المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفلوجة.. صمود المآذن وقهر الإجرام!


عبدالناصر محمود
05-28-2016, 07:53 AM
الفلوجة.. صمود المآذن وقهر الإجرام!*
ـــــــــــــــــــ


21 / 8 / 1437 هــ
28 / 5 / 2016 م
ـــــــــــــ

http://taseel.com/files/df1e32581ccc188e086ff58688d6a319-796x427.jpg






الفلوجة -مدينة الصمود العراقية، التي كانت حاضرة في أخبار المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي للعراق بعد عام 2003م، تشهد مسعى شيعيا لاقتحامها وكسر إرادتها، بعد أن عجز الاحتلال الأمريكي على العراق عن ذلك. فقد أحاطت بها قوات الحكومة العراقية الشيعية بالمليشيات الطائفية الشيعية المسماة زورا بـ"الحشد الشعبي" من كافة الجهات، ضاربة عليها حصارا خانقا، تحت ذريعة محاربة "تنظيم داعش". لقد ظل "تنظيم القاعدة" هو الشماعة التي تعلق كل الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق سنة العراق عليها، واليوم تعود نفس الجرائم والانتهاكات بذريعة "تنظيم داعش". وفي الحالتين ينظر للإرهاب باعتباره وصفا منطبقا على السنة، كما هو الحال في سوريا واليمن، وتظل المليشيات الشيعية التي ترتكب الجرائم والانتهاكات مبرأة وغير مطابقة لمعايير الغرب وإيران للإرهاب!
لماذا الفلوجة:
سبق اقتحام المدينة المقاومة نهاية عام 2004م، بعد حصار وقصف للمدينة استمر لأكثر من خمسة أشهر، بقوة برية مشتركة أمريكية عراقية. وفي سبيل اقتحامها –فيما عرف بمعركة الفلوجة الثانية- قامت القوات الأمريكية بتدمير المستشفيات والمراكز الطبية، واستعمال مختلف الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً، والقنابل الفوسفورية، وقنابل النابالم شديدة الاحتراق، فسقط المئات من القتلى المدنيين ونزح الآلاف منهم. وبلغ حجم الأضرار حينها 90% من مرافق وبنايات المدينة. ومع ذلك صمدت المدينة مائة يوم أمام هذا الهجوم البربري.
وظلت المدينة المستعصية على الاحتلال تعاني خلال فترة الاحتلال الأمريكي للعراق من الحصار والقصف والعمليات العسكرية، وهي صابرة تقف على أرض صلبة من الإيمان بعدالة القضية وحق التحرير. وهي كبقية مدن ما وصف بالمثلث السني في العراق قدمت أرواح أبنائها الشهداء في مقاومة المحتل ومناهضة المشروع الصفو-صهيو-صليبي. وفقدت الكثير من أبنائها تحت الحصار والتعذيب، فيما اعتقل الآلاف من شبابها ورجالها ونسائها.
استمرت المدينة في مقاومة المحتل الأجنبي حتى أواخر عام 2007م. وفي 18 مايو 2008م انسحبت القوات الأمريكية تقريباً بالكامل من مدينة الفلوجة. وفي إطار المؤامرة على سنة العراق والشام افتعل "تنظيم داعش"، وترك له التمدد في المحافظات السنية بعد أن كسر قوتها، وقوة رجالها ومقاوميها. وفي بداية عام 2014م سيطر التنظيم على الفلوجة كاملا، في سيناريو مفتعل يظهر عجز القوات الحكومية في صده!
وكما كانت الفلوجة شوكة في حلق الاحتلال, كانت شوكة في حلق الهيمنة الصفوية, فقد كانت من أوائل المدن التي انتفضت ضد نهج الإقصاء والتهميش والطائفية البغيضة التي انتهجها المالكي ضد أهل السنة عموما في العراق. وشارك أبناؤها بقوة في المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات التي عمت المدن والبلدات السنية في عهد المالكي. لذلك استهدف أهلها بالتهميش المتعمد، وغياب الخدمات والتطوير، واعتقال أبناءها ومحاكمتهم بتهمة الإرهاب وإعدامهم.
واليوم تتخذ المليشيات الشيعية الطائفية من وجود التنظيم ذريعة لصب جام غضبها على المدينة، والقيام بانتهاكها وإطلاق يد الإجرام فيها. وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها المليشيات الطائفية بالحضور والمشاركة في المعارك ضد السنة تحت ذريعة "داعش"، وترتكب الأعمال الإجرامية المخالفة للقوانين والشرائع السماوية، مع السكان. فقد شاركت في اقتحام مدن عدة من قبل، كمدينة "تكريت" ذات الأغلبية السنية شمالي بغداد، حيث قامت بعض الميليشيات بالهجوم على بيوت الأهالي وإضرام النار فيها.
ظروف مأساوية:
يعاني سكان الفلوجة ظروفا صعبة، فقد وجدوا أنفسهم عالقين وغير قادرين على الدفاع عن أنفسهم، أو توفير ممرات آمنة للخروج. كما أن المنظمات المحلية والدولية تشير إلى أن المواد الغذائية والدواء أصبحت نافدة، والأسر تعتمد على مصادر مياه ملوثة. ولم تتمكن الأمم المتحدة وباقي المنظمات الإغاثية منذ بدء العمليات من إيصال المساعدات، تحت ذريعة عدم توفر منافذ آمنة. –في الشأن السني لا تتمكن الأمم المتحدة من توفير ممرات آمنة عادة!
