المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البصرة ..المدينة العراقية الغنية بالنفط تعيش أسوأ أيامها


Eng.Jordan
07-05-2016, 12:41 PM
هافينغتون بوست عربي | ترجمة

يبدو أن الفترة التي قضتها البصرة تحت سيطرة بريطانيا، والتي دامت إلى ما يقارب الستة أعوام، بعد الإطاحة بصدام حسين، سوف تخضع للتدقيق بعد صدور تقرير تشيلكوت (Chilcot) البريطاني حول غزو العراق.
المدينة 'تديرها عصابات المافيا' ولا تزال تعاني من آثار الحرب، وفقا لتقرير لصحيفة الغارديانالبريطانية.
أرسى الصياد لادن، ومعه شباكه الخاصة به، وتفوح منه رائحة السمك الفاسِد، سفينته الشراعية المتآكلة بالصدأ على ميناء صغير في العراق يسمى الفاو، على بُعد 50 ميلاً جنوب شرق البصرة. وبعد قضاء 10 أيام من الصيد غير الشرعي في الخليج العربي، قام كابتن السفينة، أبو كرار، بالإمساك بالآلة الحاسبة والضرب عليها باستخدام أصابعه الخَشِنَة الغليظة، ثم بدأ في شخبطة بعض الأرقام على ظهر علبة السجائر الخاصة به.
كانت الرحلة تسير على نحو جيد جداً. واستطاع طاقم السفينة المكون من ثلاثة رجال، اصطياد ثلاثة من سمكات النعاب كبيرة الحجم وهم في المياه الكويتية، ثم قاموا ببيعها إلى التجار الباكستانيين في المياه الإيرانية، بينما كانوا يحاولون الهروب أثناء ذلك من خفر السواحل عبر الثلاث دول. ولكن المال الذي حصلوا عليه (حوالي 1250 دولاراً)، لم يَكُن كافياً ليستطيع أبو كرار أن يجلب أي شيء لأسرته. ففي الكثير من الأحيان، تعود هذه الرحلات غير الشرعية بثمن أعلى من ذلك.
قال كابتن السفينة: "لقد أُلقي القبض عليّ أكثر من 30 مرة. فإذا وقعنا في أيدي الكويتيين، سيوسِعوننا ضرباً، أما الإيرانيون، فيقومون بوضعنا في السجن –ولكن ما هي الخيارات الأخرى المتاحة أمامي؟ نحن أمة تمت إبادتها".
بعد مرور 13 عاماً من الاحتلال الذي أسقط صدام حسين، لا تزال العراق دولة تلاحقها الحرب والفساد، وتمزقها القوى السياسية والدينية، وتُصارِع من أجل تحديد هويتها.


