المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المعشّر: ما تحقق بملف الإصلاح السياسي في الأردن خطوات تفتقر للرؤية الشمولية


Eng.Jordan
04-04-2012, 10:14 AM
المعشّر: ما تحقق بملف الإصلاح السياسي خطوات تفتقر للرؤية الشمولية


http://www.albaladnews.net/assets/images/40755_2_1333507950.jpg

اخبار البلدم حمد أبو رمان--واشنطن - يرى نائب رئيس الوزراء الأسبق نائب رئيس مؤسسة كارنجي للسلام مروان المعشّر أنّ ما تمّ القيام به إلى الآن في ملف الإصلاح السياسي هو خطوات وإجراءات تفتقر إلى الرؤية الشمولية وإلى إدراك النخبة السياسية لأهمية الوقت بوصفه عاملاً حاسماً اليوم.
إلاّ أنّ المعشّر يستدرك في حوار خاص معه في مكتبه بواشنطن بأنّ الأردن لديه متسع من الوقت مقارنةً بدول عربية أخرى، فـ"قيادته تحظى بإجماع من مختلف مكونات المجتمع الأردني" إنّما هنالك شعور متنامٍ بين اغلب مكونات المجتمع بأنّ "الأمور لا يمكن أن تبقى تدار كما كانت عليه في السابق".
ويوضّح المعشّر الرؤية الشمولية المطلوبة بالتوافق على "عقد اجتماعي جديد" يقوم على اشتراك مكونات المجتمع المختلفة في وضع قواعده وعلى تقاسم السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، مع نظام فاعل من المساءلة والمحاسبة، تبدأ الخطوة الأولى من قانون انتخاب يحقق تمثيلاً عادلاً ويؤسس لنظام تشريعي قوامه الأحزاب السياسية.
ويرى المعشّر الذي أصدر قبل أشهر دراسته "عقد من جهود الإصلاح المتعثرة في الأردن: النظام الريعي العنيد" أنّ النظام الانتخابي الذي يتم الحديث عنه حالياً (نظام الأغلبية على مستوى المحافظة + القائمة النسبية المغلقة) هو تطوير لما أقرته اللجنة السياسية في الأجندة الوطنية، لكن المطلوب التدرج في القائمة النسبية لاحقاً إلى أن يصبح النظام الانتخابي يقوم عليها مستقبلاً.
ويفسّر المعشّر الذي أشرف على الأجندة الوطنية في العام 2005 تشكيك المعارضة بمدى وجود نوايا جديّة للإصلاح السياسي بـ" المواطن الأردني شهد تجارب عديدة أحدثت عنده مثل هذا القلق"، ويدلل على ذلك بتجربتي الميثاق الوطني والأجندة الوطنية التي "تم إجهاضهما منذ اللحظة الأولى لولادتهما" قائلا أنه "لو قمنا بتنفيذ الأجندة الوطنية، لكنا في واقع تحسدنا عليه الدول العربية، لكن التشبث بالمناصب والامتيازات هو السبب فيما وصلنا إليه اليوم".
وتعليقاً على أولوية سؤال الإصلاح السياسي في ملف العلاقات الأردنية- الأميركية لا يرى المعشّر أنّ هناك ضغوطاً أميركية حقيقية على الأردن بهذا الخصوص وهو ما يجعل منه "شأنا داخليا يجب أن يهتم به الأردنيون أنفسهم، فلا يعتمدون على أي تدخل خارجي".
اما في ملف الفساد فيرى أنّ الحكومة الحالية قطعت شوطاً لم تقطعه حكومة أخرى، لكن هناك شعورا لدى المواطنين بوجود "انتقائية" في الملف لأنّ "ما يحدث في كثير من الأحيان أو ما يراه المواطنون هو إيقاف لأشخاص دون محاكمات"، داعيا إلى تعديل قانون إشهار الذمة المالية لإلزام من يتولى المنصب العام" بإشهار ذمته للملأ، لا وضعها في ظرف مغلق".
وعلى صعيد الأزمة المالية المحلية يبدي المعشر قلقه من أنّ "المشكلة تكبر وتزداد، ولا نبقى حيث نحن، فالنفقات الحكومية لم تعد مقبولة، حيث تجاوزت الحدود المعقولة، فالدين العام ارتفع عن الحد الذي وضعته الدولة لنفسها (60 %)، وأصبح 65 %".
ويرى أنّ الأردن لا يستطيع الاستمرار بالنهج الريعي للدولة، وأنّ المطلوب وضع خطة اقتصادية طويلة الأمد تزيل التشوهات في الموازنة وتعيد هيكلة سوق العمل.
