المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التعزير في الإسلام


Eng.Jordan
08-08-2016, 11:41 AM
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أمّا بعد، جاء التعزير لغةً بمعنى التأديب، حيث يقول صاحب لسان العرب: « وأصل التعزير: التأديب »، ويأتي أيضًا بمعاني أخرى منها: التفخيم والتعظيم، والنصر بالسيف، والمنع. إنّ التعزير هو باب من أبواب العقوبات في الإسلام، فالجرائم والمخالفات التي توجب العقوبة على فاعلها تنقسم إلى عدة أقسام على النحو التّالي: قسم قدر الشارع له حداً معيناً، كحد الزنا والسرقة وشرب الخمر. قسم أوجب فيه الشارع كفارة، ولم يوجب له حدًا، مثل الجماع في نهار رمضان. قسم لا كفارة ولا حد فيه، وهذا القسم يُتْرك لاجتهاد الإمام فيقدّر له العقوبة التعزيريّة المناسبة. فالتعزير كما عرَّفه الفقهاء هو: معاقبة المجرم بعقوبة يَرْجِع تحديد نوعها ومقدارها إلى ولي الأمر، حيث أنّ هذه الجريمة التي ارتكبها ذلك الشخص لم يحدد لها الشارع عقوبة معينة أو كفارة، أو حدد لها عقوبة ولكن لم تكتمل الشروط اللازمة لتنفيذها. والتّعزير مشروع في الإسلام، حيث ثبتت مشروعيته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث منها: « عن معاوية بن حيدة عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلًا في تهمة » [أخرجه أبو داود، وحسنه الألباني]، وورد عنه أيضًا قوله: « لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله » [متفق عليه]، وورد عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أنهم كانوا يعزرون الكثير من المجرمين بشتى أنواع العقوبات التي كانوا يقدرونها باجتهادهم، فقد كان عمر بن الخطاب يعزر بالنفي وحلق الرّأس والضرب وغير ذلك. إنّ للشارع الحكيم الكثير من المقاصد والمصالح من فرض العقوبات الشرعية، فالعقوبات بكل أنواعها فيها تطهير للمسلم قبل أن يلقى ربه، وتعتبر رادعاً لكل من يحاول الاعتداء على النّاس وأخذ حقوقهم، ففيها صيانة للمجتمع من الجرائم والمفاسد. وللتعزير بشكل خاص حكمة عظيمة من مشروعيته فهو بالإضافة إلى ما ورد سابقًا، فإنه يؤكد على مرونة الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان، فالشارع الحكيم لم يُجَمِّد نظام العقوبات بجعله مقتصرًا على الحدود والقصاص فقط، وإنما وسع الباب فيه عن طريق التعزير الذي يُتْرك لاجتهاد ولي الأمر، فهناك الكثير من الجرائم والمخالفات التي لا تستوعبها العقوبات المقدرة، والتي لا يمكن حصرها، وهذه إن تركت من دون عقاب سيحل بالمجتمع الفساد والفوضى، ولهذا كان من حكمة الشارع الحكيم أن شرع العقوبة التعزيرية وترك تقديرها للإمام حتى يتم استيعاب كل أصناف الجرائم والمخالفات، واتّخاذ العقوبات اللازمة المناسبة لها. إنّ العقوبة التعزيرية قد تكون بالقتل أو بالجلد أو بالحبس أو بالنفي أو بالزجر والتوبيخ أو التغريم وغيرها، وهذه كما قلنا يرجع تقدير نوعها ومقدارها لولي الأمر حسب ما يراه مناسباً، ومن الجرائم والمخالفات التي تستحق العقوبة التعزيريّة: الرشوة، وشهادة الزور، والسرقة التي لا قطع فيها، وغيرها.