المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وبرغم شبابهن قواعد


جاسم داود
04-06-2012, 04:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



وبرغم شبابهن قواعد



قالت: أحببتُ الطَّيران مثل العُصْفور، وسأبقى مثله مُحلِّقة حتَّى أرى الإنسان.



نتَطرَّق كثيرًا لِمُشكلةِ تأخُّر سنِّ الزَّواج، ونُطيل الحديثَ عن الأسباب المادِّية وتعثُّر الحالة الاقتصاديَّة، سواءٌ في تدَنِّي مستوى الدَّخْل، أو ارتفاع أسعار السَّكن، والمُهور وخلافه، ولَم ننظر إلى الجانب النَّفْسي، ومعوقات بدأَتْ تتَفاعل داخل سيكولوجيَّة كثيرٍ من فتيات الحاضر، كلَّما ازدادت ثقافَتُها وعِلمها؛ إذْ لَم تكتَفِ بالشهادة المتوسِّطة أو الجامعيَّة فقط، بل تتطلَّع بِطُموح لِمُستقبلها في العمل بعدَ جهد دراسات أخرى طويلة، تقول: أرغب في العمل بشهادتي العِلميَّة، هذا الرَّجل لا يُناسب فِكْري، هذا عقله خاوٍ، هذا الشابُّ لن يفهمني، أنا لستُ دُمْيةً...



حتَّى صارت رغم أوجِ شَبابِها مثلها مثل القواعدِ من النِّساء دون أن تَدْري قبل الأوَان، نعلم أنَّ القاعد هي مَن كبر سِنُّها أو المُطلَّقة والأرملة التي عاشت شبابَها لأولادها، أو التي لا ترجو زواجًا، يقول ربُّ العالمين: ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 60].



لن أَدْخل في تفاصيل سَتْر أو خَلْع حجاب، وليس لي أن أُفْتِي، ولكن أن نَرى عددًا من الفتَيات لا يَرْفضن الزَّواج، وفي وَقارهن العفاف، ورغم ذلك يُفضِّلن القعود، تُرى هل هو الخوف من أن يَئِد الزَّوجُ فيها طُموحَها، هل فزَعُها مِمَّا تراه من ارتفاع نسبة المُطلَّقات، فآثرَتْ أن تَحْيا عَذْراءَ بلا حسرةٍ على ماضٍ يَقْتُلها؟ أم مُلاحَظتها دموعَ صديقتها التي دومًا زوجها في سفَر؛ بالاسم معها، وليس معها! أم تتشبَّث أن تجد فتى أحلامها، وتريده نسخةً من أبيها! أم تأثُّرها وما تُشاهده بين متزوِّجَيْن يعيشان في بيتٍ واحد فترَتْ مشاعرهُما، وعشقا حياة الصَّمْت، وأَلِفا مُشاهدة التِّلفاز ومتابعة الشَّبكة العنكبوتيَّة، وصراخٌ دائم مع أولادهما، حياة أشبه "بالعزوبيَّة"، أم أنَّها تنظر للزَّواج على أنَّه ليس تكافؤًا مادِّيًّا أو اجتماعيًّا، قدر ما هو قَبول وتوافقٌ فكري، لَم ولن تعثر عليه بَعْد؟



تتَساءل: مِن أين تشترى مَفاتيح سَعادتها بحقٍّ، ومن يَبيعها مفاتيحَ التَّلاقي الفكريِّ والارتياح المعنوي؟
أرواحٌ هي الجنود المجنَّدة، وهكذا تظلُّ تدقِّق وتَنْتظر وتبحث عن فارس أَحلامِها الَّذي في مخيَّلتِها، تقول: طباع الحُبِّ واللِّين لا تَلْتقي بطِباع البُغْض والغِلْظة، حتَّى يَمرَّ العمر بها، وتصير عانسًا رغمًا عنها وبِرَغبتها! فلم تَجِد من تَقْبَله، وجدَتْ في وَحْدتِها خيرًا من زواجٍ لا تُرافقه السَّعادة.