أما في السياسة الخارجية فيرى المعشّر، الذي عمل وزيراً للخارجية بين عامي (2004-2002)، وألف كتاب (نهج الاعتدال) أنّ الرهان على الانتخابات الرئاسية الأميركية لتحريك التسوية السلمية لا يستند إلى "أدلة محسوسة"، ويحذّر من أنّ حل الدولتين في طريقه إلى الانتهاء إن لم يكن نفد فعلاً.
وبخصوص الأزمة السورية يستبعد المعشر تدخلاً عسكرياً خارجياً، لكنه يرفض في الوقت نفسه النظرية التي تضخّم الخوف على الأقليات وتروّج بأنّها "بحاجة إلى أنظمة دكتاتورية لحمايتها"، فهي جزء من النسيج الاجتماعي وهذا هو مصدر حمايتها وأمنها تاريخياً.
وفيما يلي نص الحوار:
• كيف تقيّم المشهد السياسي حالياً وما يتم إجراؤه في مسار الإصلاح السياسي، هل نسير في الاتجاه الصحيح؟
- ما قمنا به، حتى الآن، هو إجراءات او خطوات، قد تكون جيدة في موضوع الإصلاح السياسي، لكنها تفتقر إلى الشمولية، وتفتقر أيضاً إلى إدراك النخبة السياسية في البلاد بأن عامل الوقت أصبح حاسماً، مع اعتقادي أن الأردن ما يزال لديه متسعاً من الوقت، مقارنةً بكثير من الدول العربية، فقيادته تحظى بإجماع من مختلف مكونات المجتمع الأردني في المقابل يتعزّز شعور لدى أغلبية مكونات المجتمع الأردني بأن الأمور لا يمكن أن تبقى تدار كما كانت عليه في السابق وبأن المطلوب اليوم ليس فقط إجراءات هنا وهناك، بل عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن يتضمن عدّة أمور أبرزها ضرورة الاتفاق على بنوده بمشاركة ممثلين عن مختلف مكونات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة.
وأشار إلى ضرورة إعادة تقاسم السلطة بين مكوناتها الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية فثمة "شعور مبرر بأن السلطة التنفيذية لها نفوذ أو قوة طاغية على باقي السلطات فلا مجال للحديث عن الإصلاح السياسي دون تقوية السلطتين التشريعية والقضائية وبناء نظام من المحاسبة والمراقبة، بحيث يضمن عدم تغول سلطة على أخرى"، وأنه بغير العمل لبناء مثل هذا النظام" تبقى أي إجراءات إصلاحية محدودة الآثر، ولا تؤدي إلى إصلاح سياسي شامل".
كما يتضمن العقد وضع قانون انتخاب جديد، لأن" القوانين الانتخابية الماضية كافة لم تكن عادلة ولا ممثلة للشعب الأردني"، مبينا أن أي نظام انتخابي جديد يجب أولاً أن يحقق عدالة التمثيل وثانياً أن يؤسس لنظام تشريعي قوامه الأحزاب السياسية.
وأكد انه لا يمكن الحديث عن سلطة تشريعية تمارس دورها ومهماتها بالصورة المطلوبة لمراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية دون أن تكون هذه السلطة معتمدة على أحزاب وبرامج وليس أشخاصا، لذلك فأي نظام انتخابي يجب أن يطور ولو تدريجياً باتجاه الاعتماد على العمل الحزبي.
كما يتضمن العقد خطة للإصلاح السياسي على أن تكون خاضعة للقياس فقد "مضى عهد الوعود بالإصلاحات التي لم يتحقق معظمها" وأصبح من الضرورة إقران هذه الوعود ببرامج زمنية وبربط بالموازنة وبمعايير أداء، حتى يتأكد المواطن بأن "الخطة التي شارك في إعدادها تسير بصورة صحيحة وفق المرسوم لها".
ويقول المعشر إنه لا يمكن الحديث عن إصلاحات اقتصادية دون إقرانها بإصلاحات سياسية في مسارين متوازيين، رائيا أن الإصلاحات الاقتصادية التي تمت في الماضي حدثت في غياب نظام رقابي حقيقي ما أدى إلى استفادة قلة من الناس في كثير من الأحيان على حساب المجتمع بأسره. من هنا؛ فإن مقولة "الخبز قبل الحرية لم تأت بالاثنين" في معظم الأحيان.

