المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحرية.. مفهومها, ضوابطها, آثارها (1/ 2)


عبدالناصر محمود
08-02-2016, 02:36 PM
الحرية.. مفهومها, ضوابطها, آثارها (1/ 2)
ـــــــــــــــــــــــ

(ناصر بن سعيد السيف)
ـــــــــــــ

28 / 10 / 1437 هـ
2 / 8 / 2016 مـــ
ـــــــــــــ


http://taseel.com/files/299f4c4fec20350c2758965adc25cf87-796x427.jpg





جعل الإسلام الحرية حقاً من الحقوق الطبيعية للإنسان. فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية. وحين يفقد المرء حريته يموت داخلياً، وإن كان في الظاهر يعيش ويأكل ويشرب، ويعمل ويسعى في الأرض. وقد بلغ من تعظيم الإسلام لشأن الحرية أن جعل السبيل إلى إدراك وجود الله تعالى هو العقل الحر، الذي لا ينتظر الإيمان بوجوده بتأثير قوى خارجية، كالخوارق والمعجزات ونحوها.

تعريف الحرية:
---------

الحرية لغةً: الحُـرُّ بالضم: نقيض العبد, والحُرُّة: نقيض الأَمَةِ؛ والجمع حرائر. والحُـرُّ مِن الناس: أخيارهم وأفضالهم, وحرية العرب: أشرافهم, والحرة: الكريمة من النساء.[1]
الحرية اصطلاحاً: تعددت المذاهب في تعريف الحرية، واختلفت الآراء وتباينت تبايناً شديداً في تحديد مصطلح منضبط للحرية. فقد ورد في إعلان حقوق الإنسان الصادر عام 1789م: "الحرية هي حق الفرد في أن يفعل ما لا يضر بالآخرين".

في الفقه الإسلامي:
-----------

عرف الدريني[2] الحرية بأنها: "المكنة العامة التي قررها الشارع للأفراد على السواء، تمكيناً لهم من التصرف على خيرة من أمرهم، دون الإضرار بالغير". مستنداً على تعريف الفقهاء لمعنى الإباحة التي تقوم في أصل تشريعها على التخيير بين الفعل والترك.
وقد ذهب الفاسي[3] إلى محاولة التفريق بين نظرة الإسلام إلى الحرية ومفهومها عن كل النظريات الأخرى الفلسفية والاشتراكية والمادية الغربية بأن قال: "الحرية جعل قانوني، وليس حقاً طبيعياً، فما كان للإنسان ليصل إلى حريته لولا نزول الوحي، وأن الإنسان لم يخلق حراً، وإنما ليكون حرّاً".
وعرفها الدكتور رحيل محمد غرايبة[4] الحرية بأنها: "أصل مركوز في فطرة الإنسان. وجعلها مناط الابتلاء، كما جعل العقل مناط التكليف. فالله –عز وجل- الذي خلق الإنسان وكونه أراده عاقلاً حراً، ثم أناط به الخلافة في الأرض وإعمارها، وفق منهج تشريعي عبادي متسق مع نواميس الكون وحركة الموجودات".
والملاحظ أن مرجع جميع هذه التعاريف -وغيرها- إلى جامع واحد، وحقيقة مشتركة واحدة، هي القدرة على الفعل والاختيار. دلت عليها ألفاظ متعددة، وبصور مختلفة. ولذا لم يتحصل لدى الانتقال من تعريف لآخر أمراً يضيف على التعريف الأول شيئاً يذكر سوى التبسيط والتوضيح فقط.[5]

مفهوم الحرية عند الغرب والمسلمين:

