المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلم والمعلم الأول!


عبدالناصر محمود
07-11-2016, 09:59 AM
العلم والمعلم الأول!*
ــــــــــ

6 / 10 / 1437 هـ
11 / 7 / 2016 م
ــــــــــ

http://taseel.com/files/cb8d987b635a527450dc4d30c4dfa61e-796x427.jpg







ذكر عن ابن تيمية –رحمه الله- أنه كان إذا أُغلِقَ عليه في مسألة ذَهَبَ إلى الفلاة، فتمرغ بالتراب كما تتمرغ الدابة، داعيا الله أن يفتح عليه، قائلا: يا معلم إبراهيم علمني ويا مفهم سليمان فهمني! إنها صورة عجيبة من عالم سلفي، تلقى العلم تلقينا، واتسع اطلاعه، وتعمق بحثه، في طريقة وصوله إلى المعرفة والعلم!! إن هذا الاستجداء والدعاء ليس دروشة ولا تصوفا، ولا خروجا عن أسباب العلم التي مضى عليها الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام، والصالحون. وإن رأى ابن تيمية –وهو العالم الرباني الجليل- أن يظهر افتقاره وتذلله بهذه الصورة التي قد يأنف عنها البعض.
إن تفسير هذا المسلك توضحه آيات القرآن الكريم. فإن مصدر العلم المطلق هو الله تعالى: ((قُل إِنَّمَا العِلمُ عِندَ اللَّهِ)). وما من مخلوق في هذا الوجود إلا وهو عالة على الله في العلم.
فقد أعادت الملائكة علمها إلى علمه: ((قَالُوا سُبحَانَكَ لَا عِلمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمتَنَا إِنَّكَ أَنتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ))!
وأُوتي آدم –عليه الصلاة والسلام- العلم من الله: ((وعَلَّمَ آدَمَ الأَسمَاءَ كُلَّهَا))!
وعَرَفَ إبراهيمُ –عليه الصلاة والسلام- التوحيد والإيمان من الله: ((يَا أَبَتِ إِنِّي قَد جَاءَنِي مِن العِلمِ مَا لَم يَأتِكَ فَاتَّبِعنِي أَهدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا)).
ووَهَبَ يعقوب –عليه الصلاة والسلام- الذكاء والحنكة: ((وَإِنَّهُ لَذُو عِلمٍ لِمَا عَلَّمنَاهُ)).
وفَتَحَ على يوسف –عليه الصلاة والسلام- في علم الرؤى وتفسيرها: ((ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأوِيلِ الأَحَادِيثِ))، ((وَكَذَلِكَ يَجتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ))، وقد اعترف لله بهذا الفضل: ((رَبِّ قَد آَتَيتَنِي مِنَ الـمُلكِ وعَلَّمتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ)).
ووَهَبَ داود وسليمان –عليهما الصلاة والسلام- موهبة إدارة الملك: ((ولَقَد آَتَينَا دَاوُودَ وسُلَيمَان عِلمًا وقَالَا الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِن عِبَادِهِ الـمُؤمِنِينَ)).
وأَعطى داود –عليه الصلاة والسلام- الحكمة من الله: ((وَآَتَاهُ اللَّهُ الـمُلكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ))، وعلمَه إنتاج وسائل الدفاع الحربي من الله: ((وعَلَّمنَاهُ صَنعَةَ لَبُوسٍ لَكُم لِتُحْصِنَكُم مِن بَأسِكُم فَهَل أَنتُم شَاكِرُونَ)).
وفهَّمَ سليمان –عليه الصلاة والسلام- حسن القضاء من الله: ((فَفَهَّمنَاهَا سُلَيمَانَ وَكُلًّا آَتَينَا حُكمًا وعِلمًا))؛ وعُلِّمَ لغة الطير: ((وَقالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمنَا مَنطِقَ الطَّيرِ وأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضلُ الـمُبِينُ))، وعلَّمه فنونا من الصناعة: ((فَلَمَّا جَاءَت قِيلَ أَهَكَذَا عَرشُكِ قَالَت كَأَنَّهُ هُوَ وأُوتِينَا العِلمَ مِن قَبلِهَا وكُنَّا مُسلِمِينَ)).
وجمع لعيسى –عليه الصلاة والسلام- علوم الكتب السابقة: ((وَيُعَلِّمُهُ الكِتَابَ والحِكمَةَ والتَّورَاةَ والإِنجِيلَ)).
وأوتي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- جوامع العلوم، كما أوتي جوامع الكلم: ((وأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيكَ الكِتَابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعلَمُ وكَانَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظِيمًا)).
وما توقف علم الله على الأنبياء والرسل، بل وسع علمه الصالحين..
فقال عن فقه المآلات عند الخضر: ((فوَجَدَا عَبدًا مِن عِبَادِنَا آَتَينَاهُ رَحمَةً مِن عِندِنَا وعَلَّمنَاهُ مِن لَدُنَّا عِلمًا))، فكان ذلك من الرشد الذي أوتيه: ((هَل أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمتَ رُشدًا)).
