المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طهرة للصائم


عبدالناصر محمود
07-05-2016, 05:38 AM
طهرة للصائم
ــــــ

(إبراهيم الأزرق)
ــــــــ

30 / 9 / 1437 هــ
5 / 7 / 2016 م
ــــــــــــ

http://www.almoslim.net/files/images/thumb/zakatt-al-fitr-aumone-de-la-rupture-du-jeune-thumb2.JPG





الحمد لله وبعد فقد روى أبو داود وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما بسند حسنه جمع من أهل العلم قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.

ولأجل ذلك قال الفقهاء يخرجها من وجد فضلاً عن قوته وإن كان فقيراً، فهو محتاج إلى التطهير المنصوص عليه في الحديث. وقالوا: هي لازمة أيضاً عمن لم يصم ومن لم يدرك الحنث، مراعاة لمقصدها الآخر: (طعمة للمساكين)، تكفيهم عن السؤال يوم العيد، بل استحبوا إخراجها عن الجنين.

وفي قوله: (طهرة للصائم)، إشارة إلى أنه على العبد ألا يُدِلَّ بعمله ولا يَغْتَرَّ به، فصومه وإن كان عبادة من أجلِّ العبادات، إلاّ أنه محتاج فيه إلى تطهير! ولهذا المعنى شُرع الاستغفار أدبار الصلوات، وقال عقب الإفاضة من عرفات ركن الحج الأكبر: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [البقرة: 199]، وختم الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في آخر ما أنزل بقوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [النصر: 3].

وفي الحديث أيضاً إشارة إلى أن اللغو والرفث يزداد قبحه في مواسم وأوقات، حتى إنه قد يستوجب من التكفير ما لا يستوجبه في سائر العام، وقبيح بمن أدرك موسم الخيرات، وتنزل الرحمات، أن ينصرف عن التلاوة والذكر، إلى اللغو والرفث! وأبواب الجنان مفتحة، ومَرَدَةُ الشياطين مُصَفَّدَة! والنفس بفضل الإمساك منكسرة مهيئة! ولعله والله أعلم لأجل هذه المعاني فرضت الزكاة طهرة عقيب رمضان ولم تفرض في غيره من المواسم والأيام، ففرق بين اللاغي الرافث مع ضعف الداعي، واللاغي الرافث وثمة داعٍ أقوى في موسم آخر فضيل.

ومن الفوائد التي انتزعها أهل العلم من هذا الحديث أيضاً أن زكاة الفطر لا تجب إلاّ على المسلم، فمن كان عنده كافر يمونه كقريب لم يسلم أو مملوك، أو خادم يطعمه ويكفله، فإنه لا يخرج عنه، إذ هو محل غير قابل للطهرة حال الكفر، بخلاف المسلم تطهره الزكاة والصدقة وتزكيه الأعمال الصالحة، وقد قال الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [التوبة: 103]، ولهذا قالوا: من التوبة الصدقة، وفي حديث كعب في الصحيح: "إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة"، وفي حديث حذيفة في الصحيح: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة"، وقد قال الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) [هود: 114].

ومن مزايا الصدقة في التطهير أنه لا يدخلها ما يدخل كثير من العبادات من أضرب النقص والخلل، بسبب السهو أو الغفلة أو اللغو أو التقصير وإن اشتركت معها في عوارض أخرى.

وأخيراً إذا كانت زكاة الفطر طهرة من اللغو فاعلم أنها لا تكون طهرة من الكبائر عند الجمهور، وحري بمن وقع في شيء منها التوبة المستوفية لشرائطها: إقلاعاً، وندماً، واستغفاراً، وعزماً على ألا يعود.. فإن فعل ذلك فيرجى له الخير وتمام الطهرة بفطرته.

وختاماً إذا لبست جديد العيد الطيب الطاهر فراجع نفسك وانظر هل المظهر كالمخبر؟! وهل ما تحت الثياب كظاهرها! فإن وجدت خيراً فاحمد الله وإلاّ فتدارك وتساءل لم فرض الصوم؟ ولم أخرجت الزكاة؟ ثم تذكر قول الأول:
ما عيدُكَ الفَخمُ إِلّا يَومَ يُغفَرُ لَك لا أَن تَجُرَّ بِهِ مُستَكبِراً حُلَلَك
كَم مِن جَديدِ ثِيابِ دينُهُ خَلَقٌ تَكادُ تَلعَنُهُ الأَقطارُ حَيثُ سَلَك
وَكَم مُرَقَّعِ أَطمارٍ جديدِ تُقىً بَكَت عَلَيهِ السَما وَالأَرضُ حينَ هَلَك
ما ضَرَّ ذَلِكَ طِمراهُ وَلا نَفَعَت هَذا حُلاهُ وَلا أَنَّ الرِقابَ مَلَك

ما فائدة الحلة والجديد والبهرج والعيد إذا رجعت يوم الجائزة بعد أن تهيأت صفر اليدين خبيث النفس خائباً! عفاك الله من ذلك وجعلك من المقبولين الآخذين بأسباب السعادة، الفائزين العائدين بخير مغتبطين.
وكل عام وأنتم من الجنّة أقرب.



-----------------------