بوابة الحروب



الصدمة التي حدثت في البصرة في غاية الوضوح، المدينة الأكبر في جنوب العراق، والتي دامت السيطرة البريطانية عليها لمدة 6 أعوام، بعد الإطاحة بصدام، سوف تخضع الآن إلى مراقبة متجددة في خلال الأسبوع الجاري، بعد التوقعات بصدور تقرير تشيلكوت (Chilcot). وسوف يستعرض التقرير قرار خَوْض الحرب، وأسلوب الإدارة الذي كانت تتبعه بريطانيا في فترة سيطرتها، والعواقب المترتبة على ذلك.
وفي جميع أنحاء المدينة، لا يزال الجميع متمسكاً بالإرث الذي خلّفته هذا الفترة.
قال أبو كرار: "أبلغ من العمر 52 عاماً، وبدأت العمل منذ كان عمري 12 عاماً. كنت أعمل في قطف ثمار الفاكهة، وبحّاراً، ومدرساً، وجندياً أثناء الحرب مع إيران، وأنا الآن كابتن سفينة. ولكن على مدار الأعوام الماضية، لم أَمُرّ بصعوبات كتلك التي عايشتها منذ عام 2013 وحتى هذا الساعة".
قصة حياة الكابتن أبو كرار كانت ممتدة لتشمل الحروب والمآسي التي شهدتها البصرة على مدار الأربعة عقود الماضية، والتي بدأت بصدام حسين، مثلها مثل كل شيء في العراق.
وقال أبو كرار الذي تبدّلت ملامحه من الابتسامة التي عهدناها إلى حزن عميق: "هو الذي بدأ في هدم الدولة " (يقصد صدام حسين)، فعندما بدأت الحرب مع إيران عام 1980، أصبح وطننا منطقة للحرب. سافَرَت عائلتي إلى كربلاء (مدينة بالقرب من بغداد)، وتم تجنيدي في الجيش".
التقسيم الجغرافي الذي جعل من البصرة واحدة من المواقع الفاصِلة للتجارة والتبادل الثقافي، حوّلها لتصبح البوابة التي يعبر من خلالها جميع جيوش الغزاة.
وأضاف أبو كرار: "أمضيت 7 أعوام هنا وأنا جندي. وكنت شاهِداً على عبور الآلاف من الرجال عبر تلك المياه، مَوْجة تلو الأخرى، وكل ما يقومون به هو ذبح بعضهم بعضاً. وعندما عدنا بعد الحرب، كانت جميع السفن الشراعية الخشبية الخاصة بنا قد احترقت. وأصبحت المزارع صحراء جرداء، مليئة بالخنادق التي خلّفتها الحرب، والتي لا يمكننا زراعتها حتى يومنا هذا".
وكما قال أبو كرار، فإن الإطاحة بصدام ووصول القوات البريطانية للسيطرة على المدينة، أعاد الأمل إلى المدينة وأهلها.
وأضاف: "عندما بدأت حرب أخرى، ورأينا الدبابات البريطانية تتجول في شوارع المدينة، تم إبلاغنا بأن الحياة ستكون أفضل. فقالوا لنا: "سيتغير كل شيء، وستتحسن أوضاعنا جميعاً".
بدت على أبو كرار ملامح الاستسلام لليأس، وكأنه شخص تم خداعه في إحدى الصفقات التي خاضها. ظل صامتاً، وسط الأصوات المعدنية الحادة للمراكب الشراعية التي تسحق بعضها بعضاً. ولكنه بدأ يبتسم مرة أخرى.
وقال: "في الواقع، حصلت على شيئاً واحداً من البريطانيين. ففي وسط الفوضى التي عمت المكان بعد احتلالهم للمنطقة، قمت باغتصاب إحدى أراضي الحكومة، وبنيت عليها كوخاً إسمنتياً".