• ماهي هذه القواعد المقترحة؟
- يستطيع الجميع في بلد مثل الأردن الاتفاق على قواعد للعمل السياسي من أجل تحقيق هذه الخطة بخطى جادة وواثقة، وهذه القواعد، تتمثّل بالاتفاق على خمسة أمور هي (المظلة الهاشمية، الوسائل السلمية، التداول السلمي للسلطة، فلا يتغول أي كان على السلطة، ويمنع غيره من العمل السياسي، صون الحريات الفردية، حسم موضوع الهوية الأردنية على قاعدة أنّ كل من يحمل الجنسية الأردنية هو مواطن، له كافة الحقوق وعليه كافة الواجبات).
وانه اذا تم الاتفاق على قواعد العمل وتضمينها في أي عقد اجتماعي جديد عندها ينتفي الخوف من الآخر، ونستطيع تطوير مجتمع أردني جديد قائم على العدالة والتعددية وسيادة القانون وتقاسم السلطات.

• تطرح نخب سياسية محدّدات وهواجس تجاه مدى الإصلاح السياسي، مثل الخوف على الهوية أو "التفرد الإخواني"، إلى أي مدى تتفق مع الطرح الذي يقول بتأجيل استحقاق الإصلاح أو ترحيله أو تحجيمه لمراعاة هذا التيار السياسي؟
- أرى أن النزاع العربي- الإسرائيلي استُخدم ذريعةً لعدم حسم موضوع الهوية والمواطنة، هذا الملف قد يطول لعقود دون حل فمن غير المعقول جعل موضوع الإصلاح السياسي رهينة لحل النزاع، بخاصة أن موضوع المواطنة حُسم منذ ستين عاماً.
اضافة إلى ذلك استُخدمت ذرائع أخرى عديدة منها موضوع الإخوان المسلمين كفزاعة لعدم المضي قدماً في موضوع الإصلاح السياسي لكن ما دام باستطاعتنا الالتزام بالمبادئ التي ذكرتها قبل قليل فلن يكون هناك خوف من أي حزب يصل إلى السلطة طالما أن العمل الحزبي متاح للجميع وفي كافة الأوقات والحريات الفردية مصونة أما ان يبقى الإخوان والنزاع العربي الإسرائيلي حججا جاهزة للإبقاء على امتيازات لقلة من الناس على حساب الشعب كله فهذا غير مقبول.

•يمثل قانون الانتخاب اليوم أحد أبرز الموضوعات الجدلية في عمان، والمعلومات التي تتسرب هي باتجاه الجمع بين نظام الأغلبية (على مستوى المحافظة) والقائمة النسبية المغلقة، ما رأيك بهذه الصيغة، بخاصة أنكم في الأجندة الوطنية سبق وأن طرحتم سيناريوهات للقانون المطلوب؟
- هذه الصيغة (الأغلبية + النسبية)، بمثابة تطوير لما تم الاتفاق عليه من قبل اللجنة السياسية في الأجندة الوطنية إذ طالبت بالنظام المنتخب (الفردي + قائمة وطنية) على أن يتم تحديد المقاعد لكل من الأفراد والقوائم تدريجياً بتطوير الحياة الحزبية في البلاد من خلال زيادة نسبة القائمة وكنا نتكلم عن 10 % للقائمة الوطنية وزيادتها تدريجياً حتى لا تحدث هزات في المجتمع والتحول التدريجي نحو نظام حزبي.
وما يتم الحديث عنه حالياً هو تطوير لهذا المقترح بالإبقاء على القائمة النسبية المغلقة، وبدلاً من نظام فردي اختيار نظام أغلبية على مستوى المحافظة قريب من الـ 89. لا بأس، ما يهم هو التحول التدريجي نحو النظام الحزبي، أي نظام لا ينفي الوضع الحالي للمجتمع الأردني، لكنه لا يقف عنده ويطوره تدريجياً، فأي نظام يحقق ذلك هو نظام جيد.
إذا تحدثنا عن قائمة مغلقة على مستوى الوطن، فلا يجوز إبقاؤها على الحدود الدنيا، بل زيادتها تدريجياً حتى تصل في النهاية إلى كل مجلس النواب، أما الاكتفاء بنظام انتخابي يعطي مقاعد محدودة (للتزيين)، وتكتفي به مستقبلاً، فهذا لا يحقق تطوير سلطة تشريعية قادرة على المساءلة. إنّ نجاح أي نظام انتخابي يقتضي التطور تدريجياً لزيادة المقاعد المخصصة على مستوى الوطن لأقصى الحدود.