أولا: عند الغرب:
=========

استخدم مصطلح الحرية في العالم الغربي للدلالة على رفض الأنظمة العبودية والإقطاعية في العصور الوسطى. وترسخ بعد انتصار الثورات التي ألغت الإقطاع وأقامت الأنظمة الجمهورية. واستمر حتى صار يحمل دلالة تعادل صيغة تقرير المصير الفردي والجماعي، وفي درجة الاستقلال الذاتي الذي تشجع عليه وتبيحه (الديمقراطية)، وفي طبيعة العملية الديمقراطية، وفي مجال أوسع للحريات الأخرى الأكثر خصوصية، والتي هي من صلب طبيعة العملية الديمقراطية، أو أنها من المتطلبات الضرورية لوجودها.[6]
فعرّفها الغرب بأنها الانطلاق بلا قيد، والتحرر من كل ضابط، والتخلص من كل رقابة، حتى ولو كانت تلك الرقابة نابعة من ذاته هو، من ضميره. فلتحطم وليحطم معها الضمير إن احتاج الأمر، حتى لا يقف شيء في وجه استمتاعه بالحياة، وحتى لا تفسد عليه نشوة اللذة. ومعنى هذا ترك الإنسان وشأنه يفعل ما يشاء، ويترك ما يشاء، وهكذا بدون قيود ولا ضوابط، ولا رقابة. وعلى المجتمع أن يسّلم بذلك الحق، وعلى الحكومة أن تحافظ على تلك الحرية وتحميها. فلا دين يحكم النفوس، ويكبح جماحها، ولا أخلاق تهذب طباعها وتوقظ مشاعرها، وتثير فيها روح النخوة والغيرة والإباء، ولا مثل ولا فضائل تقاس على أساسها الأعمال خيرها وشرها، ولا حياء يمنع ارتكاب الشطط والمجاهرة بالمنكر.[7]
فالأمريكان يزعمون أنهم أصحاب حقوق الإنسان، وأن الفرنسيين ليسوا سوى مقلدين لهم، وحجتهم أن وثيقة (إعلان الاستقلال) تحمل تاريخ 1776م فهي أسبق من الثورة الفرنسية, وقد جاء في مقدمة الوثيقة التي وضعها ممثلو الولايات المتحدة الأمريكية: "إننا نعد الحقائق التالية من البديهيات: خلق الناس جميعا متساوين، وقد منحهم الخالق حقوقا خاصة لا تنزع منهم: الحياة، الحرية، السعي وراء السعادة".[8]
ويزعم البريطانيون أنهم الأسبق في ميثاق الشرف الأعظم "الماجنا كارتا"، والذي تمت صياغته في 12 حزيران 1215م. وهو نص عام مكون من ثلاث وستين مادة؛ وجهه الملك إلى العامة والخاصة في البلاد. تنص المادة الأولى على أن الحرية ممارسة كل الحقوق والحريات، وحرية الانتخاب لكنيسة إنكلترا، وكذلك منح حقوق عديدة لكل الأشخاص الأحرار المقيمين في المملكة. وهي تقيد حق التصرف الملكي بالأموال العامة. ويعطي الميثاق في المادة (13) كل الحريات والتقاليد الحرة القديمة في البر والبحر، لكل المدن والقرى في البلاد. كما أعطت الوثيقة ضمانات للمحاكمة والإدانة، وحظرت الاعتقال والسجن ونزع الملكية والنفي، أو إعلان شخص حر خارجا عن القانون خارج محاكمة عادلة.[9]
ويرى بعض المفكرين أن العرب سبقوا الغرب في إقرار حقوق الإنسان، وذلك في حلف الفضول. ذلك أن مكة المكرمة أضحت في الفترة التي سبقت الإسلام مركزاً تجارياً هاماً، وازدهرت إثر هزيمة الحبشة برئاسة أبرهة، واحتدام الصراع بين الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية. وأثرى أهل مكة، وتشابكت المصالح، فنشأت معها أحلاف عديدة منها حلف الفضول![10]

