المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فاصلة خروج بريطانيا التاريخية


عبدالناصر محمود
06-27-2016, 03:53 AM
فاصلة خروج بريطانيا التاريخية
ــــــــــــــــ

(أمير سعيد)
ـــــ

22 / 9 / 1437 هــ
27 / 6 / 2016 م
ـــــــــــ

http://www.almoslim.net/files/images/thumb/eurodom-thumb2.jpg






المحطات الرئيسة في صفحات التاريخ كثيراً ما تأخذ الأبصار بعيداً عن أسبابها المتدرجة ومقدماتها التي أفضت إليها في النهاية كتأطير أخير لحالة من الازدهار أو الاضمحلال.. أو المد والجزر.. أو العدالة والظلم.



وإذ يستفيض الناس في تحليل أسبابها الآنية أو استعراض مقدماتها الظرفية، يتوجب غالباً سبر غورها واستكشاف الأسباب العميقة، والسنن الكونية الحاكمة لها.. وفي حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كحدث تاريخي بالغ الأهمية، لفت الأنظار إليه، يتعين تأمل السياق السنني الذي جرت فيه؛ فما بين تصريح الرئيس الفرنسي شارل ديجول في قصر الإليزيه قبل نصف قرن بأن "بريطانيا تملك “كراهية متجذرة” للكيانات الأوروبية"، ومن ثم تحذيره بأن القبول ببريطانيا كعضو في السوق الأوروبية المشتركة سوف يؤدي إلى تفككه، وبين تعليق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بالأمس، ساخراً من تصريح أدلى به رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، قبل أسبوعين تقريباً، قال فيها "تركيا لن تنضم الاتحاد الأوروبي حتى عام 3000"، قائلاً (أردوغان): "هيا، تفضل، يبدو أنك لم تستطع الصمود لـ3 أيام".



نصف قرن يفصلان ما بين تصريحين يحكيان قاعدة واحدة تحكم علاقة بريطانيا بالجوار الأوروبي، وبالدولة التركية. لم يتغير الأمر كثيراً؛ فبريطانيا لم تر نفسها يوماً منسجمة مع الكيانات الأوروبية، كما أنها ستظل كارهة لأي تقارب تركي أوروبي ولو كانت هي ذاتها خارجة عن اتحاده، تبدو بغضاؤها من لسان رئيس حكومتها، وما يخفي صدرها أكبر.

علاقة بريطانيا بالجوار تظل علاقة مصلحة لابد لها فيها أن تكون الآخذة، والمستنزفة لغيرها، لا يسري ذلك على الدول التي احتلتها فقط، وإنما ينسحب على دول الجوار الأوروبي أيضاً.
لكن بريطانيا ليست حالة شاذة في دول أوروبا؛ فالجميع لم يتجمع إلا في حالين فقط، ضرورة حربية، أو حاجة اقتصادية.




في الماضي، كانت قرون الحروب الصليبية تشهد تحالفات عسكرية لكنها لم تكن دائمة، وكذا في المشاريع المائة التي استهدفت بها أوروبا دولة الخلافة العثمانية على مدى قرونها الستة التي امتد حكمها خلالها، لكن لم تكن تلك التحالفات دائمة، كما أنها لم تشمل تكتلات اقتصادية.



لكن إثر الحرب العالمية الثانية خرجت فكرة التكامل الاقتصادي بين دول أوروبا، ومن ثم تطوير تحالفاتها بناء على نظريتين اثنتين:
الأولى: أن الديمقراطيات لا تتحارب.
والثانية: أن التكامل الاقتصادي يقلص من فرص الحروب.


ومع إنضاج فكرة الاتحاد الأوروبي بدا أن كلتا النظريتين صحيحة، لكن الحقيقة أن البناء الأوروبي لم يكن عقدياً ولا مؤسساً على نحو صحيح، وما ظُن أنه بداية الوحدة الحقيقية بين دول القارة العجوز، تبين فيما بعد أنه لم يكن سوى حالة عارضة تاريخياً.
فالذين يقيسون التاريخ بالسنين والعقود اعتقدوا أن تلك هي النهاية لحالة التشرذم الأوروبية، أما سواهم مما ينظرون إلى السنن وقوانين المدافعة رأوا أن تلك ليست إلا حالة طارئة، وأن التاريخ لا تطوى صفحاته في مائة عام فقط من عمر البشرية الطويل.
لم تكن حالة الوحدة الأوروبية سوى مجرد "تجربة" قد يكتب لها النجاح أو الفشل، ولم تكن بحال "قاعدة" أو "نظرية" أو "حقيقة تاريخية"، لا يتسلل إليها الشك والتمحيص والاختبار.


وإذا كان البعض قد تسرع فجعل التجربة نموذجاً لا يشق له غبار، وأخذ يستدل به على براعة الأوروبيين في إحداث الوحدة؛ فإن من الخلل في المقابل أن يجزم بفشل التجربة تماماً لمجرد خروج بريطانيا أو اعتبار أن سقوط وتفكك هذا الاتحاد قد يحدث بالضرورة بشكل مفاجئ.



لا هذا ولا ذاك بالضرورة، لكن ما يمكننا النظر إليه بعين الاعتبار هو أن النظرية التي قامت عليها الوحدة الأوروبية لم تكن جزماً "أخلاقية"، ولا حتى "عقدية"، وبالتالي فهي تظل رهينة الظرف التي قامت عليه، ومع ازدياد شره المواطن الغربي للحياة المترفة وتمسكه برفاهيتها يعجز كثيرون على تحمل فكرة التكافل الاجتماعي الذي لا يمكن أن يصمد إلا من منطلق عقدي وأخلاقي، لا يتوافر للأوروبيين.




لقد ضعف الأوروبيون، لاسيما الأغنياء منهم أمام اختبار الأزمات الاقتصادية التي وقعت فيها بعض الدول الأوروبية، مثل اليونان وإسبانيا، ودول أوروبية شرقية، كما بدا أنهم عائدون حثيثاً إلى فكرة الإفراز العرقي والجهوي داخل البلد الواحد، فالفلامانيون في شمال بلجيكا يشعرون بحاجتهم إلى الانفصال عن الفرانكفونيين في الجنوب منذ زمن، والأسكتلنديون تتطلع أقلية كبيرة متنامية إلى الانفصال عن المملكة المتحدة.. وهكذا؛ علاوة على 32 طلباً قدموا بالفعل من أكثر من أربعين حزباً أوروبياً لإجراء استفتاءات للخروج من الاتحاد الأوروبي.


بالنظر إلى خطبة "البابا" أوربان الشهيرة للدعوة للحرب الصليبية الأولى، نلحظ أن الهدف الذي اجتمع عليه الأوروبيون كان واضحاً منذ البداية: "طهروا قلوبكم من أدران الحقد، واقضوا على ما بينكم من نزاع، واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس، وانتزعوا هذه الأراضي من ذلك " الجنس الخبيث " ، وتملكوها أنتم. إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها، هي فردوس المباهج " ... "إن فرنسا قد اكتظت بالبشر، وأن أرض كنعان تفيض حليباً وعسلاً":
- إيقاف الاحتراب الداخلي الأوروبي.
- الاجتماع على هدف حرب الإسلام.
- امتصاص ثروات بلاد المسلمين، لاسيما في جنوب المتوسط.


فأحد دوافع الاتحاد كان طلباً للرفاه؛ فإن تعثر، فلا حاجة له إذن..
وأحد دوافعه كان مناهضة "التهديد الإسلامي" فإن تراجع، فإن المصلحة الذاتية لكل بلد تطغى على المصلحة العامة الأوروبية.
كما أن الدافع الديني في أوروبا - مهما قيل عن تعصبها - قد تراجع كثيراً على النطاق الفردي والشعبي، ولم يعد الاتحاد على الأساس الديني يطرب الأوروبيين الغارقين في ماديتهم العلمانية.
كما أن الاتحاد نفسه الذي كان أحد مقوماته "الدين" وإن كان من وراء ستار، قد أصيب بانتكاسة هو أيضاً إذ لم ينضج الأوروبيون معاً وسيلة لوقف زحف الإسلام داخل أوروبا ذاتها.

الجانب الأيديولوجي فشل "بجدارة" في أوروبا التي لم تتمكن من جعل الليبرالية والديمقراطية تحلان محل القوميات والتنوعات المذهبية، ولا تتساندان لتتصديان للطبيعة الأنانية لبعض الشعوب الغنية التي لا ترغب في تحمل عبء نهوض دول أوروبية أخرى فقيرة؛ فعادت القوميات والمذهبيات لتطل من جديد، ويزدهر اليمين المتطرف المناوئ للمكونات الشعبية المهاجرة مهما كانت دياناتها.


ولعل من أهم أسباب فشل الليبرالية والديمقراطية في أوروبا تدريجياً هو انكشافهما في اختبارات تأييد النظم الشمولية، الاستبدادية الدموية، كسوريا، والاحتلالية كالكيان الصهيوني، والانقلابية، وغيرها. وأيضاً في اختبارات سقف الحرية المتاح لممارسة بعض القيم الديمقراطية (في هذا السياق لا يعد توقيع أكثر من مليون بريطاني على طلب إجراء استفتاء جديد حول الوحدة الأوروبية تجلياً ديمقراطياً حميداً، بل يؤكد ضعف وتهافت النظرية الديمقراطية برمتها في أعرق بلدانها، حيث يمكن أن تتغير مصائرها كل يوم تبعاً لأهواء شعبية متأرجحة، يتلاعب بها الإعلام حيث أراد)!





أوروبا إذن قد لا ترغب كلياً الآن عن الوحدة، لكنها وفقاً لسنن كونية وتاريخية ماضية إلى هذا المصير في النهاية، وإذا لم تكن مقبلة على مرحلة من التعصب الديني؛ فلن تصمد طويلاً أمام مغريات انفصال الأغنياء، لكن حتى يحين هذا، فالمشهد يمكن استنباط بعض النتائج الأولية منه، منها:
- أن ألمانيا ستتبوأ مركزاً أكثر تأثيراً وهيمنة على الاتحاد الأوروبي، ولن تجد لها بغياب بريطانيا منافساً قوياً في قيادة الاتحاد. (لكن هذا سيحملها عبء أكبر في الإنفاق لاسيما في مشكلات اليونان وغيرها).
- أن تركيا سيتعزز موقفها الأوروبي أكثر، لاسيما في مفاوضات اللاجئين، وإذا امتد تأثير الانفصال باتجاه الناتو؛ فإن الحاجة الأوروبية لتركيا في مقابل روسيا ربما ستزداد أكثر.
- أن مشكلات الدول الأوروبية الفقيرة ربما ستزداد تفاقماً، وقد تفكر موسكو في إعادة إحياء تحالف مع دول أوروبا الشرقية إذا ما تعافى الاقتصاد الروسي من أزمته.
- أن الولايات المتحدة، وإن أبدت عدم ارتياحها من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أنها ستفيد مجدداً من تباطؤ الاقتصاد الأوروبي المتوقع في تأكيد ريادتها، وزيادة تأثيرها داخل دول الاتحاد نفسه. لكن على المدى المتوسط، قد يغري هذا الانفصال بتأجيج فكرة انفصال الولايات الأمريكية الغنية، والتي تعمل عن نشرها جماعات تروج لذلك بمبرر عدم استنزاف موارد الولاية الغنية في الإنفاق الفيدرالي الباهظ.
- أن الدول الإسلامية لن تستفيد كثيراً من أي تراجع قد يحصل في أوروبا، إذ إن المستفيد دوماً هو الطرف القوي القادر على الإفادة من ضعف الخصم، لا ذاك الأضعف والأرق حالاً!


ولذا؛ فإن بعض المتفائلين ببزوغ أفكار الانفصال داخل أوروبا، وإن كان لتفاؤلهم وجاهة وبعد نظر، إلا أنه في النهاية لن يحصل نهوض للمسلمين أبداً بمجرد ضعف خصمهم (إن ضعف)، إذ يظل ضعف الخصم وتراجعه فقط عامل مساعد، وليس حاسماً.
بالأخير، يظل خروج بريطانيا حدثاً تاريخياً استثنائياً، له ما بعده، وسيظل يستدعي مزيداً من النقاش حوله، خصوصاً لو مثلت بريطانيا قطعة الدومينو الأولى المائلة التي تسقط الجميع.
-------------------