تبديد النفط



كان الكابتن يقيم في واحدة من المناطق السكنية العشوائية والتي ظهرت في جميع أنحاء البصرة، وتم بناؤها على الأراضي العامة التي استولى عليها الشعب، هرباً من الفقر المنتشر في المناطق الريفية. بنى منزله من الطوب الرمادي الداكن، على قطعة من الأرض الشاسعة المهجورة؛ إلا من بعض صور رجال الدين الشيعة فوق الأبواب، والتي تضفي بعض الألوان على المشهد العام.
بعد تخطي مدخل المكان الذي يسكن فيه، إلى ما وراء أحد الخنادق المليئة بمياه المجاري خضراء اللون، يمكن رؤية مدرجات الإستاد المُتلألئ، والتي تُعَد من أروع الأعمال الفنية في المدينة.
مدينة البصرة الرياضية، هي واحدة من بين العديد من المشاريع التي بدأت الحكومة العراقية في بنائها مع نهاية العقد الماضي، فعندما وصلت أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل الواحد، أصبحت البصرة، المدينة العراقية المُزدهرة، تقوم بانتاج النفط الخام الذي تساوي قيمته مليارات الدولارات.
http://i.huffpost.com/gen/4482580/thumbs/o-BASRA-570.jpg?6
أما الآن، فقد انخفضت قيمة النفط إلى النصف. ومع ذلك، فإن مئات الآبار المنتشرة في أنحاء المدينة تُخْرِج أعمدة من الدخان الأسود إلى السماء، وتتسبب في تغطية سماء البصرة بضباب قَذِر رمادي اللون.
منذ حلول عام 2010، انتشرت الفنادق، ومكاتب الطيران، والمقاهي، والمطاعم في البصرة، بعد أن أصبحت المدينة مركزاً لشركات النفط العالمية. والمركز التجاري الجديد Basra Times Square، جذب العلامات التجارية العالمية، بالإضافة إلى عدد وافر من صالات العرض البرّاقة والتي عرضت صفوف من سيارات الدفع الرباعي اللامعة.
وفي بعض أنحاء المدينة، بدأت أسعار المنازل تزداد حتى تخطت الأسعار في دبي أو بيروت. ويتم يومياً توصيل الورود الناضرة التي تأتي من هولندا إلى اثنين من بائعي الزهور اللذين يقومان بتوريد النفط، وهو الثروة الجديد للنخبة.
ويقول أبو كرار: "أعلم بوجود المال في البصرة. فأنا أراه في كل مكان من حولي متمثلاً في البيوت الفاخرة – ولكنني لا أستطيع لمسه فعلياً.
أما وراء الواجهة التي تظهر فيها الشوارع وهي مُضاءة ومُزينة بالنخيل المستورد من الخارج، تقبع المدينة الحقيقية، حيث تتدفق مياه الصرف الصحي عبر المناطق التاريخية للبصرة، والتي أصبح بعضها الآن مستنقعات من المُهملات البلاستيكية والنفايات.
http://i.huffpost.com/gen/4482568/thumbs/o-BASRA-570.jpg?6
الاستاد، والكثير من الكباري والمباني العامة، والتي بدأ بناؤها أثناء أعوام الازدهار، بقيت الآن متعطّلة وغير مكتملة. الانخفاض في أسعار النفط، جعل الحكومة غير قادرة على دفع فواتيرها؛ ومثلها مثل بقية أنحاء العراق، فإن الإيرادات الموجودة حالياً تم تبديدها عن طريق الفساد والرشاوى.


