المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فريد الدين العطار ودوره في ترويج عقائد الصوفية الباطلة


عبدالناصر محمود
08-18-2016, 07:42 AM
فريد الدين العطار ودوره في ترويج عقائد الصوفية الباطلة
ــــــــــــــــــــــــــــــ

(يحيى بركات)
ـــــــ

15 / 11 / 1437 هـ
18 / 8 / 2016 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/files/2afbc9b04a6d845bba048e58387a7521-796x427.jpg




يعتبر القرن السابع الهجري العلامة الفاصلة الفارقة في تاريخ التصوف، ليكون البداية الحقيقية في تحويل مساره كلية، لتتحول آفاته من الغلو في أمور والتفريط في أخرى إلى وجود بدع انحرافية مكفرة تخرج من يقول بها من عقيدة الإسلام كلية؛ وليتم تزوير شخصيات ورموز وتحويلها من ضُلَّالٍ مَلاحِدَةٍ إلى عارفين بالله وأولياء وشيوخ للإسلام!! ففي القرن السابع الهجري ظهرت ونمت أفكار ومفاهيم الزندقة، والخروج على الملة؛ وذلك فيما عرف بعد بـ"التصوف الفلسفي" الذي جمع قمامات فلاسفة غير المسلمين محاولا مزجها بالعقيدة الإسلامية؛ وعوضا من أن يبطلها أفسد بها دين من فتن برموزه.
كان من أهم وسائل المتصوفة في ترويج هذه البدع والضلالات استخدام الوسيلة الإعلامية الأكثر شهرة وتأثيرا في ذلك الوقت، وهي وسيلة الشعر. فكان الشعر الصوفي وسيلة من وسائل تعبير الصوفية عن أحوالهم ومواجيدهم، منذ بدايات التصوف في القرنين الأول والثاني. لكنه انتحى منحى آخر في القرن السابع، فصار ألغازا وغموضا، لتقرير عقائدهم الباطلة من الحلول والاتحاد ووحدة الوجود والحقيقة المحمدية وغيرها.
وكان للفرس التأثير الأكبر في إذكاء نيران الصوفية. فكان للمتصوفة القريبين جدا من التشيع -أو المحكوم عليهم بالتشيع الكامل من قبل العلماء- شعراء أثروا في الفكر الصوفي بشكل كبير. وكان أبرزهم الثالوث الأخطر: سنائي، والرومي، وفريد الدين العطار؛ وهم الشعراء المتصوفة من الفرس الذين يعتبرهم الصوفية "الثلاثة العظام". فهم الذين كتبوا المثنويات في إيران الفارسية، وصدروها لكل صوفية العالم الإسلامي. ومما يؤكد هذا مدى التأثير الفارسي الشيعي على الحركة الصوفية، وتحويل مسارها لطعن عقيدة الإسلام.
وعلى الرغم من شهرة الشاعر عمر بن الفارض الملقب بسلطان العاشقين، كأبرز شعراء الصوفية العرب, إلا أن الثالوث الفارسي الخطر كان أعظم تأثيرا في الفكر الصوفي. إذ كان شعر ابن الفارض يتركز على قضية ما اسماه الصوفية بالعشق الإلهي. وعلى الرغم من وجود كفر صريح في قصائده إلا أنه ركز على جانب واحد، بينما كان شعر الثالوث الفارسي يطرح كل العقائد الفاسدة شعرا ملغزا.
ولد فريد الدين العطار في مدينة نيسابور في إيران؛ وظل ثلاثة عشر عاماً من طفولته ملتزما ضريح "الإمام الرضا"[1]. ثم زار الري والكوفة ومصر ودمشق ومكة ومدينة والهند وتركستان. ثم عاد إلى قريته في فارس، وظل قرابة أربعين عاما يجمع أشعار الصوفية وأقوالهم، ويؤصل لعقائدهم الباطلة، ويروج لخرافاتهم الباطلة التي يزعم أن أصحابها من الأولياء، فجمعها في كتابه الأشهر (تذكرة الأولياء).
