المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طبقات الحصار: سلسلة التواطؤ من سورية إلى أوروبة


عبدالناصر محمود
07-11-2016, 10:17 AM
طبقات الحصار: سلسلة التواطؤ من سورية إلى أوروبة
ـــــــــــــــــــــــــــ

6 / 10 / 1437 هــ
11 / 7 / 2016 م
ــــــــــــ


http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/translate/04-07-2016B.jpg





طبقات الحصار: سلسلة التواطؤ من سوريا إلى أوروبا[**]

جوناثان ويتول
---------

ترجمة: روان القصاص
---------------

يتعرّض السوريون لطبقات متعددةٍ من الحصار؛ أوّلها: الحصار العسكري من قبل النظام والجماعات المسلحة الأخرى، وهو الحصار الذي شمل مليونًا ونصف مليون شخص داخل البلاد. وثانيها: إغلاق معظم الحدود السورية في وجه أولئك الفارّين من العنف. وآخر تلك الطبقات هو بناء أوروبا للأسوار العالية وتنفيذ سياساتٍ بغيضة تستهدف إبقاء اللاجئين خارجًا. هناك سلسلة من التواطؤ لتقويض قدرة الناس على اللجوء، وهذه السلسلة تمتد من سوريا إلى القارة الأوروبية.

يهدف الحصار كتكتيكٍ عسكري إلى قطع الإمدادات، وإلى منع الناس من الانتقال من أجل إجبارهم على الهزيمة. يمكن رؤية هذا التكتيك أيضًا (تكتيك فرض التحكّم على المساعدات ومراقبة حركة السكان التنقليّة) في سياسات الدول لمراقبة الحدود؛ فبينما تستخدم بعض الدول والجماعات المسلحة نقاط التفتيش العسكرية والقناصة والمدفعية لإبقاء شعوبها محاصرة، فإنَّ دولًا أخرى تغلق حدودها, وتشيّد أسوارًا عاليةً وتطبّق سياسات مُعرقلة لإبقاء اللاجئين خارج حدودها.

وسوريا ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من الحصار؛ فقد فرضت السعودية حصارًا على اليمن, مُقيّدةً بذلك تدفق المساعدات وحركة الناس التنقليّة داخل وخارج البلاد، وأيضًا قام الجيش العراقي بوضع الفلوجة ومدن أخرى تحت الحصار العسكري في حربه على داعش، ويُعد الحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة هو الأطول في التاريخ الحديث, في الوقت الذي، حرفيًّا، يُطوّق فيه الجدار العازل في الضفة الغربية المجتمعات؛ مما يخلق حالةً من الحصار المستمر. وعلى غرار أوروبا، فإنَّ أستراليا تتمادى في صد الناس عن شواطئها. إنَّ تكتيك الحصار هذا يجمع بين الخصوم السياسيين, الذين تفرّقهم المصلحة والأيديولوجيات.

فماذا يعني الحصار بالنسبة إلى من يُعانون من آثاره? أما بالنسبة إلى من هم داخل سوريا, فإنَّ الحصار يعني تطويقهم بواسطة القوات الحكومية بشكل أساسي، ومن ثَمَّ تجويعهم ومنعهم من الحصول على العلاج الطبي أو الطعام، وأيضًا منعهم من الفرار من العنف. وأما بالنسبة إلى سوريا ككل, فإنَّ الحصار يعني إغلاق الحدود، وهذا يعني أن يُطلق عليك الرصاص أو يُعتدى عليك من قِبَل حرس الحدود في أثناء محاولتك العبور إلى بر الأمان، كما يعني ألَّا يكون وضعك قانونيًا في البلدان المجاورة, حيث حركة التنقل محدودة بالنسبة إلى السوريين وغيرهم من اللاجئين. وأما بالنسبة إلى اللاجئين الذين يسعون للوصول إلى أوروبا، فإنَّ الحصار يعني خوضهم التحدّي الخَطِر لدخول "القلعة الأوروبية"، كما يعني إبحارهم في الإجراءات السياسية المُعيقة والمخاطرة بأرواحهم على متن قاربٍ لعبور البحر الأبيض المتوسط.

إنَّ تصريحات المسؤولين عن الحصار تخلق دَخَنًا للتعتيم على سياساتهم غير المبررة؛ فالحكومة السورية، مع حلفائها، تحارب "الإرهابيين"، وهو الشيء نفسه الذي تفعله قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة بالرغم من ادعائهم أنهم ضد "النظام", وكذلك تفعل روسيا بينما تدعي أنها تدعم "دولة ذات سيادة"، أما جيران سوريا من الدول فهي "مزعزعة الاستقرار"، في الوقت الذي تسعى فيه أوروبا لإغلاق حدودها من أجل أغراض "الأمن القومي". ويُشار إلى اللاجئين بوصفهم "عبئًا" - وهي إشارة مُفرّغة من السياق والتاريخ - يتعيَّن تقاسمه.

تتناسى كل هذه التصريحات - متعمدةً - مجموعةً من الحقائق الأساسية؛ أوّلها أنَّ مسؤولية توفير اللجوء لأولئك الفارين من الكارثة تقع على عاتق الدول، وكذلك مسؤولية السماح بوصول الرعاية الطبية الأساسية والمساعدات إلى المحتاجين إليها, وأن يتم التأكد من أنَّ توفُّر تلك المساعدات الإنسانية هو أمر مبني على الاحتياج الحقيقي وليس أمرًا يُساء استخدامه لتعزيز سياسةٍ تقتات على الأزمة.