• ثمة نقاش واسع في عمان على الأجندة الأميركية تجاه الأردن، وما إذا كان الإصلاح يتصدر أولويات الإدارة الأميركية، وهنالك ضغوط تمارس على الأردن في هذا الصدد، من خلال خبرتك في مراكز التفكير والقرار الأميركية، هل الإصلاح السياسي في الأردن يمثل أولوية لدى الطرف الأميركي؟
- لا أعتقد أن هناك ضغوطاً أميركية حقيقية على الأردن في موضوع الإصلاح السياسي، هناك بين الحين والآخر ملاحظات تأتي لكنها لا ترقى لأي مستوى من الضغط.
فالولايات المتحدة منذ بداية اليقظة العربية كانت بصدد مراجعة سياساتها ومنح موضوع الإصلاح أهمية أكبر، لكن لم تتم ترجمة ذلك بدرجة كبيرة.
وبالنسبة للأردن لا أعتقد أن هنالك أي نوع من الضغط من الجانب الأميركي. وفي النهاية موضوع الإصلاح هو شأن داخلي أردني يجب أن يهتم به الأردنيون أنفسهم، فلا يعتمدون على أي تدخل خارجي.

• بالرغم من الوعود القطعية بالاتجاه نحو إصلاحات حقيقية، والسير عملياً في إقرار حزمة التشريعات المطلوبة، إلاّ أنّ هناك تشكيكاً ما يزال في الشارع ولدى المعارضة بمدى وجود إرادة حقيقية للإصلاح السياسي، واتهام مراكز القرار بالرهان على إصلاحات محدودة وعلى لعبة شراء الوقت، هل تعتقد أنّ هذه الشكوك مبرّرة؟

- المواطن الأردني شهد تجارب عديدة أحدثت عنده مثل هذا القلق فقد مررنا بتجربة الميثاق الوطني وانبثق عنها عقد اجتماعي جديد قطعت شوطاً ثم أُوقفت، ثم مررنا بتجربة الأجندة الوطنية التي كانت أكثر تفصيلاً في برامجها ووضعت معايير للأداء، وتم إجهاضها منذ اللحظة الأولى لولادتها!
أذكر أنّ هذا الهاجس سيطر على أعضاء لجنة الأجندة الوطنية منذ الجلسة الأولى، قالوا بوضوح "هل هذا تمرين آخر سيتم وضعه على الرف؟"
الخوف موجود فعلاً ومبرر لكن دعني أشدد هنا على قضيتين رئيستين هما أن يكون العقد الاجتماعي تشاورياً، فلا يكون من الحكومة والمواطن ينفذ، إذ يجب أن يشعر المواطن أنه جزء من العملية، وأن يكون هناك التزام جاد ومنضبط بمعايير أداء كي تكون العملية موضوعاً قابلاً للقياس والتقييم.

