المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفهوم علم الثقافة الإسلامية


عبدالناصر محمود
07-16-2016, 09:59 AM
مفهوم علم الثقافة الإسلامية
ــــــــــــــ

(ناصر بن سعيد السيف)
ـــــــــــ

11 / 10 / 1437 هـ
16 / 7 / 2016 م
ـــــــــــ


http://taseel.com/files/25d787254f0281f0d083d632805e1f29-796x427.jpg






إذا كانت دراسة أي علم من العلوم تؤدي إلى ترقية مشاعر الفرد، وتنمي مداركه، وتفتح أحاسيسه وتصقل مواهبه، وتزيد في حركته ونشاطه الفكري، فيؤدي كل ذلك إلى إحداث تفاعل ذاتي داخل النفس التي تتلقى هذا العلم، وتقوم بتلك الدراسة، مما يجعلها تنطلق إلى آفاق جديدة، وتحصل على معارف وحقائق علمية لم تكن قد عرفتها من قبل، إذا كان هذا كله يمكن أن يطبق على أي علم يتلقاه الإنسان فكيف به إذا كان هذا العلم المتلقى وهذه الدراسة التي يقوم بها تتعلق بعلم وثيق الصلة بكيان الفرد وشخصيته الإسلامية، وماضيه المجيد، وتراثه التليد، كعلم الثقافة الإسلامية.[1]
فالثقافة الإسلامية هي التي تحدد نظام الحياة داخل المجتمع المسلم، وتحث على التزامه؛ ففيها تراث الأمة الذي تخشى عليه من الضياع والاندثار، وفكرها الذي تحب له الذيوع والانتشار. وتبرز أهمية دراسة الثقافة الإسلامية كونها أثير النفس المسلمة، إذ بها تتم الصلة بين كل جوانح الإنسان المسلم -عقله وقلبه وفكره، وبها يربط المسلم بين ماضيه الزاهر وحاضره القلق، ومستقبله المنشود.
وفي أقرب أهدافها الكثيرة تزود الثقافة العقول بالحقائق الناصعة عن هذا الدين، وسط ضباب كثيف من أباطيل وشبه الخصوم. وتربي في المسلم ملكة النقد الصحيح التي تقوِّم المبادئ والنظم تقويماً صحيحاً، وتجعل المسلم يميز في نزعات الفكر والسلوك بين الغث والسمين، فيأخذ النافع الخير ويطرح الفاسد الضار.
وعلى هذا إذا كانت سائر العلوم الأخرى يعتبر تحصيلها ضرباً من الاستزادة في المعرفة، فتلك غاية تنحصر في حدود المعرفة العقلية البحتة؛ لكِّن الثقافة الإسلامية تتجاوز ذلك لتنفذ إلى القلب فتفجر في روح المؤمن تلك الطاقة من المشاعر الفياضة التي تشده شداً قوياً إلى عقيدته، وتراث أمته، وتعمق فيه روح الولاء لأمته الرائدة التي أكرمها الله بهذه الرسالة الهادية.
وتتجلى أهمية الثقافة الإسلامية كذلك في:
توضيح الأساسيات التي تقوم عليها الشخصية الإسلامية، حيث أثرت الثقافة الإسلامية في العرب أيما تأثير.
تفاعل المسلم مع مبادئه وقيمه.
بيان مدى الازدهار الحضاري الذي شهدته الأمة الإسلامية، وركائزه ومقوماته؛ وبيان الأدواء التي حلت بالأمة الإسلامية، ونتائجها المرة على مسيرتها الحضارية عبر التاريخ.
دور الثقافة الإسلامية في العصر الحديث، وما تقدمه للإنسان المعاصر من رؤية كلية تعينه في استيعاب الإسلام دينا وحضارة.
وعلى ما تقدم نؤكد القول بأنه إن لم تقم دراسة الثقافة الإسلامية بشكل جاد ودقيق فسيكون ذلك سبباً في اهتزاز صورة الأمة في نظر الآخرين؛ بل سيمتد الأمر إلى أن تتخلى الأمة عمّا يميزها، ويزيل سماتها التي تتميز بها بين الأمم والثقافات الأخرى، فيجعلها تابعة بعد أن كانت قائدة. بل قد سيصل الأمر بالأمة إن لم تهتم بثقافتها وتتعلمها وتعلمها بالشكل الصحيح والدقيق إلى الاضمحلال ثم الزوال -لا سمح الله. وهذه هي الكارثة التي تخشى كل أمة حية أن تحل بها.
إن الثقافة الإسلامية في حقيقتها لا تعني علماً بعينه من العلوم الإسلامية, لكنها تعني علوم الإسلام كلها في عرض واضح وإيجاز بليغ. ولذلك نقول إن الثقافة الإسلامية قد خلَّفت تراثاً ضخماً في مختلف فروع المعرفة. وعلى المسلم أن يكون ملماً بهذه المعارف التي كونتها وخلفتها الحياة الإسلامية على مدى قرون عديدة. وقد دبجت هذه المعارف ضمن سلسلة من الكتب التي تتناول مجالات الدراسات الإنسانية أو العلمية، عرضاً لهذه الثقافة أو إشادة بتأثيرها الحضاري.[2]
وتعرف الثقافة لغةً: تطلق على معانٍ عدة, من أبرزها قول ابن منظور: "الحذق والفهم وسرعة التعلم".[3]
أما الثقافة اصطلاحاً: فأبرز التعريفات الغربية للثقافة، والذي تردد صداه لدى الغربيين ثم لدى العرب كثيراً، هو تعريف "أدوارد تايلر" -عام 1871م، في كتابه (الثقافة البدائية)، الذي يقول فيه عن تعريفها: "ذلك الكل المركب -بعض الترجمات تقول المعقد- الذي يضم المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والتقاليد وكل العادات والقدرات التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع".[4]
وتعرف الثقافة الإسلامية بأنها: العلم بمنهاج الإسلام الشمولي في القيم والنظم والفكر ونقد التراث الإنساني فيها.
فالعلم هو الإدراك المبني على أدلة يرتفع بها عن المعرفة الظنية؛ والمنهاج هو الطريق الواضح. والإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده في الاعتقاد والعمل.
فالثقافة الإسلامية تدرس منهاج الإسلام من حيث هو كل مترابط في القيم والنظم والفكر؛ أي بشموليته. فالقيم هي القواعد التي تقوم عليها الحياة الإنسانية, وتختلف بها عن الحياة الحيوانية, كما تختلف الحضارات بحسب تصورها لها. والنظم هي مجموعة التشريعات التي تحدد للإنسان منهج حياته.
والفكر عمل العقل ونتاجه؛ كما أن التراث الإنساني هو ما تخلفه البشرية من ثقافة وحضارة وعلوم. والمراد بنقد التراث الإنساني فيها: فحصه وتقويمه إيجاباً وسلباً في مجالات القيم والنظم والفكر ومواجهة ما يخالف الإسلام.[5]
----------------------------------------
[1] انظر: من مفاهيم ثقافتنا الإسلامية, علي حسن القرني: ص12.
[2] انظر: المرجع نفسه: ص16.
[3] انظر: مادة (علم) في لسان العرب, ابن منظور.
[4] انظر: المثقف العربي بين العصرانية والإسلامية ومقومات الفاعلية الثقافية للمثقف المسلم, عبدالرحمن الزنيدي: ص14.
[5] الثقافة الإسلامية تخصصاً ومادةً وقسماً عملياً, تأليف مجموعة من المختصين في قسم الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

-------------------------