بصرة بلير



وقف القاضي وائل عبد اللطيف وتحرك في مكتبه المتواضع نحو خزانة مكدسة. بعد أن بحث قليلاً، عاد يحمل ملفاً وردياً. وضع مكوناته في زهو، سلسلة من الأوراق المطبوعة، محاولاً تسوية جوانبها المجعدة.
كانت تلك الأوراق تذكاراً لمنصب عبد اللطيف كحاكم للبصرة كأحد حلفاء بريطانيا القليلين أثناء الحقبة التي سيطرت فيها على المدينة.
إحدى الصور تظهر عبد اللطيف يمشى مع توني بلير أثناء إحدى زياراته المفاجئة للبصرة. بدا الحاكم طويلاً ومنحنياً، وبدا بلير مستقيماً وواثقاً بنفسه، وقد أثارت رياح الصحراء خصلة من شعره البني على جبهته.
أراني القاضي صورة أخرى للقاء أجراه مع الضباط البريطانيين والعراقيين. قال لطيف "كانت البصرة أول محافظة في العراق تجري انتخابات محلية. كان البريطانيون يعملون جيداً، فقد التقوا بشيوخ العشائر وحضروا المجالس القبلية. وحينما طلبت من الجيش بناء جسر، قاموا ببنائه في شهر واحد.”
وأضاف في نبرة يشوبها الحنين للماضي “كانت علاقتي جيدة مع كل قادتهم، ومع بلير أيضاً، حتى أنني دعيت ذات مرة لمقابلة ملكة بريطانيا".
http://i.huffpost.com/gen/4482570/thumbs/o-TONY-BLAIR-570.jpg?5
ابتعد عن الصور وتراجع في كرسيه، ثم قال في أسى "لم يريدوا لنا النجاح. لقد عمل الإيرانيون ضدنا منذ أول يوم، مباشرة من خلال أحزابهم الإسلامية التي سيطرت على مجلس المدينة. كلما هممت بالبدء في مشروع كبير أو جذب استثمار للمدينة، عرقل أعضاء المجلس جهودي وأوقفوا العمل في أي مشروع.
ولكن أبوهاشم، أحد القيادات الأمنية الشيعية الذين كانوا على صلة بالمخابرات الإيرانية لأكثر من عقدين من الزمن، يعارض كلام القاضي.
كان من أوائل الذين دخلوا البصرة من إيران بعد سقوط صدام، وقال أنه في عام2003 لم يكن الإيرانيون يعرفون كيف يتعاملون مع الوضع، وكذلك كان البريطانيون.
بعد سقوط المدينة في أيدي القوات البريطانية، عبر رتل من السيارات الحربية الحدود الإيرانية، يحمل مجموعة صغيرة من الجنود الشيعة المتمرسين، وضباط المخابرات (الذين كانوا يعيشون في إيران في العشرين عاماً السابقة)، واتجه إلى البصرة.
كانت مهمتهم إفساح المجال أمام عودة قيادات المعارضة الشيعية في المنفى إلى العراق. في الواقع، كانت مهمتهم الأساسية اختبار رد فعل البريطانيين لوجودهم.
http://i.huffpost.com/gen/4482582/thumbs/o-BASRA-570.jpg?7
يقول أبو هاشم، "كانت تلك فترة اضطرابات . حين دخلنا العراق، لم نكن نعلم ماذا سيحدث. قالوا لنا في إيران إن حربنا مع "الشيطان الأعظم" (الولايات المتحدة) وبريطانيا. فهل كنا سنحارب الأميركان والبريطانيين في آن واحد؟ سيطلقون علينا النار!".


البريطانيون يتحالفون مع الأحزاب الشيعية



في إيران، كانت التخبط يعم أوساط المخابرات والجيش والقيادات الدينية. يقول أبو هاشم "البعض في إيران كانوا يظنون أن وجود صدام بجوارهم أفضل من وجود جيش الولايات المتحدة في الجوار. كان بعض المتدينون قد طالبوا باصدار فتوى بإعلان الجهاد ضد الغزو الأميركي. ولكن في النهاية، قالوا لنا أن علينا الانتظار لنرى ما ستسفر عنه الأيام.”
في الواقع، لم يتم اعتراض طريق رتل السيارات المتجه إلى البصرة. أدرك أبوهاشم وزملاؤه من القيادات في المنفى أن البريطانيين لن يطلقوا النار عليهم، ولكن سيكونون حلفاءهم الجدد، وسيعتمدون على على الأحزاب الشيعية لإدارة المدينة.
بعد وصولهم بقليل، اتخذوا من أحد المباني العامة في البصرة مقراً لهم، ثم بدأت سلسلة من الاغتيالات استهدفت أعضاء حزب البعث وضباط الجيش. يقول أبو سلام، الناشط في مجال حقوق الإنسان في البصرة، "الاغتيالات أرعبت المجتمع.”
“قامت الأحزاب الجديدة بتغيير بنية المجتمع. كان الشيعة في ذلك الحين هم المنتصرين، فقد كانوا يمنعون من ممارسة شعائرهم الدينية تحت حكم صدام، وكان السنة يلقبون "بالبعثيين"، رغم أن الكثير من البعثيين في البصرة كانوا من الشيعة!".
يقول أبو سلام، "لم أكن أظن أن الاحتلال سيؤدي لبناء الدولة. كان من الواضح أن النظام لن ينجح".
بينما كان البريطانيون في البصرة، والأميركيون في بغداد، يعيشون الخدعة الكبرى عن التقدم والديمقراطية، كانت الأحزاب الإسلامية الجديدة تسيطر على المشهد السياسي، وأصبحت أجنحتهم العسكرية هي حجر الأساس للقوات الأمنية الجديدة.
يقول أبو سلام، "كل موارد العراق في البصرة. منذ أول يوم، أصبحت السياسة في المدينة صراعاً حول أي حزب وأي ميليشيا سيتحكم في أي مورد. حاولت القوات البريطانية توطيد علاقاتها بكل الأحزاب لتجنب الصدام بأي ثمن".
http://i.huffpost.com/gen/4482586/thumbs/o-BASRA-570.jpg?5
وفي الوقت ذاته، فإن مجموعة من الشباب الثوري، غير القادر مادياً، والذين يعتبرون مقتدى الصدر قائدهم ومصدر إلهامهم، اكتشفوا البيئة الملائمة لهم والتي تتمثل في محاربتهم للبريطانيين. وفي شوارع البصرة، يوجد العديد من الميليشيات الصغيرة، والتي لم تكن موجودة من قبل، كما أن بعض عصابات المافيا الصغيرة قامت بأخذ نصيبها من ثروات المدينة.
تلك الميليشيات، والتي اندمجت مع القبائل ومُحتَكِري تهريب البضائع، سيطروا على كل جوانب الحياة التجارية في البصرة. إذ يقومون بإدارة 62 من الرصائف العائمة التي تعمل في تهريب النفط. وتسعة من "الوحدات الأمنية" التي كانت تعمل في الميناء، كانت تحصل على الرشى والرسوم. أما بالنسبة للميليشيات والأحزاب الدينية، فكانوا يتولون مسئولية توزيع العدالة ودفاع، وكانوا البوابة التي لابد أن يعبر من خلالها كل من يريد إتمام أي صفقة كبيرة.
وقام أبو هاشم، المسؤول الأمني الشيعي بشرح تلك الظاهرة قائلا: "كانت سنوات الاغتراب في إيران صعبة للغاية. وإن كنت تحاول الإجتهاد بمفردك، فيمكنك قراءة بعض الكتب لتعليم نفسك، ولكن إجمالاً، نُترِك بمفردنا، ولا توجد أي فرصة للتطوير من الذات".
وقال أبو هاشم: "كنت أقول للمواطنين في إيران "إننا عندما نعود إلى العراق، سيحتقرنا الشعب العراقي بسبب كوننا مغتربين. ولكنني كنت مخطئا. ووجدت أنه حتى أكثر المغتربين بساطة -أولئك الذين لم يفعلوا شيئاً في إيران سوى التسكّع– بدأوا في إيجاد وظائف لأنفسهم. فقد وجدوا أماكن شاغرة، وشغلوها".
وأضاف قائلاً: "الإيرانيون، مثلهم مثل غيرهم في هذه المنطقة كان جميعهم يريد لتلك التجربة الأميريكية أن تفشل، وعملوا بالفعل على إفشالها. فسمحوا بدخول القاعدة، وبدأت إيران في تشكيل مجموعات خاصة تقوم باستهداف المصالح البريطانية والأميريكية".
وفي عام 2007، بعد أن خرجت التصريحات البريطانية والأميريكية بإعلان نجاحهم –واستعداد قوات الأمن العراقي– وأصبحت تلك التصريحات تلقى رواجاً وفعالية، كان البريطانيون في الحقيقة يتقهقرون إلى قواعد أصغر في الحجم. وأعطى هذا الأمر التشجيع الكافي للمتمردين في المدينة، للقيام بإطلاق السدود النارية المكونة من صواريخ كاتيوشا على تلك القواعد.