وتقول منظمة شؤون اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة: إن عشرات الآلاف من عناصر قوات الأمن قطعوا طرق الإمداد عند محاصرتهم للمدينة. وبالتالي منع المدنيين من المغادرة!
وفيما تقول الحكومة العراقية والمليشيات الشيعية الطائفية إن "تنظيم داعش" يتخذ من المدنيين وسكان المدينة دروعا بشرية تقصف المدينة على ساكنيها دون تمييز! دون ترك أي مجال لانسحاب التنظيم من المدينة. وقد حذرت منظمات حقوقية مختلفة الحكومة العراقية من اللجوء إلى أساليب التجويع من أجل هزيمة التنظيم في الفلوجة، التي بقي فيها عشرات الآلاف من المدنيين. حسب تقدير الأمم المتحدة.
وهكذا يعيش أهالي الفلوجة الصابرة بين مطرقة "داعش" و"سندان" ميليشيات الحشد الشعبي (الشيعي الطائفي). وما ينتظر المدينة من أعمال بعد الاقتحام قد لا تقل عن الجرائم المماثلة في مناطق أخرى. فالخطاب الطائفي حاضر بقوة.
فزيارات قادة المليشيات والأحزاب الشيعية إلى مواقع القوات حول الفلوجة تتواصل، وسط موجة من خطاب التحريض والطائفية ضد المدينة وأهلها. فقد زار الموقع رئيس الوزراء العراقي السابق الأمين العام لحزب الدعوة نوري المالكي، ووصف المدينةَ بأنها رأس الأفعى! وقال الجنرال إيرج مسجدي -مستشار سليماني: إن الفلوجة ستحرر من سيطرة من أسماها "تيارات الإرهاب والتكفير"، وإن ما يجري الآن هو تطهير المدينة من "إرهاب تنظيم الدولة"!
إيران الحاضر والمستفيد الأكبر:
تفيد كافة التقارير والمعلومات أن الجنرال قاسم سليماني -قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني- يقود معارك الفلوجة، ومعه مئات المقاتلين الإيرانيين المشاركين بالمعركة. وتداولت وسائل الإعلام صورًا لميليشيات الحشد الشعبي خلال قصف الفلوجة بصواريخ رسمت عليها صورة الإرهابي نمر النمر، والذي أُعدم بالمملكة العربية السعودية مطلع عام 2016م، لتؤكد ميليشيات الحشد الشعبي أنها مكونة من متطرفين يتحركون تحت دوافع طائفية.
وتقف إيران بكل قوتها خلف الحكومة العراقية كما هو الحال مع النظام السوري، وتزودها بالخبراء والمقاتلين، لاستكمال الهيمنة الطائفية على العراق. فما يجري هو القضاء على المكون السني في العراق، وتدمير مقدرات ومقومات بقائه، وتهجيره في سبيل تغيير الديمغرافيا السكانية، بأياد عراقية لصالح طرف (طائفي).
وقد أماطت صحيفة "عكاظ" -السعودية- اللثام عن مراسلات سرية بين هادي العامري -الأمين العام لمنظمة بدر وقائد الحشد الشعبي- ومحمد علي جعفري -قائد الحرس الثوري الإيراني. وتعكس المراسلات رغبة إيرانية بتحويل الحشد الشيعي إلى ما يشبه الحرس الثوري في بنيته الأمنية والعسكرية، فيما تكون قيادته المركزية في طهران والفرعية في بغداد!
وما يخدم هذه الأجندات هو وقوف التحالف الدولي، وتحت ذريعة مكافحة الإرهاب، مع الحكومة العراقية وقواتها المسنودة بالحشد الشعبي (الشيعي الطائفي). فقد صرح اللواء إسماعيل المحلاوي -قائد عمليات الأنبار التابعة للجيش العراقي- أن طيران التحالف الدولي يقوم بإسناد القوات العراقية وأبناء العشائر في مواجهاتهم الدائرة في الفلوجة وجزيرة الخالدية!
الموصل آخر المعاقل:
تسعى الحكومة العراقية لاستعادة الفلوجة للتجه شمالاً نحو مدينة الموصل، أكبر حواضر السنة شمالا. وهي تقع في يد "تنظيم داعش"، ويتخذها معقلا له.
وقد ذكر الجنرال إيرج مسجدي -مستشار سليماني- في كلمة له بمدينة (رودهن)، في محيط العاصمة الإيرانية طهران:
إن "تحرير الفلوجة من التكفيريين لن يبقي للإرهاب وجماعاته سوى مدينة الموصل، حيث يعمل تنظيم الدولة على التحضير للمعركة هناك، عبر التغرير بشباب أهل السنة لجذبهم وإرسالهم إلى أرض المعركة". وبذلك تحضر إيران حشودها المليشاوية للوصول إلى الموصل!
كل ذلك يتم بمؤازرة دولية, وتغاض أممي، وصمت عربي وإسلامي؛ ما يزيد من معاناة المدن السنية في العراق، والتي تواجه حملة صفوية صليبية شديدة وشرسة. فإذا كانت هناك 17 فصيل مليشاوي شيعي يحتشد على أسوار الفلوجة استعدادا لاقتحامها, تحت سمع العالم وبصره، فإن الموصل ستكون هي المعركة الأخيرة.
إن حالة العويل والندب والتباكي، والحديث في وسائل التواصل والصفحات الاجتماعية، ونقل الصور والمآسي، لن تغني من الحق شيئا، فالأمر يتطلب يقظة حقيقية وخطوة جريئة من شعوب المنطقة وحكامها في سبيل استنقاذ المصير المشترك الذي بات يتهدد الجميع.



----------------------------------
*{مركز التأصيل للدراسات والبحوث}
--------------------