• هذا يقودنا إلى سؤال آخر: هل هناك معارضة للإصلاح السياسي سواء من داخل السيستم أو النخب السياسية؟
- نعم موقفي واضح في هذا الموضوع وكتبتُ فيه كثيراً، هنالك قوى سياسية لا تريد الإصلاح، وتتحجج بذرائع معلّبة: مثل الإخوان، الصراع العربي الإسرائيلي، تفكيك الدولة وكانوا ناجحين لفترة طويلة بتسويقها إعلامياً، اليوم اختلف الوضع عما كان عليه قبل خمسة أعوام عندما كانوا يصفون هذه المحاولات الإصلاحية بأنّها لتفكيك الدولة وإضعافها والعكس طبعاً هو الصحيح الآن، المواطن شاهد على ذلك لو قمنا بتنفيذ الأجندة الوطنية في 2005 لكنا في واقع تحسدنا عليه الدول العربية، لكن التشبث بالمناصب والامتيازات هو السبب فيما وصلنا إليه اليوم.
ودعنا نقول بوضوح إنّ نزعة إقصاء الآخر وعدم الاعتراف بأن المجتمع له مكونات عديدة، وانه لا مجال لتفرد أي مجموعة أو أحد بالقرار، وأن موضوع تنصيب الناس لأنفسهم أوصياء على الشعب الأردني.. هذا المنطق لم يعد مقبولاً ولا ينطلي على أحد، فالكل مواطنون وهدفهم بناء الأردن الحديث، ولم يعد مسموحاً أن تنصب مجموعة نفسها وصية على الشعب، بدعوى أنّها أدرى وأعرف بمصالحه ومستقبله.

• ملف الفساد هو أحد أخطر الملفات اليوم، وبالرغم من الزج بأسماء كبيرة من مسؤولين ووزراء سابقين في قضايا الفساد، إلاّ أنّ الشارع يردد "هل من مزيد"، ولا تبدو الدولة ناجحة في إدارة هذا الملف، ما الذي حدث خطأ برأيك، وكيف نعالج الموضوع؟
- ملاحظات المواطنين تشير إلى أنّ هناك أولاً انتقائية، وثانيا هناك أشخاص يتم إيقافهم ولا يتم تحويلهم إلى المحاكمة. المهم هو سيادة القانون، ودائماً نقول "المواطن بريء حتى تثبت إدانته"، وهناك إجراءات قضائية يجب أن تنتهي إلى المحاكمات، لكن ما يحدث في كثير من الأحيان أو ما يراه المواطنون هو إيقاف دون محاكمات، إذ لم يتم الحكم إلا في موضوع خالد شاهين.
معالجة الفساد يجب أن تكون معالجة مؤسسية ليست انتقائية لا شك أن هناك العديد من ملفات الفساد التي يجب أن تفتح على أن يتم ذلك بإجراءات قانونية واضحة، فما الذي يمنع من إجراء محاكمات للذين تم إيقافهم، حتى يتبين البريء من المذنب.
المحاكمات العادلة والقضائية هي من يقرر جدية الإجراءات في مكافحة الفساد، أعتقد أن الحكومة الحالية قطعت شوطاً لم تقطعه حكومة أخرى، لكن هذا لا ينفي ضرورة وجود إجراءات واضحة يتم الأخذ بها إلى النهاية.

• على الصعيد نفسه، هل تؤيد قانون من أين لك هذا؟
- بلا أدنى شك فقانون إشهار الذمة المالية قانون ناقص. ماذا يعني أن يتم وضع الذمة المالية لأي شخص بظرف مغلق لا يتم فتحه إلا حين يتم اتهامه؟! في القوانين المعمول بها في العالم، من المفروض على الشخص الذي يريد أن يعمل بالعمل العام أن يتم إشهار ذمته للملأ، لا وضعها في ظرف مغلق، هذه قوانين العالم، ليس عيباً أن يكون لشخص مال! فإذا كنا جادين في مكافحة الفساد يجب أن يتم إشهار مالي سنوي، ليس مرة واحدة فقط، وقد رأينا العديد من المسؤولين السابقين الذين ظهرت عليهم علامات ثراء على الأقل بحاجة إلى إجابة، واعتقد أن هناك إجابة في كثير من الحالات، لكن لماذا هذا التستر، دعوا الأمور تكون واضحة.

• تواجه الحكومات الحالية معضلة حقيقية في التعامل مع الأزمة المالية وتحديداً قضايا العجز والمديونية في الموازنة، فهنالك قناعة لدى الخبراء الاقتصاديين الرسميين بضرورة رفع الدعم عن الخدمات الأساسية والعودة إلى تحرير أسعار المحروقات، وفي المقابل هناك رفض كامل في الشارع لهذه الخطوة، وربط كامل للأزمة الحالية بالفساد، هذا التناقض أدى إلى ترحيل القرارات الاقتصادية من حكومة لأخرى، دون حلول بديلة، ما العمل برأيك لحل هذه المعضلة؟
- هذا الموضوع كما ذكرت في السؤال، يُرحّل من حكومة إلى أخرى، وهو ليس بجديد فالأردن يعرف أن لديه مشكلتين اقتصاديتين، الأولى البطالة ووجود أعداد هائلة تحاول دخول سوق العمل، دون قدرة النظام الاقتصادي على خلق فرص عمل، والثاني عجز الموازنة المستعصي واعتماد الدولة على المساعدات الخارجية في كثير من الأحيان، هذه ليست مشكلات جديدة وليس مستحيلا مواجهتها.
فالأجندة الوطنية قامت منذ سبعة أعوام بوضع خطة لتخفيض عجز الموازنة إلى الصفر بالتدريج. هنالك خطوات سينتج عنها صعوبات اقتصادية للمواطن، لكن المواطن إذا اقتنع أن الأوضاع ستكون افضل في نهاية الطريق، وأن الخطة الاقتصادية خاضعة للمراقبة، سيتحمل، فقد تحمل منذ سنوات طويلة، المشكلة ليست فقط بترحيل القرارات، ما هو أخطر أنّ المشكلة تكبر وتزداد، لا نبقى حيث نحن، فالنفقات الحكومية لم تعد مقبولة، تجاوزت الحدود المعقولة، الدين العام ارتفع عن الحد الذي وضعته الدولة لنفسها (60 %)، فأصبح 65 %، لا يستطيع الأردن الاستمرار بالنهج الريعي للدولة، علينا أن ندرك أن الوقت قد حان لتغيير هذا النهج نحو نهج إنتاجي، وهذا ليس مستحيلاً، وحتى يتم العمل به على المواطن أن يقتنع أن هنالك تخطيطاً سليما وإرادة سياسية لتحقيق هذا الهدف. بغير ذلك سيبقى إحساس المواطن أن المشكلات الاقتصادية يتم علاجها على حسابه. نعم علينا اتخاذ قرارات لإنقاذ الموازنة، لكن المواطن يتساءل إلى أين؟!
إلى الآن لا أجد خطة طويلة الأمد، فقد اعترض كثيرون على خطة الأجندة الوطنية ووصفوها بأنها طموحة، لكنهم إلى الآن لم يقدموا أي بدائل، لا يوجد أي نهج اقتصادي يسير في الطريق لتخفيض معدلات البطالة وإزالة التشوه في الموازنة بالاعتماد على المساعدات الخارجية، نسمع كلاماً كثيراً عن ذلك، لكن الأرقام والنتائج تظهر العكس ذلك.
• دعنا ننتقل إلى أهم الملفات السياسية الخارجية، إذ يراهن سياسيون عرب على أنّ مياه التسوية الراكدة ستتحرك بعد الانتخابات الأميركية، بخاصة إذا نجح الرئيس أوباما لفترة ثانية، هل تتفق مع هذه القراءة؟
هناك حديث فعلاً في الفترة الأخيرة عن هذا الموضوع إذ يعتقد البعض أنّ الرئيس الأميركي سيكون أكثر جدية في حل النزاع لا أجد إلى الآن دليلاً على ذلك هذه تحليلات لا تعتمد على براهين حسية.
برأيي موضوع الحل القائم على الدولتين في طريقه إلى الزوال، إن لم يكن قد انتهى، فهناك اليوم 500 الف مستوطن في الضفة والقدس، وحتى لو تم ضم مستوطنات الخط الأخضر سيبقى 70- 80 الف في الضفة الغربية.
القدس الشرقية معزولة تماماً عن باقي أجزاء الضفة الغربية بسبب الجدار العازل، الحكومة الإسرائيلية تريد تسوية لا تشمل القدس واللاجئين وغور الأردن والحدود، ولا السيادة الفلسطينية على أراضيها، فإذا فقدت الدولة الفلسطينية أي مقومات فما معنى وجودها! ليس الهدف دولة شكلية بلا مضمون، بل حياة كريمة للناس.
أعتقد أن الوقت ليس في صالح حل الدولتين، إذا لم يتم اليوم التوجه جديا لتحقيق التسوية قد نكون أتينا على وقت أصبح فيه الحل مستحيلاً. ولا أعرف إن كان لدينا ترف الانتظار حتى ما بعد الانتخابات الأميركية، ضمن هذه المعطيات على الأرض.