ثانيا: عند المسلمين:
===========

خص الله تعالى الإنسان بالعقل والإدراك والتمييز. وأمر بحفظ حقه في حرية التفكير والتعبير مادام ذلك في حدود الشرع ومصلحة الجماعة. لا يقهر على أمر, ولا يقصر على رأي, ولا يمنع من إبداء الرأي والاجتهاد فيه, لأن في هذا قوام "نموه العقلي"، واتساع مداركه، وشحذ تفكيره, ومبادرته الإيجابية في بناء حياته الخاصة وفلسفته ونظرته للحياة, وتحقيق طموحاته المستقلة, ومساهمته الفعالة في بناء حياة الجماعة، وتطوير نظمها وتراثها الفكري والعلمي والحضاري, وتمكينها من بلوغ أهدافها المرجوة لخير جميع أفرادها. ومفهوم الحرية من المنظور الإسلامي يتحقق من خلال الحقوق والواجبات، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة، لأن الحقوق من دون أن تقيد بالواجبات تجعل الفرد غير مرتبط بالآخرين، وقد يعرف حقوقه ولا يعرف حقوق الآخرين عليه، وبذلك يصبح انفرادياً في تعامله قاصراً عن أداء واجباته.[11]
فالحرية في الإسلام لا تعني الفوضى وارتكاب الموبقات والمنكرات باسمها؛ واستباحة محارم الله تعالى والانغماس في الشهوات المحرمة. فالحرية التي تبيح هذه المحظورات هي فوضى، وتصور خاطئ للحرية. وقد صحح الإسلام هذا التصور الخاطئ، وقرر حرية الناس منذ ولادتهم، وأنه لا يجوز استعبادهم، كما لا يجوز تقييد حرياتهم، وكل حق لهم، يقابله واجب عليهم، ليكون هناك توازن في الحياة والتعايش مع الآخرين. لذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسلفها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم هلكوا، وهلك الناس جميعهم، وإن منعوهم نجو، ونجى الناس جميعاً)[12]. وقد عزز رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سنته المطهرة وسيرته العطرة مبدأ الحرية، سواء في التفكير أم في التعبير، أم في إعمال الرأي والاجتهاد في أمور الدين والدنيا؛ حرصاً منه على تكوين الشخصية المستقلة المتماسكة القوية لدى المسلم.[13]

تحديد ضوابط الحرية في الإسلام:
--------------------

الحرية في الإسلام ليست سائبة, ولا مطلقة حتى تهوي بصاحبها إلى قاع الضلال الروحي ودرك الانحطاط الأخلاقي؛ بل هي حرية واعية منضبطة. فإذا خرج بها الإنسان عن أحكام الدين ونطاق العقل وحدود الأخلاق ومصلحة الجماعة تمت مساءلته ومحاسبته، وإيقافه عند حده ورده عن غيه, منعاً لضرر الفرد والجماعة, وفساد الدين والدنيا.[14]
ومن يضع الحدود والقيود على الحريات عليه أن يكون له العلم الكامل بالإنسان وحاجاته وميوله وتركيبته وما يصلحه وما يفسده في الماضي والحاضر والمستقبل؟ وهل هناك أحد يعلم الصنعة إلا صانعها؟! وهل يعلم ما يصلح الإنسان وما يفسده إلا الله؟! يقول الله تعالى: ((أَلا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ))[15]. فما من مسلم يؤمن بوجود الله إلا ويؤمن بأن الله هو أولى وأحق من يشرع المنهج السليم الذي يصلح الإنسان, يقول تعالى: ((ومَا كَانَ لِمُؤمِنٍ ولَا مُؤمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم ومَن يَعصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَـلَالًا مُبِينًا))[16].
ولا يعني بطبيعة الحال إقرار الإسلام للحرية أنه أطلقها من كل قيد وضابط؛ لأن الحرية بهذا الشكل أقرب ما تكون إلى الفوضى التي يثيرها الهوى والشهوة. ومن المعلوم أن الهوى يدمر الإنسان أكثر مما يبنيه، ولذلك منع من اتباعه. والإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه مدني بطبعه، يعيش بين كثير من بني جنسه، فلم يقر لأحد بحرية دون آخر، ولكنه أعطى كل واحد منهم حريته كيفما كان، سواء كان فرداً أو جماعة، ولذلك وضع قيوداً ضرورية، تضمن حرية الجميع.

وتتمثل الضوابط التي وضعها الإسلام في الآتي:
---------

ألا تؤدي حرية الفرد أو الجماعة إلى تهديد سلامة النظام العام وتقويض أركانه.

ألا تفوت حقوقاً أعظم منها، وذلك بالنظر إلى قيمتها في ذاتها ورتبتها ونتائجها.

ألا تؤدي حريته إلى الإضرار بحرية الآخرين.

وبهذه القيود والضوابط ندرك أن الإسلام لم يقر الحرية لفرد على حساب الجماعة،كما لم يثبتها للجماعة على حساب الفرد؛ لكنه وازن بينهما، فأعطى كلاً منهما حقه.[17]
-------------------------------------------
[1] انظر: لسان العرب, ابن منظور: ج4/181.
[2] الدكتور فتحي بن عبدالقادر الدريني تميز في أصول الفقه والفكر, ولد في مدينة الناصرة بفلسطين عام 1923م, وتوفي في الأردن عام 1/6/2013م.
[3] علال بن عبدالواحد الفاسي تميز في الفكر والأدب والسياسة, ولد في مدينة فاس بالمغرب عام 1910م, وتوفي في 13/5/1974م.
[4] محمد حمد محمود الرحيل الغرايبة, رئيس المكتب السياسي وعضو المكتب التنفيذي لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن, تميز في السياسة وحقوق الإنسان, ولد في الأردن عام 1950م.
[5] انظر: ثقافة حقوق الإنسان, عبدالحسين شعبان: ص44.
[6] انظر: روبرت دال, ترجمة نمير عباس مظفر، ص517.
[7] انظر: مفهوم الحرية, علي فقيهي: ص5- 6.
[8] المرجع السابق: ص7.
[9] انظر: مفهوم الحرية, علي فقيهي: ص11.
[10] المرجع السابق: ص12.
[11] انظر: فلسفة التربية الإسلامية في القرآن والسنة, عبدالحميد الزنتالي: ص196.
[12] رواه البخاري, باب: هل يقرع في القسمة والاستهام فيه: ج8/399.
[13] انظر: فلسفة التربية الإسلامية, مرجع سابق: ص198.
[14] المرجع السابق: ص459.
[15] الملك: 14.
[16] الأحزاب: 36.
[17] انظر: مفهوم الحرية, علي فقيهي: ص14.



------------------------------

عبدالناصر محمود
08-02-2016, 02:41 PM
الحرية.. مفهومها, ضوابطها, آثارها (2/ 2)
ــــــــــــــــــــــ


(ناصر بن سعيد السيف)
ـــــــــــــ

28 / 10 / 1437 هـ
2 / 8 / 2016 مـــ
ـــــــــــــ

http://taseel.com/files/1196fb0f01671ab4152b51b230e69a04-796x427.jpg





بعد تعريفنا للحرية لغة واصطلاحا، ورسم مفهومها عند الغرب وعند المسلمين، وذكر بعض ضوابط الحرية في الإسلام، من المناسب توضيح الضوابط بذكر أنواع الحرية, وهي: الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية, الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية.

النوع الأول: الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية:

هذا النوع يشمل الآتي:
------------

الحرية الشخصية: والمقصود بها أن يكون الإنسان قادراً على التصرف في شئون نفسه، وفي كل ما يتعلق بذاته، آمناً من الاعتداء عليه، في نفسه وعرضه وماله، على ألا يكون في تصرفه عدوان على غيره. والحرية الشخصية تتضمن شيئين:

حرمة الذات: وقد عنى الإسلام بتقرير كرامة الإنسان، وعلو منزلته. فأوصى باحترامه وعدم امتهانه واحتقاره، قال تعالى: ((ولَقَد كَرَّمنَا بَنِي آدَمَ وحَمَلنَاهُم فِي البَرِّ والبَحرِ ورَزَقنَاهُم مِن الطَّيِّبَاتِ وفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنَا تَفضِيلاً))[1]. وميزه بالعقل والتفكير تكريماً له وتعظيماً لشأنه، وتفضيلاً له على سائر مخلوقاته.