إنَّ تداعيات الإخفاق في الوفاء بهذه المسؤوليات ملموسةٌ ومدمّرة في الوقت نفسه. فمنظمة أطباء بلا حدود تقوم بدعم أكثر من 150 مرفقًا طبيًّا داخل سوريا, مع التركيز على المناطق المحاصرة. وقد شهدت هذه المرافق، حول دمشق وحدها، 93,162 مُصابًا في الحرب في عام 2015، وسجلت 4,634 قتيل حرب. وفي المناطق المحاصرة, وثّقت منظمة أطباء بلا حدود 49 حالة موت جوعًا. كما قُصف 63 من المرافق الطبية التي تدعمها منظمة أطباء بلا حدود قصفًا جويًّا في عام 2015 فحسب. ويبدو أنَّ مستويات العنف المُوجَّه نحو شعب سوريا، التي لم يسبق لها مثيل، لن تهدأ.

ويواجه السوريون الذين تمكنوا من عبور الحدود إلى الدول المجاورة عقباتٍ قانونية تعوقهم عن الوصول إلى المساعدة؛ ففي لبنان, مثلًا, لم يعد اللاجئون يُسجَّلون لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين(UNHCR) . إنَّ الوضع القانوني المزعزع للاجئين يعني أنَّ كثيرين منهم يخشون التنقُّل لئلَّا يتم إيقافهم عند نقطة تفتيش ومن ثمَّ اعتقالهم وترحيلهم. وهذا يدفع المرضى إلى المشافي التي تحت الأرض, مما ينتج عنه تأخيرات كبيرة في حصولهم على العلاج، وهؤلاء الذين يتمكنون من العلاج هم من المحظوظين. أما اللاجئون الفلسطينيون الذين كانوا يعيشون في سوريا ثم نزحوا إلى لبنان، فهم غالبًا ما يضيعون بين مختلف مفوضيّات الأمم المتحدة؛ سواء وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (UNRWA) أو المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين(UNHCR) .

وفي أوروبا, يتم إرسال الواصلين إلى الجزر اليونانية إلى مراكز الاحتجاز حيث يُحتجزون في ظروف شديدة الاكتظاظ، ويرقى هذا إلى المعاملة الوحشية والمهينة. ويَعْلق كثير من هؤلاء اللاجئين في قوائم انتظار لا يقينية; فبعضهم قد أُعيد أو سيُعاد إلى تركيا بموجب اتفاقية قد وقِّعت مؤخرًا بين الاتحاد الأوروبى وتركيا. وتُعد هذه الاتفاقية اعتداءً على الحق في التماس اللجوء؛ فهي تشجّع على إغلاق الحدود وتلقي بمسؤولية حل أزمة التشرد العالمي على الدول المجاورة لسوريا.

وتقوم أوروبا بتوجيه موارد مالية وأمنية ضخمة إلى هذه البلدان في مقابل وقف تدفق اللاجئين إليها. وتُستغل المساعدات الإنسانية لإبعاد اللاجئين وإبقائهم خارج أوروبا، كما تُفسد بوصفها أداةً لإدارة الأزمة من قِبَل السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. وهذا يؤدي إلى تحويل قضية اللاجئين لورقة مساومة سياسية, وعُرْضة للمصالح السياسية المحلية والأجنبية؛ فالموارد التي يتم توفيرها لا تُوجَّه لمعالجة الاحتياجات؛ وإنما لمنع حركة النازحين، مما يخلق المزيد من الاحتياجات.

وهناك حاجة ماسَّة إلى المعونة الإنسانية للاجئين والأشخاص المتورطين في الصراع. ولكن تُعدّ الخيارات السياسية، المُتنكّرة في زيّ "حلولٍ إنسانية" التي تبثّها الدول حاليًا في ردٍ على الأزمة السورية، خادمةً لأغراض ذاتية ومشتتةً للأنظار بعيدًا عن رفع طبقات الحصار هذه. فلا جدوى من مستشفى ميداني في سوريا بالنسبة إلى شخص في حاجة إلى إمدادات طبية تتم إزالتها بانتظام من قوافل المساعدات، ولا جدوى من مستشفى فعّال في بلد مجاور بالنسبة إلى الذين لا يستطيعون الوصول إليها؛ لأنهم يخشون التحرك من دون أوراق، ولا جدوى من عيادة صحية في اليونان بالنسبة إلى أُناس قد حوصروا في مخيم احتواء ثم أُعيدوا إلى الأماكن التي هربوا منها.

إنَّ المطلوب هو وسيلة فعالة لإنهاء تكتيك الحصار والحرمان من تدفق المساعدات الإنسانية إلى مناطق النزاع؛ بدءًا من طبقات الحصار الداخلية في سوريا وفلسطين والعراق واليمن، وانتهاءً بطبقاته الخارجية في أوروبا وأستراليا. وبالنسبة إلى سوريا, فهذا يعني السماح بحرية تدفق المساعدات داخل البلاد، ويعني فتح حدود البلدان المجاورة أمام الذين يحتاجون إلى حق اللجوء، ويعني السماح بمرور آمن وقانوني إلى أوروبا. وتحقيقًا لهذه الغاية؛ فإنَّ سلسلة التواطؤ تتطلب تحديًا، بدءًا بالحكومة السورية وحلفائها "المُعادين للإمبريالية"، وانتهاءً بالاتحاد الأوروبي الداعم لـ "حقوق الإنسان".
----------------------------

[**] http://www.jadaliyya.com/pages/index/24582/layers-of-siege_the-chain-of-complicity-from-syria.





---------------------------
*{مركز نماء}
------------