على إنشاء دولة من تجميع يهود العالم في فلسطين وتسهيل العودة يعني تفكيك أسس الدولة).(7)
___________________________
(1) مأمون كيوان، اليهود في الشرق الأوسط. الخروج الأخير من الجيتو الجديد، الأهلية للنشر والتوزيع، المملكة الأردنية الهاشمية، 1996م، ص143.
(2) المصدر نفسه، ص 144.
(3) خليل الشقاقي (د)، مسيرة مترددة نحو الاعتدال. مواقف الرأي العام اليهودي في إسرائيل من عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية 1980 - 2001، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2002م، ص19 .
(4) محمد خليفة حسن (د)، الشخصية الإسرائيلية. دراسة في توجهات المجتمع الإسرائيلي نحو السلام، سلسلة الدراسات الدينية والتاريخية، العدد 2، مركز الدراسات الشرقية، جامعة القاهرة، ص. ص 45 - 46.
(5) كاميليا أبو جبل (د)، يهود اليمن. دراسة سياسية واقتصادية واجتماعية، دار النمير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1999م، ص 208.
(6) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(7) لمطالعة اللقاء كاملاً ، انظر:
يهود اليمن في إسرائيل.. حنين العودة للفردوس المفقود، يمن برس، الجمعة 9 أغسطس2013م.
http://yemen-press.com/news21559.html




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــت