المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مع الخليفة الراشد عمر


عبدالناصر محمود
06-28-2016, 04:01 AM
مع الخليفة الراشد عمر
ـــــــــــ

(أ.د . نعمان السامرائي)
ـــــــــــ

23 / 9 / 1437 هــ
28 / 6 / 2016 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/826062016014126.png





البشر يختلفون عقلياً وثقافياً، ولكل منهم بعض الاستعدادات، فهذا ذكي وذاك بليد، هذا شجاع وذاك جبان، هذا فصيح وذاك لا يحسن القول، هذا يقول الشعر، وذاك يقول النثر، هذا يحسن السياسة، وذاك يحسن التعامل مع السوق وأهله، فمن حاول تنمية مواهبه تقدم ومن أهملها ذبلت وماتت.
وقد جمعتُ جملة من مواقف للخليفة الراشد عمر على أمل أن أسلط عليها الضوء، للكشف عن قدراته الإدارية والسياسية، التي عرف بها:
· أبدأ بأول خطاب له بعد توليه الخلافة، كما نقله الطبري، فهو يقول: أيها الناس! وليت عليكم، ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم، وأقواكم عليكم، وأشدكم استصلاحاً بما ينوب من مهم أموركم، لما توليت ذلك منكم.
إنه يملي برنامجه في العمل وما يتطلع لإنجازه بوضوح تام.
· إدارة الدولة تتطلب أفراداً يختلفون بحسب حال الحكومة ومتطلباتها، وهو يعتمد حسن الإدارة ويقدم صاحبها على التقي العابد ممن لا يحسن الإدارة.
في هذا المجال ينقل القرطبي عنه قوله: "إني لأستعمل الرجل وأدع من هو خير منه، وذلك أني أستعمله لأن يكون أنقص عيباً، وأوسع رأياً وأشد جرأة، وأصبر على الجوع والعطش".
إن قوة الموظف تنفع الأمة، أما تقواه وعبادته فلنفسه، فإذا كان ضعيفاً فضعفه على الأمة، وقد عين بعض كبار الصحابة مثل أبي ذر وأبي هريرة ثم عزلهم لضعفهم الإداري ليس إلا.
· إن عمر رضي الله عنه يعتبر استعمال الموظف للمودة أو مجرد القرابة من خيانة الأمانة لله ولرسوله وللمؤمنين.
· نظراً لظروف الدولة والتوسع الخارجي، فهو يفضل قادة الجيش على الحكام والولاة الإداريين، ويبين السبب في ذلك، فقد كتب البلاذري قول عمر: إن أمير جيش من المسلمين أهم عندي من أمير مصر من الأمصار، لأن صاحب المصر، يريد الأمر فيراجعني، وصاحب الجيش لا يستطيع أن يراجعني.
الحاكم الإداري لديه الوقت ويستطيع أن يشاور، قبل اتخاذ القرار لكن قائد الجيش ليس لديه ذلك، لذا فالتدقيق في الاختيار ضروري جداً، فمجال الأمور العسكرية يتطلب القرارات الآنية الصعبة والخطرة، من هنا يشعر عمر رضي الله عنه بضرورة حسن الاختيار في قيادة الجيوش أكثر من الحكام الإداريين.
· يمتاز عمر رضي الله عنه بجودة معرفته للرجال الذين يستعملهم، مع معرفة عالية بمواهبهم، يذكر الدينوري أن عمر منع "سليطاً الأنصاري" أن يتولى قيادة جيش، وألحقه بجيش أبي عبيدة وقال له: قد بعثت معك رجلاً هو أفضل منك إسلاماً فاقبل منه شورته. وقال لسليط: لولا أنك رجل عجل في الحرب لوليتك هذا الجيش، والحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث.
ومن هذا المنطلق فإن عمر يكتب لقادة جنده: لا تستعملوا البراء بن مالك في قيادة، لأنه "مهلكة من المهالك"، إنه كما يبدو مغامر لذا يحذر منه بقوة.
· يستغرب عمر: كيف يولي أحد الولاة رجلاً بدوياً من أهل الوبر على مدينة مثل البصرة، ويقول لواليه عتبه بن غزوان: من استعملت على البصرة (في غيابه) فيقول له: مجاشع بن مسعود. فيتعجب من صنيعه ذلك ويقول له تستعمل رجلاً من أهل الوبر، على أهل المدر؟!
معرفة دقيقة جداً جداً.
· ينقل مؤلف "كنز العمال" أنه جيء لعمر بأَمَة سوداء على أنها سرقت فسألها عمر: أسرقتي؟ قولي لا.. فقالوا: أتلقنها؟ قال عمر: جئتموني بإنسانة لا تدري ما يراد بها من الخير والشر لتقر، حتى أقطعها. إدراك جيد لطبيعة الإنسان، أَمَة تخدم وقد تكون سرقت وهي لا تعرف العقوبة، فتعترف والاعتراف والإقرار حجة فلا يحتاج لشهادة، لذا فعمر يدرك طبيعة مثل هذه المرأة، ولا يتعجل بقبول إقرارها، ولا يسرُّه أن يقيم عليها الحد، ولو جاءت امرأة حرة عاقلة لكان الموقف يختلف كلياً.
· عمر الصارم الشديد يصادف رجلاً يكلم امرأة في الطريق، فيسرع لضربه بالدرة، ويدرك الرجل الالتباس فيقول: يا أمير المؤمنين! إنها امرأتي، فيسارع عمر للقول: اقتص مني إذن. فيقول الرجل: قد غفرت لك يا أمير المؤمنين. فيقول عمر: ليس المغفرة بيدك، ولكن إن شئت أن تعفو فاعف، فيقول الرجل: قد عفوت يا أمير المؤمنين!
· مع توسع رقعة الدولة الإسلامية على عهد عمر رضي الله عنه راح يسوق الجيوش، ويعين الولاة والقضاة والجباة وغيرهم، وهو الحريص على حسن الاختيار، وعلى أن يعرف الوالي حقوقه وواجباته وأن يعرف عموم الناس كذلك حقوقهم وواجباتهم، وقد جاء في كتاب "الطبقات الكبرى" لابن سعد ما يلي: يقول عمر إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم، أو يشتموا أعراضكم، أو يأخذوا أموالكم، ولكن استعملتهم ليعلموكم كتاب الله وسنة رسوله، فمن ظلمه عامله مظلمة، فلا إذن له عليَّ، ليرفعها إلي حتى أقصه منه.
وفي بقية الخبر: أن عمرو بن العاص يسأل الخليفة: أرأيت إن أدب أمير رجلاً من رعيته أتقصه؟ فقال عمر: وما لي لا أقصه، وقد رأيت الرسول يقصه؟
· كان عمر رضي الله عنه شديداً مع عماله، يخشى أن يستغلوا مناصبهم ليجمعوا الأموال، أو يستغلوا مناصبهم في التجارة، لذا يراقب ويسأل كلَّ عامل عما لديه، ومن أين اكتسبه.
وقد كتب إلى عامله على مصر عمرو بن العاص: أما بعد فإنه بلغني أنك فشت لك فاشية من خيل وإبل وغنم وبقر وعبيد، وعهدي بك قبل ذلك لا مال لك، فاكتب إلي من أين أصل هذا المال ولا تكتمه.
ولم ينتظر طويلاً حتى بعث رجلاً يحمي أموال عمرو ويكون القرار مصادرة نصفها.
· واقعة أخرى: وصل لعلم عمر أن عامله الحارث بن كعب قد باع أموالاً بـ 200 دينار فسأله عن مصدرها، فقال الحارث: لقد خرجت بنفقة معي فاتجرت بها فقال عمر: أما والله ما بعثناكم لتتجروا في أموال المسلمين، فصادرها كلها.
· لقد عزل عمر واليه على البحرين العلاء بن الحضرمي لأنه قام بمغامرة عسكرية، حيث غزا بلاد فارس، دون أخذ موافقة مسبقة من عمر.
ومن المعروف عن عمر كره غزو بلاد فارس، وكره ركوب البحر والغزو، ينقل الطبري عن عمر قوله: لوددت أن بين السواد (يقصد أرض العراق) والجبل (يريد به بلاد فارس) سداً لا يخلصون إلينا، ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد، إني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال. ومع ذلك قام أبو لؤلؤة بقتل عمر رضي الله عنه.
· عمر يستشعر المسؤولية مع كل من يتعامل معه، وعلى رأسهم الولاة وقادة الجيوش، ينقل ابن الجوزي عنه قوله: لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا امرأة ولا شيخاً هرماً ولا طفلاً وليداً.
ومن جيد تعليماته: اتقوا الله في الفلاحين، والذين لا ينصبون لكم الحرب ولا من طلب الأمان؛ فهل تراعى هذه السياسة؟
· وحين يكون الحاكم عادلاً عفيفاً نزيهاً يقلده شعبه، فهذا مقاتل على جبهة العراق، يقتل جنديين فارسيين، ويأخذ بغلين عليها أحمال فيسلمها للمسؤول عن قبض الغنائم فيقول له على رسلك حتى تنظر معنا ما فيها، فإذا سفطان فيهما (تاج كسرى) وعلى البغل الآخر سفطان فيهما ثياب كسرى وفيهما من الديباج أي الحرير والذهب الشيء الكثير، فلم يندم - كما يقول الطبري - أن جاء بهذه الأحمال.
وحين وصلت هذه الغنائم لعمر في المدينة راح يقلِّبها ويقول: إن قوماً أدوا هذه لأمناء. يسمع الإمام علي رضي الله عنه ذلك فيسارع للقول: عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا.
· صورة مشرقة لمقاتل في العراق، يلبس قميصاً قد تمزق، فيأخذ خيطاً وإبرة لخياطة القميص ثم يقع نظره على مقتول فارسي وعليه قميص، فيأخذه ويغسله ويلبسه، لكن المسؤول عن الغنائم يحذر من أخذ شيء من الغنائم، فإنه غلول وخيانة، فيلقى ما معه ويحرم نفسه وهو يعلم أن الإبرة والخيط والقميص لا تساوي شيئاً ومع ذلك يردها تقرباً إلى الله وعفة ليس فوقها عفة.
· وأختم بذكر واقعة فريدة لا مثيل لها في أمة، وفي حالة حرب ولديها قوة معادية، ومدينة "عربسوس" تقع على الحدود بن المسلمين وأعدائهم، وأهلها يتجسسون على المسلمين وينقلون كل شيء إلى أعدائهم، يذكر البلاذري أن قائداً لعمر، وفد عليه من مدينة تقع بين المسلمين وعدوهم، وهم يذودون هذا العدو بكل ما لدى المسلمين، فيأمره عمر أن يعرضَ عليهم الجلاء عن مدينتهم ويتعهد لهم بعطاء كريم، فكل ما لديهم من الغنم يعطيهم شاتين عن كل شاة، وكل بقرة بقرتين، وكل شيء بمثليه، إذا رضوا بذلك، وإن رفضوا الجلاء، فانبذ إليهم، وأعطهم مهلة سنة ثم خرب مدينتهم.
فهل يوجد في تاريخ العالم قديمه وحديثه مثل هذا العرض السخي، والإمهال مدة عام كامل والمدينة يتجسس أهلها؟!



-----------------------