• كيف ترى تطور المشهد السوري اليوم، في ضوء النقاش حول التدخل العسكري والسيناريوهات المطروحة؟
- النظام السوري فقد شرعيته، إن كانت لديه شرعية، وأي نظام يسمح لنفسه أن يقتل هذا العدد من مواطنيه فهو نظام لا يستطيع الاستمرار، وأعتقد أن الموقف العربي والأردني يجب أن يكون واضحاً في هذا الموضوع. هناك مبادئ أساسية لا يمكن تجاهلها، بغض النظر عن أي اعتبارات اقتصادية ومالية، وإذا كانت الحجج اليوم لدى البعض بأنه نظام عروبي، فالنظام العروبي لا يقتل مواطنيه. أما موضوع التدخل الخارجي، فلا يبدو هناك أي نية لتدخل خارجي، ما يعني أنّ الموضوع السوري قد يطول، لكن النتيجة باعتقادي محسومة.

• لكن مراكز التفكير هنا (في واشنطن) وأوساط ديبلوماسية عربية وغربية تطرح مخاوف من الحرب الأهلية؟ وتتحدث عن "اليوم التالي" لسقوط النظام السوري؟
- هنالك فعلاً مخاوف من حرب أهلية. وكلما طال الموضوع زاد القلق أكثر. ويتم الحديث حالياً عن دعم الأقليات للنظام السوري، برأيي علينا أن ننتهي في العالم العربي من هذا المفهوم بأن الأقليات تقايض مصالحها على حساب إخوانهم من المواطنين، أو نظرية بأن الأقليات بحاجة إلى أنظمة دكتاتورية لحمايتها فهذه توجهات خاطئة تماماً. الأقليات المسيحية في الوطن العربي كانت دوماً من مناصري المواقف العروبية والوطنية والتحررية، وأعتقد أن أي أقلية هي جزء لا يتجزأ من النسيج العربي، وأن حقوقهم مصونة ومضمونة باعتبارهم جزءاً من النسيج، وليس بأمر أو فعل أنظمة دكتاتورية.

• ترتفع وتيرة السجال في واشنطن هذه الأيام مع تسخين الأجواء للانتخابات الرئاسية عن الملف النووي الإيراني، وعن خلافات بين واشنطن وتل أبيب بهذا الخصوص، هل سيناريو "ضربة عسكرية" لإيران مطروح فعلاً في الفترة القادمة؟
- أولاً هنالك شعور في أوساط سياسية أميركية بأن أي ضربة عسكرية لإيران لن ينتج عنها إيقاف العمل بالقنبلة النووية، وأن جل ما يمكن عمله تأجيل الموضوع لسنوات قلة، ثانياً يظهر استطلاع للرأي بأن 60 % من الشعب الإسرائيلي لا يريد توجيه هذه الضربة.
سينتج عن هذه الضربة مضاعفات كثيرة ليست في صالح المنطقة، وفي المقابل لن يتوقف البرنامج النووي الإيراني، الأخطر من ذلك أن الحديث عن ضرب البرنامج النووي الإيراني، نجح في تحويل الأنظار عن النزاع العربي- الإسرائيلي وضرورة حله.
عندما جاء نتنياهو في الزيارة الأخيرة لم يتم الحديث عن التسوية السلمية، بل كان الموضوع عن إيران.
النظام الإيراني في انحدار كثير وتظهر الاستطلاعات أنه فقد كثيراً من شعبيته في العالم العربي، أولا ما جرى في انتخابات 2009 وثانيا موقفه من الثورة السورية، فأي ضربة إسرائيلية لإيران ستعيد إحياء شرعية النظام المتداعية.