الخطوط الحمراء



كان محسن طويلاً، وبنية جسمه تشبه المصارعين، وله عيون صغيرة حادة. تقابلنا في إحدى مقاهي البصرة الجديدة: مكان عصري ولكنه مُهْمَل عن عمد. بدأت شابة سمينة ترتدي تنورة جينز قصيرة جداً، وبلوزة ضيقة، وكعب مرتفع، بالتوجه نحونا، وتضع قائمة الطعام والشراب أمامنا على الطاولة، ثم عادت إلى الكنبة التي كانت تجلس عليها، لتمسك بهاتفها. وقامت سيدة أخرى صغيرة في السن ترتدي جينز ضيق، بإحضار القهوة التي طلبناها.
كان المشهد صادماً للغاية في المدينة التي تم قتل السيدات اللاتي يرتدين الملابس المحتشمة فيها، لمعارضتهم ما يُسَمَّى بـ "وصايا الأخلاق"، وقضت الأحزاب الدينية على الحياة العامة.
وقال محسن: "لا تستغرب الأمر. تقوم الميليشيات بحماية تلك الأماكن كلها، ليس فقط المقاهي، بل مكاتب الطيران ومعارض السيارات. ويقومون بإعطاء المدافعين عنهم هِبَة كل شهر".
ينتمي محسن إلى الجيل العراقي الجديد من ضباط المخابرات: الشباب، المتعلم –المفترض أن يكون– وغير الطائفي.
"كنا 88 ضابطاً التحقنا بجهاز المخابرات بعد تخرجنا من الجامعة؛ بعدها مررنا بأربع سنوات دراسة أخرى. عندما جئنا إلى البصرة لأول مرة، كنا مُفعمين بالحماسة. ظننّا أننا سنسحق العصابات والميليشيات. لكننا بعد ذلك أدركنا أنهم القوى السائدة في المدينة، وليس الحكومة، لذلك انسحبنا. حتى رؤسائنا وضعوا لنا خطوطاً حمراء لا ينبغي لنا تخطّيها؛ إنهم يعرفون حدودهم".
لا تنتشر الثروة في المجتمع العراقي، كما يحدث في البلاد الأخرى الفاسدة والغنية بالنفط، لكنها بدلاً من ذلك تخلق طبقة لصوص جديدة من قادة الميليشيات، ومسئولي الأحزاب وقادة العشائر.
http://i.huffpost.com/gen/4482576/thumbs/o-BASRA-570.jpg?6
يقول محسن، "إن البصرة تُديرها جماعات المافيا". "ورئيس المافيا هو مجلس المدينة: فهم يقسمون المشاريع بينهم، وعند كل مرحلة يجب أن يتم رشوتهم. هناك حيتان تدير مشاريع النفط والكهرباء؛ إذا وقفت ضدهم، سيقضون عليك. هؤلاء هم طغاة المدينة".
وفقاً لمحسن، فإن اثنتين من أقوى العشائر في البصرة، واللتين حتى سنوات قليلة مضت أدارتا شبكات من ناقلات تهريب النفط (وكان بعض من أعضاء العشيرتين قادة ذوي مناصب هامة في ميليشيا مقتدى الصدر)، هم الآن مقاولو بناء رئيسيون في المدينة، يعملون مع شركات النفط العالمية.
"عندما تكون الدولة ضعيفة والفساد مستشرياً، تصبح القبائل قوية وتنتشر الميليشيات"، كما يقول حجي أبو حسن، رئيس لجنة الأمن بمجلس مدينة البصرة، وضابط مخابرات سابق. "استخدمت بعض كتائب الشيعة القتال ضد الدولة الإسلامية "داعش" كذريعة لتسليح أنفسها وحمل السلاح، لكنهم بعد ذلك بقوا في البصرة ولم يروا خط الهجوم قط. عندما تسألهم لماذا يتسلحون، سيخبرونك أنهم ينتظرون أن تضعف الدولة، قبل أن يتخلصوا منها".
يقول محسن إنه بات يدرك عدم جدوى بنيته الجسدية القوية، وبندقيته ورتبته في مدينة البصرة التي يُفترض أنها هادئة. "عندما لا يوجد احترام للدولة، ولا خوف من قوات الأمن، كيف لهؤلاء الناس أن يحترموني؟"
قبل أن يغادر، يشير عبر الشارع قائلاً: "هل ترى شرطي المرور هذا؟"
يقف رجل شرطة وحيداً، متوسط العمر وفي زي رسمي بقميص أبيض، وبنطال أزرق وقبعة بيضاء يوجه حركة المرور في وقت متأخر من الليل. يلوح في الأفق من فوقه جسر عملاق يفتقد لجزئه الأوسط، حيث توقفت شركة البناء عن العمل فيه بسبب نقص التمويل.
"هذا هو الشخص المحترم الوحيد الذي يعمل للدولة"، يُخبرني محسن، "لأنه حقاً يفعل شيئاً ما. بينما بقيّتنا إما فاسد، أو مُهدد".
- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.