المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أردوغان من معركة العملاء إلى معركة الأعداء


عبدالناصر محمود
07-22-2016, 08:18 AM
أردوغان من معركة العملاء إلى معركة الأعداء
ـــــــــــــــــــــــ

(أحمد أبو دقة)
ــــــــ

17 / 10 / 1437 هــ
22 / 7 / 2016 م
ـــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/821072016122735.png





لا يوجد شيء يدعو للشك بأن ما تقومه به الحكومة التركية هو استكمالاً لعملية المطرقة عام 2003 التي استهدفت جنرالات ونخب في المجتمع الحكومي كانوا يخططون لإنقلاب عسكري، أو ما عرف بتنظيم "أرغينيكون" حيث بدأت المحاكم التركية بزج زعمائه في السجون منذ العام 2007 بعد تحقيقات استمرت لسنوات..ومن بين الذين طالتهم العقوبات القصوى، رئيس اركان الجيش السابق ايلكير باشبو الذي حكم عليه بالمؤبد، اضافة الى قائد الجيش الاول السابق حسن ايغسيز وقائد الدرك السابق شينير اراويغور.
قال الصحفي التركي ماركار ايسايان في مقابلة مع موقع "يورو نيوز" لم تكن محاكمة تتعلق فقط بمحاولة انقلاب إنها نقطة تحول استهدفت تطبيق القانون على ذوي الامتيازات. انهم جنرالات كبار وأكاديميون ورجال اعمال وصحفيون وسياسيون، انهم اناس معروفون يعتبرون أنفسهم فوق الجميع".
عقب قيام الحكومة التركية بفصل أكثر من 50 ألف موظف برتب عليا ومتوسطة ضمن سلك التعليم و الأمن و القضاء و إلغاء تصريح 24 مؤسسة إعلامية مرتبطة بما يعرف بــ" الكيان الموازي" الذي يقوده فتح الله غولن زعيم جماعة خدمة و الذي طالب مؤخرا من الولايات المتحدة بعدم تسليمه لتركيا.. يمكن الاستنتاج أن ما يدور في تركيا خطة تحول يقوم بها حزب العدالة والتنمية وليس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتجفيف منابع التمرد والقضاء على كل من ينكر الهوية الإسلامية للمجتمع التركي. هذا الأمر أكده مايك روجرز، الرئيس السابق للجنة الشؤون الاستخباراتية التابعة للكونغرس الأمريكي قائلا: "لوقت طويل حاول أردوغان تطهير القيادات العليا بالجيش، حيث فهم أنه السبيل لتحويل البلاد إلى إسلامية أكثر، باعتبار أنه وبالدستور التركي فالجيش تقع عليه مسؤولية الحفاظ على علمانية الدولة." لكن على خلاف ما صرح به روجر لشبكة "سي أن أن" فإن ما يقوم به حزب العدالة والتنمية أعمق من التخلص من القيادات العليا في الجيش التركي، بل إن الأمر يعد عملية تطهير واسعة تستهدف المؤسسات المؤثرة في المجتمع مثل " الإعلام، القضاء، الأمن". إن ما يجري لن يكون له انعكاسات سلبية فقط على المعارضة التركية الليبرالية الحالية بقدر ما سيكون له أثر عميق على السياسة الخارجية لتركيا على المدى البعيد.
لذلك شاهدنا عقب فشل محاولة الإنقلاب تصريحات غربية، توحي وكأن الحكومات الغربية قد خسرت رهانها الأخير في تركيا، وتستعد لجولة جديدة ستكون أعمق من الصراع مع الأتراك.. فقد صرح وزير خارجية فرنسا جان مارك آيرولت قائلا بأن فشل الإنقلاب لا يعطي أردوغان شيكاً على بياض للانتقام!!.
لا يوجد خيارات مختلفة في الوقت الراهن بالنسبة لأوروبا في التعامل مع تركيا الجديدة خصوصاً عقب مواصلة الإتحاد الأوروبي رفض عضوية تركيا و قيام البرلمان الألماني في شهر يونيو باتهام الدولة العثمانية بارتكاب مجازر ضد الأرمن، لذلك وجدنا سيلاً من التهديدات في محاولة للإبقاء على تيار أتاتوركي لطالما استهدف اخضاع تركيا للنفوذ الغربي، فقد صرح وزير خارجية ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير، أن أي تحرك من جانب تركيا لإعادة عقوبة الإعدام بعد الانقلاب العسكري الفاشل ستخرج جهودها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عن مسارها. والغت تركيا عقوبة الإعدام عام 2004 استجابة لضغوط أوروبية ضمن مفاوضات انضمام أنقرة للاتحاد الأوروبي.