أكثر العطار من المنظومات فله نحو أربعين منظومة[2]. وقد اتهم من عدد كبير من علماء عصره بالتشيع؛ وخاصة بعد أن أخرج كتابه أو ديوانه المعنون بـ(مظهر العجائب), والذي خصصه في مدح علي بن أبي طالب -رضي الله عنه. وجاءت أشعاره في هذا الديوان ممتلئة بالميول الشيعية الواضحة؛ فثار عليها العلماء، وأمروا بإحراق نسختها، واتهموا العطار بالإلحاد، وطالبوا بقتله ردة، بعد أن منح في ديوانه الصحابي الكريم علي بن أبي طالب كثيرا من صفات الألوهية.
وقد ساهم العطار بقوة في ترويج العقائد الضالة للصوفية في كتابه (تذكرة الأولياء), فكان منها:
ترويجه لعقيدة الاتحاد والحلول: فذكر عن أبي يزيد البسطامي أنه سئل عن العرش والكرسي فقال: "أنا العرش والكرسي. وقال: أنا إبراهيم, وأنا موسى, وأنا محمد)[3]. ويتفق في هذا تماما مع ما رواه الشيعة -كذبا وزورا- عن علي رضي الله عنه أنه قال: "أنا اللوح، وأنا القلم, وأنا العرش, وأنا الكرسي, وأنا السماوات السبع, وأنا الأسماء الحسنى, والكلمات العليا"[4].
دعوته للاعتقاد في آدم -عليه السلام- بغير ما يعتقده أهل السنة, فيقول: "لم يكن آدم صورة، أنا أعرف حقيقة آدم: أنا آدم ونوح، وأنا البحر، وأنا العقل والحب والجلال، أنا كل الأنبياء والأولياء، أنا كل شيء، أنا ظاهر وباطن، أنا نفخة الله، أنا الشمس الأبدية والبدر، وأنا الأفلاك واللوح والعرش والكرسي وروح القدس والملائكة"[5], ويقول أيضا: "الإنسان: هو صورة الله، ليس ماءً وطيناً، ولكنه سر قدسي"[6].
وهو ما يعتقده الصوفية في آدم -عليه السلام، حيث يقول أحد محدثيهم -وهو الشيخ محمد بهاء الدين البيطار: "آدم في كماله الإنساني ظاهر باطن محمد -صلى الله عليه وسلم، فهو صورة مرتبة الألوهية الدال عليها الاسم الله الجامع لجميع الأسماء الحسنى المنطبعة في حقيقته -صلى الله عليه وسلم- الكمالية"[7].
قوله بالتفريق بين الشريعة والحقيقة، وهي بدعة صوفية منكرة، فيقول: "إن الشريعة مظهر الحقيقة، ولكنها ليست كل الحقيقة, إن الحقيقة كاللب والشريعة كالقشر، ففي الحقيقة أشياء ليست موافقة لظاهر الشريعة، والخاصة يقولون أحياناً في دعائهم ما يعده العامة كفراً، وكل ما قالوه مقبول منهم".
ترويجه للزندقة ودفاعه عن الزنادقة تحت اسم الولاية, فكتب العطار في ترجمة ذي النون المصري إنه: "كان من الملامتية، لأنه أخفى تقواه بظهوره في الناس بالاستخفاف بأمور الشرع، ولذلك عده المصريون زنديقا، ولو أنهم اعترفوا له بالولاية بعد موته"[8].
ترويجه للعقيدة الصوفية الباطلة في الثواب والعقاب في الآخرة, فيقول: "إن الثواب والعقاب في الآخرة: هما في القرب من الحبيب والبعد عنه", وهو عين ما قاله ابن عربي، أن العذاب في جهنم من العذوبة, فقال: "فإذا دخل أهل الجنَّةِ الجنَّةَ وأهل النَّارِ النَّارَ انقضى يوم القيامة، وجاء يوم الخلود، كما قال تعالى: ((ذلك يوم الخلود))، فإذا زال الحجاب بالتجلي على أهل النار، المكنى عنه في الحديث بوضع القدم، والمشار إليه في قوله تعالى: ((فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب)) الآية، فالباطن الذي فيه الرحمة هو التجلي، والعذاب في الظاهر، فعند ذلك ينقلب العذاب عذوبة لهم مع بقائه كما كان على الأبد"[9].