تأمين الذات: بضمان سلامة الفرد وأمنه في نفسه وعرضه وماله. فلا يجوز التعرض له بقتل أو جرح، أو أي شكل من أشكال الاعتداء، سواء كان على البدن كالضرب والسجن ونحوه، أو على النفس والضمير كالسب أو الشتم والازدراء والانتقاص وسوء الظن ونحوه. ولهذا قرر الإسلام زواجر وعقوبات تكفل حماية الإنسان ووقايته من كل ضرر أو اعتداء يقع عليه، ليتسنى له ممارسة حقه في الحرية الشخصية. وكلما كان الاعتداء قوياً كان الزجر أشد. ففي الاعتداء على النفس بالقتل وجب القصاص، كما قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُم القِصَاصُ فِي القَتلَى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبدُ بِالعَبدِ والأُنثَى بالأُنثَى فمَن عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالـمَعرُوفِ وأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحسَانٍ ذَلِكَ تَخفِيفٌ مِن رَبِّكُم ورَحمَةٌ فمَنِ اعتَدَى بَعدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ))[2].حرية المأوى والمسكن: فمتى قدر الإنسان على اقتناء مسكنه فله حرية ذلك. كما أن العاجز عن ذلك ينبغي على الدولة أن توفر له السكن المناسب، حتى تضمن له أدنى مستوى لمعيشته. وأغنياء المسلمين مطالبون بالقيام على حاجة فقرائهم إذا عجزت أموال الزكاة والفيء عن القيام بحاجة الجميع، من الطعام والشراب واللباس والمأوى الذي يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارة. والدولة هي التي تجمع هذه الأموال وتوزعها على المحتاجين، ولا فرق في هذا بين المسلمين وغيرهم؛ لأن هذا الحق يشترك فيه جميع الناس كاشتراكهم في الماء والنار. فيضمن ذلك لكل فرد من أفراد الدولة بغض النظر عن دينه. فإذا ما ملك الإنسان مأوى ومسكن فلا يجوز لأحد أن يقتحم مأواه أو يدخل منزله إلا بإذنه. حتى لو كان الداخل خليفة، أو حاكماً. ما لم تدع إليه ضرورة قصوى أو مصلحة بالغة. لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدخُلُوا بُيُوتاً غَيرَ بُيُوتِكُم حَتَّى تَستَأنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلَى أَهلِهَا ذَلِكُم خَيرٌ لَكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرُونَ))[6]. وإذا نهى عن دخول البيوت بغير إذن أصحابها فالاستيلاء عليها أو هدمها أو إحراقها من باب أولى؛ إلا إذا كان ذلك لمصلحة الجماعة، بعد ضمان البيت ضماناً عادلاً؛ وهذه المصلحة قد تكون بتوسعة مسجد، أو بناء شارع، أو إقامة مستشفى، أو نحو ذلك.حرية العمل: العمل قوام الحياة، ولذلك فإن الإسلام أقر بحق الإنسان فيه في أي ميدان يشاؤه، ولم يقيده، إلا في نطاق تضاربه مع أهدافه أو تعارضه مع مصلحة الجماعة. ونجد كثيراً من نصوص الكتاب والسنة تتحدث عن العمل وتحث عليه، وتنوه بأعمال متنوعة، كصناعة الحديد ونجارة السفن، وفلاحة الأرض، ونحو ذلك، لأن العمل في ذاته وسيلة للبقاء، والبقاء -من حيث هو- هدف مرحلي للغاية الكبرى، وهي عبادة الله تعالى وابتغاء رضوانه، وبقدر عظم الغاية تكون منزلة الوسيلة، فأعظم الغايات هو رضوان الله، وبالتالي فإن أعظم وسيلة إليها هي العمل والتضحية، وإنما نوه القرآن بالعمل والكسب للتنبيه على عظم فائدته وأهميته للوجود الإنساني، وأنه أكبر نعم الله على الإنسان.