وكان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قد صرح لواشنطن بوست، بأن بقاء تركيا ضمن حلف الناتو رهين التزامها بالقيم والمعايير الديموقراطية وحقوق الإنسان، و هذه العبارات تمثل تهديداً صريحاً لأنقرة بشأن طريقة تعاملها مع الإنقلابيين.. للناظر بتمعن في طبيعة الصراع بين حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا والأتاتوركية التي يحميها الجيش فإنه سيجد الإنقلاب الفاشل الأخير والإجراءات التي استهدفت الجيش خصوصاً قيام أجهزة مثل الشرطة والمخابرات بشن حملات اعتقالات ضخمة استهدفت ضباط كبار في الجيش بالإضافة إلى قيام متظاهرين بمهاجمة عناصر الجيش و إهانتهم أمام الكاميرات، هذا الأمر أدخل الجيش و المجتمع التركي في حالة صدمة لن يزول أثرها بسهولة، ولن ترمم ضررها على الجيش تصريحات رئيس الوزراء بن علي يلدريم الذي دعا المتظاهرين للتفريق بين الجيش وبين الكيان الموازي. من جانب آخر تنظر القوى الغربية إلى الأمر من زاوية فقدان الحليف الحقيقي الذي حمى العلمانية المرتبطة بالمصالح الغربية في تركيا والمنطقة، ففي صحيفة ديلي تلغراف ذكر كون كوغلين أنه منذ انضمام تركيا لحلف الناتو في عام 1952، كان ينظر اليها كحليف يحمي الحدود الأوروبية من أي تهديدات روسية أو من العالم العربي. كذلك لطالما وفرت قاعدة انجيرليك في جنوب تركيا فرصة كبيرة للولايات المتحدة لمهاجمة أهدافها في الشرق الأوسط.. أيضاً عزز الجيش العلماني خلال عقود دعم العلاقات التركية الصهيونية وبقت الحكومة الصهيونية تنظر إلى تركيا على أنها حليف استراتيجي في المنطقة حتى بدأت تتدهور العلاقات عام 2010 عقب أحداث السفينة "ما في مرمرة" التي هاجمتها البحرية الصهيونية قبالة شواطئ غزة وقتلت 9 أتراك من ركابها. رغم أن أحد مستشاري رئيس الوزراء التركي أكد أن اتفاقية التطبيع الجديدة بين الكيان الصهيوني وتركيا لن تتأثر بما يجري إلا أن الصحافة الصهيونية تؤكد أن تركيا ما قبل محاولة الإنقلاب تختلف عن ما بعدها.
ستحتفظ تركيا بعلاقاتها الحالية مع أوروبا لوجود ارتباط عميق اقتصادياً بين الطرفين، لكنها اليوم أزاحت حملاً ثقيلاً كان يمثل أداة من أدوات الضغط التي تعمل لصالح الغرب على القرار السياسي التركي، حتى أن بعض المواقع ذكرت أن الجيش التركي تعمد اسقاط الطائرة الحربية الروسية العام الماضي لتوريط الرئيس رجب طيب أردوغان في مواجهات مع الروس تساهم في إفشال إدارته للبلاد، على غرار ذلك صرح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بأن بلاده ستسعى مع روسيا لاتخاذ إجراءات ملموسة على الساحة السورية، ولا يستبعد ذلك في ظل انشغال الحكومة التركية في الأزمة الداخلية، وفي ظل عمق ارتباط تركيا بحالة الإقليمية سواء في تركيا أو العراق أو الملف الإيراني و القضية الفلسطينية، سنجد العديد من التغيرات على المدى البعيد في السياسة التركية الداخلية، و الخارجية لا سيما في التعاطي مع خصومها في المنطقة.. كذلك هناك نقطة مهمة يجب التأكيد عليها وهي أن الطابع الأيدلوجي الذي عززه التحرك الشعبي والحكومي ضد الانقلاب، أكثر ما أقلق الغرب و أثار حفيظته خصوصاً وأن الجميع أجمع أن تركيا تستعيد هويتها الإسلامية و باستطاعة أردوغان الآن إزالة صورة الدكتاتور مصطفى أتاتورك من خلف مكتبه. فمئات الآلاف من المتظاهرين كانوا يتوشحون علم تركيا مع هتافات عالية تضمنت تكبيرات وأدعية لمعاقبة " الخونة"..






-----------------------