الابتداع في ما سموه بـ"مقام الحيرة ودين الحيرة"، رغم أن الإسلام جاء لإخراج العباد من ظلمات الحيرة والشك إلى نور الإيمان واليقين؛ إلا أن الصوفية ابتدعوا مقاما شوهوا فيه الإسلام وسموه مقام الحيرة. فيقول زنديقهم الأكبر ابن عربي: "الحيرة قبل الوصول، والحيرة في الوصول، والحيرة في الرجوع، كيف لا تحار العقول والأسرار في من لا تقيده البصائر والأبصار", ويقول أحدهم ويدعى بالشيخ أبي يعقوب النهرجوري: "أعرف الناس بالله أشدهم تحيراً فيه"، بل جعل كبيرهم ابن عربي الحيرة هي باب الوصول للهداية هي باب الانفصال عن الله، فقال -في فصوصه الشيطانية: "كل من حار وصل، والذي اهتدى انفصل".
وجاء العطار ليؤكد على هذه الحيرة بكلمات لا تزيد صاحبها ومعتنقها إلا تحيرا. وهذا مضاد لعقيدة الإسلام كلها. فما جاء الإسلام بالحيرة، وما جاء إلا للرشاد والدلالة. يقول العطار: "وادي الحيرة: هو مقام يتنازع السالك أحوال مختلفة، فلا يدري ما يصنع، لا يستطيع أن يهب قلبه لهذا الجلال الذي لا قِبَلَ له به، ولا أن يمسكه عنه، بل يذهل عن نفسه، ولا يستطيع أن يقفو المرشد، ولا أن يسير وحده، يضيق بالناس وبنفسه، ولا يسعه شيء، لا هو مسلم، ولا هو كافر، فإن دين الحيرة لا حدود له، ليس له مبدأ ولا منتهى، ولا يعرف الحب ولا البغض، وليس له روح ولا جسم، ولا هو خير ولا شرير، ولا تقي ولا فاسق، ولا معتقد ولا شاك، ولا عظيم ولا حقير، لا هو شيء ولا هو لا شيء، ولا جزء ولا كل"[10]. فأي تخبط وضلال بعد هذا الضلال المبين؟!
ابتداع الصوفية وغلوهم في الأشخاص وخاصة شيوخهم. فابتكر الصوفية وصف المرشد الكامل, وهو الشيخ للمريد. فغالوا فيه مغالاة ليست من الإسلام. فيقولون في ضرورة وجوده أقوالا، مثل قول علاء الدولة السمناني: "لا بد في كل حين من مرشد يرشد الخلق إلى الحق, ولا بد للمرشد من التأييد الإلهي، ليمكن له تسخير المسترشدين، وإفادة المستفيدين، وتعليم المتعلمين, وهو العالم.. الولي.. الشيخ". وبالغ العطار مبالغة شديدة في شأن المرشد، فقال: "المرشد: هو قطب يدور العالم حوله"[11]. فهل هناك في الإسلام شخص يدور العالم كله حوله؟ وهل هناك من هو مؤيد تأييدا إلهيا بعد الرسل؟!
بمثل هذه الأفكار والعقائد التي طرحها فريد الدين العطار في منظوماته الشعرية، التي سرت مثل النار في الهشيم في الصوفية، تمكنوا من الولوج إلى قلوب العوام، بتزيينهم الباطل وإلباسه ثوب الحق. فهؤلاء هم الصوفية وهذه هي حقيقة عقيدتهم.
------------------------------------
[1] أبو الحسن علي بن موسى الرضا، ثامن الأئمة "الاثنا عشر" للشيعة. يلقب بغريب الغرباء لكونه الوحيد من أئمتهم الذي دفن في بلاد فارس.
[2] التصوف وفريد الدين العطار، د. عبدالوهاب عزام: ص42.
[3] انظر تذكرة الأولياء، لفريد الدين العطار، طبعة باكستان: ص99.
[4] مشارق أنوار اليقين، لحافظ رجب البرسي، دار الأندلس، بيروت، ط11: ص159.
[5] التصوف وفريد الدين العطار، د. عبدالوهاب عزام: ص86.
[6] موسوعة الكسنزان، مادة "أ ا د م".
[7] النفحات الأقدسية في شرح الصلوات الأحمدية الإدريسية، لمحمد بهاء الدين البيطار: ص289.
[8] تذكرة الأولياء، لفريد الدين العطار: ص69، أيضا: التصوف الإسلامي وتاريخه، لنيكلسون: ص9.
[9] الفص الإسماعيلي، شرح الشيخ عبدالغني النابلسي، دار الكتب العلمية: ج1/333.
[10] موسوعة الكسنزان، فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان، لمحمد بن الشيخ عبدالكريم الكسنزان الحسيني: ج6/174.
[11] موسوعة الكسنزان، مصدر سابق: ج9/90.

-----------------------------