هذا النوع يشمل الآتي:حرية الرأي: وهي حرية التفكير والتعبير. حيث أجاز الإسلام للإنسان أن يقلب نظره في صفحات الكون المليئة بالحقائق المتنوعة، والظواهر المختلفة، ويحاول تجربتها بعقله، واستخدامها لمصلحته مع بني جنسه، لأن كل ما في الكون مسخر للإنسان، يستطيع أن يستخدمه عن طريق معرفة طبيعته ومدى قابليته للتفاعل والتأثير، ولا يتأتى ذلك إلا بالنظر وطول التفكير.الحرية السياسية: يقصد بها حق الإنسان في اختيار سلطة الحكم، وانتخابها، ومراقبة أدائها، ومحاسبتها، ونقدها، وعزلها إذا انحرفت عن منهج الله وشرعه، وحولت ظهرها عن جادة الحق والصلاح.الآثار الفكرية:الحرية الغربية والمرجعية الفكرية التي تؤطرها وتوجهها اليوم، بل لا تكاد تلتفت إلى هذا الإنسان، ولا ترى في الإنسان وحقوقه وحرياته سوى مجموعة من الطلبات والرغبات والتطلعات التي تحقق له احتياجاته المادية والجسدية ومحسناته السياسية والقانونية.التركيز على حرية الانسان الفردية التي يتحرر فيها من كل قيود الأخلاق والدين والأعراف المرعية ، والوصول به الى مرحلة العدمية.ظهور الليبرالية الثقافية التي تدعم الحرية الفردية ضد القوانين والعادات والتقاليد التي تقيد الحرية الشخصية. فالليبرالية الثقافية تدعم العديد من المجالات والحريات منها: الآداب والفنون والمقامرة والجنس والبغاء والإجهاض وغيرها.الآثار الاجتماعية:تشويه مكانة المرأة في الإسلام، ونشر المزاعم عن اضطهاد الإسلام للمرأة.انتشار الجمعيات الأهلية المدعومة غربياً، والتي تقوم بمحاربة الهوية الثقافية الإسلامية، وإثارة الشبه والشكوك حول النظم والتشريعات الإسلامية؛ وخاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين المرأة والرجل، وقضايا المرأة المسلمة. وبعضها يطالب جهاراً نهاراً الحكومات والمجالس البرلمانية بإصدار قوانين وفق مواثيق الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان بعيداً عن النظم والتشريعات الإسلامية.تعميق مفهوم الحرية الشخصية في العلاقة الاجتماعية، وفي علاقة الرجل بالمرأة، وهذا بدوره يؤدي الى التساهل مع الميول والرغبات الجنسية، وتمرد الإنسان على النظم والقوانين التي تنظم وتضبط علاقة الرجل بالمرأة. وهذا يؤدي الى انتشار الإباحية والرذائل والتحلل الخلقي وخدش الحياء والكرامة والفطرة الإنسانية.الدعوة لتعليم الطفل الثقافة الجنسية، والحق في الممارسة الجنسية، والدعوة لجعلها مادة دراسية الزامية التي لها حصصها التطبيقية.الآثار السياسية: ظهور الليبرالية السياسية، وهي مذهب سياسي يرى أن من المستحسن أن تزاد الى أبعد حد ممكن استقلالية السلطة التشريعية والسلطة القضائية بالنسبة الى السلطة الإجرائية التنفيذية، وأن يعطى للمواطنين أكبر قدر من الضمانات في مواجهة تعسف الحكم.وتعتبر الليبرالية الاقتصادية وثيقة الصلة بالليبرالية السياسية. ويعتقد الليبراليون أن الحكومة التي تحكم بالحد الأدنى يكون حكمها هو الأفضل. ويرون أن الاقتصاد ينظم نفسه بنفسه إذا ما ترك يعمل بمفرده حرًا. ويرون أن تنظيمات الحكومة ليست ضرورية. وأبرز النظم الاقتصادية الليبرالية نظام الرأسمالية. والذي يحكم قواعد اللعبة الاقتصادية وقيمتها هو سوق العرض والطلب، دون أي تقييد حكومي أو نقابي عمالي؛ فلعامل الحرية في العمل أو الترك كما لصاحب رأس المال الحرية المطلقة في توظيف العدد الذي يريد بالأجرة التي يريد.[9]