والآن هذه مشكلةٌ تَمرُّ بها كثيرٌ من فتيات المُجتمَع الطيِّبات، سبَّبتْها الحياة المُحيطة، تَمنَّت أن تَحْيا حياةً فيها التَّعايش الإيجابي، فلم ترَ مودَّة ورحمة بين الأزواج.



وكثيرٌ من الشَّباب ظنَّ أن الزَّواج قيدٌ وجبَ إحكامه، حتَّى قتَلوا في زوجاتِهنَّ معنى الحُرِّية، وهذا سبَبٌ من أسباب العنوسة، سببٌ يتَجاهله المُجتمع ويستهين به، غافلاً عن أنَّ المرأة قلبٌ وعقل وفكر، أنَّها مشاعر إنسانيَّة رقيقة، جُبِلَت على الحنان، ظانِّين كلَّ النِّساء يبحَثْن عن المال والسَّكَن الفاخر، وهى بعدُ لا توَدُّ حياة الصَّمت، ولا ترغب في التَّباعد الفكري، وكلَّما كبر سِنُّها ونضج عقْلُها، آثرَتْ أن تكون كما القواعد اللاَّتي لا يَرْجون نكاحًا، وهي الشابَّة اليانعة، وهذا صنفٌ من النساءيَنْظرن إلى الزَّواج على أنَّه حياةٌ مشترَكة في الفكر، وأنَّ المرأة عقل يُفَكِّر وليست وعاءً للنَّسل فقط، لَسْن راهبات، ولكن تأثَّرْن بتجارب الآخرين، عَلِمْن وأيقَنَّ بقوله تعالى: ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ [النور: 26]، لا يَضِيرهن انتظارُ العمر أو فواتُه رغبةً في لقاء زوجٍ يعرف معنى المودَّة والرَّحْمة، يُعاملها بإنسانيَّة، يَحْتويها بأخلاقه وشجاعته في الحقِّ، حاملاً زمام الصِّدْق، يزين جبينَه نورُ الإيمان، مرتَدِيًا رداءَ العلم والأدب، ولكن يُؤْلِمهن افتقادُ الشُّعور بالأمومة وهُنَّ الصالحات للحَمْل والإنجاب، وهو أَسْمى غاياتِ كلِّ امرأة.



تُرى هل إمعانُ المرأة في أن تكون أوْ لا تكون بلا رجلٍ وكَفى - نَتْجٌ لتدنِّي العلاقات الأُسَريَّة والزوجيَّة، أم لانهيار الأخلاق المجتمعيَّة، ومُحاكاة الآخَر في الطيِّب والرَّديء؟ إلاَّ من رحم ربِّي.



أقول: يا من مرَّ بكِ العُمر، لا تَخْجلي؛ أنتِ لست عانسًا، أهْمس لك: كلمة عانس تُطلَق على المرأة التي ماتَتْ بدون أن تتزوَّج، قالت: ما قلَّ في النَّفْس جَمالها، وما غاب عن الرُّوح ورَعُـها، وما يَدْري من يُشْفِقون مِن تأخُّر قطاري عنِّي، لعلَّ ما أنا فيه خير، أأكون بِدُعائه شقيَّة، وقد أذهبَ منِّي الغِلَّ والعلل؟ فرسالتي صلاحُ نفسي؛ أنا التي سوف آتي الرَّحمن فَرْدًا، الرِّضا كلُّ الرِّضا بما قسَم، أُناجيه بِنُور التَّقوى أن يَزيدَنِي صبرًا وتَقْوى، أصلِحْ لي في ذرِّية أهلي وعشيرتي، وأدخِلْني برحمتك في عبادك الصالحين.



وبعد، فأحببتُ أن أتحدَّث عن سببٍ من أسباب العنوسة، بعيدًا عن العقبات الماديَّة، وأُلْقي الضَّوء الخافت على مشاعر الفتاة المرأة التي صارَتْ من القواعد الآن، تَغْدو وتعود تنتظر الإنسان، وسعادَتُها في قِطار بداخله نفسٌ نقيَّة، وروحٌ تقيَّة.





دمتم برعاية الرحمن وحفظه
منقول للفائدة