وقال عن فقه القيادة العسكرية وتدبير شئون الحرب عند طالوت: ((إِنَّ اللَّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم وزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ والجِسمِ)).
حتى عباده العصاة علَّمهم مما يشاء من أمور الحياة الدنيا: ((فأَعرِض عَن مَن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا ولَم يُرِد إِلَّا الحَيَاةَ الدُّنيَا * ذَلِكَ مَبلَغُهُم مِن العِلمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وهُوَ أَعلَمُ بِمَنِ اهتَدَى)).
وأرشد البشرية –مؤمنها وكافرها- في حياتها: ((ولَا يَأبَ كَاتِبٌ أَن يَكتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ))، وهذا في العقود؛ ((قُل أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ومَا عَلَّمتُم مِن الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ))، وهذا في الصيد؛ ((فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبحَثُ فِي الأَرضِ لِيُرِيَهُ كَيفَ يُوَارِي سَوأَةَ أَخِيهِ))، وهذا في إكرام الميت؛ ((وَقُلِ الحَمدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُم آَيَاتِهِ فَتَعرِفُونَهَا))، وهذا في علوم الوجود الظاهرة؛ ((انظُر كَيفَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ لَعَلَّهُم يَفقَهُونَ))، وهذا في سنن التغيير والتدويل؛ ((وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِن نَفسٍ وَاحِدَةٍ فَمُستَقَرٌّ ومُستَوْدَعٌ قَد فَصَّلنَا الآَيَاتِ لِقَومٍ يَفقَهُونَ))، وهذا عن علم نشأة الإنسان.
وهكذا فإن الله تعالى هو المعلم الأول، هو المعلم الأول في شأن الدين والإيمان والشرع، كما كان هو المعلم الأول في اللغة والبيان: ((الرَّحمَنُ * عَلَّمَ القُرآَنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ)). فكل علم نافع فعن الله، وكل علم بالضار فعن الله: ((فَاذكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَا لَم تَكُونُوا تَعلَمُونَ)).
وهو من منح الإنسان أدوات المعرفة والإدراك: ((وَاللَّهُ أَخرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُم لَا تَعلَمُونَ شَيئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبصَارَ والْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ))؛ وشكره بتسخيرها في العلم النافع والعمل الصالح.
ولا سبيل إلى علمه النافع في الآخرة إلا بالتقوى: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ ويعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ))، وبدعائه: ((وَقُل رَبِّ زِدنِي عِلمًا)). ولا سبيل لعلمه النافع في الدنيا إلا بالأخذ عنه والفهم منه، أو من خلال ما بثه من السنن والآيات والمعالم. يقول تعالى حاثا الإنسان للنظر والتأمل واستخلاص المعرفة: ((أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَت * وإِلَى السَّمَاءِ كَيفَ رُفِعَت * وإِلَى الجِبَالِ كَيفَ نُصِبَت * وإِلَى الْأَرضِ كَيفَ سُطِحَت))؛ ((فَليَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الـمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقنَا الأَرضَ شَقًّا * فَأَنبَتنَا فِيهَا حَبًّا * وعِنَبًا وقَضبًا * وزَيتُونًا ونَخلًا * وحَدَائِقَ غُلبًا * وفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُم ولِأَنعَامِكُم))؛ ((فَليَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَاءٍ دَافِقٍ * يَخرُجُ مِن بَينِ الصُّلبِ والتَّرَائِبِ))؛ ((وفِي الأَرضِ آَيَاتٌ لِلمُوقِنِينَ * وفِي أَنفُسِكُم أَفَلَا تُبصِرُونَ))؛ ((أَوَلَم يَهدِ لَهُم كَم أَهلَكْنَا مِن قَبلِهِم مِن القُرُونِ يَمشُونَ فِي مَسَاكِنِهِم إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسمَعُونَ * أَوَلَم يَرَوا أَنَّا نَسُوقُ الـمَاءَ إِلَى الأَرضِ الجُرُزِ فَنُخرِجُ بِهِ زَرعًا تَأكُلُ مِنهُ أَنعَامُهُم وأَنفُسُهُم أَفَلَا يُبصِرُونَ)).
فكيف لا يستجدى الله في العلوم كافة وهو الذي ((أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا))؟! وكيف لا يستزاد وهو الذي ((وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلمًا))؟! وهو الذي إذا أراد حرمان العبد من العلم طبع على قلبه، أو صرفه عن العلم والتعلم، أو جعل على قلبه أكنَّة أن يفقه أو يعي حتى مع وجود السمع والبصر. قال تعالى: ((ومِنهُم مَن يَستَمِعُ إِلَيكَ وجَعَلنَا عَلَى قُلُوبِهِم أَكِنَّةً أَن يَفقَهُوهُ وفِي آَذَانِهِم وَقْرًا وإِن يَرَوا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤمِنُوا بِهَا))، ((وإِذَا قَرَأتَ القُرآَنَ جَعَلنَا بَينَكَ وبَينَ الَّذِينَ لَا يُؤمِنُونَ بِالآَخِرَةِ حِجَابًا مَستُورًا * وجَعَلنَا عَلَى قُلُوبِهِم أَكِنَّةً أَن يَفقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِم وَقرًا وإِذَا ذَكَرتَ رَبَّكَ فِي القُرآَنِ وَحدَهُ وَلَّوا عَلَى أَدبَارِهِمْ نُفُورًا))، ((ومَن أَظلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعرَضَ عَنهَا ونَسِيَ مَا قَدَّمَت يَدَاهُ إِنَّا جَعَلنَا عَلَى قُلُوبِهِم أَكِنَّةً أَن يَفقَهُوهُ وفِي آَذَانِهِم وَقرًا وَإِن تَدعُهُم إِلَى الهُدَى فَلَن يَهتَدُوا إِذًا أَبَدًا)).
إن العلم معرفة، وفهم، وفكر ينتج من مجموع المعرفة والفهم علما جديدا. وفي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- أنه قال، عندما سئل: هل عندكم كتاب؟! قال: "لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم..". وما كان يرجوه ابن تيمية -وأمثاله- في فعله ذلك إحدى أمور:
معرفة الحق والصواب من أمور يعلمها ولم يترجح له شيء فيها. فإنه: ((وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلمٍ عَلِيمٌ)).
فهم نص –آية أو حديث، أو قول لصحابي أو عالم.
إعانته للوصول إلى ما ينقصه من المعرفة كي لا يحكم بجهل، أو يعترض بشبهة. قال الله للملائكة: ((قَالَ إِنِّي أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ)).
تذكيره بما قد نسيه، أو غفل عنه. يقول سبحانه: ((واذكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وقُل عَسَى أَن يَهدِيَنِ رَبِّي لِأَقرَبَ مِن هَذَا رَشَدًا)).
فتح آفاق جديدة له في العقل والإدراك والبصيرة يطل بها إلى مراد الله وقصده.
أن يختار له الأصلح في طرق البحث والاطلاع والمناظرة والاستدلال، كون الأمور تتفاضل. يقول تعالى: ((وعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئًا وهُوَ خَيرٌ لَكُم وعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيئًا وهُوَ شَرٌّ لَكُم واللَّهُ يَعلَمُ وأَنْتُم لَا تَعلَمُونَ)).
إظهار الافتقار لله ودوام اللجوء إليه كي لا يحرم العلم، أو تنتزع منه بكرته. يقول تعالى: ((أَفَرَأَيتَ مَن اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلمٍ وخَتَمَ عَلَى سَمعِهِ وقَلبِهِ وجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فمَن يَهدِيهِ مِن بَعدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)).
وهي أمور مشروعة، لا تغني عن نصوص الوحي، وأحكام الشريعة، وعلوم اللغة والرواية والدراية والفقه والاستنباط، وغيرها مما يلزم العالم التمكن منه. لا أنه ينتظر وحيا إلهيا، أو كشفا ينسخ شيئا من الشرع أو يخصه بخطاب –كما يفعل بعض الصوفية.
هذا سبيل العلم عن الله، ومن الله، وإلى الله: ((كَمَا أَرسَلنَا فِيكُم رَسُولًا مِنكُم يَتلُو عَلَيكُم آَيَاتِنَا ويُزَكِّيكُم ويُعَلِّمُكُم الكِتَابَ والحِكمَةَ ويُعَلِّمُكُم مَا لَمْ تَكُونُوا تَعلَمُونَ)). ولو أخذت الأمة بهذا المعتقد والمنهج وعملت به في دينها ودنياها، كما فعل الرعيل الأول –رضوان الله عليهم، لاستعادت مكانتها بين الأمم. إلا أن هناك خطان غالبان، خط الجاهلة وهو الطاغي، وخط التعالم على الله ورسوله، ممن عرفهم الله بقدرهم فقال: ((ويَسأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي ومَا أُوتِيتُم مِن العِلمِ إِلا قَلِيلًا))؛ وبينهما بقية من أولي العلم الراسخين.

---------------------------------
*{مركز التأصيل للدراسات والبحوث}
------------------------