آثار مفهوم الحرية وفق الرؤية الإسلامية:
---------------

د- الآثار الاقتصادية: ظهور الليبرالية الاقتصادية. وهي مذهب اقتصادي يرى أن الدولة لا ينبغي لها أن تتولى وظائف صناعية، ولا وظائف تجارية. وأنها لا يحق لها التدخل في العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الأفراد والطبقات أو الأمم. بهذا المعنى يقال غالبا ليبرالية اقتصادية.
هدم العلاقة الإنسانية الطبيعية والفطرية بين الرجل والمرأة، لتحويلها الى علاقة تنافس وصراع وخصام، بعد أن كانت على مر العصور وعند جميع الأمم والشعوب علاقة حب وتعلق وتكامل ووئام.
صدور النداءات والتوصيات للاعتراف بحق الشذوذ الجنسي، وبحق الزواج المثلي، وبشرعية الأسرة الناشئة عنه، وبالحق في إجهاض الأجنة ولو كانت في شهرها التاسع؛ وبدون أي ضرورة، وبالحق في تغيير الجنس من ذكر لأنثى، ومن أنثى لذكر.
إشاعة الجنس وثقافة العنف التي من شأنها تنشئة أجيال تؤمن بالعنف كأسلوب للحياة، وكظاهرة عادية وطبيعية، وما يترتب على ذلك من انتشار للرذيلة والجريمة والعنف في المجتمعات الإسلامية، وقتل أوقات الشباب بتضييعها فيما يعود عليهم بالضرر البالغ في دينهم وأخلاقهم وسلوكهم وحركتهم في الحياة. وتسهم في هذا الجانب شبكات الاتصال الحديثة والقنوات الفضائية وبرامج الإعلانات والدعايات للسلع الغربية. وهي مصحوبة بالثقافة الجنسية الغربية التي تخدش الحياء والمروءة والكرامة الإنسانية.
الدعوة إلى تفويض وضع المرأة في الأسرة بالتمرد على النظام والخروج باسم الحرية.
التأثير في البنية الاجتماعية وتركيب الأسرة والعلاقة إلى تحرير المرأة.
نشر الثقافة والفكر الغربي عبر الوسائل المتعددة والمتنوعة بحجة حرية التعبير عن الرأي وحرية النشر والاعلام، وعبر وسائل الاعلام المختلفة من صحافة وإذاعة وتلفاز.
بناء على مفهوم "الحق الطبيعي" تم إعادة صياغة منظومة قيمية جديدة، كالفردية والاستقلالية والحرية الجنسية وحرية تكوين الاختيار الجنسي (الشذوذ)، وأن المرأة مالكة لجسدها ولها حرية التصرف فيه، والدولة هنا هي ضامن قانوني لحماية هذه الحقوق!!
إطلاق الدعوة لحرية العقيدة أي عقيدة، ولو تجسدت في حركة عبادة الشيطان أو في الشعوذة والخرافة.
ظهور تيار المفكرين والعلماء والسياسيين المنادين بالعلمانية، وفصل الدين عن الحياة، أو قصر الدين على الشعائر التعبدية، وأما شؤون الحياة الأخرى من سياسة واقتصاد واجتماع فلا علاقة للدين بها.

آثار مفهوم الحرية وفق الرؤية الغربية:
-----------

حرية التعلم: طلب العلم والمعرفة حق كفله الإسلام للفرد، ومنحه حرية السعي في تحصيله، ولم يقيد شيئاً منه، مما تعلقت به مصلحة المسلمين ديناً ودنيا؛ بل انتدبهم لتحصيل ذلك كله، وسلوك السبيل الموصل إليه. أما ما كان من العلوم بحيث لا يترتب على تحصيله مصلحة، وإنما تتحقق به مضرة ومفسدة، فهذا منهي عنه، ومحرم على المسلم طلبه، مثل: علم ***** والكهانة، ونحو ذلك.
حرية الاعتقاد: ويقصد بها اختيار الإنسان لدين يريده بيقين، وعقيدة يرتضيها عن قناعة، دون أن يكرهه شخص آخر على ذلك. فإن الإكراه يفسد اختيار الإنسان، ويجعل المكره مسلوب الإرادة، فينتفي بذلك رضاه واقتناعه. وإذا تأملنا قول الله تعالى: ((لا إِكرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ))[7] نجد أن الإسلام رفع الإكراه عن المرء في عقيدته، وأقر أن الفكر والاعتقاد لا بد أن يتسم بالحرية؛ وأنَّ أيَّ إجبار للإنسان أو تخويفه أو تهديده على اعتناق دين أو مذهب أو فكرة باطلة مرفوض، لأنه لا يرسخ عقيدة في القلب، ولا يثبتها في الضمير, لذلك قال تعالى: ((ولَو شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمِنِينَ))[8].

النوع الثاني: الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية:
----------------------

حرية التملك: يقصد بالتملك حيازة الإنسان للشيء وامتلاكه له، وقدرته على التصرف فيه، وانتفاعه به عند انتفاء الموانع الشرعية. وقد أعطى الإسلام للفرد حق التملك، وجعله قاعدة أساسية للاقتصاد الإسلامي.
حرية التنقل: المقصود بها أن يكون الإنسان حراً في السفر والتنقل داخل بلده وخارجه دون عوائق تمنعه. والتنقل بالغدو والرواح حق إنساني طبيعي، تقتضيه ظروف الحياة البشرية من الكسب والعمل وطلب الرزق والعلم ونحوه. ذلك أن الحركة شأن الأحياء كلها، بل تعتبر قوام الحياة وضرورتها. وقد جاء تقرير حرية التنقل بالكتاب والسنة والإجماع, قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُم الأَرضَ ذَلُولاً فَامشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزقِهِ وإِلَيهِ النُّشُورُ))[3]. ولا يمنع الإنسان من التنقل إلا لمصلحة راجحة،كما فعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في طاعون عمواس، حين منع الناس من السفر إلى بلاد الشام الذي كان به هذا الوباء؛ ولم يفعل ذلك إلا تطبيقاً لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه, وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه)[4]. ولأجل تمكين الناس من التمتع بحرية التنقل حرم الإسلام الاعتداء على المسافرين، والتربص لهم في الطرقات، وأنزل عقوبة شديدة على الذين يقطعون الطرق ويروعون الناس بالقتل والنهب والسرقة، قال تعالى: ((إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسعَونَ فِي الأَرضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَو تُقَطَّعَ أَيدِيهِم وأَرجُلُهُم مِن خِلافٍ أَو يُنفَوا مِن الأَرضِ ذَلِكَ لَهُم خِزيٌ فِي الدُّنيَا ولَهُم فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ))[5].
إدراك الانسان هدف حياته، وهو العبودية لله عز وجل، وتوثيق الصلة به سبحانه، والتوكل والاعتماد عليه، والثقة به، مع بذل الأسباب والوسائل المعينة له على عمارة الأرض.
التحرر من رق العبودية لغير الله تعالى، والوحدانية لله تصورًا ومنهجا وعبادةً وسلوكا.
سلامة الإنسان من الصراع والقلق والاكتئاب والحيرة والاضطراب النفسي.
تحقيق السعادة والشعور بالسكينة والإحساس بالاطمئنان والرضا بالقضاء والقدر.
الحصول على الأمن والطمأنينة على النفس والمال والأهل والولد والأمن في الطريق والسفر والتنقل والمسكن.
تحرير النفس البشرية من الأمراض الباطنية وتغليب نوازع الخير على نوازع الشر في النفس والتخلص من شرور الشيطان وضغط النفس الأمارة بالسوء.
ممارسة الحريات المتاحة شرعا، في أسمى صورها، وأرقى تطبيقاتها، في جميع جوانب الحياة التعبدية والاقتصادية والأسرية والثقافية, ومن الأمثلة والشواهد العملية على ذلك:قضاء المصالح المادية بيعاً وشراء ومعاملة بما يوثق صلة الإنسان بغيره من خلال ممارسات مرهونة بالصدق والأمانة والسماحة، وبما يقربه إلى خالقه سبحانه وتعالى.تمتع الفرد بالحرية في المهنة والعمل، وتنوع وسائل طلب الرزق وتعدد أساليب المعيشة، وحرية العلم والتعلم والتعليم.تحقق الحرية في قضايا القتل والحدود بالاختيار بين الدية أو القصاص أو العفو.[10]
التنعم بالحرية في المأكل والمشرب، فالمحرم منها قليل ويسير ومحدد، بما يلحق الضرر والأذية بالفرد أو المجتمع.
ممارسة الأحوال الشخصية والعلاقات الأسرية على أساس المودة والألفة والتراحم والتواد والعشرة بالمعروف، مع إعطاء كل فرد في الأسرة حقوقه الشخصية وحرياته الذاتية، بما يحقق له السعادة والطمأنينة والراحة والسكينة, ومن الأمثلة على ذلك: الحرية في النكاح والطلاق والخلع والرضاع وكافة الحوال الأسرية، فالأصل فيها الاباحة والعمل بالأصلح للطرفين.
تحقيق الصلة بالله تعالى تعبدًا له وقياماً بفرائضه طهارة وصلاة وصياماً وذكراً وتعبداً.
------------------------------
[1] الأحزاب: 70.
[2] البقرة: 178.
[3] الملك: 15.
[4] رواه أبي داود, رقم: (31), وصححه الألباني.
[5] المائدة: 3.
[6] النور: 27.
[7] البقرة: 256.
[8] يونس: 99.
[9] انظر: مفهوم الحرية, علي فقيهي: ص75- 84.
[10] انظر: مفهوم الحرية, علي فقيهي: ص85- 87.

---------------------------------